الحوار المتمدن - موبايل



في المغرب السلطة تريد إخضاع الجميع

خديجة رياضي

2018 / 5 / 29
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي


حوار مع خديجة رياضي ، الرئيسة السابقة للجمعية المغربية لحقوق الانسان والحائزة على جائزة الأمم المتحدة لحقوق الانسان عن واقع حقوق الانسان في المغرب.

خديجة رياضي. الصورة لعبد اللطيف الحماموشي
لنبدأ من الأحداث الأخيرة التي طبعت المشهد السياسي و الحقوقي المغربي. في أوائل أبريل/نيسان الماضي اتهم وزير الداخلية المغربي عبد الوالي الفتيت، الجمعية المغربية لحقوق الانسان مع إطارين سياسيين بإشعال احتجاجات مدينة جرادة. لماذا وصفت تصريحات الوزير “بالهروب إلى الأمام“؟

وزير الداخلية يعلم أن أسباب الاحتجاجات هي الأوضاع المزرية التي يعيشها المواطنون والمواطنات، وأن المتظاهرين خرجوا للشارع من تلقاء أنفسهم للمطالبة بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية المهضومة.إلى أنه (وزير الداخلية) يحاول إخفاء فشل الدولة في تدبير عدد من الملفات، فيلجأ إلى تحميل المسؤولية للجمعيات وبعض التنظيمات السياسية، بينما المسؤول عن الوضع هو النظام السياسي. ووزير الداخلية يدرك أن وزارته هي التي تخرق القانون وتهدد الاستقرار بسياسة القمع والحصار الظالمة.فوزارته هي مصدر عدد من الانتهاكات التي تخص حرية تأسيس الجمعيات والحق في التجمعات والاحتجاجات السلمية. وهو يعلم أن هناك أحكاما قضائية كثيرة تدين وزارته في هذا المجال. ومع ذلك يتهم الجمعية المغربية لحقوق الانسان بنشر الفوضى والفتنة في جرادة وغيرها من مناطق الحراك، فأي فوضى أكبر من فوضى الانتهاك الممنهج للقوانين وضرب الحريات واحتقار الأحكام القضائية؟

تعيش المنطقة العربية–المغاربية بين مطرقة غياب الاستقرار (سوريا، ليبيا، اليمن)، و سندان عودة الاستبداد (مصر،…). ألا يشكل المغرب استثناء في المنطقة؟

في المغرب، حتى في المراحل الأكثر انفتاحا، توجد دائما خطوط حمراء تحد من الحرية لا يمكن تجاوزها، لكن السلطة في المغرب كانت تستثمر الكثير لتلميع صورتها في الخارج وتفلح في ذلك. كما يوجد نوع من القمع غير المرئي.أي لا يشعر به إلّا من يمارس عليه، يسميه البعض مازحا “سياسة القرب في مجال القمع”. فهناك بعض التنظيمات وكذلك فئة من المواطنين منهم حقوقيين أو صحافيين أو سياسيين أو فنانين يكتوون بهذا القمع أكثر من غيرهم لانهم مستهدفون لرفضهم التخلّي عن حريتهم وتشبثهم باستقلاليتهم عن النظام الذي يريد إخضاع الجميع.

كما أننا نعيش في دولة يزداد فيها يوما بعد يوم الحضور القوي للأمن، وهيمنة الأجهزة الأمنية على كل شيء، وهذا هو الخطير.

طبعا نحن لا نقارن حالة المغرب بمناطق تعرف حروبا أهلية وجرائم ضد الإنسانية. لكن هذا لن يجعلنا نصمت عن المنحى الاستبدادي الذي تسير فيه بلادنا.فمرجعيتنا ليست هي الدول التي ترزح تحت الحرب، بل مرجعيتنا تتجلى في ما التزمت به الدولة المغربية أمام المنتظم الدولي في مجال حقوق الإنسان، وهي أيضا المجتمعات الديمقراطية المستقرة والتي وصلت إلى ذلك بفضل احترام حكامها للحقوق والحريات.

كما أن الوضع الحالي في بلادنا قد لا يستمر إذا لم تكن هناك مقاربة تعتمد الحوار في حل المعضلات التي تعرفها البلاد. وفي حالة استمرار التنكر لالتزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان، وتم التمادي في سياسات النهب والفساد الاقتصادي والمالي والإداري والسياسي الحالية قد تذهب ببلادنا إلى الهاوية. وهذا ما لا نريده، ونناضل ضده، وهو ما تحاول أن تجنبه للبلاد تلك الجمعيات والتنظيمات التي تفضح هذا الواقع وتريد تغييره، وليس العكس كما قد يبدو من خلال ما تتهم به السلطة تلك الجمعيات من تهديدها للاستقرار وإشعال الفتن.

هل تؤيدين الطرح الذي يقول بأن المغرب في صدد الانتقال من السلطوية “الناعمة“إلى الديكتاتورية؟

الآن نعيش القمع والحصار وتغوّل الأجهزة الأمنية
أعتقد أن هذا صحيح، فنحن نعيش هذا التحول. بالرغم من المكاسب الجزئية في مجال حقوق الانسان التي تحققت في نهاية التسعينيات بعد اقتناع النظام السابق أن القبضة الحديدية التي حكم بها تهدد البلاد “بالسكتة القلبية” كما سمّاها، فإن تلك المكاسب كانت هشّة وقابلة للتراجع في أي وقت.ستقول لي لماذا؟ سأقول لك بسبب انعدام إرادة سياسية حقيقية وعميقة للنظام السياسي من أجل إحقاق وبناء الديمقراطية الحقيقية. لذلك فإننا اليوم نعيش تراجعا خطيرا على مستوى الوضع الحقوقي.

وهذا التراجع لم يحدث قطيعة مع ما سبق، بل أتى بتدرّج.والنتيجة هو أننا الآن نعيش القمع والحصار وتغوّل الأجهزة الأمنية. وفعلا فنحن انتقلنا من مرحلة كانت الدولة تريد الحفاظ على الحد الأدنى من السياسات المتعلّقة بحقوق الانسان، ولو بشكل شكلي وسطحي، من أجل الترويج لصورتها في المحافل والمنتديات الدولية، إلى مرحلة لم تعد تخاف على صورتها في الخارج لأنها تقارن نفسها بالدول الفاشلة في المنطقة وتشتري صمت الدول الأوروبية بخطاب الحماية من الإرهاب خاصة بعدما ساد الخطاب الأمني وسط شعوبها أيضا.فتم الهجوم على جلّ المكتسبات. وها نحن نرى مصير كل من ينتقد السلطة من خلال الاعتقالات والمحاكمات السياسية والحصار وحملات التشهير والتخوين، في سياق يطبعه تغوّل الأجهزة الأمنية. نحن فعلا في الطريق إلى عودة سنوات الرصاص.

مؤخرا تم الهجوم عليك أنت وعدد من الحقوقيين كالمعطي منجب وعبد العزيز النويضي، من طرف عدد من الجرائد التشهيرية.هل أثّر فيك ذلك؟

هذا الهجوم هو وسيلة قمعية جديدة-قديمة، التجأت لها الدولة من أجل محاولة إضعاف معنويات المناضلين، ومحاولة المسّ بسمعتهم، وهي أساليب معروفة عند أغلب الأنظمة الدكتاتورية. بالنسبة لي لم تؤثّر في، بل هي تزيدني عزما وقوة وتحثني على مواصلة النضال. فحين تواجهني السلطة والصحافة التابعة لها، يتأكد لي أنني في الطريق الصحيح.فأنا لا أنتظر منهم الشكر.

في إطار السياق الذي تحدثت عنه، والذي من خلاله يبدو أن المغرب يشهد أزمة سياسية حقيقية.هل تتوقعين إمكانية انفتاح سياسي مثل الذي كان في سنة 1998غداة حكومة التناوب، أو أن الأمور ستبقى على ما هي عليه؟

الانفتاح الذي وقع في التسعينيات ليس نتيجة ما سمي بالتناوب، بل هذا الأخير هو الذي كان نتيجة للانفتاح. فقد كان إدماج أكبر حزب ينتمي للمعارضة البرلمانية في الحكومة جزءا من خطة المخزن لإنقاذ نفسه من “السكتة القلبية”. الآن، في نظري، الشيء الوحيد الذي قد يجعل النظام السياسي المغربي يتراجع، هو قوة المقاومة، وتحرك الشارع، ولا شيء آخر يشكل رادعا له غير ذلك. فقد عرفنا منحى استبداديا مماثلا قبل عشر سنوات ولم يوقفه إلا الشارع بعد أن أخرجت حركة 20 فبراير مئات الآلاف في مظاهرات كبيرة. وما دامت المقاومة ضعيفة الآن، سيستمر تغوّل النظام. والضعف نابع من تشتت القوى المناهضة للاستبداد. فحينما تتوحّد جُل الاطارات السياسية والحقوقية بمختلف توجهاتها الايديولوجية والفكرية ضد الاستبداد، وتعمل على تجاوز كل الخلافات الثانوية والصراعات الغير مجدية، حينها من الممكن أن تفرض على النظام التراجع عن هذا القمع. وما يعرقل هذه الخطوة هو عدم وعي النخب بالمهمة الملقاة عليها، وبمسؤوليتها في هذا الظرف العصيب.

إذن هل لذلك نجدك من المدافعات عن التقارب العلماني–الاسلامي؟

أنا أعتبر أن كل من يناهض المخزن يمكن أن يجد أرضية مشتركة للعمل المشترك. فعلى كل القوى المناضلة ضد الاستبداد الاقتناع بأهمية العمل المشترك. ومع الأسف هناك تعثّرا للعمل المشترك بين القوى الديمقراطية، خاصة في صفوف اليسار. أنا شخصيا بعد تجربة حركة 20 فبراير/شباط (النسخة المغربية من الربيع العربي)، اقتنعت بأنه لا يمكن أن يكون أي تغيير بدون مشاركة كل القوى المناهضة للاستبداد والفساد. وبذلك فأنا من المنتميات إلى اليسار والمدافعات عن تقارب هذا الأخير مع القوى الاسلامية المناهضة للسلطوية والاستبداد.

الآن نمر لقضية حراك الريف. صرّح ناصر الزفزافي زعيم حراك الريف، مؤخّرا خلال جلسة محاكمته بالدار البيضاء بأن عناصر الأمن اعتدت عليه جنسيا أثناء اعتقاله، بحيث قال الزفزافي ان أحد عناصر الشرطة عمد إلى نزع سرواله وقام بإدخال عصا في دبره.

أعتبر أن ما مورس على ناصر الزفزافي، حسب تصريحاته، هو اغتصاب. وهذا مس فظيع بالكرامة الانسانية، وبالسلامة البدنية لهذا المعتقل السياسي. والأكثر فظاعة هو أن القضاء رفض أخد تصريحات الزفزافي بعين الاعتبار. بل إن التحقيق الذي صدر مؤخرا عن المحكمة أفضى بأن ليس هناك تعذيب. هذا خطير جدا، بحيث أنه يكرّس الافلات من العقاب، ويشجع استمرار هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الأنسان، خاصة ان المجلس الوطني لحقوق الإنسان (مؤسسة رسمية) قد أكد تعرض معتقلي حراك الريف للتعذيب مستدلّا بشهادات أطباء شرعيين.

ننتقل لموضوع آخر غير منفصل عن واقع الحريات في المغرب. وأنت عضوة في جمعية “الحرية الآن“المعنية بالدفاع عن حرية الصحافة في المغرب. هل ممكن أن تحدثينا عن قضية الصحفيين حميد المهداوي وتوفيق بوعشرين؟

الصحفي حميد المهداوي اعتقل بعد حضوره لمدينة الحسيمة لتغطية مسيرة احتجاجية دعا لها نشطاء الحراك.ومعروف عنه أنه كان يساند الحراك عبر كتاباته أو افتتاحيته المصورة. فاستغل النظام فرصة وجوده هناك في تلك المناسبة ليعتقله ويلفق له تهما باطلة.

وهذا أسلوب معروف لدى النظام السياسي الذي يستغل بعض المناسبات للانتقام من النشطاء والصحفيين والمعارضين المستقلين. فسبب اعتقال المهداوي ليس حضوره في مظاهرة الحسيمة، ولكن بسبب نشاطه وبسبب الملفات والقضايا التي كان يناقشها ويتطرق إليها حتى قبل الحراك، والتي كانت في بعض الأحيان شائكة، خصوصا تلك التي لها علاقة بالأجهزة الأمنية، وتورط الأخيرة في قضايا التعذيب.

اعتقال الصحفيين المتابعين للحراك، ما هو إلا محاولة من السلطة لإبعاد وإزاحة عين شاهدة على الحراك وقوته

وبالمناسبة ليس المهداوي الصحافي الوحيد المتابع على خلفية تغطية حراك الريف. بل هناك ثمانية أو تسعة صحافيين ومدونين في السجن. السلطة في المغرب ترعبها الصحافة المستقلة. واعتقال الصحفيين المتابعين للحراك، ما هو إلا محاولة من السلطة لإبعاد وإزاحة عين شاهدة على الحراك وقوته، وشاهدة كذلك على الانتهاكات التي قامت بها السلطة ضد المتظاهرين. ولهذا فإنها (السلطة) تنتقم من الصحفيين الأحرار الذين لم يقوموا إلا بعملهم. ولا يسعني إلا أن أتضامن معهم.

وبالنسبة لقضية الصحفي توفيق بوعشرين، هل تعتبر سياسية؟

أظن أن الصحفي بوعشرين، يتعرض لنفس الأمر.فقضيته قضية سياسية بامتياز. وهو في نظري لحد الآن بريء.فكما تعلم المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته في إطار محاكمة عادلة. وإذا عدنا إلى كيفية اعتقاله (اقتحام أكثر من 20 شرطي مقر جريدته) بالإضافة إلى الانتهاك الذي شاب طريقة إحالته على المحكمة، وما واكب اعتقاله من ترهيب بعض الصحفيات للضغط عليهن من أجل وضع شكوات تدين بوعشرين بالتحرش أو الاغتصاب، بالرغم من أنهن (الصحفيات) يعتبرن أنفسهن لم يتعرضن بتاتاً لأي تحرش أو اغتصاب.

هذه الضغوطات تمارسها السلطات خارج القانون. وجلّ الانتهاكات التي علم بها المحامين والحقوقيين، تبرهن على أن هناك تسييس كبير لهذا الملف.

طبعا من حق كل امرأة تعرّضت للعنف كيفما كان أن تطلب الإنصاف من القضاء، وعلى القضاء ان ينصفها ويعاقب من اعتدى عليها حسب ما ينص عليه القانون، لكن الانتهاكات الخطيرة التي واكبت هذا الملف والتي وقف عليها وفضحها محامون وحقوقيون لهم كفاءة ومصداقية كبيرة كالأستاذ عبد الرحمان بنعمرو، تبيّن أن هناك أهداف أخرى وراء هذه المتابعة ويتم توظيف معاناة النساء في ذلك.

لذلك أظن أن متابعة توفيق بوعشرين بهذه التهم الثقيلة (الإتجار بالبشر، والاغتصاب،…) التي تصل عقوبتها إلى أكثر من 30 سنة سجناً، ما هي إلا وسيلة للانتقام منه وأيضا تمرير رسائل لكل من يتشبث بخط الممانعة وعدم الرضوخ. وبالنسبة لي لا يمكن الصمت على الانتهاكات التي تشهدها هذه المحاكمة، وبالتالي فهذه الانتهاكات نفسها تمس مسا بليغا بشروط ومعايير المحاكمة العادلة.

وبهذه المناسبة لابد من التعبير عن مساندتي للنساء اللواتي رفضن الخضوع لهذه الضغوطات رغم خطورة التهديدات التي تلقينها من طرف مؤسسات لديها قوة كبيرة في دولة لا زال يسود فيها التعسّف، وامتلكن الشجاعة لقول “لا” للظلم وشهادة الزور، فتحية لهن.

هل معنى ذلك أنه ليس هناك استقلالية حقيقية للقضاء؟

بالنسبة لي فإنه، ورغم وجود بعض القضاة المستقلّين وذوي الضمير الحيّ، فإن القضاء كجهاز ليس مستقلّا. وهو ما يجعل القضاة المستقلّين يعانون بسبب استقلاليتهم. فكما تعلم فإن الاستقلالية مسألة صعبة في المغرب، ليس فقط بالنسبة للقضاة، ولكن في جل المجالات. ويكفيك أن تكون مستقلّا، سواء كُنت جمعية أو حزب أو فنان أو مثقف أو صحفي. وستؤدي الثمن، عاجلا أم آجلا.

القضاء كان ولازال آلية للقمع في يد السلطة للانتقام والترهيب
فالقضاء كان ولازال آلية للقمع في يد السلطة للانتقام والترهيب. فقضية توفيق بوعشرين مثلا ليس هدفها هو الانتقام من توفيق لوحده. ولكن هي وسيلة لترهيب الآخرين، وتوجيه رسائل للمنتقدين والمناضلين والمنظمات والأكاديميين وأصحاب الأقلام الحرة والمستقلة.كأن الدولة تريد أن تقول من خلال ذلك “ها هو مصيركم يا أيها المستقلين والمستقلات، إذا استمر تعنتكم وتشبثكم بأفكاركم الحرّة، فنحن مستعدون وقادرون في أي لحظة، أن نلفق لكم تهما ثقيلة”. هذا هو ما تريد أن تقوله لنا الدولة.

بماذا تفسرين منعك مؤخرا من تأطير نشاط في مدينة بني ملال؟

في الحقيقة المنع لا يستهدفني لوحدي، ولكن يستهدف كذلك الجمعية المغربية لحقوق الانسان التي نظّمت النشاط. ومعروف أنه منذ سنة 2014 والجمعية تتعرّض لحصار ممنهج من طرف الدولة. صحيح تقريبا أن جميع الأنشطة التي أشارك فيها يتم منعها، إلى أنني لست الوحيدة التي أتعرّض للمنع. فكافة المناضلين والنشطاء المستقلين عن النظام يتم منعهم والتضييق عليهم. لكن في حالة بني ملال لن أخفيك أن ذلك المنع تكلّمت عنه الصحافة كثيرا فكان أن ساهم في التعريف أكثر بالنشاط مما جعل القمع يعطي مفعولا عكسيا، خاصة أن الندوة تمت في كل الأحوال في مقر الجمعية وحضرها كل من جاء للحضور في المقر الأول.

هل فعلا أنتم عدميين كما يُروّج البعض؟ أقصد الجمعية المغربية لحقوق الانسان.

السلطة هي التي تقول أننا عدميين، وهذا كذب.فهي تحاول أن تنزع المصداقية عن تقاريرنا ومواقفنا. لكن لسوء حظها أن الجمعية انتزعت اعترافا دوليا من الأمم المتحدة يؤكد أنها جمعية مستقلّة ومهنية وذات مصداقية دولية و تأثير عالمي، وهذا ما جعل السلطة تشدّد من هجومها على الجمعية في محاولة يائسة للمس بتلك المكانة العالمية التي وصلت إليها.

ومن سوء حظ السلطة أيضا أن الجمعية ليست الوحيدة التي تتابع أوضاع حقوق الإنسان بالمغرب. فما تقوله الجمعية عن المغرب نجده في كل التقارير التي تصدر حول المغرب من طرف اغلب المنظمات والهيئات الدولية بما فيها التابعة لمنظمة الأمم المتحدة.

ثم إن ما يوضح كذب السلطة هو أن الجمعية تثمن دائما المسائل الإيجابية التي يتم تحقيقها، وتعترف بها، فهي ــ على أي حال ــ نتيجة لنضال الحركة الحقوقية. مثلا عند صدور توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة قالت عنها الجمعية أنها كلها إيجابية، وطالبت بتنفيذها، لكن لم ينفذ منها إلا القليل. كذلك بالنسبة للدستور الذي صدر سنة 2011 ، فقد قامت الجمعية بجرد إيجابياته وانتقدت سلبياته، والمشكل أنه (الدستور) ينتهك يوميا من طرف واضعيه ؛ بل و سبق للجمعية أن أصدرت بيانا خاصا بالتنويه بأحد التقارير الصادرة عن المجلس الوطني لحقوق الانسان (مؤسسة رسمية) حول أوضاع السجون…لكن توصياته لم تنفذ ؛ كما وقعت الجمعية اتفاقية شراكة مع وزارة التربية الوطنية من أجل نشر قيم حقوق الإنسان في الوسط التعليمي، لكن الحكومة أوقفتها رغم نجاحها؛ وأيضا شاركت الجمعية القطاعات الحكومية في بلورة الأرضية المواطنة لنشر ثقافة حقوق الإنسان واعتبرتها جد إيجابية، لكنها وضعت في الرف دون تنزيل…

وكل هذا على سبيل المثال لا الحصر. والمشكل الذي ترفض السلطة الاعتراف به هو أن أغلب تلك الإيجابيات والإنجازات بقيت حبرا على ورق ولم تغير الأوضاع المتردية لحقوق الإنسان، وهو ما تقف عنده أغلب الجمعيات ذات المصداقية، من عدم تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وعدم تطبيق الأرضية المواطنة لنشر ثقافة حقوق الإنسان، والانتهاك المستمر لدستور 2011، وعدم تنفيذ ما جاءت به تقارير المجلس الوطني لحقوق الإنسان، على علاتها… إلخ. من خلال هذا يتضح أن السلطة تريد جمعية تصفق فقط ولا تنتقد ولا تفضح العيوب، وهذا لن يكون لها، فلن تلتحق أبدا الجمعية بجوقة الجمعيات التي تدور في فلك السلطة وتتملق لها وتدافع عنها أمام أجهزة الأمم المتحدة، لأنها جمعية مستقلة ومتشبثة باستقلاليتها.

أخيرا إذا طلبت منك أن توجهي رسالة إلى السلطة ، ماذا تقولين؟

رسالتي إلى السلطة، إذا كانت تنصت للرسائل، لأنها لا تتقن الإنصات. أقول لها: إذا استمرت في تعميقها لمعاناة الشعب، وأمعنت في الظلم الذي تمارسه ضده بسياساتها التعسفية، وواصلت عدم الانصات إلى الرسائل القوية التي تنبع من أشكاله النضالية الحضارية من خلال الاحتجاجات السلمية، أو من خلال المقاطعة العارمة والناجحة لبعض المواد الغذائية مؤخراً بسبب الغلاء، فإنها ستدفع به إلى استعمال أشكال أخرى لإسماع صوته قد تكون جد مكلفة، لأن السيل وصل الزبى، والشعب المغربي تغير، ولم يعد قادرا على الصبر تحت الظلم والاستبداد. وإذا كانت تعتقد أن تشديد العنف والقمع سيرجع الخوف للناس بعد أن تخلصوا منه بفضل حركة 20 فبراير، فإنها واهمة.







التعليقات


1 - تحية للسيدة خديجة رياضي
حميد فكري ( 2018 / 5 / 30 - 01:20 )
تحية للسيدة خديجة رياضي .
الملاحظة الوحيدة ,هي مسألة النضال المشترك بين القوى اليسارية والمتأسلمة ,التاريخ يتبث خطأ هذا النوع من النضال المشترك ولو في حده الأدنى .والتاريخ كما هو معروف ,لايعيد نفسه إلا في شكل مهزلة أو مأساة .

اخر الافلام

.. المرصد السوري يعلن اكتمال إجلاء سكان الفوعة وكفريا | الليلة


.. سكاي نيوز عربية ترصد التطورات الميدانية في جبهة صعدة


.. الحصاد- إسرائيل.. قانون الدولة القومية




.. قانون الدولة القومية في إسرائيل.. التوقيت والمخاطر


.. اتفاق لوقف إطلاق النار في القنيطرة بسوريا