الحوار المتمدن - موبايل



تالسينت ماضيها رماد وحاضرها خراب ومستقبلها أسود

عبد القادر أعمر

2018 / 5 / 16
مواضيع وابحاث سياسية


في الحطام تتسكع ذاكرتي .
اسمها تالسينت وجدت في نهاية الجبال هناك في مكان لا تغيب عنه شمس البؤس والفقر...
لا تعرف وجهتها الأحلام فقط راكدة في مقاهي تسود مداخلها بسجائر ملونة بدياجر الوهم ، لا تحبها العصافير فهي عاشقة للغراب حضنها يرفرف على الدوام لشخص مبثور القدمين ، يطلق عليها بلدة الغبار ، أناس يذهبون للغيب ويأتون بلا جدوى ،أرصفة تشرب قاطنيها ،أطفال يرضعون دماءهم ويرضعون أمهاتهم ما اقترفوه من البؤس ، هناك وجوه إسودت بالبطالة والتهميش ، حناجرهم المدقعة بالآسى ارتكنت لصمت والاختباء ،في بلدتنا قاعدة طبل القبيلة ، فسلاحهم يخدم القبيلة ، وجيوشهم إن حاربوا قد قدموا مجدا للقبيلة وعقولهم إن فكروا مهدوا الطريق لفكر القبيلة ،وحلت عليهم لعنتان : لعنة التهميش ولعنة إفتراس ومحاربة الأخ المهمش ، وحتى مثقفي بلدتي يطبلون لفكر القبيلة ، هنا وقع الشرخ والتناقض ومهدوا الطريق للجاهل وتحكم في زمام اللعبة ،
هناك قصة معبرة كتبها الشاعر المصري "عماد أبو صالح " ربما تكون ضربا من الخيال ، لكنه خيال له أصل في الواقع ويستطيع أن يضع الشعوب التي اعتادت العيش داخل سجن في قالب إبداعي يأمرهم بنزع القيود ومحاولة التمرد على تردي الواقع والتخلي عن أعراف القبيلة التي لن تقدم سوى التهميش والاستغلال .
كان هنالك في بلد ما سجن كبير وسجين مظلوم لا يحلم إلا بالحرية. ظل يحلم ويحلم لسنوات طويلة حتى فقد الأمل. لكن حدث شيء غريب ذات صباح. وجد أبواب السجن مفتوحة والسجانين قد اختفوا
هرول السجين كالمجنون واخترق باب السجن الكبير وأصبح خارج الأسوار جاهزا لرؤية النور واستنشاق الهواء بحرية والذهاب إلى أيّ مكان يريده. لكنه توقف فجأة وفكر ملياً واكتشف أن جو الحرية لم يعد مناسبا له وأنه يحن إلى السجن .
وعندما عاد ، وجد شيئا عجيبا وهو أن زملاءه القدامى في الزنزانة لم يحاولوا مغادرة السجن أصلاً. وعندما اكتشف السجانون أن خطتهم نجحت تماما قرروا أن يتركوا أبواب السجن مفتوحة واثقين أن لا أحد سيفكر في الهروب بعد اليوم .
بلدتي لن تجد في بيوتها ذهب غير الكرم ،أناس رأس مالهم ذهب من الكرم و وجبتهم المعتادة ، شاي ورغيف خبز والقليل من زيت الزيتون ولا شيء غير ذلك ،في أحياء تالسينت الكل عاطل ،مهنتهم اليومية :السهر على أنغام المخدر وفي الصباح النوم ،لا مشاريع تواسي أحلامهم ومصانع ترفع عنهم لعنة المخدر فقط يعزز ويروج الكسل والانحراف ،في بلدتي الأمهات تتشابه ملامحهم حيت أصبح الرضيع في حيرة تمييز الأم عن الغريب ،الفقر والعمل اليومي الشاق سرق منهم بريق جمالهم ، منازل طين تاريخها يرجعك إلى أثينا والحضارة المعمارية الأولى للبشرية ، وعندما تزين بالبياض الذي يبشرك بكرم الطبيعة على قوم عاش في الحرمان والإقصاء أشواطا عبر السنين ، لكن هذا الكرم يتحول الى الأسى واللعنة التي تصيب الدواويير التي تصفو على اعالي الجبال وتهتك عظام سكانه ألما وبردا وتصور معاناتهم بعدسة الذل والعار في اطار رفع العزلة والقافلة الطبية كما عودنا التاريخ بمسلسله ومكياجه القبيح.
في أحد أحياء بلدتي المسمى بالكرابة قاطنيه يتجرعون ألم الخيبة والحسرة في زمرة لإسحاق اليومي ،جل سكانه من القرى القريبة (بو مريم -الدهرة -تبويشنت ) لا يعلمون كيف تخرج الحروف وكيف تنطق الكلمات ، جعلهم موسم قلة تساقط الأمطار يهجرون إلى البلدة من أجل ملئ بطنهم بالقليل من الخبز ، هنا في الكرابة لا ماء صالح لشرب ولا كهرباء ينير الشوارع فقط الظلام الدامس وحينما تتساقط الأمطار تحل الكارثة .
تالسينت كباقي مناطق الجنوب الشرقي ، تتجرع التمهيش والإقصاء المباشر ، أطلق المستعمر الفرنسي على الجنوب الشرقي اسم المغرب الغير النافع ولا يزال النظام المغربي يسير على نفس النهج ، وعند بزوغ أصوات حرة تطالب برفع الحيف والتهميش ، النظام بتجليه الديمقراطي والشعبي المزيف ، يستخدم القمع والاعتقال والتصفية عبر وسائله المعهودة والمسخرة ، هو وضع سياسي واجتماعي غير عادل ، أقلية غنية من السكان ضد أغلبية تعيش تحت عتبة الفقر ،لكن نمني النفس بشروق شمس العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة.
ونجد مغرب نافع تسير عجلته بطريقة اعتباطية من خلال إدراج مجموعة من المشاريع الاقتصادية .
تحيل مقولة «المغرب النافع والمغرب غير النافع»على حمولة تاريخية-سياسية بأبعاد اقتصادية تنعكس على النسيج الاجتماعي وعلى البنية الذهنية لأفراد المجتمع ، ويعد المفهوم من أشهر مفاهيم المعجم السياسي ،الاقتصادي ، التاريخي والسوسيولوجي عند المغاربة. فإذا كان المغرب النافع يقابله السهول والهضاب ، النخبة ،تكدس الرأسمال المالي ... فان المغرب غير النافع فهو، المغرب العميق ، الهامش ، المحيط بالفقر والجهل .
فالاستعمار قسم المغرب إلى مغربين، مغرب نافع ومغرب غير نافع. مغرب نافع احتلته قوى استعمارية وبدأت تستفيد من ثرواته المادية والبشرية ، ومغرب غير نافع متمثل في كل ما هو وراء سلسلة جبال الأطلس الكبير، وخاصة منطقة الجنوب الشرقي ،الذي جعلت منها معقل الثكانات العسكرية ، ففرنسا لم تمنح الاهتمام لهذه المناطق كالذي منحته لمناطق أخرى تضمن منها المواد الأولية والثروات الطبيعية ، فلا جدل في أن الاستعمار الفرنسي خرج بجهد كل مقاومي المغرب من شماله إلى جنوبه ، ومن شرقه إلى غربه ، لكن الذي بقي في أذهان ساسة التسيير الشأن هو ذلك التقسيم الشيطاني للمغرب بين مغرب نافع وآخر غير نافع مما أدى إلى تعميق التفاوت الجهوي الموروث عن الاستعمار والتي كانت لها آثار سلبية على النسيج الاجتماعي في مختلف المجالات ، فضلا عن تعميق الفجوة بين "جهات غنية " بمناطق مركزية تستحوذ عن الثروة وتتحكم في سلطة القرار وتوزيع الكفاءات و" جهات فقيرة " تتمثل في المناطق الهامشية التي ضعفت وازدادت فقرا بفعل التحولات الهيكلية التي يعرفها منطق توزيع الاستثمارات وتوزيع السلطة
لذلك لا غرو أن نجد المغرب النافع يتمثل في الدار البيضاء، فاس، مكناس، القنيطرة.... مناطق وجهات غنية فلاحيا وذات امكانيات اقتصادية مهمة ، وهي جهات استفادت من أكبر حصة من الاستثمارات العمومية خلال فترة «الإستعمار المبرم على الطاولة »، أما المغرب غير النافع فهو باقي الجهات الجبلية والتي لم تعرف أي نشاط يذكر سوى استغلال للموارد واستنزافها سواء كانت مادية-طبيعية أو بشرية .
وهذه الفوارق والتصنيفات تحيل إلى أن هناك جهات معنية تستغل هذا الوضع وتحاول خدمة رأسمالها الخاص ، في المغرب الغير النافع لا وجود لمستشفيات متعددة الاختصاصات ولا وجود لطرق معبدة ولا مدارس ،كل شيء تفتقده هذه المناطق مما يؤكد على أن هذا التهميش جاء عن قصد ومحكم بعدة تساؤلات .







اخر الافلام

.. عموري يتعرض لإصابة خطيرة على مستوى الركبة


.. مرآة الصحافة الثانية 21/10/2018


.. قضية خاشقجي.. هل يقبل الغرب رواية الرياض؟




.. إنتخابات البرازيل.. واتسآب يتحول لمنصة أخبار وهمية!


.. الارتباط بإمرأة جميلة يقصر العمر هكذا اكدت دراسه حديثة...