الحوار المتمدن - موبايل



سجين اللوحة

علاء الدين احمد ابراهيم

2018 / 5 / 11
الادب والفن


غيِّرتُ مجرى الحديث بألاشارة من على النافذة صوب الحشد الذي التف حول بائع اللوحات الزيتية، اخذها صديقي بعد ان اتفقنا مع البائع على السعر. عدنا للمطعم مجددا، كانت اللوحة لشاب بمقتل عمره، يرتدي ملابس بالية و يرفع يديه النحيلتين الى سماء، تقف خلفه شجرة حراز طويلة بعثت روحها الى الخلود بعدما فشلت بتوصيل رسالتها في الارض، خلف الشجرة قرية صغيرة ترقد بأحضان جبل ضخم من الجماجم البشرية. اللوحة رُسمت بذوق فني منقطع النظير في الروعة و الابداع اقل ما يمكن ان يُوصف بها انها تجسيدا للجمال في أبهى صورة. فهو لم يكن اكثر من مجرد انسان بسيط، بدين الجسد الى حد ما، نحيل اليدين، قبل سَجنه باللوحة كان يبحث عن الحكمة بالمقاهي، صالات الرقص، المعابد، بيوت الداعرات، صفحات الكتب، عيني من يحب، البارات، يبحث عنها بكل الامكنة التي تخطر او لا تخطر بالبال. ذات مرة وهو كان جالسا على الارض يمارس فن التأمل و الخلو مع الذات. اقبل اليه رجلان من القرية، ثلاث ثم اربع ثم توالى الحضور الى ان تركوا جبل الجماجم يخلو بالقرية الخاوية في ذاك المساء. بدأ يسألهم عن اشياء تبدو بديهية الى حد ما، ماذا تعرفون عن الخير؟؟؟ - الشر؟؟؟ - الحب؟؟؟ - العدالة؟؟؟ - القدر؟؟؟ - الحظ؟؟؟. هذا يصفه بالساحر، ذاك بالجني، ذاك بالانسان الذي تسكنه ارواح شريرة، كانو يتهامسون بتلك الاقوال اثناء عودتهم للقرية بعد منتصف الليل. كان يدندن بموسيقاه بالسوق و الاماكن العامة فيغدق عليه مستمعيهِ بالمال، كل كلامه كان يتنافى مع معتقدهم بالثعبان نيكولاس اله البذور و المطر. فلسفة الحياة عنده بأنها اقرب ما تكون الى مسرح كبير يتقاسمها اكثر من ممثل بأداء دور مسرحي محدد يُوكل اليه «رسالة الحياة» و قد يشترك اكثر من ممثل/مهرّج بتمثيل الدور ذاته، و هكذا قد تتطابق ادق تفاصيل الحياة اليومية لأشخاص مختلفين بأمكنة و ازمنة مختلفة، لكني لا اعرف ما اذا كان الممثل الذي لا يتقن دوره سيكون ذلك خصما على نجوميته، اي لا استطيع الجزم بانه سيعاقب او لا يعاقب على ذلك، لأن منطقيا هناك فرضيتين لتلك المعضلة و لا تمثل اي منهما حلا مقبولا. فاذا كانت الاجابة بـ«نعم» اي سيُعاقب؛ ستجد من يقول ان ذلك من غير العدل و هذا الجواب قد يُغرق بجب من المغالطات و التناقضات اللانهائية. اما اذا كانت الاجابة بـ«لا» اي لا يُعاقب فذلك يعني انه لا يوجد ما يضمن عدم التخاذُل بتمثيل الدور او الحبكة الدرامية بأسلوب يرضي الذوق العام.
في بادئ كان الجميع يقف مشدوها مستنكرا كل ما يقوله من اقوال هدت فيما بعد كل معتقداتهم بآلهتم الاخرى على اختلاف اشكالها. احد الاساطير التي استقرت بالأذهان حتى بعد موته «مات منتحرا» هي قدرته على تحويل كل من لم له تطب له نفسه الى قبعة كتلك التي تنتعلها فروة رأسهُ و ما تلك القبعة الا مسخ لأبن احد الآلهة عندما اغضبه يوما ما. كلما وقع احد من القرية بمحنة او المّ به مكروه كان يأتي لصديقه المقرب محملا بالهدايا و المال مترجيا اياه التوسط بينه و بين الاله الجديد«الغريب».
عندما تسرّب الينا الملل استوقفتنا النادلة قبل مغادرة المطعم، كانت تحمل قائمة الاطباق المتاحة بالمطعم، احسست برغبة جامحة بالتعبير عن غضبي من تأخيرها المبالغ بطريقتي التي يغلُب عليها الشتم بمثل تلك المواقف الا ان ابتسامتها المتسللة من بين شفتيها تدخلت بالوقت المناسب. جلسنا مجددا بالطاولة، غادرت النادلة المكان و لم تترك ما يدل على وجودها سوى تعليقات صديقي و ابداء اعجابه بجمال عينيها التى لا تضاهيها جمالا سوى الريشة التي سجنت ذلك الغريب بتلك باللوحة.







اخر الافلام

.. قصائد مؤمن سمير في بيت الشعر بالأقصر2018 الجزء الأول


.. -حرروا الكلمة- شعار الدورة الثالثة لمهرجان كرامة-بيروت لأفلا


.. منتدى أصيلة في المغرب يبحث الأسباب الاجتماعية والثقافية للتط




.. تعرف على رأى النجم محمود حميدة فى مسرحية سلم نفسك


.. هذا الصباح-فنان مصري يرسم لوحات صغيرة ومبهرة على العلكة