الحوار المتمدن - موبايل



ربيع النرجس والرمان _ فصل من روايتي (النرجس والرمان)

عباس علي العلي

2018 / 5 / 26
الادب والفن


ربيع النرجس والرمان

عندما تمطر السماء خيرا لا تترك بقعة دون أخرى السماء تمنح بركاتها دون موعد مسبق ولكن ضمن مواسم معلومة, النرجس والرمان ينتظران قطرات الماء المنهمر لتتغذى جذورهما من حياة بعثها الله بعد يأس وأياس هكذا يبادل الله صبر الإنسان وإخلاصه وثقته به بفرج جميل, ظنت أن السماء لا يمكنها أن تسمع صرخة المظلوم المكتومة، فرحت جدا وهي تستلم قرارها بالطلاق الماضي لا رجعة فيه، ستكون حرة الآن حرة وللأبد من ذنب جادت به على نفسها كثيرا لأجل أن تكفر عن خطأ لم يكن محسوبا بالتمام .
في الطريق إلى النفوس مرت على مكتب أحد أقاربها لتسأل عن أخبار قد تريحها, لم تجد أحد ممن تعرفهم في المكتب وسألت عن طارق، أخبروها أنه أنتحر بعد أن طلق زوجته وفشل في البحث عنها, نزلت دمعة من عينها ولكنها تمالكت وانصرفت دون أن تسأل عن أكثر من ذلك, أخرجت تنهيدة من صدرها وكأنها تخلصت أخيرا من عقدة الشعور بالذنب لقد كان يستحق أن يكون كذلك، لأن طريق الطمع والجشع قاتل في النهاية, أخبرته أن النهاية ليست دوما بيدك هناك جبار وعادل هو الذي يمنح العدل ويمنح التوفيق والنجاح لكنه أصم أذنيه تماما, كان حالما أن يكون وريثا لكل من يعرفه.
سعيد جدا وهو يشارك نرجس حالتها الوجدانية لربما تضامنا معها بوجه ما سماه خسة البعض، أو لربما أن تعود على عدم الخيانة والغدر بأحد, هذا الموقف الذي كان عليه طارق لا يمكن أن يبرره هو بأي عذر، بل لا يمكنه حتى قبول التفكير به, الرجل هو الذي يحنو على زوجته حتى لو كانت الملكة بلقيس يبقى الرجل رجلا ولو لم يبقى منه فقط الاسم.
المهم يشعران معا بأن أبواب السماء لا يمكن أن تغلق مرة أخرى وأن الله معهما، الوقت مضى سريعا وهما يراجعان دائرة النفوس، فقد وجد أحدا من الذين يترددون عليه في كل زيارة أخذ الأوراق منهم وطلب أن يذهبا وهو من سيجلب لهم دفتر النفوس بعد أكمال المطلوب, عادا إلى كربلاء والفرحة تزرع ورود الأمل بينهم, يراها لأول مرة تبتسم لها ضحكة لم يرى أجمل منها عادت وأحتشمت وألتفت بعباءتها .
أخبرها أنه قد شارف على الإفلاس وطلب منها أن تبحث في أغراض الوالدة، فقد كان لديها مبلغ من المال وأنه عليه أن يدفع شيئا للمحامي, قال أنا تحت يدي مبلغ كبير وكبير جدا من إيجارات البيت ومنذ سنين لم يأت أحد لاستلامه, يبقى أمانة ولا يمكن أن أمسه بأي حال, حتى الوالدة هي من تعرف صاحب البيت الذي كان يزورنا في أوقات متباعدة، الحاج رحمن هو الأخر أنقطعت أخباره ولا أعرف كيف أصل له, كان الأمر كله بيد الوالدة هي من كانت تدير كل شيء صحيح أنا الذي أستلم وأجمع الإيجارات لكنها هي من تحاسبهم وتستقطع ما ينالنا من نصيب.
عادت للبيت وذهب هو حيث يسكن منشيا ومتأملا بغد أجمل يحمل تعويضا عن كل السنين, إنها أيضا عادت مستقرة وقد غشاها الأمان وعدم الخوف من بكرة ومع رجل طيب ومضحي وأصيل وكريم مثل أبو الياس, لا يمكن لأي أحد أن يشعر معه إلا بالأمان والإخلاص والوفاء, رجل نقي نقاء برئ براءة الطفولة وحكمة العقلاء, عليها أن تتهيأ من الآن لتنعم بهدوء وأستقرار حقيقي وتبني بيتا لا تغادره الرحمة ولا تنقصه المودة .
نامت نوما عميقا كأنها كانت في عطش حقيقي لمثل هذه النومة، منذ سنين لم تصحو حتى على صلاة الفجر... جلست وكأنها متعجبة من حلم أمتد طويلا وطويلا أنتهى في هذه اللحظة تاركا لها ذكريات وأملا أكبر ,كان يحدوها العزم أن تقلب الدار رأسا على عقب، فقد اضحى الأمر لها بدون منازع وإن لم يكن هناك من ينازعها أصلا، ولكنها مخولة الآن أن تفعل كل شيء يحلو لها ويجلب السعادة لأبو الياس عجبها أن تبدأ هذه المرة بخطواتها المدروسة، ولكن بتلقائية يعززها حبها الذي تشعر بدبيبه في قلبها لأول مرة .
يشعر الكثير من أصدقاءه أنه قد تغير جديا لم يعد ذاك أبو الياس اللا أبالي الذي يقضي السهرات متنقلا من مكان لمكان دون أن يتعب أو يمل, صار جادا أكثر في العمل ويستمر في عمله حتى ساعات متأخرة من الليل حيث تغلق الحضرة أبوابها في العاشرة مساء, لم يهتم كثيرا بأصحابه حريص أن يهتم بمظهره وبكلامه أيضا، تبدلت أشياء كثيرة في حياته ,قل المترددون عليه من أصحابه ممن يتسكع هنا ليقضي يومه عاطلا منتظر أن يستغل فرصة ما للحصول على مال من أي مصدر, أصحاب المحلات من التجار أيضا لا حضوا التغير ومنهم من شجعه على الاستقامة والتوبة, لقد كان لوجود نرجس فعل السحر الذي فعل ما لم تفلح به السنون .
أخرجت كل ما في الغرفتين من أغراض وأثاث حتى جردتهما تماما كأنها مجرد جدران خالية من أثار السنوات والأيام التي مرت , حرصت أن تكون أغراض المرحومة بعيدا عن أنظار الناس والنزل, لم تقبل أي مساعدة من جاراتها لا تريد أن يعبث أحد بعالمها القادم لترسمه على مهل على روية وفق منظورها هي, مسحت الجدران من أثار قديمة غسلت الأرض مسحت الشبابيك رشت الأرض بالأسفنيك والنفط لم يعد هناك مساحة لم تصلها أدواتها التنظيفية, قضت النهار بطوله في التنظيف ومع هذا لم تنس أن تعد الغداء له وأرسلته هذه المرة بيد شاب من النزل بالموعد المحدد.
قضى نهاره يفكر في كيفية تدبير أمره بعد أن أستنفذ ما لديه من مال وأمامه مشاريع كثيرة والتزامات قادمة، تحسر على الأيام التي كان فيها يفرط المال يمينا وشمالا, لم يتعود أن يستلف من أحد ولكنه كان قد أعطى بعض أصدقاءه مبالغا يتأمل أن يسترجع شيئا منها، قد تساعده على أجتياز هذه الفترة, ترك مكانه وذهب لسوق العلاوي باحثا عن بعضهم لم يجد إلا محمد الأطرم حاول أن يبدأ معه حديث عن ما يريد، لكن هيأته لا توحي أنه يملك شيئا ما رجع قافلا ليبحث عن تدبير أخر .
أعادت نرجس أغراض البيت قطعة قُطعة محاولة أن تبقي على معالم ما كان سابقا وتعدل ما يمكن تعديله، لكنه في الأخر وجدت أن ما صار الآن لا يمت للماضي بشيء لمسات أكثر أناقة برغم بساطة الموجود منه، يد الأنثى تصنع الجمال بالدقة والتناسق المطلوب, أعادت تنظيم غرفة أبو الياس لتجعلها غرفة جلوس ورفعت كل ما ليس له علاقة بالوصف والوظيفة وعلقت بعض الصور المرسومة التي كانت مخبأ بين الأغراض, في حين لم تزل أغراض المرحومة خارجا تنتظر أن يحضر أبو الياس لتفتح صناديقها وترى ما فيها وما ينفع وتتصدق بالباقي .
عرج على المحامي ليسلمه دفتر النفوس الذي وصله توا من بغداد ويسأله عما يجب أن يفعله ويتأكد من صحة الأجراء، وأرسل في ذات الوقت من يخبرها أن لا يستطيع الحضور وعليها أن تكمل المهمة لوحدها كما أخبرها بوصل الدفتر كاملا منجزا, وصول الرسول لها زادها نشاطا وهمة وبدأت بسحب الصندوق الخشبي الكبير الى داخل الغرفة,. أخرجت المفتاح الذي استلمته من الحاجة لأول مرة من بين أغراضها، ترددت أن تفتح لكنها تذكرت أن كل ما في قد لا يتعدى أشياء بسيطة مما تحتفظ به العجائز عادة من مستلزمات النساء, لم يكن ثقيلا ما يمنعها أن ترفع طرفه لتضعه على حافة الشباك الجانبية بوضع مائل ليسهل عليها أن تخرج ما فيه شيئا فشيئا .
في محل عمله الكل يبحث عنه فقد تأخر كثيرا حتى من جاء من نرجس كان يبدو عليه الارتباك والعجلة, قال له بعد أن شاهده ينزل من مكتب السيد المحامي أن "باجي" نرجس تريدك في البيت بعد أن تنتهي من العمل وبدون تأخير لا يحتمل الأمر أي تأجيل, الجو في هذه الأيام بدأ يزداد برودة مع أول ساعات الليل والناس تنصرف باكرة لبيوتها, لملم أغراضه وأطفأ نار الموقد وجمع العدة في الصندوق الحديدي بعد أن غسل يدسه ورجليه ووجه الذي يبدو بعد الحلاقة قرمزيا مشوب ببياض, دخل محل صاحب أبو الأسنان وأستبدل ثياب العمل بثياب نظيفة بعد أن نصحته نرجس ذات مرة ومشط شعره ليبدو لمن لا يعرفه شاب في الثلاثين من العمر .
كانت نرجس التي قضت نهارها وجزء من المساء تنتظر أبو الياس على جمر متقد لا تستطيع أن تمسك نفسها عن مفاجأته بما يحب، ولا تستطيع أن تصبر حتى يعود لذا كانت تقطع الوقت بالذهاب لباب الدار الكبيرة وأحيانا تخرج منه لتنظر في الطريق عسى أن يكون قادما، لتعود وتجلس على مضض في غرفة الأم, حتى سمعت وقع أقدامه لبست عباءتها لترد السلام عليه من خلف الباب, بادرها فورا أنه اليوم قرر ترك الشراب وأنه يحاول أن يتعلم الصلاة, بقدر فرحتها بما وجدت زادها هذا الخبر فرحة مضاعفة لتقول له أدخل البيت وأترك الباب خلفك مفتوحة، أنا أيضا عندي لك ما لم تتوقعه أبدا ولن تتوقعه .
كان لديه شكوك لكنه لم يسأل عنها أن المبالغ التي يسلمها لوالدته لم تصل ليد الحاج عبد الرحمن وهو على ما يبدو صاحب البيت أو مخول بأدرانه, العجيب أنه وطول هذه السنين لم يدفع إيجار السكن أسوة بالنزل ولم يطلب أحد منه ولا من أمه أن يفعل ذلك, ما يدرك أن هذا الأمر غير طبيعي وليس من العادة أن تكون علاقة المالك بالمستأجرين كعلاقة الحاج عبد الرحمن بوالدته خاصة عندما يأت محملا بالكثير من الهدايا والأطعمة وحتى الملابس النسائية لوالدته، ظنها من ما هو معتاد, لقد غير ما في الصندوق الكثير مما كان في باله, ففيه الما يقارب سبعة ألاف دينار أو يزيد قليلا، إنها ثروة ...وثروة كثيرة كيف أمكن للزايرة حسب ما يناديها أن تحتفظ بهذا المبلغ طول هذه السنين .
قضى ليلته متقلبا لا يستطيع أن تغمض له عين من سلسلة المفاجآت التي رافقت وجود نرجس في حياته، لقد أنقلب كل شيء في كيانه عرف الحب لأول مرة ويخشى أن يبوح لأحد، لكنه متأكد أن المسألة مجرد أيام حتى تنقضي أزمته, ليس أكثر من شهر حتى تهل فرحة الزهراء قادمة بالفرح وسيطلب منها أن تنزع السواد يكفيه ما يلاقي, عليه أن يكون جادا فالأيام تجري بسرعة... وحنينه يزداد لها, لا يعرف متى تأتيه اللواعج ولكن ما يعرفه أن عاشق بصمت, ضل يتقلب ليلته حتى سمع أذان الفجر خرج من غرفته وتوضأ بما يعرف وتوجه للصلاة لكنه لا يعرف إلا الحركات ويعرف الفاتحة فقط, صلى ودعا ربه أن يتمم له ما بدأه وأن يرزقه بنرجس وليس غيرها وعاد لينام مرة أخرى .
الأوراق الكثيرة التي كانت مع المال في الصندوق تثبت أن البيت هذا يعود لوالدة أبو الياس، وأنها موهوب لها من شقيق زوجها الحاج عبد الرحمن عوضا عن حصتها وحصة ولدها في أملاك قد ورثوها من أبيهم، وموقعة من الكاتب العدل ومصدقة أيضا بتواقيع عديدة منها مختار المنطقة ورجال ممن يسكنون جوار الدار وأن جميع منافع الدار ورقبته ملكا صرفا لها ثمن ولولدها سبعة أثمان من السهام، وكذلك براءة ذمة موقع من جميع أشقاء زوجها, لفت أنتباه نرجس أن جميع ما في الصندوق من مبالغ مطابقة للحساب الذي كان يجمعه أبو اليأس وأن المبلغ غير منقوص ولا فلس فلم لم تتصرف الزايره بهذا المال طيلة هذه السنين .
أستدعى أحد أصدقاءه للحلول محله لأنه يريد أن يراجع المحامي في المحكمة حاملا معه أكثر من تساؤل وأكثر من علامة أستفهام، أطاحت بنسيج حياته وأصابته بالدوار الذي مزق نسقها البسيط التي كان يعيشها راضيا مطمئنا وهو يغوص اليوم بالكثير مما لا يعرفه, أخبره السيد المحامي أن يجلب كل الأوراق التي في الصندوق وأن يحضر عنده ومعه نرجس بعد صلاة المغرب، ليدرس ما فيها وسيتصرف على ضوء ما تجود به من معلومات وحقائق .







اخر الافلام

.. مداخلة الفنانة -درة- و -ايمي سمير غانم- للحديث عن استخدام قص


.. صباح العربية تراب الماس في صدارة أفلام العيد


.. الموسيقى تساعد مرضى الخرف من الشعور بالاكتئاب والتوتر




.. احيا وأموت على البصرة .. الغناء البصري الرائع


.. وحدة لسان الحاج.. دور إنساني يتجاوز خدمة الترجمة للحجاج