الحوار المتمدن - موبايل



عش الطائر الغريب _ فصل من روايتي (النرجس والرمان)

عباس علي العلي

2018 / 5 / 30
الادب والفن


عش الطائر الغريب

مرت الذكرى السنوية لزواجهما هذا اليوم وأم عبد الله ما زالت تنتظر نفاسها الأول تساعدها جارتها أم صالح السيدة الغريبة الأخرى التي سكنت أحدى غرف الدار منذ أشهر، تبحث عن زوجها الذي هجرها وترك معها طفل لا تعرف كيف تدبر أمرها وهي لا تجيد أي عمل سوى الخدمة في البيوت, قربتها أم عبد الله كثيرا وتعتني بولدها حين تذهب للعمل في البيوت تعود مساءا مرهقة بقليل من المال تدخره عند نرجس كي تستعين به على الأيام, أخبرتها أنها ستدفع أجرة الغرفة وما عليها إلا أن تحرص على نفسها وأن تخلص في عملها حتى ترى الفرج من رب العالمين ,منعتها أيضا أن تطبخ أو تنفق شيئا مما تحصل عليه, أكلها وشربها بين العمل وهنا أما الطفل فقد منحته حنانا لم يجده عند أمه جعله يتعلق بها مفتقدا حنانها دائما .
خضر الذي أستبدل حياة اللهو والسهرات وعدم الإحساس بمسئولية بيته أيام كان لا يعرف كائنا أسمه نرجس، تحول وخلال أيام وأسابيع إلى شخص أخر من نوع يحرص أن يتقدم الصفوف في أداء الفريضة والواجب والمستحب, رجل حمل طيب الأب وإخلاص الأم والثقة بالله الذي أنشله من الضياع, لا أحد من أشد المتفائلين يتوقع أن تحدث له هذه السلسة من الوقائع وبهذا اليسر والكيفية, مرة يشكر ربه على ما أغناه أو على ما منحه زوجه نادرة في مواصفاتها, وطفل قادم يحمل معه جنة الأحلام وقبل ذلك أم تملك قلب يسع الدنيا وبقدرها مرة دون أن تضج أو تهتز، أورثته حب الناس وحب الجميع وأداء فعل الخير.
الحياة عندما تأخذ شكلها المنتظم وتلقي بعبء المسئولية على الإنسان كل شيء يختلف حتى تصل إلى الدقائق الذاتية كما تلبس المظهر ثوب الجدية, أبو الياس الذي كان عنوانا للتساهل بكل شيء يختصر المظهر العام والذي عرف بشكله الذي لا يتغير إلا حينما تتبدل فصول السنه، أصبح الآن أكثر اهتماما وإيلاء للباس وهندامه, ليس حبا بالترف والأناقة لكنه اليوم أصبح رجل يحترم وجوده ويحترم ذوق زوجة وهي تنتظر منه أن يسعدها بأناقة للتفاخر بها أمام قريناتها من دربونة أبو رمانه، بل في مجتمع كربلاء كلها الذي أهتم بها وتعامل مع زوجة أبو الياس الطيب .
الكثير من الزوار الذي كانوا يترددون على خضر أثناء أيام الصعلكة ويتعاملون مع رجل بسيط وتلقائي ومتعاون لدرجة التفريط ببعض مورده المالي، بضحكة منهم وأحيانا بعلاقات توهم الطرف الأخر أنها صادقة لم يعد كذلك, البعض حمل الحقد والحسد وآخرون أكلهم الفضول مما طرأ على حياته, آخرون محبون صادقون وقفوا إلى جانبه لكن الغالب منهم لا يعرف سر هذه السلسة من التطورات غير السيد المحامي الذي يملك جميع الأسرار ويملك مفاتيح كل التساؤلات, خضر ونرجس لا يرغبان أن يشاع السر ولا يرضيان حتى أن يتصور أحد أنهم خارج الصورة القديمة عن أبن الزايره خضر أبو الياس الرجل الذي لا يعرف له أصل .
نرجس تحمل البشرى كل صباح بقدوم عبد الله الثاني والأمال بزقزقة العصفور الجديد تتهادى في الدار لتشكل لحن حياة متجددة، مضى شطرا منها ولو تأخر قليلا لأدركت الزايره أم خضر أن حياة عبد الله التي يئست وهي تلوح به لوحيدها أن يجددها قد أزهرت وأينعت, القدر وحده هو من فعلها بغيابها, كم كان رائعا أن تكون مع كنتها وأبنها والحفيد الذي لا تتركه حتى تغرز فيه حب الخير وحب الحياة, ما فشلت في أن تفعلها من قبل بل نجحت بتفوق وها هو ابو عبد الله يؤكد أن بذرة الخير وإن أخطأت مرة لا يمكن أن تنتج إلا عشر سنابل في كل سنبلة مائة حبة.
حجي عمر لا ينقطع هو وأهله وعمته تركية من الأتصال بالمقهى... الأطرم يرفع سماعة الهاتف, المتصل السلام عليكم أبو عبد الله.
_عيني الرقم غير صحيح.
_أخي هذه مقهى أبو عبدا الله الخضر .
_لا يا عم أنت مخطئ .
شكرا ويغلق الهاتف ليتكرر الأتصال مرة أخرى وثانية وثالثة والأطرم لا يعرف كيف يتصرف, يظن أن كائنا باسم أبو عبد الله الخضر ليس له وجود هو يعرف ابو الياس فقط, بادر أحد الجالسين وهو من معارف أبو الياس القدماء ليرد على الهاتف, تعرف لأول مرة أن صديقه أسمه خضر العبد الله وأن له أقرباء في كركوك, طلب حجي عمر من الرجل أن يخبر صديقه أن عمته ستصل بعد ساعات لكربلاء، فقط كانت بضع كلمات تفجر المقهى عن أحاديث وتقولات وتنشر التعجب وتثير التساؤلات، بين من يعرفون أبو الياس فقط لا لقب ولا أب ولا أي صلة أخرى .
أم صالح تلح على نرجس أن تترك العمل في البيوت لتجلس جوار نرجس في أيام حملها الأخيرة، وقد أثقل طفلها صالح الصغير المتعلق بنرجس فلم يعد يسأل عن أمه ولم يعد يفارق غرفة الزايره, قالت لها وبتردد لم تفصح عن ما تريد لكنها وجدت أن حلا ما لا بد أن يقنع نرجس ببقائها في البيت, لم ترغب هي أن تفوت الفرصة برد الجميل بعد أن أنقذتها من الضياع ولا يمكنها أن تقبل أن تجلس بدون عمل, اقترحت أخيرا وبعد تردد قالت.
_ أعتبري أنني أعمل عندك هنا وأعطني أجرا أحلل فيه ما في ذمتي وخدمتي لك.
_ لا يجوز للأخت أن تشتغل خادمة عند أختها أظن هذا الكلام عيب .
_ ولكن أنت بحاجة للمدارات والخدمة وأنا بحاجة للعمل .
_ ومع هذا أفضل أن تذهبي للعمل وأنا أتدبر حالي ليس بهذا السوء والعجز والترف، أنا مثلك أحب أن أعمل في بيتي .
أنقطع الحوار ولم تجد أم صالح بد من أقناع نرجس بفكرتها وقررت أن تتخذ قرارا من قرار ين وتركت الأمر لما بعد العودة مساء من العمل .
دخل أبو الياس المقهى بعد أن تأخر كثيرا عن وقته المعتاد، وكأنه قد جاء للتو من جنة الله البشر والسرور يطفح من عينيه وممسكا بمسبحة ذات الحبات الكبيره يسمع من بعيد صرير حباتها، يجلس قرب المنضدة المخصصة له ويرى أن الجميع في المقهى يرمقونه بسهام التعجب والإثارة دون أن يفهم مغزى هذه النظرات, أقبل الأطرم حاملا كأس ماء وقدح الشاي وعيونه أيضا تثير الكثير من العجب والسؤال ليجلس قربه ويهمس في أذنه, ضحك بصوت عال وقال أهلا وسهلا بهم هم ملاكي بيت ابو الرمانه والحاجة تركية تعتبرني أبن أخيها...
_ولكن قال لي أن أبيك وأبيه أشقاء .
_نعم وأبيك وأبي أيضا أشقاء أنهم أولاد حواء وآدم .
صمت وحمل الكأس الفارغ وذهب غير مقتنع ولا مصدق ما يقول لكنه لا يملك إلا أن يمضي لعمله, لا يغني الكاسب والعامل إلا المضي في عمله ولا ينتظر الخوارق, قد يكون أبو الياس قد وقع على كنز أو أن أحدهم فتح له قاصاته الحديدية ليغرف منها ما يشاء وعلى مهل, مضى والدمدمة تسمع من بين حركات شفتيه فيما عرف أبو الياس سر هذه النظرات وأمسك بالتلفون ليتصل .
وصلت العمة تركية قبل الغروب بقليل حرص أبو عبد الله أن تؤدي مراسيم الزيارة والصلاة قبل الذهاب إلى بيته, كان فرحا جدا في أن تكون أول خروج لها من كركوك هو وصولها هنا, أكثر من ربع قرن من الزمن لم تدخل كربلاء, الفرحة المرتسمة على محيا خضر تفسرها تصرفاته التلقائية كأنه ولد صغير يلهو قرب أمه, قد يعوض إحساسه بالأم التي فقدها منذ أكثر من سنه أو أحتفاء حقيقيا بالدم المشترك الذي يسري في أوردتهم, تهيأ لهذا اللقاء جيدا كما هي نرجس أيضا تلقت خبر وصلها بنفس مشاعر زوجها ولربما أكثر، أنها تتمنى أن تكون ساعات الولادة الآن لتعوض فيها حاجة الأم المستجدة في المخاض إلى أم تقف بجنبها وتشجعها، وأن هذا هو الحدث الأول والأبرز بحياتها الزوجية .
قضت العمة تركية ليلتها في دار حسبت جدرانه ذرات الهواء فيه الذكريات كل شيء يحكي لها قصة أخيها الذي غادر منذ كانت شابة، لم تعرف أسرار النساء بعد, تتذكر منه فقط لمحات عابرة وربما صورة سرعان ما تضيع ملامحها في تلافيف الذاكرة, لكنها لا تنسى أبدا ذكرياتها مع الزايره, تعرف تماما أن ابنة عمها كانت تحمل نقاء وأخلاصا غريبين لا يمكن لبشر أن يستوعب عمق هذا الوفاء والإخلاص ولا سرهما .
برغم الفقر والعوز الذي عايشته هنا بين هذه الجدران بخيارها مكنها أن تعيش معززة مكرمة كما عاشت أختها وبنات عمها بل والأقربون والأبعدون, مما ترك لها أبوان وزوج إرث وأستحقاق، إصرارها على البقاء هنا كان حفظا على ذكريات لم تتراكم كثيرا فقد رحل عبدا الله باكرا ومنحها أسم كما منحها حبا أفلاطونيا من طينة نادرا ما يمكنها أن تتكرر في هذه البقعة أو حتى في عالم أخر.
الفجر كان حاسما هذه المرة بعد أن أسلمت العمة عيناها للنوم بعد عناء يوم طويل من السفر وفرحة أنستها كل هم السنين وجمال الذكريات, قررت الساعات الأولى من الصباح أن تقول هي الأخرى كلمتها على وقائع يوم جديد, خضر لم يستسلم للنوم كان في إحساسه أنه في أمتحان صعب وأمل أعظم وهو يرى نرجس تتخطى الغرفة طولا ذهابا وأيابا وهي ممسكة ببطنها تتأوه وتتألم وأحيانا تغلب عليها أبتسامة رضا وأمل .
في قصة نرجس لعبت المقادير على خطوط الحظ وفي قصة الزايره لعب الحظ على خطوط المقادير, لأنها قصة واحدة لكنها تروى على شكل وجه الليل ووجه النهار يكتملان ويتكاملان عندما نقرأهما معا, الأولى أحبت الحياة للوفاء وأدمنت الإخلاص له والثانية كرهت الحياة للغدر فهجرت الديار كرها بالذكريات المرة, الجميل أن السيدتين جسدا قصة على أرض لها علاقة بالوفاء والإخلاص والغدر والخيانة, الأرض بما تحمل من دلالات أحيانا تكتب وجهة نظرها بالأحداث من حيث لا يدري الإنسان ثم يكتشف أنها أي الأرض محكومة أيضا بالحظ والمقادير .
أم صالح التي يسمع دبيب أقدامها من خلال فتحة الشباك الجانبية المطلة على حوش الدار من الداخل بحسها الأنثوي أدركت ومنذ أن غادرت الموجودين في بيت نرجس، أن علامات الولادة بادية جدا على نرجس وحاولت أن تبقى لكنها أثرت أن تأخذ قسط من الراحة وهي تعرف أن الساعات القادمة ستحمل لها الكثير من المسئوليات، خاصة وأن الضيفة التي حلت بحاجة إلى عناية وخدمة خاصة أضافة إلى أن الولادة ذاتها سترغم نرجس على الكف عن الحركة, أشارت على زوجها أن تنادي عليها بدون أن تصدر أي حركة قد تزعج العمة .
صوت العصافير على شجرة الرمان الكبيرة المطلة على شباك الغرفة التي تنام فيها العمة تركية أيقظها باكرا، امسكت بالعكاز لتفتح الشباك على مهل لتسمع هذه الأنشودة الملائكية التي أطربتها, يمتلكها شعور خفي أن شيء ما لا تعرف بالتحديد ما يجري الآن, نهضت تتوكأ لتسبغ الوضوء تأخرت كثيرا فليس من المعتاد أن تتأخر في صلاتها, شاهدت أن الجميع مستيقظ وهي من حرصت أن لا تصدر صوتا كي لا توقظهم, تعالت الضحكات وكلمات التصبيح والأماني بيوم جميل وسألت أم عبد الله عن قابلة قريبة من البيت لتحدد الوضع, نهضت أم صالح لتتطوع بدعوة جارتهم فهي من أكثر القابلات خبرة في المنطقة لم تنتظر أحدا ةلبست عباءتها وخرجت مسرعة .







اخر الافلام

.. مداخلة الفنانة -درة- و -ايمي سمير غانم- للحديث عن استخدام قص


.. صباح العربية تراب الماس في صدارة أفلام العيد


.. الموسيقى تساعد مرضى الخرف من الشعور بالاكتئاب والتوتر




.. احيا وأموت على البصرة .. الغناء البصري الرائع


.. وحدة لسان الحاج.. دور إنساني يتجاوز خدمة الترجمة للحجاج