الحوار المتمدن - موبايل



حوار حول ملفات كردية مختلفة

بير رستم

2018 / 5 / 29
القضية الكردية


الحوار أجراه بدر حسين
1- برأيك، ما هي أسباب فشل قيام دولة كردية بعد الحرب العالمية الأولى وحتى يومنا هذا؟

ونحن على مسافة قرن من تلك الأحداث والمسارات والمعاهدات والخرائط التي رسمت وقسمت المنطقة وأحدثت دول جديدة، كانت قبل سنوات من ذلك التاريخ حلماً لشعوبها بأن تحقق كيانها السياسي، لكن مع ذلك فقد تلاقت المصالح الدولية مع مصالح تلك المكونات والقوميات لقيام تلك الدول والمشايخ والممالك بالإضافة إلى توفر العامل الوطني الداخلي من وعي سياسي لنخب فكرية وطنية استفادت من الخبرة والتجربة الأوربية، لبناء أحزاب وحركات قادت شعوبها؛ لنيل الحرية والاستقلال وبالتالي إنهاء احتلال عثماني بغيض دام قرابة خمسة قرون لتلك الشعوب والبلدان.

إذاً وبالعودة لتلك المرحلة حيث الخلافة العثمانية "الإسلامية" تعيش أضعف مراحلها التاريخية ولتوصف بـ"الرجل المريض"، مما يدفع بالغرب لأن يعودوا مجدداً لمنطقة الشرق الأوسط بعد ثمانية قرون من إخراجهم منها وذلك على اثر الهزيمة النكراء لهم في حروبهم الصليبية والتي كانت على يد أحد فرسان الشرق الصناديد؛ "السلطان صلاح الدين الأيوبي"، فها هم يعودون ليعيدوا إخضاع المنطقة لنفوذهم ومصالحهم ولكن ليس من منطلق ديني وإنما اقتصادي تجاري وبالتالي وجدنا انتداب أسياد العالم حينذاك _الإنكليز والفرنسيين_ على جغرافيات المنطقة ولإنجاح مشروعهم السياسي كان لا بد من إعطاء بعض الحقوق لشعوب المنطقة وعلى الأخص العربية بحيث يتم لهم الاستقرار والاستثمار وعلى الأخص بعد اكتشاف النفط في منطقة الخليج.

وهكذا يمكننا القول وبإيجاز؛ أن تلاقي المصالح الغربية مع أعراق وقوميات كالعرب من جهة أو كعامل أول والعامل الآخر؛ توفر النخب السياسية القيادية القادرة على قيادة شعوبها في تلك المرحلة، قد شكلا القاعدتين الأساسيتين للمنجز السياسي لهم في حين فقد شعبنا وللأسف لتلك النخب القيادية القادرة على قيادة المرحلة وذلك لعوامل عدة؛ حيث التخلف والتبعية والواقع القبلي العشائري للمجتمع الكردي وكذلك هيمنة الفكر الديني على القومي، كلها مجتمعةً ساهمت في إفشال بعض النخب الوطنية لإيصال القضية الكردية للنقطة والهدف المنشود؛ ألا وهو الاستقلال وتأسيس الوطن الكردستاني أسوةً بباقي الشعوب التي تحررت من سيطرة الخلافة العثمانية.

2- ما هي العوامل التي ساهمت في تنشيط الدور السياسي الكردي مؤخراً على الصعيد الإقليمي والدولي؟

بكل تأكيد هناك عوامل عدة ساهمت _وما تزال_ في "تنشيط الدور السياسي الكردي مؤخراً"؛ حيث من جهة قضية التعليم وتوفر الكادر المختص في مختلف المجالات العلمية والأدبية وذلك بعد أن كان شعبنا وعلى مدى قرون محروماً من تلك النخب الفكرية الثقافية وإن توفرت فهي تتنكر لقوميتها لأسباب دينية ومجتمعية عدة يطول الشرح والخوض فيها، لكن أغلبها تتمحور حول قضية "العقد الدونية" تجاه القوميات السائدة حيث كنت تجد الأغلبية المطلقة لتلك النخب الثقافية تتنكر للأصل الكردي لصالح الديني الوافد وأحياناً حتى القومي حيث كان البعض ينكر كرديته ويدعي التتريك أو التعريب والتفريس.

لكن وكما قلنا بالبداية وبعد أن توفرت فرص التعليم لأبناء الشرائح المجتمعية الوسطى والفقيرة ووصول البعض من هؤلاء للمجتمعات الغربية الأوربية والاطلاع على تجارب وثقافات وحركات تلك الشعوب، بعد أن ساهم الوضع الاقتصادي لإيفاد أولئك الأبناء لتلك البلدان .. وكذلك نجاح الثورة البلشفية وتبنيها لقضية دعم حركات التحرر في العالم ورغم أن شعبنا في بعض الأجزاء أصبح مرة أخرى ضحية مصالح الدول الاشتراكية والدولة الشيوعية البلشفية السوفيتية، إلا أن الجانب النظري والفلسفي للحركة الشيوعية وقضية دعم حركات التحرر مع توفر الكادر الثقافي، كما أكدنا عليه ورغبة هذه النخب في الاستفادة من تجربة الثورات الأوربية لتعزيز الشعور القومي، فقد توجه بعض أفراد من هذه النخب الكردية إلى تأسيس حركات وأحزاب سياسية لتقود الحركة الوطنية الكردية بعد أن كانت تقاد من بعض رجال الدين والمشايخ في المراحل السابقة.

وهكذا فإن نشوء وتكوين الجمعيات والأحزاب السياسية الكردية بعد الحرب العالمية الثانية حيث تم تأسيس أول حزب سياسي كردي كردستاني عام 1945 "الحزب الديمقراطي الكردستاني" وقد سبق ذاك الحدث التاريخي وبسنوات تأسيس بعض الجمعيات الثقافية والأدبية على يد مثقفين ومتنورين من أبناء هذه الأمة مثل العائلة البدرخانية والتي تعتبر بحق رواد الثقافة والإعلام الكردي .. إذاً يمكن القول؛ بأن الأحزاب ساهمت وما تزال تساهم وبفعالية في تنشيط الدور السياسي الكردي، إن كان على الصعيد الإقليمي أو الدولي حيث الجالية الكردية في بلدان المهجر وكجزء من نشاط حزبي ساهم وتساهم في إيصال القضية الكردية للآخرين.

3- كيف كانت علاقة الحكومة السورية مع الأكراد والأحزاب الكردية قبل وبعد الأزمة السورية؟

للأسف وبعد هيمنة حزب البعث بفكره ونهجه العروبي العنصري على مقاليد السلطة في البلد فقد تعاملت السلطات السورية مع مختلف الملفات والقضايا الوطنية وعلى الأخص الملف الكردي، بعقلية أمنية بوليسية حيث كان مصير أي ناشط سياسي كردي الملاحقات الأمنية والاعتقال والسجن بتهمة "الانتساب لجمعية سرية والعمل على اقتطاع جزء من جغرافية الوطن وإلحاقها بدولة أجنبية" وبموجبها كان يحكم على أبناء شعبنا والكوادر الحزبية السياسية وكذلك الثقافية، بسنوات من السجن والتعذيب وأحياناً التصفيات الجسدية في تلك الأقبية الأمنية .. وهكذا فقد تعاملت الحكومة السورية وعلى مدى عقود خمسة بـ"منطق الإنكار والنفي" لقضية وطنية وشعب وجغرافية أخرى ضمن الخارطة السورية. إن هذه العقلية الإقصائية ونتيجةً للضخ الإعلامي اليومي في الشارع السوري، باتت جزء من الوعي الشعبي، بل باتت كذلك النخب الثقافية والسياسية العربية _حتى المعارضة_ تروج لتلك الأفكار كـ"جزء من الواقع والحقيقة" وبأن سوريا هي فقط تتكون من شعب وجغرافية واحدة عربية ولا خصوصية أو وجود كردي سكاني وجغرافي ولذلك تجد حتى من عانى من استبداد النظام السوري من النخب العربية خلال سنوات العمل السري، بأنه يتنكر لأي وجود جيوسياسي كردي في سوريا، كون تم رسخ تلك القناعات في الذهنية العربية؛ بأن "سوريا عربية أرضاً وشعباً".

طبعاً تلك العقلية والذهنية لم تتغير لدى النخب العربية _إن كانت تلك التي بقيت مع النظام أو المعارضة_ مع بعض الاستثناءات هنا وهناك وكذلك بعض الانزياحات لمواقف البعض الآخر، لكن في العموم ما زالت تلك الذهنية هي السائدة في الأوساط العربية عموماً وبالتالي ووفق ذاك المبدأ فقد تعامل طرفي الصراع مع الكرد على أساس إنهم جزء من المشكلة والمعضلة وأن أفضل طريقة للتعامل معهم هو ترحيل الملف الكردي وتأجيل فتح الصراع معهم لأجل التفرغ للصراع الأساسي مع الطرف الآخر ومن بعد حسم المعركة يكون التفرغ لهذا العنصر المزعج .. وهكذا وانطلاقاً من هذه القناعة فقد سلم النظام المناطق الكردية لطرف سياسي كردي _حركة المجتمع الديمقراطي_ وهو يهدف لتجنيب فتح جبهة أخرى مع الكرد وبالتالي التأثير على سير المعارك مع المعارضة وحين الانتهاء من المعركة الأساسية يكون أمر الكرد سهلاً لإعادتهم للمثول والطاعة والخضوع مرة أخرى، كذلك المعارضة هي الأخرى تعاملت وفق العقلية تلك مع الملف والطرف الكردي الآخر _المجلس الوطني الكردي_ حيث تأجيل المشروع والملف إلى ما بعد التخلص من النظام السوري وفق إدعاءاتهم ونخبهم السياسية.

4- هل وصول حزب البعث إلى الحكم أثر على الكيان الكردي؟ وكيف أثر؟ وما الايجابيات والسلبيات؟

إن وصول حزب البعث للحكم كان كارثياً على مختلف الصعد، كارثياً على مستوى الوطن والدولة والسياسة والاقتصاد والمجتمع والعلاقات البينية داخل البنية الاجتماعية السورية حيث وبعد جلاء كل من الاحتلال العثماني والغربي وتشكيل الجمعية الوطنية السورية وكتابة أو الموافقة على دستور ديمقراطي، بمقاييس مرحلة الخمسينيات من القرن الماضي ولتكون سوريا بلداً ووطناً لكل مكوناتها المجتمعية والأقوامية، جاء البعث للسلطة على أثر موجة عنصرية قومية، ليتنكر لغير العرب والعروبة وجوداً ديموغرافياً حضارياً .. وبالتالي محاولة إصباغ سوريا باللون والفكر العروبي البعثي وبهذه الذهنية هي ألغت كل التنوع الثقافي والحضاري لسوريا، رغم إنها كانت شهدت قبل ذلك تولي عدد من الشخصيات الكردية مراكز سياسية في الحكومة والدولة السورية ومنها أعلى سلطة في البلد؛ أي رئاسة الدولة السورية مثل الرئيس "حسني الزعيم" ورئيس وزرائه "محسن البرازي"، لكن جاء حزب البعث لينكر وجود الكرد والجغرافية الكردية الملحقة بالدولة السورية الحديثة حيث أعتبر الوجود الكردي "وجوداً طارئاً مهاجراً لأطراف الدولة العروبية البعثية".

وهكذا تم تجريد ما يقارب مائتي ألف في الستينيات من القرن الماضي من أبناء شعبنا الكردي من الجنسية السورية، ناهيكم عن مشاريع عنصرية أخرى أجريت بحق الشعب الكردي؛ مثل ما سمي بـ"الحزام العربي" والذي تم بموجبه حرمان الكرد من الإصلاح الزراعي وجلب عوائل عربية للإسكان في القرى والمناطق الكردية وإعطائهم مساحات شاسعة من أراضي المنطقة الكردية وذلك بهدف التغيير الديموغرافي لمناطقنا وتشكيل حاجز ديموغرافي داخل الجغرافية الكردستانية بحيث يتم الفصل بين أبناء الأمة والشعب الواحد في كل من (سوريا وتركيا). وهكذا فقد نهج حزب البعث ومنذ الأيام الأولى لتولي الحكم، بل حتى قبل توليه للسلطة، منهجاً سياسياً معادياً للكرد ووجودهم ودورهم وتاريخهم وقد تمظهرت الحالة العدائية للبعث تجاه المسألة الكردية من خلال تبنيه لمشروع ضابط الاستخبارات في الجزيرة؛ "محمد طلب هلال" والذي يبز المشروع النازي في قضية العنصرية.

وبالتالي فإن المشروع البعثي عموماً عمل وبمنهجية لتصفية المسألة والوجود الكردي في سوريا خلال المرحلة التاريخية السابقة، لكن وكما قلنا من خلال الإجابة على السؤال الثاني، بأن النخب الفكرية والثقافية ومن ثم الأحزاب ونخبها القيادية السياسية، قد لعبت دوراً فاعلاً للحفاظ على هذا الوجود المجتمعي والسياسي لشعبنا .. وهكذا فإن البعث كان يعتبر أكبر تهديد لوجود شعبنا وهويته الوطنية ولذلك فإن المشروع البعثي العروبي وبالعموم كان سلبياً للكرد وقضيتهم الوطنية وإن كان له بعض الايجابيات على الصعد الاجتماعية فيمكن أن نعتبرها جزء من منهجية ذاك الحزب والتوجه العلماني له وللمجتمع والذي ساهم لحد ما في انتشار التعليم المجاني في سوريا وضمناً المناطق الكردية، مما ساهم في بلورة نخب ثقافية كردية، كما أسلفنا على ذكر ذلك في الأجوبة السابقة.

5- كيف يمكن أن تلخص العلاقة الكردية-التركية قبل وبعد تدهور العلاقة التركية الأوروبية؟

كانت وما زالت تشكل تركيا الخطر الأكبر على القضية الكردية وبكل تأكيد هذه الخطورة تأتي من نواحي عدة؛ تتعلق بالجانب التاريخي والحضاري للدولة العثمانية وهيمنة العنصر التركي على مقاليد الخلافة والدولة وتسخير الدين للتحكم بالمكونات الأقوامية الغير تركية وعلى الأخص الكرد .. وبالتالي تسخيرهم _على الأقل الغالبية العظمى منهم، وليومنا هذا_ لصالح أجنداتهم ومشاريعهم السياسية والتي تتعارض على الأغلب مع المصلحة الكردية وكذلك فإن تلك الخطورة تأتي من حيث الجغرافية والوجود الديموغرافي الكردي - الكردستاني الذي يخضع للدولة التركية والتي تجعل من المسألة الكردية في ذاك الجزء الكردستاني مركز الثقل الوطني والسياسي لشعبنا ولذلك فإن حل المسألة الكردية في (تركيا)، كمركز ثقل، تعتبر مفتاح الحل لكل الملفات الكردية في الأجزاء الأخرى، ناهيكم عن أهمية تركيا كدولة توازن في المشروع الأوراسي وبالتالي فإن العلاقات الكردية التركية كانت دائماً تتميز بالحساسية ومركز ثقل التوازن للمسألة الكردية.

وللأسف فإن تلك العلاقة تميزت دائماً بالصراع والحروب بين الطرفين وإن كانت في مراحل القوة للخلافة العثمانية خضعت لمبدأ الإلحاق والتبعية والخضوع للسلطنة العثمانية، كما حال كل الشعوب التي كانت خاضعة للخلافة .. وهكذا فقد أخضع الكرد مثل بقية شعوب وأمم وملل الخلافة لسيادة ونفوذ العنصر العثماني ورغم ذلك فقد شهدت مراحل تاريخية محاولات كردية للخلاص من ذاك النفوذ السياسي، كما تُحدثنا صفحات التاريخ، لكن وللأسف فقد كان مصير كل تلك المحاولات والانتفاضات والثورات الكردية الفشل ونصب لزعمائها أعواد المشانق، مثل ثورات "ديرسم" و"شيخ سعيد بيران" و"علي رضا" وغيرها من الثورات الكردية التي قامت في وجه الخلافة العثمانية والاحتلال التركي وصولاً للثورة الكردية الأخيرة مع طلائع "حزب العمال الكردستاني" وذلك في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، عندما قرر الحزب خوض الكفاح المسلح عام 1984 .. وهكذا فقد كانت العلاقة مع الجانب التركي دائماً علاقة صراع قبل وبعد الخلاف التركي الأوربي، لكن ربما هذا الخلاف الأخير بين الحليفين السابقين _تركيا وأوربا_ أعطى الكرد المزيد من الأمل؛ بأن تتوفر الظروف والمناخات المناسبة لنيل الحرية والاستقلال في المراحل القادمة.

6- برأيك، هل يؤثر تقارب كردستان (العراق) مع تركيا على القضية الكردية في سورية (روجافا)؟ كيف؟

تركيا وبعد أن كانت ترفض الاعتراف والتعامل مع إقليم كردستان (العراق) والتي ما زالت ترفض حتى اللحظة تسمية الإقليم بالاسم الكردستاني وذلك على الرغم من الإقرار الدستوري للدولة العراقية بالدولة والنظام الفيدرالي ووجود إقليم كوردستاني وبالتالي فمن الواجب والعرف الدبلوماسي؛ بأن تتعامل تركيا بذاك الاسم مع الإقليم، إلا إنها ما زالت تصر على تسميته بـ(شمال العراق)، كما كان النظام العراق السابق على أيام الطاغية "صدام حسين" يسمي المناطق الكردية، بل هي _أي تركيا_ رفضت دخول قوات التحالف الدولي من الجانب التركي رغم إنها عضو بالناتو وذلك عندما قرر التحالف ضرب النظام العراقي عام 2003 حيث تحسبت حينذاك من هكذا يوم وبأن يصبح الكرد رقماً صعباً في المعادلات العراقية والإقليمية، لكن وبعد الأزمة السورية وبروز الدور الكردي في "روج آفا" وذلك على الرغم من محاولات تركيا الحثيثة بوأد التجربة في أيامها الأولى بحيث وصلت الأمور بها إلى أن تراهن على تحالفاتها الإقليمية والدولية لوأد التجربة الوليدة وقد صرح كل القيادات التركية وعلى أعلى المستويات، بأنهم "لن يسمحوا بإعادة تجربة العراق في سوريا وبالتالي تشكيل دولة كردية على حدودهم الجنوبية".

بل وصل الأمر بالرئيس التركي "رجب طيب اردوغان" وأعضاء حكومته العتيدة، أن يدفعوا بالقضية _قضية الكيان الوليد في روج آفا_ إلى قضية مصيرية لهم ولعلاقاتهم مع أهم وأكبر حليف لهم؛ الأمريكان وذلك عندما خيرّوهم بين العلاقة معهم أو مع "حزب الاتحاد الديمقراطي" والكرد عموماً وقد وجدنا بأن الموقف الأمريكي انحاز للكرد رغم أن الأمريكان تعاملوا مع الملف من منطلق سياسة خطوة خطوة أو ما يمكن تعريفه بفرض سياساتها من خلال القوة الناعمة، كما تفعلها عندما لا تريد أن تذهب للمواجهة العسكرية المباشرة وذلك لأسباب عدة، لكن تركيا أدركت بأن الموقف الأمريكي منحاز للكرد ولذلك رأينا تغير مواقف الحكومة التركية بدرجة مائة وثمانون درجة في بوصلة علاقاتها مع جيرانها وتشكيل تحالفات جديدة إقليمية دولية حيث وبعد أن كانت روسيا تعتبر دولة غير صديقة ووصل الأمر بينهم لمواجهة شبه عسكرية مع إسقاط الطائرة الروسية، أصبح الرئيس الروسي فجأة الصديق الحميم للسيد أردوغان.

وهكذا ومن ضمن الذين شملهم تغيير البوصلة التركية في قائمة الحلفاء كان الكيان الكردي في الإقليم الكردستاني حيث بدأت العلاقات والزيارات وتأسيس الشركات .. وبالتالي فإن العلاقة المبنية أساساً على خوف تركي من دور كردي في "روج آفا" سيكون بكل تأكيد على حساب هذه التجربة الفتية وللأسف. وهكذا فإن قيادة إقليم كردستان بهذا أو ذاك الشكل تساهم في تلك السياسات التركية المعادية لروج آفاي كردستان، رغم إدراكنا لحاجة الإقليم لمعبر تجاري كرئة تنفس لها وبأن تركيا تستغل هذه الحاجة بشكل جد سلبي ضد أبناء "روج آفا".

7- برأيك، هل أصبحت القضية الكردية ورقة مساومة بين القوى الإقليمية والدولية في المنطقة؟ وهل تم استغلال القضية الكردية أو الأكراد لخدمة مصالحهم؟

بكل تأكيد كل طرف يحاول أن يستفيد من الأطراف الأخرى أو استخدام بعض الأطراف كأوراق ضغط ومساومة ودائماً يكون الطرف الأضعف ورقة بيد الآخر الأقوى، لكن أحياناً ونتيجة لظروف ومصالح جيواستراتيجية تجعل من الطرف الضعيف بأن يصبح هو الآخر لاعباً وشريكاً أساسياً، كما فعلتها الظروف مع العرب قبل قرن كامل من الآن وشكلوا على أثر ذلك بلدان ودول، فها هي الظروف تأتي لصالح الكرد هذه المرة ليصبحوا شركاء ولاعبين جدد مع الآخرين في المنطقة .. ولذلك ورغم محاولة كل الأطراف جعل الكرد ورقة مساومة واستغلال الواقع السياسي المتشرذم والضعيف لهم ليكونوا "حصان طروادة" ضد مشاريع وأجندات الآخرين، إلا أن بطولة شعبنا وإرادته ومصالح الغرب والأمريكان، جعل من الكرد أحد الأرقام الصعبة في المعادلة السورية، بعدما كانوا لا يشكلون إلا ملفاً أمنياً على طاولة ضابط استخباراتي أمني سوري ولذلك يمكننا القول؛ بأن الكرد هم أكثر المستفيدين من الواقع الجديد وذلك على الرغم من أحاديث البعض بأن: ((الكرد ليسوا أكثر من حجر شطرنج أو كرت محروق وسوف يرمى بهم مع انفراج سياسي في البلد))، لكن ينسى هؤلاء بأن عجلة التاريخ لا تعود للخلف وبالتالي فإن الكرد لن يعودوا للمربع الأول، كما كانوا قبل الأزمة السورية.

8- هل تعتقد بأن القضية الكردية سوف تحرز تقدماً على الصعيد الدولي بسبب سياسات تركيا وسوريا الخارجية؟ والى أي مدى يمكن للأكراد أن يستفيدوا من هذا التوتر السياسي التركي-السوري-الغربي؟

الكرد وكما نوهت من خلال السؤال السابق؛ لن يعودوا كما كانوا قبل عام 2011 _أي عبارة عن ملف أمني سوري_ بل باتوا رقماً سياسياُ حقيقياً في المعادلة السورية وبالتالي فمن يريد حقاً البحث عن حلول وطنية في سورية، عليه أن يضع في الحسبان الوجود والدور الحضاري والتاريخي الكردي وجغرافيتهم السياسية وبالتالي فعليه أن يضع نصب عينيه بأن؛ لا حلول وطنية حقيقية في سوريا دون هذا الشريك السياسي الحضاري _أي الكرد_ وإلا فهو يتعامى عن الحقيقة والواقع، أما المراهنين على خروج الأمريكان من المنطقة أو التخلي عن الكرد وبأن شعبنا وقضيتنا سوف تصبح لقمة سائغة لهم، فإننا نقول لهم؛ سوف يلزمكم الكثير لتدركوا كيف تمارس السياسة وكيف تدار الملفات الإقليمية والدولية في دوائر هذه الدول السيادية في الغرب حيث هم بحاجة لإعادة ترتيب خرائط وفق مصالح لدول مركزية وبالتالي فإن هذه الفوضى التي أحدثت في المنطقة، كانت بالأساس لإعادة تقسيمها وترتيبها من جديد والبحث عن حلفاء جدد قادرين على الحفاظ على مصالحهم الإستراتيجية .. والكرد حالياً هم أفضل من هو قادر على القيام بذاك الدور الحيوي الفاعل وأعتقد بأن القيادات الكردية وشعبنا أجادوا لعب الدور المطلوب منهم واستفادوا بشكل كبير من الخلافات الإقليمية وكذلك الدولية وذلك لخدمة أهدافهم ومشروعهم السياسي.

9- كيف يمكن أن تلخص الوضع الكردي الاجتماعي الثقافي الإنساني في ظل حزب البعث في سورية؟ وفي ظل حزب العدالة والتنمية في تركيا؟

إن واقع البلدين والمجتمعين مختلف لدرجة ما _ونقصد سوريا وتركيا_ وذلك على الرغم من الكثير من وشائج التواصل الاجتماعي والحضاري بحكم الجوار الجغرافي والعلاقة التاريخية ضمن الخلافة العثمانية، لكن فصل الحدود بين الجغرافيتين ولمدة تقارب المائة عام خلق واقعين مختلفين حيث تركيا وبعد التجربة القومية الكمالية في أوربنة تركيا؛ بمعنى جعلها أوربية .. ومن ثم مجيء حزب العدالة والتنمية بمشروعها السياسي الإسلامي _الإخواني المعدل_ فإن واقع تركيا يختلف عن التجربة السورية مع الفكر والنهج البعثي وعلمانية الدولة ذات التوجه الاشتراكي في المراحل الأولى ومن ثم تحولها للدولة البوليسية القمعية بعد أحداث الثمانينات بين النظام السوري وحركة الإخوان المسلمين .. وهكذا فإن الواقع الكردي _ثقافياً وسياسياً_ شهد مع وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة في تركيا بعض الانفراج وذلك بعدما كان يرزح تحت ضغوطات عنصرية قومية جد متشددة في زمن هيمنة الحركة الكمالية والعسكر، بينما سوريا ورغم كل مشاريعها العنصرية وعلى الأخص بعد شعور النظام بخطورة الحركات الإسلامية وعلى رأسها الإخوان، فإنها أعطت بعض الهامش الديمقراطي _"الغير دستوري"_ للكرد وحركتهم السياسية بالتحرك ضمن المناطق الكردية، بل واحتضنت الحركتين الكرديتين في كل من (العراق وتركيا) لاحقاً.

وهكذا فقد شهدت الساحة السورية وخلال أعوام التسعينيات ولبداية هذه الألفية بعض الحراك السياسي والثقافي والمجتمعي حيث شهدنا نشاطاً ثقافياً وحركة تنويرية وطباعة للكتب وذلك رغم الملاحقات والضغوطات الأمنية بين فترة وأخرى وربما تعتبر تجربة "كوما خاني" الثقافية في حلب خير ما نستشهد به كحراك ثقافي لتلك المرحلة والحقبة التاريخية وبالمقابل وكما أسلفنا وبعد وصول حزب العدالة والتنمية، فإن ساحة كردستان (تركيا) هي الأخرى شهدت حركة ثقافية كبيرة وشهدت تلك الساحة حركة طباعة وتأليف ونشر للعديد من الدوريات والمجلات والكتب وزخرت رفوف مكتباتها بنتاج المثقفين الكرد، بل شهدت كذلك عدد من الفعاليات والمهرجانات وإن كانت تحت مسميات غير كردية كردستانية، مثل المهرجان الثقافي الأدبي لمنطقة ميزوبوتاميا في آمد (ديار بكر) مع بداية هذه الألفية الجديدة، لكن كل ذاك لم يكن ولا يعني انفراجاً من الحكومتين على الملف والقضية الكردية، بل كان نوع من الالتفاف على الحقوق الكردية وتهدئة الأوضاع قدر الإمكان وذلك لإدراك البلدين؛ بأن لم يعد بالإمكان إيقاف حركة التاريخ ومنع بروز (المشكلة) الكردية وخاصةً بعد أن أصبح العالم قرية صغيرة مع ثورة التقانة والمعلوماتية .. وهكذا ورغم بعض الانفراج النسبي فقد ظلت الملاحقات والمحاكمات العسكرية تلاحق نشطاء وكوادر شعبنا الفكرية والثقافية والسياسية.

10- كيف أثرت التقارب الكردي الغربي على سياسات دول المنطقة؟ وهل كان لهذا التقارب أثر في تنشيط الدور الكردي السياسي مؤخراً؟

أعتقد إنني وقفت على جوانب لهذه القضية خلال ما طرح من قضايا وملفات سابقة وذلك من خلال مما طرح من أسئلة سبقت هذا السؤال الأخير .. لكنني يمكنني القول إضافةً لم سبق، بأن التقارب الغربي من الكرد شكل نوع من ارتدادات لهذه الهزة أو البركان السياسي على دول المنطقة عموماً وعلى الأخص تركيا حيث رأينا تغييراً كبيراً في بوصلة تحالفاتها السياسية وبالتالي وجدنا نشوء تحالفات إقليمية جديدة مثل التقارب التركي السعودي وذلك بعد الخلاف بين الدولتين على أثر خلافهما بخصوص الملف المصري حيث كانت تركيا تدعم حكومة مرسي الإخوانية، بينما السعوديون وقفوا إلى جانب حكومة السيسي والعسكر ومجيئهم للسلطة وكذلك ابتعاد تركيا عن حليفها الاستراتيجي؛ إسرائيل والركض إلى الحضن الروسي وهي التي كانت دائماً تحتمي بالحضن الأمريكي .. أما بخصوص تأثير التقارب أو الاقتراب الغربي وخاصةً الأمريكي على نشاط الدور الكردي فاعتقد إنني وقفت عليه سابقاً ومطولاً وقلت وأعيد وأقول؛ لقد بات الكرد رقماً ولاعباً حقيقياً في معادلات المنطقة ولا يمكن لأي سيناريو قادم أن يكون ناجحاً في حل الملف السوري من دون أن يكون الكرد فيه شريك أساسي وهذه كافية لنعرف مدى نشاط ونجاح الكرد خلال هذه السنوات الأخيرة.

11- هل تعتقد بأن الوضع الداخلي في تركيا يؤثر على المهاجرين الأكراد والأتراك في الغرب؟ وكيف يستطيع الأكراد الاستفادة من هذا الوضع الداخلي لتركيا؟ (الوضع الداخلي، اقصد قمع الحكومة للحريات وانتهاك حقوق الإنسان وقمع الشعب الكردي في شرق والجنوب الشرقي من البلاد، وأخيراً الانقلاب المزعوم).

تركيا حاولت أن تستفيد، أو بالأحرى؛ أن تتاجر بقضايا المهاجرين وبالتالي الضغط على الأوربيين للإقرار والموافقة على عدد من المطالب والأجندات التركية وخاصةً المتعلقة منها بضرب المشروع الكردي في "روج آفا" وكذلك المتعلقة بابتزاز الأوربيين في قضايا المال والاقتصاد والمطالبة بمعونات اقتصادية، إضافةً إلى قضية المطالبة التركية بالدخول للنادي الأوربي، لكن وبدل ذلك فقد جاء الرد الأوربي صاعقاً وصفعة أخرى مضافة للصفعات الأمريكية للحكومة التركية حيث وبدل أن يكون هناك خضوع أوربي للمطالب التركية فقد شهدت العلاقات التركية الأوربية فتوراً، بل وتصعيداً وصلت لدرجة أن عدد من الدول الأوربية منعت "حزب العدالة والتنمية" الترويج لسياساته من أجل انتخابات الرئاسة التركية ضمن جالياتها في تلك البلدان الأوربية وشهد العالم تلك الأزمة في علاقات تركيا مع عدد من البلدان والحكومات الأوربية من خلال الإعلام وكيف وصلت الأمور إلى وصف أردوغان لبعض الحكومات الأوربية بالفاشية والنازية، مما دفع بتلك الحكومات للرد عليه وعلى حكومته وتوصيفهم بالديكتاتورية.

وهكذا فقد جاءت هذه الظروف والمناخات الجديدة هي الأخرى لصالح الكرد وقضيتهم ويتم تسليط الأضواء على الملف الكردي وهذه المرة داخل تركيا وخاصةً بعد أن شهد العالم قمع تركيا للحريات بعد الانقلاب المزعوم، لتقول بعض الأصوات الأوربية وبصوت مرتفع؛ أن أردوغان لا يختلف عن أي ديكتاتور آخر في منطقة الشرق الأوسط .. وهكذا تحولت الحكومة التركية من شريك وعضو مرتقب ضمن الاتحاد الأوربي لتصبح دولة وحكومة ديكتاتورية تقمع شعبها وتنتهك حقوق مواطنيها وعلى الأخص فيما يخص الملف والشعب الكردي، بل فتحت ملفات سابقة كانت الحكومات الأوربية تتغاضى النظر فيها مثل ملف إدانة تركيا في المجازر التي ارتكبتها بحق الشعب الأرمني. وبالتالي فإن الحركة الوطنية الكردية يمكن أن تستثمر هذه الملفات والتحرك أكثر دبلوماسياً وشعبياً في العواصم الأوربية بهدف تحريك الملف الكردي والضغط على الحكومة التركية لإيجاد الحلول المناسبة والملائمة لحجم الوجود الديموغرافي والجغرافية الكردستانية الملحقة بالدولة التركية والاستفادة من الأجواء الإقليمية والدولية المناسبة لبروز الملف الكردي.

12- ما دور الجالية الكردية والأحزاب الكردية في المهجر في تعريف القضية الكردية؟ وتعريف العالم بالأكراد؟

ربما سبقت هذا السؤال وأجبت عليه من خلال إجابتي السابقة ولذلك لن أطيل، لكن أعيد وأقول؛ بأن مطلوب من الجالية والأحزاب الكردية التحرك دبلوماسياً وشعبياً في العواصم والساحات الأوربية من خلال الفعاليات المتعددة بهدف تعرية النظام التركي أكثر وتحريك الملف الكردي والاستفادة من الأجواء الأوربية الإيجابية وخاصةً بعدما أصبح صورة الكردي مرتبط بالبطولة والشهامة ومكافحة الإرهاب والتطرف الإسلامي وبعد أن تعرت تركيا تماماً بحيث أصبحت تعتبر إحدى الدول التي احتضنت ومولت _وما تزال_ تلك الجماعات السلفية المتشددة مثل "جبهة النصرة" وحتى "داعش". وبالتالي يمكن للحركة الكردية أن تحقق الكثير من المواقف والنقاط لصالح قضية شعبنا في عموم أجزاء كردستان وعلى الأخص في كل من "روج آفا" والإقليم الشمالي من كردستان (تركيا) وذلك عندما تتقن اللعبة السياسية جيداً ونديرها بحنكة ودراية دبلوماسية.

13- في النهاية، وبشكل عام ما هو نظرة بير رستم على الوضع الكردي في المنطقة؟ وهل كردستان قادمة أم ستبقى مجرد حلم للأكراد؟

باختصار شديد جداً؛ الكرد يمرون في أفضل مراحلهم التاريخية ويحققون الكثير من المنجزات والمكاسب السياسية والتي كانت تعتبر أحلاماً رومانسية للكثيرين من جيلنا وليس أجيال الآباء والأجداد ولذلك يمكن التأكيد؛ بأن الوضع الكردي هو في "أحسن الأحوال" وبقناعتي سيكون هناك في المستقبل القريب الأحسن والأفضل .. أما بخصوص الدولة الكردية؛ كردستان ربما سيبقى حلماً جميلاً يراود مخيلة الكرد، كما هو الحال مع العرب وقضية الوحدة العربية حيث وللأسف ليس من مصلحة أحد قيام دولة على مساحة جغرافية تقارب خمسمائة ألف كيلومتر مربع وتنام جغرافيتها على خزان نفطي كبير وينبع منها أعظم نهرين في المنطقة؛ "دجلة" و"الفرات" إضافةً لخصوبة الأراضي والمساحات الزراعية والموقع الجغرافي كحاجز بشري بين عدد من الأقوام والجغرافيات .. أي بالمحصلة؛ "ما حدا بحب يجيب الدب لكرموا" مع الاعتذار لشعبنا على التوصيف، لكن هذه هي الحقيقة وهكذا هو التفكير الغربي حيث الإبقاء على تشرذم الجميع وإضعافهم وذلك بغية التحكم والسيطرة عليهم، بل يمكننا الإدعاء؛ بأن حتى أحزابنا ليست من مصلحتها قيام كردستان موحدة ولذلك يمكن أن نشهد مستقبلاً وعلى غرار الدول العربية، عدد من الدول والإمارات الكردية، لكن بالتأكيد ليست دولة كردستان الكبرى الموحدة وللأسف.







اخر الافلام

.. مبعوثة الأمم المتحدة: قصف الأطفال في اليمن -تراجيديا- لا يمك


.. مالطا تفتح موانئها لسفينة -أكواريوس- بعد الاتفاق على توزيع ا


.. نظام أسد يعلن الاستعداد لفتح معبر نصيب والأمم المتحدة تحذر م




.. الأمم المتحدة : زعماء القاعدة في إيران أكثر نفوذا


.. الأمم المتحدة :ميليشيا ليبية شردت الفي شخص من ملاجئهم