الحوار المتمدن - موبايل



دعوة للكتابة

سعيد ادريسي

2018 / 5 / 28
التربية والتعليم والبحث العلمي


أتساءل أحيانا في قرارة نفسي "ما الذي يمنع إنسانا متعلما من أن يكتب؟".
معلوم أن اﻹنسان والكائن الحي عموما يتصرف وفق ما تعلمه وتلقاه،فالطفل الصغير مثلا يتعلم المشي فلا تكاد تثبت قدمه على اﻷرض حتى ينهك والديه بكثرة حركته،وفراخ الطير ما إن ينبت ريشها وتقوى على هز الجناح حتى تجدها تعانق نسمات الريح في الفضاء.
قياسا على ذلك،فالكتابة إذن كسلوك مكتسب يتعلمه اﻹنسان منذ نعومة أظافره،تستوجب منا مزيد اهتمام و رد اعتبار،فكيف ﻹنسان متعلم أن يتخلى عن الكتابة كإحدى خصائصه المميزة التي رافقته منذ الصغر؟
في هذا السياق،يقول الأديب والمفكر اﻷردني غالب هلسا:"الكتابة أحيانا تكون بديلا عن الحياة".هنا يبدو جليا موقع الكتابة في صفحة الوجود اﻹنساني،فبواسطتها تتشكل على ظهور الورق حيوات،وعن طريقها كتب ﻷسماء عديدة الخلود والبقاء رغم موتها المادي منذ قرون أو سنوات،ولنا أن نتصفح سجل التاريخ الزاخر بأعلام الفكر والشريعة والعلم واﻷدب والسياسة والفن..إلخ،كي نتحقق من صدق دعوى هلسا.
إذا كان هذا شأن الكتابة التي لا يماري أحد في قيمتها وأهميتها البالغة،بل وحتى الجاهل اﻷمي الذي ينظر لفعل الكاتب بمداد قلمه و خط يده نظرته لصائغ ينقش حروفا على تاج من ذهب،يعترف ضمنيا بحتمية تعلم الكتابة ومراودة القلم.فيلزمنا إذن أن نكتب،لكن السؤال الذي يطفو على السطح ﻷول وهلة،والذي يحق ﻷي منا أن يطرحه،ماذا أكتب؟
إجابة على هذا السؤال،اسمح لي أن أستفزك وأدغدغ مشاعرك عزيزي القارئ بأسئلة أخرى ذات صلة بالموضوع،بل في طياتها تكمن اﻹجابة على اﻹشكال المطروح:
-ألست جديرا بالاحترام؟
-ألا تريد مقاما أرفع وأسمى في الوجود؟
-أتعدم ملكات الفهم والتحليل والنقد والتأويل؟
-أتفتقد للفكر و اﻹبداع؟
-أليس في واقعك ما يستحق الاهتمام؟
-أيعجبك هذا الواقع؟
-أترضى أن تترك اﻵخرين ليبعبروا عن ذاتك و رغباتك وحاجاتك..بدلا عنك؟
-ألا تستفزك القراءة لﻵخرين وبقاؤك عاجزا عن التعبير؟
-..إلى ما لا نهاية من اﻷسئلة المستفزة لكيان كاتب مفترض.
ليست لدي ذرة شك في قدراتك قارئي العزيز،و لكنني أسعى لغايتك نفس مسعاك رغم اختلاف السبل،فاﻷكيد أنك جدير بالاحترام شأن كل إنسان،إذن فلتكتب عن الاحترام، ارسم حدودا،ثبت قواعدا،بل ضع دستورا خاصا وصادق عليه أنت ونفسك وأناك.افرض نفسك على اﻵخرين في حدود المعقول دونما إخلال بتوازن كفتي الحق والواجب.
كذلك،أنت تريد مقاما أرفع وأسمى في الوجود،وهذا ليس معناه عدم رضاك بموقعك الحالي،بل هي طبيعة النفس اﻹنسانية التي تسعى دائما لﻷفضل من كل ناحية،سواء من حيث المكانة الاقتصادية المادية أو المعنوية القيمية و الرمزية أو غير ذلك.فلتسع إذن لتحقيق مبتغاك،اكتب عن رغباتك،طموحاتك،أحلامك،توقعاتك،اكتب عن الطبقية،عن سلم التراتب الاجتماعي،اكتب عن الفقر المدقع وعن الغنى الفاحش.عن المجاعة في الصومال وعن تخمة الاقتصاد اﻷمريكي،اكتب ما شئت وما شاء الله لك أن تكتب.
عزيزي القارئ،لك فكر وقدرة على الفهم والتحليل،والدليل أنك تقرأ لي وتفهمني،بل أنت مبدع وناقد بارع،لكن رجاء انتظر لحظة،لا تؤول كلامي بالخطأ وتنتقدني حتى تنهي القراءة، فقد أشرفت على الانتهاء كي أتركك تعبر عن فهمك وتحلل وتؤول وتنقد كما تشاء،لكنك يجب أن تكتب ﻷجل كل ذلك.أفهمت؟
في واقعنا جميعا ما يستحق الاهتمام،سواء كان يعجبنا أم كنا غير راضين عنه،لنا إذن أن نكتب،لنتغنى بجمال الطبيعة و زقزقة العصافير،ونرفع أعيننا لنتباهي بناطحات السحاب والتقدم العلمي،أو لننحني قليلا ونصف معاناة الحوامل والمرضى في مخيمات اللاجئين،وحرائق غابات الفلين،همجية نظام بنغلادش ومأساة الروهينغا،ضحكات ممثلي الشعب على مرضى الليشمانيا.فلنترك للقلم حريته في الرقص فرحا و طربا أو بؤسا وحزنا وسغبا.
أنت كيان مستقل أيها البطل،تستطيع التعبير عن ذاتك و اﻹفصاح عن رغباتك وحاجاتك،وأنا في هذه السطور لا أنوب عنك ولا أتحدث بلسانك،بل أعبر عن ذاتي،عن رغباتي وتطلعاتي،عن أملي في أن يصير كل منا كاتبا ويتسع فضاء القراءة فيفهم بعضنا بعضا،ونحلل الواقع وننقده،ونغيره،ونؤول الظواهر فنضع منطق اﻷسباب والنتائج ونسمو بالفكر اﻹنساني إلى اﻷفق البعيد.جاورني إذن في مملكة القلم و دنيا الكتابة.
لا عيب في أن نقرأ لبعضنا وتتلاقح اﻷفكار،ولا ضير في إفادة بعضنا بعضا،فالفكر يحتاج تغذية كما الجسد،واﻷرض التي لم تزرع بها بذور لا يرجى منها حصاد.لكن عين المضرة تكديس الطعام في جسد عليل،فما أحوجنا للاستفادة مما نقرأ والعمل به و إفادة اﻵخرين.
أيها الرفاق،ليكن بيننا ميثاق،وعقد اتفاق.لنقرأ أولا ونستفيد،ثم نكتب ونفيد،فالإنسان المتعلم الذي يقرأ لا تعجزه الكتابة بأي شكل ومضمون كانت،ثم إن من يقرأ له لا يعدم التمييز والانتقاء.فلنعد جميعا إلى موطن القراءة الذي نفينا عنه من زمان،ولنتصالح جميعا مع القلم الذي أعلنا عنه العصيان،ولنكتب بعدها بشتى اﻷشكال واﻷلوان،ليكشف سيل المداد الهموم واﻷحزان،أو يوقع أعذب اﻷلحان،فتلكم حياة اﻹنسان.







اخر الافلام

.. أين يضع الأثرياء موالهم؟


.. بوتين والسيسي في -جولة الليموزين-


.. عسيري يهدي السعودية أول ذهبية أولمبية




.. #الكبير_الآن | رحلة بحث -شمس الزناتي- عن -سلامة- في كمباوند


.. الموفد الأممي لسوريا دي ميستورا سيتخلى عن مهامه نهاية نوفمبر