الحوار المتمدن - موبايل



دكتوراة لكل فلسطيني

ناجح شاهين

2018 / 5 / 31
التربية والتعليم والبحث العلمي


باتجاه شهادة دكتوراة/ماجستير لكل فلسطيني!
ناجح شاهين

لا يهدف العنوان إلى الدعابة، ولا يهدف إلى إثارة نعرة الإقليمية التي باتت تزهو بنفسها في كل أرجاء البلاد العربية بعد " اللي صار، كل اللي صار ". إننا في الواقع على الرغم من مرارة الموقف نرغب في تقريره كما هو. فالحقيقة أن السوق الفلسطينية المتخمة بخريجي البكالوريوس من تخصصات متكررة وتقليدية بكل معنى الكلمة، قد قررت الانفتاح على العلم من أسع أبوابه. ولكنها بسبب من ضيق الإمكانيات الفعلية قد نجحت فقط في الانفتاح على عالم الشهادات فحسب. والقصة معقدة وطويلة وليس في هذه المقالة السريعة ما يتيح أو يمكن من علاجها جدياً، لذلك ننوي فقط طرح ملاحظات عابرة وعامة وسريعة حول الذي يجري في التعليم الفلسطيني خصوصاً ما بعد الشهادة الجامعية الأولى.
لعل أول ما قاد تفكيرنا إلى أن الموضوع قد وصل بالفعل إلى مستوى الفضيحة هو ما تكرر ذكره من احتجاج مجموعات من المثقفين المصريين ضد الجامعات المصرية التي تتنافس على الفوز بأكبر عدد من الطلبة الفلسطينيين وتقدم لهم التسهيلات اللازمة للحصول على شهادة الدكتوراة مهما كان أداؤهم الأكاديمي ضعيفاً. وقد أوضح المحتجون أن هذا التباري على كسب قلوب الطلبة الفلسطينيين لا علاقة له بدعم الشعب الفلسطيني من قريب أو بعيد، وإنما يرتبط على الأرجح بجانب مالي هو مربط الفرس في هذا الموضوع مثلما معظم المواضيع. فالطالب الفلسطيني يدفع كما يقول هؤلاء المثقفون من أشقائنا المصريين 1000 دولار بالعملة الأمريكية أجرة مناقشة الأطروحة، بينما يدفع نظيره المصري أقل من 1% من ذلك المبلغ. وموضوع المناقشة بالطبع غيض من فيض لأن هناك الرسوم الجامعية والهدايا الغالية والنفيسة التي تقدم للأستاذ للمشرف وعائلته..الخ
لا بد أن من يستمع إلى هذه الأخبار سيغضب غضباَ شديداً لهذا التهاون المصري الذي يسهم في تدهور المجتمع الفلسطيني بدلاً من تنميته. ولكن ما يفت في عضد أي مناقشة من هذا النوع هو قراءة واقع الجامعة الفلسطينية المحلية. فإذا كان للجامعة المصرية من عذر في رغبتها في جني بعض الأرباح فإن زميلتها الفلسطينية قد لا تجد لنفسها أي عذر على الإطلاق.
لا تمنح الجامعات الفلسطينية عموماً درجات الدكتوراة، وإن كنا والحق يقال لا نجد مسوغات لهذا التواضع النادر نسبياً في هذه البلاد. والمعروف عموماً أننا في هذه البلاد نميل إلى الزعم بأننا نحقق أعلى المستويات والأرقام التعليمية في العالم أجمع. وذلك بالطبع مع إغفال وقائع تتعلق بطبيعة التخصصات وكذلك مستوى التعليم المنجز ونوعيته .على الرغم من ذلك فقد باتت النجاح وبيرزيت تقدم بعض البرامج في مستوى الدكتوراة، وهو ما "يبشر" باجتياز العقبات كلها في مسيرة التعليم الفلسطيني العتيد.

لا نريد هنا أن نتناول التعليم المدرسي الذي يتمتع بحماية قوانين الترفيع التلقائي وما لف لفه. ولا حتى التوجيهي الذي يشهد أعلى النتائج في الحالات التي يقوم فيها الاحتلال بإغلاق البلاد واعتقال العباد في منازلهم إن لم يكن في معسكراته وسجونه كما حصل طوال عام 2002. نريد فقط أن نتعرض لبرامج الماجستير، ذلك المجال الذي تتنافس فيه الجامعات في غزة والضفة على طرح أكبر عدد من التخصصات والفوز بأعلى أعداد من الطلبة الذين يضمنون الدرجة العلمية بمجرد التسجيل ودفع الأقساط. وإذا كان التعليم الجامعي في الشهادة الأولى هابطاً بالفعل، فإن مما يضحك بالفعل أن أحداً من الطلبة لا يشتكي على الإطلاق من أية صعوبة في برنامج كلية الدراسات العليا. والحق أن الطلبة يعتقدون أن الدراسة الأصعب هي التوجيهي ثم من واقع خبرتهم يأتي البكالوريوس وأخيراً تأتي درجة الماجستير.
ولعل سيناريو الماجستير يدل بنفسه على نفسه. فعندما تبين أن بعض الطلبة لا تناسبه فكرة كتابة أطروحة – على سهولة المهمة- فقد تقرر الاكتفاء بالمساقات. لكنها في الواقع مساقات مختصرة ومبسطة ولا تسمن أو تغني من جوع. حتى أن الطلبة يزعمون أنه على الرغم من عناوين من قبيل " دراسات في كذا " إلا أنها في الواقع لا تتجاوز صفحات قليلة أقل من تلك التي " يحفظها " الطالب في مرحلة البكالوريوس مع العلم أن المراقبة والتدقيق في الامتحانات أكثر تهاوناً من المرحلة الجامعية الأولى. ولذلك يصرح الطلبة بأن حصيلة المعلومات لا تزيد في كثير أو قليل ناهيك عن حصول أي تطور في مهارات وخبرات التفكير أو التحليل أو الكتابة البحثية أو ما أشبه. وفي هذا السياق لا بد أن نتذكر أنه حتى في حالة كتابة أطروحة ماجستير فإن الوضع يثير السخرية لكي لا نقول يدعو إلى البكاء. ذلك أن التمثيلية نفسها التي كان الطالب يقوم بها في مرحلة البكالوريوس تتكرر بحذافيرها في الماجستير مع اختلاف عدد الكلمات وإن كانت في بعض الأحيان تتقارب حتى في هذا الاتجاه. يقوم الطالب بإحضار المراجع وضمن توصية أستاذه أو عدد من أهل الحل والعقد يكتب عناوين الفصول ثم يبدأ في تعبئة البناء الصوري بالمادة كيفما اتفق بإحضار المعلومات وحشوها على غير هدى في أسطر وصفحات لتكون فصولاً من العبث الخالي من المعنى أو الاتساق. ويزعم أمناء المكتبات العامة أنهم أحق بالدرجات لأنهم طالما وجهوا " الباحثين " إلى الصفحات الواجب نسخها. علماً بأن الطلبة لا يقومون بالعادة بالإحالة على المراجع بشكل جاد ودقيق. لكن من السهل تبين أن اللغة المكتوبة لا تمت إلى لغة الباحث بصلة. والحقيقة أن ذلك يتضح في اختلاف المستوى العام للاطروحة عن الصفحة الوحيدة التي يكتبها الطالب والتي تتمثل في الإهداء وربما الشكر أيضاً. بالطبع حالياً تنتشر مراكز خدمات بحثية في المدن المختلفة، تقوم بإعداد الرسالة بالنيابة عن الطالب من "بسم الله" وحتى "تم بحمد الله".
من الواضح أن النتيجة هي كومة هائلة من رسائل الماجستير التي لا تساوي ثمن الحبر الذي طبعت به. لكن الطالب يأخذ درجة امتياز أو شرف أو ما أشبه. وذلك يعني أن علينا أن لا نحمل الطالب فوق أحماله أي أنه ليس المسؤول مبدئياً عما يجري. فالجامعة في الحقيقة هي التي قررت فتح برنامج ماجستير مدر للدخل. وهي التي قررت أن كل من يسجل في البرنامج يستحق التخرج بعد انقضاء المدة القانونية بالضبط. وذلك بالطبع في حال التزامه بدفع الأقساط وما إليها.

هنا يجب أن نفحص قليلاً محتوى برنامج الماجستير. أولاً يلاحظ أن عدداً من التخصصات لا يتوافر لها الحد الأدنى الضروري من الشروط ألا هو وجود كادر من الأساتذة المؤهلين. وفي هذا السياق نود أن نذكر أن هناك حالة تسيب تصل حد أن يقوم أستاذ غير متخصص بتدريس " دراسات في س " دون أن يكون على علم بمعنى العنوان، ونعني ذلك حرفياً ولا نقصد المجاز أبدا. وهنا يتضح أن الجامعة لا تتمتع بأية نوايا حسنة تجاه التعليم والمواطن وإنما تريد على الأرجح الفوز في السباق مع المنافسين المحليين في إبراز التفوق في عدد الطلبة والخريجين والتخصصات ..الخ ومن ناحية ثانية فإن الطالب لا يهتم بدوره بالتعليم وإنما بالحصول على الشهادة. لكن ذلك يستدعي التساؤل عن الحاجة إلى الشهادة. والجواب بالطبع يتمثل في تحسن الوضع الوظيفي في العمل أو المرتب الشهري وفي حالات أخرى أقل عدداً يتحسن " البرستيج " الاجتماعي، بينما في حالات أقل يمكن أن يكون السبب التسلية وقضاء الوقت في صحبة أشخاص من الجنس الآخر من باب التغيير، وهذا يكثر في الحالة التي تكون الدراسة فيها ممولة من شخص غير صاحبها. وذلك يقودنا إلى كلمة السر في كل الحزيرة، ونعني بها الجدوى الاقتصادية من برنامج الدراسات العليا. الحق أن أية حسبة جدية تكشف عدم وجود أي جدوى من مشروع التعليم العالي كله، وأنه في الحقيقة يخسر ماليا مائة بالمائة، ويسهم في تكريس الجهل والتردي العلمي والأكاديمي. لكنه مع ذلك يروج رواجاً هائلاً وينفق على مئات العائلات من الأكاديميين وغيرهم. وذلك ببساطة لأسباب تخص فلسطين ما بعد أوسلو حيث ينصب التمويل في اتجاهات معينة منها المنظمات غير الحكومية والقطاعات المشابهة بغرض إعادة تثقيف الشعب الفلسطيني ليصبح قادرا على الاستجابة لمتطلبات السلام والتطبيع. ولذلك فإن التعليم الجدي قد لا يزيد عن مسح الذاكرة الفلسطينية دون تزويد الناس بأي تدريب جدي. وهكذا يجد حملة شهادات لا تساوي شروى نقير فرصاً فعلية للعمل في منظمات ممولة من الخارج وتطالب بأسماء شهادات وتخصصات قد لا نعرف عنها شيئا. لكن التمويل ينجز أي شيء. على هذا نستطيع أن نضرب أمثلة بارزة منها تخصصات ماجستير في المرأة والجندر وحقوق الإنسان وحل النزاعات خصوصاً دون عنف وكذلك البيئة والعلاقات الدولية وفنون التفاوض، إضافة إلى تخصصات لا حصر لها في فنون التربية والتعليم والإدارة التربوية. وعادة ما تنتهي كل الرسائل والدراسات بنتائج طيبة مصداقاً لدرجة جدية الاستبيانات التي تنسخ بعضها بعضاً وأدوات الدراسة المكررة وكذلك استهانة " العينات " في إعطاء ردود حقيقية. وتنضم الأبحاث وتوصياتها – التي لا نعرف لمن توجه بالضبط- إلى ما سبقها. ولا أحد يعلم على وجه الدقة إلى أين تسير الأمور إلا السيد الممول. أما نحن، فما يهمنا إن جاءنا مال أن نتساءل عن مصدره. وفي الأعم الأغلب نميل إلى أن نضع الرأس بين الرؤوس ونترك الباقي لقاطع الرؤوس. أخيراً علينا أن ننوه بالفرصة التي أضافتها الجامعات ومراكز الأبحاث في الإمارات وقطر التي تقوم بتوفير فرص العمل للخريجين الجدد وأسأتذتهم على السواء، شريطة أن يكونوا "علميين" و"ديمقراطيين" على نحو كاف. وكلكم "مفهومية ونظر.







اخر الافلام

.. ألوية العمالقة تحبط محاولة تسلل للحوثيين في محيط مطار الحديد


.. فوق السلطة- إيناس الدغيدي فخورة بالشيطان


.. قبل يومين من الانتخابات التركية.. الحملات الانتخابية على أشد




.. نسخة المشجع المكسيكي تعيش حياة مفعمة بالأفراح في روسيا


.. تقرير دون دلائل لبعثة الكيماوي حول دوما