الحوار المتمدن - موبايل



تجمع النوارس _فصل من روايتي (النرجس والرمان)

عباس علي العلي

2018 / 5 / 30
الادب والفن


تجمع النوارس

النورس الذي حل ضيفا غاليا وعزيزا على خضر أبو عبدا الله حمل معه الخير لأم صالح، كما منح سعادة غامرة فاضت محبة وكرم وألفة في بيت لم يعرف إلا المحبة والسلام, أم صالح التي عادت من السوق في اليوم الثالث للولادة كأنها وجدت كنز الكنوز وسر الخلاص أخرس لسانها عن الكلام وهي تخبر نرجس أن زوجها أبو صالح يبحث هو الأخر عنها منذ فترة, عرفت ذلك من أحد الأقرباء لها، ألتقت به صدفة اليوم في الطريق العام، ستلتقي به قريبا ستعود المياه لمجاريها, العمة تركية هنأتها وهمست بأذنها كلاما عقدها عن النطق بكت كثيرا, تتمتم ببعض الكلمات الغير مفهومة غير كلمة الحمد لله, تعرف نرجس أن عمتها قد أجزلت لأم صالح العطاء متأكدة أن يدها غير محدودة في العطاء، لذا لم تصدق أم صالح ما سمعت منها .
صار عبد الله النجم الأوحد في سماء أفردت له مكانا خاصا يتسع للكون كله، الجميع يرى فيه نهاية كل الكوابيس وبداية عالم السعادة والأحلام الجميلة الذي لا ينتهي, العمة وحدها فتحت كل أبواب الفرح لهذا النورس الجميل كما فتحت بوابة فرح من قبل لغيره، لكن هذه البوابة ليست كباقي البوابات طلبت من خضر أن يأت بالمحامي لها هنا في الدار, لا سبيل لخروجها ولا لسفرها قبل أن تقول كلمتها الأخيرة هنا في كربلاء, حاول أن يستفهم منها صدته وطلبت أن يحضر المحامي ومعه ما يستلزم من أوراق هناك أمر ما .
نرجس التي عرفت العمة أبان زيارتها الأولى لكركوك تتقاذفها أفكار عديدة، خاصة وأن في يومها الأول من زيارتها هذه كانت لا تطيق الجلوس غير ليلة واحدة, تشعر بالغربة والحاجة للعودة إلى مكانها ومكانتها,هل يعقل أن قدوم النورس الصغير قد قلب كل حساباتها وأخرجها من طورها وقد بدت عليها ملامح من نية البقاء طويلا، فقد جددت الكثير مما في الغرفة من أثاث جديد وستائر واقتنت الكثير من المستلزمات الضرورية لها، حتى السرير الخشبي أستبدلته بسرير جديد وأكبر .
أم صالح تنتظر كل صباح أن يعود من كلفته بالبحث عن زوجها الذي علمت أنه هو الأخر يبحث عنها في كل مكان، ولكن ليس بوسعه الذهاب إلى مدينته الناصرية خوفا من سوء ينتظره هناك, لقد دفعت لهذا الرجل ما بحوزتها من مال كي يبحث عنه ويعود به إليها سريعا, ساعات الصبر أمر من ساعات الهجر وها هي تمضي يوميا عليها بين أمل يسعدها وينهي حالة التشرد، وبين خوف أن تكون وقعت ضحية نصاب فهي لا تعرف جيدا تاريخ من أرسلته، ولكن تعرف أنه من أصحاب زوجها وممن له سوابق هو الأخر في هجران الأهل والزوجة.
الحاج عمر يتصل بخضر كل يوم صباحا ومساء مستغربا غيبة عمته وطول بقاءها هنا، وهي من أخبرته أن كل مدة السفرة لا تتجاوز يومين وقد أصبحنا في اليوم العاشر أو أكثر، خضر في حرج وسعادة وخليط من الفرحة والتساؤل لا يريد أن تذهب عمته ويخبرها بإلحاح عمر ولا يمكنه أن يقنع عمر بأسباب البقاء, في الطريق إلى البيت وفي صحبته السيد المحامي أخبره عما يضايقه وطلب منه أن يوصل قلق أهل كركوك لها وأن يستعين بمهارته العقلية ليقنعها البقاء أكثر، وكذلك إرسال رسالة اطمئنان إلى عمر أن الموضوع بحاجة إلى مدة قصيرة وستعود, لكن أيضا هناك تساؤل عن ماذا تريد العمة من المحامي وما هذا الإصرار .
نهضت نرجس تمهد الطريق للضيف القادم وتعد له مستلزمات الضيافة بعد أن ذهبت أم صالح لغرفتها تشعر بمزيج من الخيبة والندم على ثقتها بمن كان سببا لزرع الأمل في نفسها المتعبة من الهجر والتغرب، وعبد الله يبحلق بعيون واسعة في عالمه الكبير الذي لا يعرف غيره وحدود الجدران والسقف من فوقه وهذا كل أمتداده, مرة يبحر في عين جدته لأبيه ومرة يحاول أن يستكشف شيء مما لا يعرف ممدا على سرير العمة, دخل أبو الياس كما يناديه ضيفه السيد المحامي رافضا ان ينعته باسم ولده لأنه لا يريد أن تتبدل تلك الصورة القديمة الممتلئة أصالة وشهامة ومرح لا ينقطع، سلم السيد المحامي وألقى التحية وجلس على كرسي جميل من سعف النخيل قبالة العمة .
فتح السيد المحامي حقيبته وأخرج الأوراق ليسجل ما تمليه عليه العمة, طلبت أن يقرب منها قليلا وأمرت أن يسمعها جيدا وأخرجت له دفتر نفوسها وكتب (( أنا تركية الخضر بكامل قواي العقلية أوصي أمام الله والشهود أني كتبت ثلث ما أملك من عقار ومنقول إلى عبد الله بن خضر بن عبد الله ....))، كما وطلبت من السيد المحامي أن يشتري دارا صغيرة ويسجلها باسم أم صالح على أن لا تتصرف بها إلا بعد وفاتها هي، كما طلبت أن يشتري لها أرض لبناء جامع وأن يكون أبن أخيها متوليا عليه ونرجس الناظر، وأن ينجز كل الأوراق قبل أن تسافر لكركوك, كان الأمر وقعا مدويا على الحضور لكن نرجس وحدها تعرف أن حنين الأمومة التي أفتقدته العمة يمكن أن يدفع لأكثر من هذا .
ودع أبو الياس ضيفه بعد أن أوصله لمكان قريب من الشارع العام وعاد غير متخيل أن هذا الكرم يمكن أن يكون طبيعيا، بقدر فرحته بما أصابه منها بقدر حزنه أن الله لم ينعم عليها بزوج وولد, هذا السر هو الذي يفسر تمسكها به ولديها أكثر من أربعين من أولاد الأخ والأخت غيره, إنها الأم المحرومة التي تعطي الحنان لمحروم مثلها, هذا وقع الإنسانية الخالية من حب الأنا .
نادت عليه بعد أن سمعته يغلق الباب وقالت له في مفاجأة أخرى أنها تستطيع أن تشتري دار كبيرة وحديثة كما التي تسكنها في كركوك ولكنها تريد أن تبقى هنا، وعليه أن يستدعي البناء غدا ليضيف غرفتين لهذه الدار وملحقاتهما ويعيد ترتيب نظامها، وسألت هل هذا يضر أحد الساكنين في الدار, قال أن الغرفتين موجدتين وفارغتين بعد أن غادر عائلة لتسكن في منطقة أخرى .
بكرت أم صالح في الحضور فهي تعرف أن العمة تركية وهي أيضا تناديها عمة بناء على ما تريد، ستصحو مبكرة ولا بد من أعداد الفطور لها, ذهبت إلى الخبازة التي تسكن في زاوية البيت وهي تسجر تنورها تساعدها في تهيئة الخبز وتخبز لعمتها بيدها رغيف خبز خاص, تحمل كل ذلك بيد وطفلها متعلق برقبتها وتمسكه باليد الثانية تفتح الباب بهدوء وتتوجه للمطبخ لا تعلم ما دار بالأمس، وما أوصت به العمة لها, وهي في لجة العمل دخلت نرجس تحمل وليدها مبتسمة كعادتها وقد أشرق وجهها بحمرة فاتنة تهمس في أذن أم صالح بشرى الصباح .
صالح وحده الذي لا يشعر بسعادة فهو يقترب من خاله نرجس بحذر وحقد وحسد لهذا الكائن الصغير الذي سلب منه حنين كامل, الآن أصبح له شريك يقضي على معظم الوقت الذي كان يتمتع به, يا رباه يتمنى لو أن قطا كبيرا جاء ليأخذه من هنا حتى يعود المدلل الوحيد, نرجس تعرف أن صالح يتأثر من مشهد عبد الله وخاصة عندما تحتضنه للرضاعة صارت تنزوي في غرفتها وهي تمارس أمومتها, وتعط الكثير من اللطف لصالح, إنها الأم حين ترى بكل ما في عيونها من رحمة, حتى العمة تركية تحاول أن تستميل صالح ببعض الملبس والحامض حلو لكن عيناه تبقى تتعقب نرجس وهي تحنو على وليدها الجديد .
الفطور الذي قدمته اليوم ليس كالمعتاد كاد أن يكون وجبة أشبه بالوليمة الكل حاضر خضر ونرجس والعمة وحتى صالح الصغير, نوعت من كل ما تستطيع في هذا الصباح أن تجمعه أشياء لا تشبه أشياء فطور عامر, فوق هذا من يرى أم صالح هذا الصباح ليست بذات الملامح حينما تركتهم مساء الليلة الماضية والدموع تكاد تنهمر منها لولا الحياء, أظن أن الإنسان قادر أن يصنع السعادة لغيره فقط لو أسر معاناته في سجن الصبر... ما تريد من الدنيا إلا بعض الستر وفرصة لأن تعيش كباقي البشر بإحساس أنهم بشر وليس عالة على البشر .
الآن الجميع يتهيأ للاحتفال ببلوغ عبد الله يومه الأربعين والحفل له طعم أخر طعم من نوع جديد لن تشهده حياة خضر من قبل, أكثر من عشرة أشخاص هنا من كركوك يحتفلون معه بهذه المناسبة مع إصرار العمة تركية على عدم المغادرة, حجي عمر وأولاد أخيها والحاجة أم عمر الكل لم ولن يستطيعوا أن يزحزحوها من موقفها ومصرة على أن تبقى حتى ترتوي من رائحة أخيها الذي لم يترك هذا المكان حتى رحل وحيدا, سأقول له عذرا ومعذرة فقد أضعنا حقك, السماح من كل خطيئة أرتكبت بحق قلبك النقي كلون الثلج في صبيحة يوم مشمس, سأعود عندما يأذن لي عبد الله الكبير أو عبد الله الصغير فكلاهما من الأنقياء .







اخر الافلام

.. مداخلة الفنانة -درة- و -ايمي سمير غانم- للحديث عن استخدام قص


.. صباح العربية تراب الماس في صدارة أفلام العيد


.. الموسيقى تساعد مرضى الخرف من الشعور بالاكتئاب والتوتر




.. احيا وأموت على البصرة .. الغناء البصري الرائع


.. وحدة لسان الحاج.. دور إنساني يتجاوز خدمة الترجمة للحجاج