الحوار المتمدن - موبايل



محكمة أثينا الثانية - 6- ثورة سعيد بيران (1925م)

هشيار مراد

2018 / 5 / 20
القضية الكردية


تعتبر ثورة عام 1925م التي كانت بقيادة الشيخ سعيد بيران (1) إحدى أبرز نماذج الثورات والانتفاضات التي قامت في كردستان.
في صيف 1920م أسس خالد بك جبرانلي جمعية حرية كردستان (آزادي) في أرضروم، ونسق مع قادة جمعية انبعاث كردستان لإرسال مذكرات إلى عصبة الأمم حول منح الاستقلال لكردستان، وقامت الجمعية بتوحيد صفوف الكرد في مناطق عديدة في شمال كردستان استعداداً لتنظيم انتفاضة ضد السلطة التركية الحاكمة لتحقيق استقلال الكرد.
ولكن مصطفى كمال أتاتورك استطاع من تشكيل وسط كردي موال له وضم ممثلين عنهم في البرلمان التركي (مجلس الأمة التركي العالي) أمثال حسن خيري الذي أرسل مذكرة باسم الكرد إلى مؤتمر لوزان المنعقد في 23 تموز 1923م يزعم فيه إن الكرد لا يرغبون الانفصال عن الأتراك، وعليه قرر المؤتمرون في المؤتمر إلغاء فكرة استقلال كوردستان عن تركيا، بعد أن كان معاهدة سيفر 1920 قد قرر منح الكرد حق تقرير المصير في مناطقهم.
وأعلن في 29 تشرين الأول 1923 عن قيام الجمهورية التركية وتنصيب مصطفى كمال أتاتورك رئيساً لها، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع الكردي مع الدولة القومية التركية.
وعلى أثر ذلك قرر قادة جمعية حرية كردستان تنشيط حركتهم والاستعداد لتنظيم ثورة في كردستان، وعقد لهذا الغرض العديد من الاجتماعات بين قادة الكرد في تركيا والعراق وسوريا.
وبعد أن شعرت السلطة التركية بالتحركات الكردية السرية، لجأت إلى اعتقال عدداً من قادة الجمعية وإعدامهم وفي مقدمتهم مؤسس الجمعية خالد بك جبرانلي وكذلك يوسف زيا، فقررت الجمعية في اجتماع لها اختيار الشيخ سعيد بيران رئيساً للجمعية والبدء بثورة في مناطق كردستان بقيادة الشيخ سعيد بيران وتم تحديد يوم 21 آذار 1925م لبدء الثورة، حيث كان للشيخ سعيد صلات منذ بدايات القرن العشرين مع الجمعيات والمنظمات الكردية والعائلات الوطنية كعائلة بدرخان بك وعائلة الشيخ عبيد الله النهري، بالإضافة إلى الزعماء الكرد المعاصرين له.
ولكسب الدعم والتأييد للثورة قام الشيخ سعيد بجولة في مناطق كردستان، قام من خلالها بحل الخلافات بين العشائر الكردية والدعوة إلى الوحدة والاتفاق. وقد وصل في الخامس من شباط 1925 إلى قرية بيران – لزيارة أخيه عبد الرحيم - برفقة 100مقاتل كردي، وتصادف وصوله مع وصول مفرزة تركية جاءت لاعتقال بعض الكرد من القرية، وعلى إثر ذلك وقع صدام مسلح بين قوات المفرزة والمقاتلين الكرد، قتل فيها بعض الجنود الأتراك وأسر آخرون. وعندما انتشر خبر تلك الحادثة هاجم المقاتلون الكرد بقيادة أشقاء الشيخ سعيد القوات التركية وبذلك بدأت الثورة قبل موعد إعلانها بشهر ونصف، وقد تمكن قوات الثورة من تحرير مدينة كينج (في ولاية ديار بكر) التي اختيرت عاصمة مؤقتة لكردستان، وانتشرت الثورة بسرعة كبيرة في معظم أراضي كردستان (14 ولاية) وانضمت إليها الكثير من قوات العشائر الكردية.
قرر الشيخ سعيد التوجه نحو مدينة آمد لتحريرها من السلطة التركية التي أصدرت قوانين وأحكام عرفية لقمع الانتفاضة الكردية، وأرسلت تعزيزات عسكرية ضخمة إلى مناطق كردستان لإجهاض الثورة.
لم يتمكن قوات الثورة من تحرير مدينة آمد رغم دخولها أحياء في المدينة، فتراجعت قوات الثورة أمام الأسلحة الثقيلة للقوات التركية التي حاصرت مناطق الثوار وأغلقت الحدود التركية مع سوريا والعراق وإيران أمام أي توجه لأبناء الأجزاء الأخرى من كردستان لنصرة الثورة. وبذلك تم التضييق على معقل الثورة في كينج. وفي أواسط نيسان 1925 تم اعتقال الشيخ سعيد مع عدد من قادة الانتفاضة. وفي نهاية أيار حوكم الشيخ سعيد وقادة الانتفاضة الآخرون، وصدر حكم الإعدام بحقه مع 47 من قادة الثورة، حيث كانت السلطات التركية (مجلس الأمة التركي) قد قررت في 4 آذار 1925 تشكيل محكمتين باسم (محاكم الاستقلال) واحدة منها عامة مقرها في أنقرة وتتمتع بسلطات محدودة وأخرى خاصة في ولايات كردستان وتتمتع بسلطات مطلقة.
يقول د.مونتيل حسرتيان وذلك ضمن دراسة له (2) عن هذه الانتفاضة:
"لدى التحقيق تبين انه كان في ديار بكر تنظيم كوردي سري وذلك قبيل الانتفاضة واثناءها، وقد ساعد هذا التنظيم المنتفضين، وكان ينوي تسليم المدينة لهم، إلا أن قادته كانوا قد اعتقلوا مسبقاً من قبل السلطات، وهذا ما يفسر الى حد كبير فشل الانتفاضة في ديار بكر لدى محاصرة الشيخ سعيد للمدينة وكان الدكتور فؤاد بك عضواً فعالاً في هذه المنظمة.
لدى التحقيق مع فؤاد بك في ديار بكر تليت رسائله إلى فريد باشا الوزير الحربي السابق في حكومة السلطان، وقد تحدث في هذه الرسائل صراحة عن تعاطفه مع الحركة الكردية.
في نيسان 1925 حكمت محكمة الاستقلال على الدكتور فؤاد بك بالإعدام لنشاطه من أجل تكوين كردستان المستقلة، وأعلن رئيس المحكمة مظهر مفتي بك الحكم، وخاطب الدكتور فؤاد بك إلى أنه – أي الدكتور فؤاد – يعاقب بسبب جريمته التي أدت إلى الانتفاضة الدموية.
وأمام حبل المشنقة هتف الدكتور فؤاد بك: ((كنت أحلم دائماً بالتضحية بنفسي في سبيل وطني، ولا يساورني أدنى شك بأن راية الاستقلال سترتفع على هذه الأرض، حيث نعدم الآن)).
وفي نهاية أيار 1925 بدأت محاكمة الشيخ سعيد وغيره من قادة الانتفاضة التي استمرت لمدة شهر كامل.
جلس في قفص الاتهام إلى جانب الشيخ سعيد، الشيخ عبد الله (من ميليكان) والرائد المتقاعد قاسم (من فارتو)، حاجي خالد عبد الحميد، والشركسي رشيد والرائد المتقاعد اسماعيل، الامام ملا علي، الشيخ علي، الشيخ اسماعيل من الجزيرة، والشيخ عبد اللطيف من الجزيرة، كامل، بابا بيك رشيد يتمور، محمد، سليمان والرائد المتقاعد بحري أمين، شوكت، مقصود، حميد، والمدعي العام مالازكر عبد المجيد والشيخ شريف، سليمان (من جاباكجور) علي، يوسف، حسين، والعلم الابتدائي ملا جمال، نعمت، احمد، والملازم في الجندرمة محمد مكري، وموظف الصحة في غينج نيازي، وحاجي صادق وغيرهم.
وفي 29 أيار 1925 أصدرت محكمة الاستقلال في ديار بكر حكمها على (47) سبعة وأربعين شخصاً ممن شاركوا في الانتفاضة، وعلى رأسهم الشيخ سعيد بالإعدام شنقا حتى الموت وفي اليوم الثاني نفذ الحكم فيهم.
وأمام حبل المشنقة قال الشيخ سعيد: (( لقد بلغت نهاية الحياة الطبيعية ولست بنادم على إنني الآن اضحي بحياتي في سبيل وطني ومن أجل شعبي ويكفينا أن أحفادنا سوف لن يخجلون أمام الأعداء)).
وبإعدام الشيخ سعيد والقادة الآخرين لم ينته القمع بحق المشاركين في الانتفاضة، فقد استمرت السلطات التركية لفترة طويلة بملاحقة المشتبهين بهم واعتقالهم وتقديمهم لمحكمة الاستقلال التي كانت تصدر الأحكام القاسية.
نكلت السلطات التركية ليس فقط المشاركين في الانتفاضة بل حتى بالمتعاونين معهم من الأوساط الكردية، وعلى سبيل المثال: أرسل العضو في البرلمان التركي حسن خيري رسالة إلى أبناء منطقة ديرسم أثناء الانتفاضة يحثهم فيها على الهدوء وعدم الانتفاض ضد السلطة التركية.
ومع ذلك وبعد قمع الانتفاضة اعتقلت السلطات وبأمر من مصطفى كمال أتاتورك شخصياً النائب حسن خيري وابن اخيه جلال محمد، ولدى التحقيق توجه رئيس محكمة الاستقلال علي صائب الى حسن خيري قائلا: ((كنت تحضر جلسات المجلس في أنقرة بالزي الكردي، وبهذا العمل كنت تقوم بالدعاية الكردية)).
وخلال المحاكمة أشار حسن خيري بأن مصطفى أتاتورك هو من كان يطلب منه ارتداء اللباس الكردي وفي حثه لإرسال برقية إلى مؤتمر لوزان للتأكيد بأن الكرد لا يرغبون بالانفصال عن الأتراك. ورغم ذلك أصدرت المحكمة قراراً بإعدام حسن خيري وابن اخيه جلال محمد. وفي تلك اللحظة أدرك حسن خيري مدى فاشية السلطة التركية، مقدراً تضحيات أبناء الكرد الذين ضحوا بأنفسهم من أجل حرية شعبهم، فهتف أمام حبل المشنقة ((عاش الشعب الكردي، يا ضحايا كردستان الآن ينضم اليكم حسن خيري )).
وقد ساهم أبناء الشعوب الأخرى (رغم الاختلافات الدينية والعرقية) – مثل الآشوريين والأرمن والشركس - في ثورة 1925، إذ إن سياسة الإبادة الجماعية والصهر القومي التي كانت تقوم بها السلطة التركية الأتاتوركية تتبع على جميع الشعوب التي كانت واقعة تحت حكمها، مما خلق حالة استياء ضد السلطة.
وقد أوضح حسرتيان ذلك في دراسته، "أثناء قمع الانتفاضة الكردية حاول الكماليون اثارة التفرقة القومية والطائفية وذلك بتحريض المسلمين على الأقلية المسيحية في البلاد أما قادة الانتفاضة فقد اتخذوا موقفا مغايرا فعندما بلغوا الشيخ سعيد بأن بعض اتباعه يضايقون الأرمن، أعلن على الملأ ((إن من يمس الأرمن بسوء سيتعرض لأقسى العقوبات)) وقد أكدت الصحافة الأرمنية إلى إن أحد من الأرمن لم يتعرض للمضايقة بعد ذلك، وبعد ذلك بدأ التقارب بين التنظيمات الأرمنية والكردية في الخارج ضد سياسة الاضطهاد القومي في تركيا.
من خلال دراسة هذه الثورة نجد مدى عظمة وشجاعة المنتفضين وقيادة الثورة، غير إن في ذلك الوقت كانت السلطة التركية الحاكمة قد أمنت تأييد وموالاة قسم لابأس به من الوسط الكردي والتي استغلتهم في المحافل الدولية وهو ما انعكس سلباً على القضية الكردية بذاتها، وهو أحد الأسباب لعدم انتشار الثورة إلى مناطق عديدة في كردستان، إذاً ما كان ينقص الكرد آنذاك هو فكر وقيادة وصف موحد.
...........

الهوامش والمصادر:
1- ولد سعيد بيران في ناحية بالو في باكور (شمال) كردستان عام 1865م، والده هو الشيخ محمود ابن الشيخ علي بيران.
2- الدكتور مونتيل حسريتان: دراسة "انتفاضة الاكراد عام 1925".







اخر الافلام

.. قصة كفاح كفيف.. تخرج في مدرسة النور للمكفوفين وعين مدرسا بها


.. العفو الدولية: مصر سجن مفتوح وقمع غير مسبوق


.. مؤتمر -الإدعاء العام بإفريقيا وأوروبا- يصدر وثيقة الاتجار با




.. إيران تلجأ للأمم المتحدة لمواجهة تهديدات تل أبيب وتطالب بمرا


.. مفوضية اللاجئين في لبنان توقف المساعدات عن 8000 عائلة سورية