الحوار المتمدن - موبايل



رواية -ثلاثة اصوات من البصرة /الصوت الثالث -ألأب

ذياب فهد الطائي

2018 / 5 / 16
الادب والفن


ثلاثة اصوات من البصرة
رواية

ذياب الطائي


الصوت الثالث/ ألأب




تركتنا وحدنا بعد ان قدمت شايا وقطعتين من (كيك ) قالت انها اعدته بنفسها لأنها خبيرة بصناعة الحلويات، كان صوتها ناعما ذو جرس يمتلك رنينا بالغ العذوبة ولكنه يمتزج بغموض غريب ربما لأنها تحرص على أن تتحكم بمخارج الكلمات بطريقة متزنه لتبدو سيدة قوية الشخصية وامرأة مترفة لا حدود لخيالها .

: اذا احتجت لأي شيء يمكن ان تبعث فريال فسأكون بغرفة الجلوس

كانت فريال حرونة تتطلع دائما بطريقة على شيء من البلادة المصطنعة الى
الكتا ب، عيناها صغيرتان بنظرات ثابته ويستقر فوقهما حاجبان كثّان بحاجة الى تشذيب على نحو ما ليخفف من حدة ملامحها المشاكسة والمستقيمة ، فتحة فمها تمثل خطا افقيا بشفاه رفيعة ليس من السهل تكرار النظر اليهما دون الشعور بالضيق ،

قالت بعدوانية متعمدة : اكره اللغة الأنكليزية!

وحينما سألتها: لماذا ؟!
قالت : لأني لاافهمها وانا اكره كل الأشياء التي لااستطيع فهمها ، تماما كما أكره الظلام ،هل تشرح لي لماذا يجب ان يكون هناك ظلاما ... انا استطيع النوم حينما اشعر بالنعاس حتى والشمس ساطعة ، في الليل يظل ضوء المصباح ينير غرفتي

: ثم ماذا ؟ اعني اي الأشياء تكرهين ؟
: اللغة الأنكليزية !

: وماذا عن بقية الدروس؟

: أحب التاريخ

: ربما هذه علامة إيجابية , حسنا فكري بالليل , يمكن ان تنطلقي مع خيالك ،أن تتصوري عوالم اخرى ،اشياء لاتستطيعين رؤيتها في النهار ! الليل والظلام وانت في الفراش، أو حتى وانت تتطلعين الى السماء يمكن ان تسافري الى آخر الدنيا ، وكذلك اللغة الجديدة ، ان تتعلمي لغة اخرى يعني انك تدخلين عوالم مسحورة غامضة وقد تتضمن مباهج لاحصر لها المهم الا تتملكك مشاعر معادية مسبقا، اللغة كغرفة نوم تدخليها لترتاحي ومن اجل الراحة عليك ان تسترخي وتشعري بألفة .

كانت ثمة ضربات خافتة على الباب

قالت فريال – نعم !

قالت هناء – اعتقد ان قليلا من القهوة العربية سيكون مفيدا !لقد علمت من زوجتك انك من عشاق القهوة وازعم اني اجيدها

- شكرا سيكون هذا كرم منك.

كانت فريال تنسخ قطعة من القصة المقررة فيما كنت اتابع كتابتها واستمع الى ترديدها الكلمات لأتأكد من سلامة نطقها ، حدث كل شيء بلحظة مشوشة ، منفلته من عمق زمن كان مدفونا تحت ركام من السكون ونمطية الحياة اليومية التي تجري بحكم العادة،زمن يضج بعنفوان وحشي ولكنه محكوم بصمت كجني في قمقم ، كان مختلطا تضغط عليه سماء تثقلها غيوم كبيرة داكنة تنشر لونا رماديا معتما ، وكانت اللحظة كضوء ساطع فتح السماء التي بدأت تصب مطرا كالطوفان ثم تجلى قوس قزح، كانت تضع ( الصينية) على الطاولة فيما نفر نهدها من القميص الأزرق وبدت استدارتهما الخمرية تشع يقينا يزلزل قناعاتي المخلخلة ، كان الغبش الملتبس يفك خيوط الليل وينشر رائحة سحرية تبعث فيه خدرا آسرا استسلمت له بشيئ من الغرور والأنتشاء تماما كما كنت أترك جسدي يطفو على سطح البحر مغمضا عيني لأتدارى من اشعة الشمس في بيروت وأنا أبتعد عن الشاطئ أتابع اختفاء ألأصوات وهي تغرق في ضجيج الموجات المتسارعة عابرة فوق صدري بلجاجة الى الشاطئ ، حين أعود بتكاسل كنت أعرف ان العديد من العيون ترقبني ، أشعر انه باحتفال عرس مسحور .

كنت أعبر قوس قزح , افرد ألألوان المتداخلة , أطأ ارضا عجائبية يشع فيها عطر مخدر ،عذوبة دافئه تبعث على ألأسترخاء .

: تفضل

كان خيط رفيع من بخار يتصاعد ببطئ سابحا في الفضاء المترف لغرفة الجلوس ذكرني باغنية قديمة ، كان الزمن يرواح بين النسيان والذكرى المغلفة بأطياف رمادية وكأني في حلم متفرد في واقع منفلت من ذكريات قراءات في حكايات شهرزاد ،
تطلعت في عينيها المشعتين بجذل رصين وكأنها تنتظر عودتي من رحلة البحث فيما وراء قوس قزح ،تناولت فنجان القهوة المذهب ولكني لم ارشف منه شيئا فقد كان الصمت العميق يتغلغل في اعماقي ، كطفل مأخوذ عقدت الدهشة مشاعري وقدراتي كنت انتظر منها دعوتي للبدء بشرب القهوة .
قالت : كيف هي؟!
كمن يصحو من حلم قلت – تبدو لذيذة !
ابتسمت بدعوة ناعمة مشجعة
خلف قوس قزح كانت المساحات الخضراء لا تنبئ باية امكانية للسراب ، كان هناك فقط النجمة القطبية المضيئة تلألأ في سماء زرقاء مرسلة أشعة فضية تحرك في أعماقي دهشة طفولية . تجاوزت الدلالات التي توحي بها اسرار تتخفى خلف رموز وثنية في محاريب شديدة القدسية وقفت عند حدود الطوفان الربيعي ،

وأنا اعبر وراء قوس قزح ، تداعى الى ذاكرتي ماكان يردده جدي ،الذي عمل (نوخذة) على مركب شراعي ينقل تمور البصرة الى مدن الخليج العربي ويعود بالتوابل وألأقمشة الهندية ،كان جدي يقسم على مايقوله من ان القمر يولد من البحر ويختفي ليلا في البحر أيضا وإن ظهور النوارس وهي تدور حول المركب يعني ان (ألأرض) قريبة ،

- هل نتزوج ؟!!!

عشت بعد ذلك بوجهين يتم تغييركل منهما عند باب بيتي ، عند باب بيتها كان الرجل الآخر ألأكثر اندفاعا وتهورا والأكثر عنفوانا ايضا .

لا يمكن ان ادعي ان ذلك كان امرا هينا ان تعيش بشخصيتين وان تمارس دورا مزدوجا باحاسيس ومشاعر متناقضة تجتهد ان تعطيها مصداقية ، يربكني وفي بعض ألأحيان كنت استغرب ان اكون انا من يؤدي هذا الدور ، ولكن لم يخامرني شعور بأني اتصرف كطفل مدلل يريد ألإستحواذ على اية لعبة أمامه، كنت اقرب الى ممثل يؤدي دورين في مسرحيّتين وعلى مسرحين في الليلة ذاتها ،كان هذا مجهدا ولكني كنت بعيدا عن الإحساس بالذنب وحينما اقطع المسافة من (نظران ) الى (القبلة ) كنت أشعر بحيادية مطلقة وكأني أطل من بعيد على الرجلين ، أستحضر معاناة كل منهما كمن يبحث في الجوانب الفنية للأداء .

حين واجهني حكمت بالحقيقة وهو يسألني بغيض مستنكر ان كنت قد تزوجت من (الخنزيرة ) لم اشعر بالغضب ولكني شعرت بألأسف لأنه يبكي بحرقة مضنية ولكني لم اشعر بالألم لأن ما فعلته، وهذا ما أدركه بوعي كامل لم يكن قد حقق في داخلي بنهاية الأمر الأستمتاع المطلق بالسعادة , ففي مقابل دفق ألأحاسيس والمشاعر عند( هيفاء) افتقدت السكينة ودفء المكان الذي يبعث
في روحي احساسا بألأمان عند( مديحة ).


قالت: لن ابقى في البيت لقد كلّمت أخي من هاتف البريد وسينتظرني في المحطة العالمية غدا !

كان صوتها قاطعا , تضغط على مخارج الحروف بقسوة تعبر عن ألم حقيقي وتتساقط الكلمات في اذني بجرس غريب وكانها تاتيني من مكان مجهول عبر نفق يمنح الصوت مساحات من الفراغ ،

تابعت :هل ستوصلنا الى المحطة ؟!

قلت : بالتأكيد !
كان صوتي محايدالم المس به تعاطفا ولكني احسست برنينه المعدني في اذني بوقع غريب وكأنه صدى اجوفا ياتي من بعيد ،

حين صعدت الى مقصورة الدرجة الثانية مع حكمت شعرت باني انفصل عن واقع ألفته وتعاطفت معه وان شيئا ما في أعماقي بدأ يهتز على نحو متناغم مع قطرات الدمع التي بدأت تتدحرج ببطئ على خدي مديحة ، كان وجهها ألأبيض والذي كان مكتنزا باستمرار بفرح طفولي، قد خالطته صفرة سببها عنف ألإجهاد وعدم النوم لليلتين , لم أناقشها في الأمر لأنها رفضت الكلام كما رفضت الأستماع الّي، وظل وجهها الممتقع خاليا من اي تعبير ونظراتها ثابتة دون ان تشي بانفعالاتها .


قال أخوها على الهاتف : حسنا يمكن ان ترسلها

بدا متفهما لوضعي ، صديقي زوج الثلاث !

: سنتدبر ألأمر بهدوء والوقت هو مانحتاجه ومن حسن الحظ ان المدارس في عطلة ولن نحتاج الى الأستعجال بنقل حكمت ،على اي حال مبروك زواجك !

قال الدكتور عبد الفتاح وهو شاب من الناصرية نقل قبل ثلاثة اسابيع من مستشفى البصرة الى مستوصف في ناحية الفاو ولكنه يواظب على الحضور في مقهى التجار في العشار يوميا حتى الفراغ من قراءة الصحف الواصلة من بغداد ثم يستقل احد الباصات العاملة بين البصرة والفاو وغالبا مايصل بعد الساعة الواحدة ظهرا الى مقر عمله ،

: من المهم لنا نحن الرجال ان نتزوج من جديد حين تتوقف المرأة عن تلبية
متطلباتنا !!

قلت : تزوج اولا ثم انثر هذه الحكم الفريدة !!

قال : للمعرفة طرق مختلفة !!

: المعرفة !

: نعم .. لأن معرفة المرأة نوع من المعرفة ألأنسانية ، وهي جزء مهم من علم
ألإجتماع !!

:( فّتاحو) لاتدخلنا في مغاليق مفاهيمك !

: لك ماتشاء , ولكني أحاول ان أجد لك مبررات مشروعة من واقع تطورات اجتماعية متلاحقة لأخفف عنك بعضا من القلق والحيرة التي اراهما في كل قسماتك وعلى اية حال انت حر.

: مايثير استغرابي انك في السياسة على اليسار اما في العلاقات ألأجتماعية فعلى اليمين في حين ان كلا من السياسة وألأجتماع يتفاعلان على ارضية واحدة !


قال ساخرا : بسيطة , السياسة في العقل اما ألأجتماع ففي القلب , ثم ماعلاقة تكوين الثروة وتوزيعها بالعلاقة بين الرجل والمرأة؟!

كانت مقهى التجار في مدينة ( العشار) ،على زقاق ضيق متفرع عن شارع التجارة في البصرة ،الذي يشتهر بالتوابل الهندية وبالأقمشة من جنوب شرق آسيا ، كان ألاسم الشائع له سوق ( الهنود)، والمقهى ترتفع بحوالي المتر عن ارض الزقاق الأسفلتية وتنتشر فيها كما في بقية المقاهي العراقية بضعة (تخوت) خشبية عليها حصران وفي الواجهة عدة تحضير الشاي والقهوة ومجموعة انيقة من السماورات ألايرانية والهندية ،سمي مقهى التجار لأن معظم اصحاب المكاتب التجارية التي يزدحم بها الزقاق والأزقة المتفرعة يجدون فيه راحتهم كلما احتاجوا الى التخفف من عناء العمل ، وكثيرا ما تعقد فيه الصفقات التجارية،في المقهى يمكن وبوضوح التمييز بين فئتين من الرواد مجموعة من تجار البصرة يتحدثون بهدوء وبحذر ويرتشفون الشاي ببطء فيما تمر عيونهم بشيء من الضيق في ارجاء المكان ويتبادلون احاديثا بصوت خافت موارب وكأنهم متواطؤون على امر ما ، يناورون حين التطرق الى مشاكل العمل واحيانا نادرة ينزوون في أحد ألأركان الداخلية ليوقعوا بعض المستندات .

اما الفئة الثانية فقد كانت في الغالب من الشباب الذين كانوا يعملون على الأرصفة الى ماقبل سقوط الملكية وانطلاق شرائح جديدة لتتسلق الى مراتب كانوا كثيروا الصخب فهم يتحدثون بصوت عال ويضحكون بقهقهات مجلجلة ويضربون نرد الطاولة بقوة ويتطرقون الى كل شؤونهم التجارية بثقة متهوره ولم يكن لهم تخصص محدد في العمل ، كانوا يتاجرون بكل شيء ويتلقفون اية فرصة قد تدر ربحا سريعا ولهذا فان احدهم لايتورع عن توقيع عقد هندسي لأنشاء بناية حكومية مع قريبه المشرف على تنفيذ المقاولة في الوقت الذي لم ينه بعد المعاملة الجمركية لأخراج شحنة من التوابل المستوردة من الهند والتي كان قد استلم معظم ثمنها من تجار المفرد في السوق .

بدأت ارتياد المقهى والتعرف الى عالمي الجديد بعد زواجي من (أم فريال) ودعوتها لي لتقديم المساعدة في عملها بتحرير بعض الرسائل باللغة الأنكليزية أو الرد على المكالمات الأجنبية بخصوص مشاكل العمل وتبعني الدكتور عبد الفتاح الذي كان يجد في المقاهي مسرحا يعج بقصص بالغة الطرافة كما يقول.

: تبدو نظراتك شاحبة , لاشك انك تعاني من أمر ما ولكنك تجاهد ان تكون ذلك السعيد الذي لديه امرأتين !!

: هل تصدق اني اشعر كرجل مهزوم ، تركت الساحة التي أعرفها وانسقت بهوى جامح الى الساحة الغريبة والتي بدت مجهولة لي ، ألا يكرس هذا الفشل والهزيمة ؟!
: بالتأكيد ولهذا يجب ان تكون ردة فعلك كما أي مقاتل محترف ، تذكر انك متزوج منذ أكثر من عشر سنين!!
حدق في عيني متكلفا الجدية فبدى منظره مضحكا بعض الشيء .

: ان ما يفعله المقاتل هو ان ينسحب من ارض المعركة ويعيد دراسة الظروف الموضعية وعوامل التأثير على الساحة ليقرر ان كانت الظروف مواتية لمعاودة الهجوم أم ان عليه ان ينسحب! ولكن عليك ان تدرك ان المعركة ، اية معركة ، لاتحتمل المكابرة واتخاذ القرار بروح الإنتقام، لأن ذلك سيكلف الكثير ولن يؤدي الى نصر!!

كنت افتقد وببطء شديد الجوانب النابضة بالحرارة والحب في علاقتي بهناء وبدأت المعاناة تكرس مللا ينمو في داخلي كفطر سام ولم تحاول هي ان تساعدني على تجاوز الأزمة .

كانت تتصرف معي أثناء العمل كموظف وكان هذا يحرجني امام منتسبي الشركة وعملائها وبدا كأن الأمر لم يكن اكثر من تلفيق بعد ان بددت شمس تموز الوان قوس قزح البهية وتوقف على نحو مطلق تساقط المطر ولم تعد نسمات شباط في صباحات البصرة الندية تمسح على شط العرب الغافي تحت ظلال النخيل
: مساء الخير
: مساء النور

كانت تجلس في الصالة الواسعة في الطابق الثاني المطل على النهر القادم من شط العرب مخترقا المدينة ، وامامها بعض السجلات وأوراق عدة تتفحصها بعناية فيما كانت فريال تجلس الى مائدة الطعام تراجع واجباتها المدرسية, وتغرق الصالة بهواء التكييف المنعش.

:ارجو ان تجلس !!

قالتها بلهجة اقرب ماتكون لأمر لايقبل المناقشة

: آسف ، اشعر بتعب وسأدخل غرفة النوم لأرتاح

: ولكن الأمر غاية في ألأهميةولايقبل التأجيل!

: شؤون العمل عندك دائما لاتقبل التأجيل!

: ولكن ألأمر لاعلاقة له بالعمل , انه يتعلق بنا !

نزعت نظارتها والتفتت نحو فريال

: اذهبي الى الطابق ألأسفل!

حين جلست على الكرسي ، صرت القوائم الخشبية بصوت باهت ، نظرت هي إلي بتوبيخ ، كنت اعرف من عشرات المرات التي حدثني فيها عن اعتزازها بهذا الكرسي الذي اشتراه ابوها من الهند من احد افضل النجارين الذين يملكون قدرات فنية عالية في اعمال النجارة بل اكثر من ذلك انهم يملكون احساسا متناغما مع القطع التي ينجزوها وان هذا الأحساس ينتقل الى الشخص الذي يتآلف بسبب الأستعمال الدائم للقطعة ، وهي اذ تترك الكرسي في الصالة فأن ذلك ليس بقصد استعماله وانما بقصد استعادة ذكريات ابيها الذي كان يغفو علية مرتاحا بسب من تناغم احساسه مع القطعة الفنية القادمة من الهند ، لم اخالفها الرأي في أاي من المرات التي كانت تعيد علي الحكاية ذاتها وحينما تلمح في تعابير وجهي شيئا من الضيق كانت تضفي على كلامها حنانا يرخم صوتها، تحاول ان تجعلني اتواصل معها.

: هل اجلب لك شايا؟

: كلا ، فقد شربته في المقهى

: كنت هذا اليوم عند الدكتور ..

صمتت وهي تتطلع نحوي , كانت نظراتها قوية متفحصة اعادت الى ذهني صور قدامى التجار في المقهى الذين كانوا يتمتعون بشجاعة ميكانيكية مدروسة ولكن تسارع الأحداث وتغير ظروف العمل في السوق ودخول منافسة فوضوية متهورة لاتعتمد على العوامل الموضوعية لقوانين السوق التي درجوا على التعامل معها جعل نظراتهم تشوبها حيرة مبهمة، وكأن و ترا معطوبا قد أخلّ بالصوت الهرموني الذي يعطيهم دفقة الثقة.

: لماذا ؟!

لاحظت ان تساؤلي لم يكن متعاطفا

: حسنا ... لقد شعرت بأعراض غريبة خلال اليومين المنصرمين وذهبت للتأكد.

: من ماذا ؟!

: من اني حامل

: وماذا كانت النتيجة ؟!

: حامل !

مرت لحظات تهت فيها تماما وتمددت في اعماقي مشاعر مختلطة واحسست ان توهجا قد تملك عيني لأني شعرت بانهما مشدودتان على نحو اعجز على نحو مطلق من اغماضهما لأستعيد نفسي.

لم تكن هناء تنتظر مني اجابة ما او تعليقا , كان هذا واضحا في نظراتها الثابتة والعميقة والمبطنة بثقة مبالغ فيها , كانت اقرب الى التحدي منها الى مناشدة التعاطف وتوصلت الى قناعة واضحة انها تريد ان تكشف لي امرا غاية في الأهمية تريد ان تقول ان التالي هو المهم ولهذا لست بحاجة الى الرد !
: لقد اتفقت مع الدكتور على التخلص من الجنين ولهذا لن اكون غدا في المكتب

صمتت لحظة ثم تابعت بآلية

: يمكنك ان ترافقني او ان تكون في المكتب , لااريد ان اكرر تجربة الولادة الممضة ولا ان اسهم في خطأ جديد !!

لم اعلق , شعرت اني كما(الميم المشددة والألف المفتوحةتنوينا) فائضا عن الحاجة الفعلية لأتخاذ قرار في امر ما ، فلا المكتب بحاجة الى وجودي ولا مرافقتها امرا مفيدا ، بدا كل شيئ امامي مزيفا , تركت الصالة وهبطت السلم المرمري الى الطابق الأسفل ومن ثم الى الشارع الذي كان خاليا.

وعلى امتاد النهر الراكد الممتد امام البيت كانت انوار المصابيح الكهربائية المعلقة تلتمع بدفقات متتابعة فتكشف عن صفحة الماء الداكنة .
حين فتحت باب ا لبيت الذي تركته منذ اكثر من شهر اثر مغادرة مديحة وحكمت أصدرت ضلفة الباب صريرا حادا ، كانت مديحة تطلب مني باستمرار ان اضع قليلا من الزيت على المرابط الحديدية.

: لا اريد لهذا الباب اللعين ان يفاجئك بصريره المزعج .

وحشة غامضة تخيم على البيت وفي الزوايا يعشش هدوء عميق حتى ليبدو مريبا بتواطء مع الظلام الذي يهبط على الجدران بسبب عطل المصباح المعلق في الممر الطويل المؤدي الى الباحة الداخلية .

كنت اشعر بتعب وبشيء من القنوط الذي بدأ يتسرب الى مشاعري ، قنوط جعل تفكيري تتملكه ببطئ حالة من الخدر , وضعت رأسي تحت صنبور الماء الذي تدفق محدثا وشوشة مقيتة , كان الماء حارا كأنه آت من السخان , ذهبت الى (الثلاجة ) واخذت قنية كبيرة من الماء الذي تركته مديحة قبل مغادرتها المنزل، كان الماء باردا الى حد التجمد وهذا ماكنت احتاجه فعلا للخروج من حالة الإحباط التي ترسم في فضاء الغرفة المظلمة أاشباحا غريبة تتحرك بسرعة شيطانية ماكرة وترسم ابتسامات ساخرة وهي تحملق في وجهي الذي اثقله الأجهاد المرير .

كان الباب يطرق بقوة ربما لأن الطارق ملّ من تواصله الطرق دونما رد،

: كفى لقد جئت , هل لك ثأرا مع الباب ؟!

كان على الباب (فراش ) المدرسة ابو حساني

: أين انت ياأستاذ لقد جئتك بألأمس واخبرني الجيران انك متغيب ولايعرف أحد اين تكون!

: قل بسرعة ماذا لديك !

: اتصل بك اقرباؤك من بغداد مرتين واليوم وصلتك هذه البرقية وقد اصر السيد المدير ان ابحث عنك في البصرة كلها!

: شكرا
تناولت البرقية التي كانت مقتضبة وبأسم شقيق مديحة( احضر ناحيتنا لأمور عائلية مهمة جدا).

حاولت ان أحصل على الخط الهاتفي في مكتب بريد البصرة ولكن تعذر ذلك ، مساء كنت في القطار ، لم احصل على مقعد في الدرجة الثانية ولهذا حجزت في العربة السياحية التي كانت تزدحم بمجموعات متنوعة ، جنود ،طلبة،وبعض الفلاحين ونسوة متشحات بالسواد .

ما ان تحرك القطار حتى بدأ احد الجنود بالغناء , كان صوتا حزينا متماوجا فيه شجى جنوبي أجبر الجميع على الأصغاء ، من النافذة الزجاجية كانت تتعاقب بسرعة لاتدع مجالا للاستيعاب ، مناظر متنوعة لبيوت من القصب وبرك ماء راكد وصبية يلعبون كرة القدم،بدت اجسامهم السمراء كأشباح شديدة البؤس فيما كانت تمرق سماء داكنة لم تظهر فيها بعد النجوم ولكن بقايا قمر باهت وحزين ظل ثابتا بألحاح في محيط النافذة.

العديد من التساؤلات كانت تدور في ذهني , لقد بدأ زمني الرديء ،( هناء) , تتحول الى كتلة جليدية مات فوقها قمر نيسان وسقطت شموسها في لامبالاة في عمق كهوف لاتدخلها الرياح ثم أكلتها العناكب السوداء حيث بعثت بأبننا ضحى هذا اليوم ، و(مديحة) تستعين بأهلها ولكن لماذا ؟!
اذا ما اصرت على ألأنفصال فلن أمانع ، لكن مايجب أن أنتبه له هو ان لاانجرف مع المجرى المنحرف الذي اساق اليه

لكز طفل امه وقال : هذا أخافه !

ضحكت ألأم : لماذا ؟ انه هادئ!

: شواربه !

التصق بأمه وفي عينيه نظرة شريرة ماكرة ، حاولت ان ألاطفه ولكنه تشبث بقوة بصدرها .

: آسفة استاذ فهو لم يشاهد مثلها!

: لاعليك اني اقدر خوفه واعتقد ان مثل هذه الشوارب فات زمنها كما انها تكلفني الكثير من الوقت والمال , بالتأكيد سأغيرهما غدا


استقبلني شقيق زوجتي بحرارة

: مبروك مديحة حامل بثلاثة اشهر ولم اشأ ان اعطي المعلومة على الهاتف لمدير مدرستك واخيرا لن يكون حكمت وحده ، الثلاثة بانتظارك !







اخر الافلام

.. مهرجانات تخلد ثقافة الفلان في غرب أفريقيا


.. باحث سعودي يصمم روبوتا ناطقا باللغة العربية


.. المجالس الرمضانية موروث اجتماعي يجسد ثقافة التواصل




.. فنانون في اليمن يعرضون لوحات تدعو إلى التفاؤل بإحلال السلام


.. تعليق ظافر العابدين على استبعاد ياسمين صبرى واستبدالها بالفن