الحوار المتمدن - موبايل



القُبلة الغائبة ..

هيام محمود

2018 / 5 / 22
الادب والفن


قبلة الموت أو الحياة .. كانت شبيهة بالروليت الروسية ؛ إما حياة وإما موت لا خيار .. في تلك اللحظات فقط تُعرف قيمة الحياة , كذا هم البشر - وهي منهم - لا يعرفون إلا ما يُحرمون منه أو عندما تكون مواجهة فقدانه .... الخيار الوحيد !

ثقافة القبل بعيدة عن العالم الخارجي الذي عاشت فيه , لكن في الداخل كانت ثقافتها .. "الماما تقبل البابا والبابا يقبل الماما" , اِعتادت الأمر حتى صار الحب عندها لا يمكن أن يوجد دون تلك القبلة وتلك القبلات ..

القبلة الأولى طال غيابها عنها , اِنتظرتها كثيرا لكنها لم تأتِ .. كانت الماما من حين لآخر تقوم بمحاولة تفتيش في جبال أسرارها علّها تعثر على شيء لكنها لم تجدْ .. كانت الصغيرة تغضب وتحزن لعدم تصديق الماما لها لأنها وعدتها أن تشاركها كل شيء وحتى ذلك الوقت لم يحصل شيء ..

جبال أسرار الصغيرة كانت كبيرة , الماما تسأل عن قبلة والصغيرة لم تكذب لأن القبلة لم تأتِ .. الصغيرة بحثتْ طويلا عن الوسيم الذي سيحظى بذلك الشرف لكنها لم تجدْ أحدا .. جميلة جدا كانت ومتفوقة بين كل الطلبة , وكلهم أرادوا تلك القبلة لكنها لم ترها مع أيٍّ منهم ..

في ذلك اليوم , تكلمتْ مع أقرب صديقاتها عن شأن تلك القبلة .. كانتا في منزل صديقتها .. في غرفتها .. كانتا تدرسان في نفس الفصل وتمضيان أغلب أوقاتهما معا .. كل تزور الأخرى في منزلها وفي بعض الأحيان كانتا تمضيان الليلة معا .. صديقتان حميمتان .. كانتا تتكلمان في كل شيء معا ولا تخفيان عن بعضهما شيئا ..

في ذلك اليوم , حكتْ الصغيرة لصديقتها قصة القبلة , قالت أنها لا تعلم ما الذي يحدث معها , حاولتْ التقرب من فلان ومن فلان لكنها لم تستطع أن تُواصِل , وباستثناء فلان وفلان اللذيْن حاولتْ هي التقرب منهما خطا غيرهما نفس الخطوة نحوها لكنها .. لم تستطع ... ضحكتْ صديقتها وذكّرتها أنها تعلم كل ذلك وأنّ كل واحدة منهما تعلم كل شيء عن الأخرى , ثم نصحتها بالمدرسين مادام كل الطلبة لم يُعجبها أحد منهم ..

في الغد , اِلتحقتا بالمدرسة .. اليوم كان عاديا .. في المساء عادتْ كل منهما إلى منزلها .. تعشتْ الصغيرة مع أمها وأبيها .. سألتها الماما عن ليلتها في مزل صديقتها وعن يومها فأجابتها بأن الأمور عادية ولا جديد فيه يُذكر .. اِلتحقتْ الصغيرة بغرفتها , درستْ قليلا , تعبتْ .. ذهبت إلى غرفة الماما والبابا , قبلتهما كما هي عادتها وعادتْ إلى فراشها لتنام ..

وجدتْ رسالة من صديقتها توصيها بغرض تُريد أن تحمله لها في الغد , فأجابتها أنها ستفعل مُتمنية لها أحلاما جميلة .. بعد ذلك , تذكرتْ الصغيرة الحوار الذي دار مع صديقتها في الليلة السابقة وتفطنتْ لغرابة نصيحتها .. حيث قالت لها مازحةً : "عليك بالمدرسين إذن مادام كل الطلبة لم يعجبك فيهم أحد" .. مع صديقتها لم تلاحظ ما لاحظته وحدها في تلك الليلة , بالرغم من تعبها ومن رغبتها في النوم قبل وقت نومها المعتاد .. لاحظتْ الصغيرة أن الطلبة فيهم طلاب و .... طالبات ..

في الغد , حملَتْ لصديقتها ما طلبَتْ .. اليوم كان كسائر الأيام عند كل من اِعتادَتْ رؤيتهم , لكنه عندها لم يكن عاديا بل كان كابوسا منذ أن اِستيقظَتْ من نومها .. في الحلم رأتْ صورا غامضة لكنها كانت جميلة , رأتْ طيفَ صديقتها في كل تلك الصور ورأتْ أنها في ذلك الحلم كانتْ سعيدة كما لم تسعد قط .. عند اِستيقاظها لم ترَ نفس الشيء بل اِستغربَتْ أولا لِمَ تحلم بصديقتها وثانيا لماذا تستغربُ من أن تحلم بصديقتها .. الكابوس اِستمرّ طوال اليوم حيث شعرَتْ الصغيرة بالحرج من النظر إلى صديقتها وحاولَتْ أن تمنع نفسها من النظر إليها فلم تستطع واِستغربَتْ مجددا لماذا تتحرّج من ذلك بل وصل بها الأمر إلى حد الامتناع عن الجلوس معها كما عادتها في الحصة الأخيرة لذلك اليوم حيث فضَّلَتْ الجلوس في المقاعد الخلفية بجانب أحدهم لكنّ ذلك لم يمنعها من اِستراق النظر لصديقتها وفي داخلها شيء مَا ينهاها عن ذلك وشيء آخر يصرخ ويتساءل عن الذي يحدث وعن السبب في ذلك السلوك الغريب المفاجئ وأين الخلل في النظر لصديقتها فهي تنظر إليها منذ سنوات وقد فعلَتْ ذلك آلاف وربما ملايين المرات !

بعد اِنتهاء الحصة , خرجَتْ الصغيرة مسرعة فلحقَتْ بها صديقتها وذكَّرَتْها بأن "الليلة عندها" .. نسَتْ أنهما اِتّفقتا على ذلك منذ الليلة التي أمضَتْهَا عند صديقتها .. مَشَتَا معًا , معهما صديق كان يتكلم مع صديقتها ويضحكان , كانت تسمع ولا تشاركهما الكلام وعندما يضحكان تبتسم لهما اِبتسامات عابرة لا حياة فيها .. بعد توديع الصديق لهما واصلتا الطريق وحدهما , الصديقة كعادتها كانت مرِحة كثيرة الكلام والمزاح , الصغيرة كانت تَسمعُ لها وتُحاوِل مشاركتها الحديث وفي داخلها نفس السؤال : "ما الذي يحدث ؟"

العشاء لذيذ قالتْ الصديقة , الصغيرة لم تأكل إلا القليل فسألَتْهَا الماما عن السبب .. أجابَتْ أنه لذيذ لكنها لا تشعر بجوع ..

في غرفة الصغيرة , غيّرَتْ الصديقة ملابسها .. عادتهما كانتْ أنّ التي تنام عند الأخرى لا تحمل معها شيئا لأنّ مضيفتها تتكفّل بذلك .. صديقتها غيّرَتْ أمامها ملابسها عشرات المرات سابقا , لكن تلك المرة كانت مُختلِفة .. الصغيرة لم تفهم لماذا تحرّجَتْ من النظر لصديقتها وغضبَتْ شديد الغضب من ذلك ومن كل يومها الذي مَرَّ عليها ثقيلا وغريبا .. كانت ليلتهما جميلة ككل لياليهما , القليل من الدراسة والكثير من السّمر ثم النوم معا في نفس الفراش .. نامَتْ الصغيرة ككل الليالي الي سبقَتْ تلك الليلة .. في الغد اِلتحقتَا معًا بالمدرسة ومَرَّ اليوم جميلا عاديا لا غرابة ولا ثقل فيه ككل أيام الأشهر والسنوات التي خَلَتْ ..

بعد سنة ونصف , كبرَتْ الصغيرة قليلا ومعها كبرتْ صديقتها .. الصديقة كبرتْ أكثر وصارتْ أجمل وأجمل .. وفي يوم أعلمَتْهَا صديقتها بأنها تميل إلى أحدهم وشرعَتْ في تعديد محاسنه فقاطَعَتْهَا .. قالت أنها سعيدة من أجلها ثم تركَتْهَا وغادرَتْ .. بعد مدة قصيرة , قصَّتْ عليها صديقتها أنها أخطأتْ التقدير واِتّضح لها أنه غبيّ وثقيل الظل .. فرحَتْ الصغيرة لكنها أخفَتْ فرحتها .. وهكذا مرّت السنوات حتى الجامعة .. الصديقة لا تتجاوز علاقاتها الشهر وفي أحيان كثيرة الأسبوع أو لقاء وحيد لا تُكمله , أما الصغيرة فقد علمَتْ منذ سنين كل ما كان يحدث لكنها خافَتْ وفضَّلَتْ الانتظار .

الأخير الذي تكلمَتْ عنه صديقتها طال وقته , تجاوز الثلاثة أشهر .. لاحظَتْ الصغيرة أنّ صديقتها صارتْ تتحاشى الكلام عنه وعندما طلبَتْ منها لقاءَه رفضَتْ وتعلَّلَتْ بأسبابٍ كشفَتْ لها أنّ صديقتها لا تريدها أن تعرفَ حبيبها .. من يكون . هذه المرة الأمر مختلف , صديقتها تُحِبُّ , لكنها لم تفهم لماذا كانت ترفض لقاءهما ..

أثناء دراستهما الجامعية , كانتا تسكنان معا .. الصغيرة كانت على يقين من أن صديقتها تعرف كل شيء لكنها لم تستطعْ مواجهتها .. طال اِنتظارها حتى بدأَتْ تُفكِّر بمصارحتها بكل شيء .. لكنها لم تترك لها المجال ..

حدثَ ذلك ليلة سبت , الصديقة في طريقها للقاء حبيبها بعد أن تركَتْ الصغيرة في المنزل , لكنها عادَتْ أدراجها .. اِتّصلَتْ بحبيبها وأعلمَتْه بأنها لن تستطيع الحضورَ وعندما سألها عن السبب ذَكَرَتْ أنَّ الوقتَ قد حَان .. كان يعلم كل شيء ..

في تلك الأثناء , كانت الصغيرة تُحاوِل جاهدة عدم البكاء كي لا تكتشف صديقتها ذلك عند عودتها .. بكَتْ كثيرا مع قدوم هذا الأخير وعدم رحيله , لم يحدثْ لها ذلك مع من سبقوه .. كانت تبكي حظها السيء ولعنات الأقدار التي لم تَدَعْ لها أيّ أمل في الرّحيل والابتعاد , فضّلَتْ البقاء والرضا بالقليل على الرحيل وفقدان كل شيء .. لم تستطعْ حبس دموعها فبكَتْ بحرقة وبين عينيها تلك السعادة التي رأتْهَا على وجه صديقتها قبل أن تُغادِر , تلك السعادة التي لم تَرَهَا على وجهها مع كل من سبقوا هذا الأخير .. طَرْقُ الباب لم يُثْنِها فهي لا تنتظر أحدا ولا تريد رؤية أحد , تَواصَل الطرق فلم تهتمّ له لكنها اِهتمَّتْ عندما فُتِحَ الباب وخافَتْ .. ظنَّتْ أنه لص فتح الباب , فلا أجد يملك مفتاحا للباب غيرها وغير صديقتها التي غادرَتْ منذ قليل .. خوفها لم يستمرّ طويلا لأنها سمعَتْ صوتَ صديقتها يُناديها .. ذهب عنها الخوف من غريب مجهول لكن حلَّ محله الخوف من أن تكتشف صديقتها بكاءها , اِرتباكها لم يدمْ طويلا لأن صديقتها لم تُمهلها الوقت .. قرعَتْ باب الغرفة , فتحَتْهُ وظلَّتْ واقفة عنده ناظرة إليها دون أن تدخل أو أن تتكلّم ..

سألت الصغيرة وهي تمسح عينيها : ماذا تفعلين هنا ؟ ما الذي حصل في موعدك ؟
أجابتها : ألغيته ..
فسألَتْهَا عن السبب ..

نظرَتْ إليها نظرةً لم تعهَدْهَا منها , اِقتربَتْ , جثَتْ على ركبتيها ثم وضعَتْ رأسها على فخذيها .. وبكَتْ .. اِحتضنَتْ ظهرها وبقَتْ كذلك لحظات ..

لم تُصدِّقْ الصغيرة الذي يحدث ولم تفهمْ , آلمها بكاء صديقتها لكنها لم تعلمْ السبب , لم تستطعْ أن تفرح لأنها لم تعلمْ حقيقة ما يحدثُ , لكنها كانت شبهَ متأكدة من أن الأمر له علاقة بذلك الأخير الذي ربما اِنتهى وقته ..

أمسكَتْ صديقتها عن البكاء ثم شرعَتْ في الكلام .. كلامها كان واضحا قاتلا .. اِنتظرَتْ الصغيرة الراحة والانعتاق , توقّعَتْ أنّ لعنات الأقدار ستنتهي في تلك اللحظات .. لكنها أخطأَتْ التقدير ..

قالَتْ : "هو الذي بحثْتُ عنه واِنتظرتُهُ طويلا , لكني لا أستطيع أن أَرى حياةً أنتِ لستِ فيها .. ولا أستطيع أن نستمرّ هكذا وكأنَّ شيئا لم يكنْ .. لا أستطيع أن أقبل أن تتعذّبي أكثر بسببي وأن تنتظري منّي شيئا غير موجود .. سامحيني !"

ردَّتْ الصغيرة : أنتظر فقط رؤيتك سعيدة , يكفيني ذلك ....







اخر الافلام

.. مشرعون أميركيون يدعون ترامب لعدم التسليم بالرواية السعودية


.. #الكبير_الآن | شقاوة -جعيدي- و -سبرتو- من فيلم -شمس الزناتي


.. دانيال سيروار: الرواية السعودية بخصوص مقتل خاشقجي غير مقنعة




.. فرقة مسرحية ليبية تتحدى القيود


.. بتحلى الحياة – مسلسل ثورة الفلاحين – الممثلة تقلا شمعون