الحوار المتمدن - موبايل



قراءة في المشهد العراقي ما بعد الأنتخابات... ح2

عباس علي العلي

2018 / 5 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


إن غياب المحاسبة القانونية الصارمة والتخبط والحيرة في مواجهة تمدد داعش وتحكمات الهزيمة المرة عسكريا ونفسيا، فرضت مع ما تقدم من أسباب على تشكيل حكومة تحاول إرضاء الجميع والخضوع للجميع وتحقيق أهداف الجميع تحت مبررات شروط المعركة مع داعش، من هنا أستغلت العناصر الكارثية التي سلمت العراق ومقدراته لأطراف الصراع الإقليمي والدولي هذا الخلل وتبوأت مرة ثانية جانب مهم من القرار العراقي، بل فرضت وجودها على الشعب العراقي الذي بدأ يشعر بعمق جراحاته الوطنية وألامه المريرة وتضحياته الجسام التي ذهبت هدرا تحت أقدام الساسة الفاشيين الأنتهازيين الذي لم يجعلهم الوضع المأساوي في حراجة ولا الشعور بالذنب، في هذه النقطة ومنها تولدت عوامل السخط وبدأت مراسيم الطلاق شعبيا مع خطابات الطائفية والكراهية والتطرف، وبدأ الشارع العراقي يتحرك نحو البحث عن واجهة سياسية بديلة تملك حلا ورؤية مغايرة لمعالجة الواقع وترميم الوحدة الوطنية مع توجس حقيقي من القادم الأتي.
مع معالجات ناقصة وغير جدية ووعود وتشريعات هزيلة لا تمس حياة المواطن العراقي وعدم قدرة على أتخاذ قرار حازم، وتكالب البرلمانين على ميزانية البلد سقط سلاح النفط كمصدر أساسب لثروة البلد، وكادت الحكومة أن تعلن عن إفلاسها وخلو الخزينة تمما من موارد النفط، مما يساهم بتوفير السيولة النقدية لمواجهة طوارئ التصدي لتكاليف مواجهة داعش، هنا خرج الصوت العراقي المدوي يوم 31-7-2015 ليعلن بداية نهاية حكم الإسلام السياسي وضرورة تنحيته عن المشهد السياسي وقيادة المرحلة، وبدا الكيان السياسي العراقي الرسمي الفاسد أنه في مواجهة حقيقية مع مصير محتوم ومربك، ولا بد من معالجة سريعة وإلا فالنهاية قادمة سريعا وهم يرون أن الصرخة العراقية توجهت حقيقيا لمكمن الفشل الأساس، هنا لعب الخبث والدهاء الديني المدعوم بأخلاقيات ومنطق تحايلي في إعادة تدوير النظرية السياسية من خلال شقين، الأول أختراق الشارع العراقي المنتفض بعناصر من نفس المنظومة الدينية الفاسدة لسحب البساط من تحت أقدام المتظاهرين المدنيين، وثانيا أجراء تبديلات وتغيرات شكلية في الوجوه تحت عنوان التكنوقراط الهدف منها أمتصاص قوة الزخم الرافض.
لم يقتنع الشعب العراقي بما قدمته الطبقة السياسية برغم كل التدابير والألتفاف حول مطالبها وحقوقها المشروعة، وبدأ اللعب على المكشوف تحت داعي مواجهة داعش وأنخفاض أسعار النفط العالمية، وشنت الحكومة سلسلة من التدابير العقابية ضد الشعب متذرعة بما تقدم دون أن تتجرأ بتصحيح خطأ بنيوي في كيفية إدارة البلد، من فوضى الرواتب والأمتيازات الخرافية للسلطة وجيوشها من الأتباع والتي كان بإمكان إدارة رشيدة واعية وطنية ومسؤولة أن تناور ماليا وأقتصاديا في المعالجة المثلى للواقع وصولا إلى المس بظروف المواطن المعيشية وتحميله وزر الخطيئة، وسمعنا حديثا مطولا عن محاربة الفساد والمفسدين دون أثر فعلي على الواقع إلا من طرقات خفيفة هنا وهناك ليس لها تداعيات واضحة على المشهد، وخلت من جدية المكافحة والتصدي وسخرت أعلاميا للترويج للتغيير القادم، كل ذلك زاد من قناعة الشارع العراقي أن النظام السياسي برمته عقيم ولا ينتج حلا وليس وراءه أمل حقيقي مع طوابير كبيرة من التضحيات التي تم التفريط بها دون حساب أو موازنة حقيقية بين النتائج وبين التكلفة.
وأخيرا جاء الأستحقاق الوطني وتم هزيمة داعش على أيدي العراقيين جميعا من حمل السلاح ومن ساهم بالدعم والمؤازرة ومن صبر على التهجير وتحمل ظروف قاهرة دامية، لم تكن فرحة النصر مكتملة حين حاول البعض أنتزاع التضحيات الغالية جدا والمكلفة مجتمعيا لينسبها ويوظفها في مشروعه الخاص، وكأن العراقيون كانوا على دكة الأحتياط يتفرجون وأن من صنع النصر بدمه ليسوا إلا قلة قدمت من خلف الحدود كأنها المنقذ الموعود، مع سكوت المؤسسة السياسية والدينية وترددها في أعلان موقف حاسم وجازم أنتصارا للشعب طرح المشروع الفئوي مرة أخرى، وبعنوان جديد ليلوث به تضحيات وبطولات الشعب العراقي، وتم التغرير بقطاعات واسعة من الشعب العراقي بهذه الشبهة والإيهام المتعمد، ليقول المتفاخرون به أنهم أصحاب النصر والفتح ومن لهم حق العمل والقرارا بخلفياتهم الأيديلوجية والعقائدية، متحدين بذلك الواقع والحقيقة والشعب وقفزا على كل الثوابت الوطنية الجامعة.
كل هذه المقدمة أسست لما يعرف اليوم خاصة بعد أنتخابات السبت العظيم 21-5-2018 بثورة المقاطعة الوطنية الرافضة ليس فقط بنية وهيكلية وأفكار المنظومة السياسية لما بعد 2005، ولكن أيضا تحديا لكل التحريف والتزوير الذي مورس ضد الإرادة العراقية الحرة وجرها مرة أخرى للتبعية والذيلية لمحاور صراع لا ناقة له فيها ولا جمل، وليعلن الشارع العراقي ومن خلفه واقع مر ومؤلم أن الطريق نحو بناء دولة مدنية مؤسساتية لا يتم من خلال المنظومة الحالية بتشريعاتها وقوتها وميليشياتها التي لا تفهم إلا قوة السلاح، وأن المدنية الحقة وروح التعايش الوطنية تستوجب أعادة شاملة وكلية بكل المنظومة الدستورية والسياسية، وبنائها وفق رؤية ورغبة عراقية جامعة عنوانها العراق أولا وأخيرا أساسها حق وواجب المواطنة.
صحيح أن العملية الأنتخابية مع علاتها ومرضها المزمن قد أنتجت صورة ولو جزئية معبرة عن رغبة عارمة في التغيير وهذا مؤكد وحقيقي، ولكن أساس رفض المقاطعون وتبريرهم كان على درجة عالية من الحقانية والوضوح من أن التغيير لا يتم عبر أليات منحرفة ومنهج فاسد وتحت رعاية منظومة غير قادرة على التغيير والتجديد والإصلاح الذاتي، بل تحتاج إلى أجواء صحية وحاضنة شعبية واسعة لتعبير عن إرادتها وصوتها الحر الوطني، وهذا ما لا يمكن أن يكون مع واقع منحرف وفاسد وموبوء بكل أسباب الفساد والفشل والخيبة، وحتى الأمل بإحداث تغيير جوهري في الواقع العراقي يبقى مرتبطا بجملة من العوامل والمقتضيات العملية التي ستفرزها المرحلة اللاحقة، ومنها أن التغيير يبدأ أولا مما يعرف بإصلاح البنية التحتية الدستورية والقانونية، وإلا فسيقى العراق يدور في دوامة الفساد والفشل والتخريب.







اخر الافلام

.. تطور خدمات جديدة تسمح بتقاسم السيارات بين الأفراد


.. ما هي أهمية إرفاق رسالة تعريفية مع سيرتك الذاتية؟


.. وزارة الداخلية السعودية تطور نظاما لمحاربة الجريمة




.. هاري وميغان ينتظران طفلا في الربيع


.. ضابط السي اي ايه يكشف عن كبش الفداء في اختفاء خاشقجي!