الحوار المتمدن - موبايل



يوم الحصاد _ فصل من روايتي (النرجس والرمان).

عباس علي العلي

2018 / 6 / 4
الادب والفن


عباس تركية مريم عبد الله هذه الحصيلة التي رست أخيرا في بيت أبو رمانة، صالح ونرجس وخضر حصيلة حسنة في بيتها الصغير السعيد وقد صار مزارا للأقارب والأهل في الزيارات والمناسبات، كل شيء لا بد أن يكون متوافقا مع سعينا المخلص لأن نسير مع الخير، لم يعد أبو عبد الله قادرا على تحمل كل ما كان في ماضيه من قدرة على الأدارة والعمل المتواصل هنا وهناك، تنازل عن المقهى وما فيها لربيبه أبو صالح بشرط أن تبقى على أسمها القديم (قهوة أبو الياس)، لقد تغير كل شيء حتى المدينة ذاتها لم تعد تلك التي عرفها وعرفته، فقد حلت عليها أيام جديدة وعهد جديد غير النفوس كما تغير الفصول من مزاج الناس وتصرفاتهم.
عبد الله الشاب اليافع أصبح الآن طالبا في المدرسة المتوسطة ومريم في سنتها الأخيرة في الأبتدائية، وصالح على أهبة التخرج من المتوسطة، الحاج خضر والحاجة نرجس في عالم أخر بين نعمة الأولاد وحسن التوفيق وقد تفرغ كل منهم لهدف، الجامع والسوق والواجب الأجتماعي ألقت بظلالها على كاهل الرجل، أعادة بناء بيت أبو رمانة من جديد هو شغل شاغل يبعثر في ذهنها وضميرها ما كانت تحرص على بقائه، لكن الحياة وأستحقاقاتها لها كلام أخر، لم يعد هناك من مهرب فقد تجددت تفاصيل الحياة من حولها والكل يركض وراء ما تفرضه حركة المجتمع.
ويبقى حنين خفي يداعب ذاكرتها دوما أن تعود ولو لمرة إلى من تركتهم خلفها، إلى أخواتها وأخيها لعل هناك ما هو جديد، قلبها يحدثها في الفترة الأخيرة أن شيئا ما حدث أو سيحدث لكنها لا تصرح به خوفا مما هو غير متوقع، كان لا بد من أن تصارح زوجها بكل هواجسها ليرتاح ضميرها الذي بقى معذبا طيلة هذه السنين ولا بد من حل، لا بد من معاودة لواقع هربت منه مختارة ولو على مضض، وأخيرا حدثته وكأنها ترمي بثقلها هذه المرة على شجاعة وثقة بشريك الحلو والمر في مواجهة ماضي لا يموت.
شاهدت ملامح الرضا والقبول والتأييد بدون تحفظ ولا مجاملة، أنه لا يريد لأبناءه تلك الأيام التي قضاها بعيدا عن جذوره، لا بد للأولاد أن يعرفوا جذورهم أيضا، لا بد لهم أن يتعرفوا على عائلتهم الثانية، من حقهم أن يعرفوا ومن حق خالاتهم وخالهم أن يعرفوا ما حل بأختهم، لذا قررا أن تكون الجمعة القادمة موعدا للقاء وموعدا لبناء جسر أخر، فكلما تعددت الجسور كلما سهل على الناس أن يتعارفوا ويدركوا أن لكل بداية نهاية نرسمها بما فينا من خير ومحبة.
لم تعد بغداد التي تركتها قبل سنين هي تلك المدينة الهادئة الوادعة التي تحتضن ضفتي دجله برقتها وطيب أهلها، لقد تغيرت الوجوه كثيرا كما تغيرت المعالم فيها، وإن بقيت أحيائها القديمة على حالها تستعير من الزمن خطوة خطوة للتجديد، لكن التغيير أصاب الكثير من النواحي فيها، وقفت السيارة كما وقفت سابقتها في نفس المكان ولكن الأمر الآن ليس كما كان، نزلت ومعها أولادها وبمعية زوج له من المهابة والحضور ما يسعد كل أمرأة تفاخر بزوجها أمام أهلها.
صحيح أن بعض الوجوه هنا قد تغيرت وتبدلت بغيرها، فكثير من العوائل القديمة هجرت المنطقة لأماكن أخرى ولكن المكان يبدو كما هو ينطق بالماضي وذكرياته، طرقت الباب الرئيسي ذو الدكة العالية ليخرج شخص غريب عنها لا تعرفه وسؤال أستنكاري منها...
_أليس هذا بيت الحاج أبو سامي؟.
_نعم أنه بيت الحاج أبو سامي....
_ومن يكون جنابك فأنا لا أعرفك..
_بل ومن تكوني أنت وأنا أيضا لا أعرفك ولم أعرف من معك...
_أنا أبنة الحاج أبو سامي الكبيرة، أنا الحاجة نرجس وهذا زوجي وهؤلاء أولادي.... فعسى من تكون أنت.
أعتدل الرجل وأعتذر منهم وهلل بقدومهم وطلب منهم الدخول ريثما يخبر من في الدار عن القادم إليهم، إنه زوج أختها منتهى وهي أصغر البنات، ضج الداخل بخليط من الفرح والبشرى والعتب وقبلات وأحضان البعض تتعانق مع البكاء والنحيب، الأطفال وحدهم من كان لا يعرف ما يدور وكأنهم أمام مشهد لم يدركوا حجمه ولا معانيه.
جلس أبو عبد الله والرجل في غرقة الضيوف والأولاد يتنقلون بين هنا وهناك حيث خالاتهم وأطفالهم، فيما أنشغل مضيفهم بالأتصال بسامي في محل عمله ليخبره بما يجري الآن وهو لا يصدق أن الوجوه التي سمع عنها قد تكون حقيقية وليست مجرد ذكريات، الحاجة نرجس لم ينقطع بكائها كما لم ينقطع نحيب أخواتها على مرارة الفراق والأغتراب، ما كنا نعرف عنك هذه القساوة يا نرجس.... لقد تركت في قلب أبي جرحا حتى مات وهو يلعن تلك الساعة التي فرط فيها بك، ...
أحمد زوج منتهى موظف في أمانة العاصمة وقد تزوج منتهى منذ سنين ويعيش معهم في الدار، بعد أن خرج سامي وزوجته وأولاده لدار مستقله بهم، لم يعد يلتقي بهم إلا في مناسبات قليلة وحسب ما تسمح به زوجته المتكبرة، عاشت الأخوات ظرفا قاهرا بسبب تصرفات زوجة أخيهم التي حاولت أن تضع كل شيء بيدها وتحرمهن من كل شيء، حتى هذه الدار سجلت حصة زوجها بأسمها بعد أن أستولى سامي على كل إرث أبيه، سميرة وأميرة لم يحالفهن الحظ بالزواج من أحد وبقين في الدار بأنتظار المعجزة.
كان الفرح العارم الذي ملأ البيت هو بعبد الله وأشقاءه وبهذا الزوج الطيب الأصيل الذي رأين فيه كل علامات الخير والأستقامة والطيب، لم ينقطع العناق ولا البكاء ولا القبلات التي تتوزع على وجوه أولاد نرجس وبناتها، لم يهدأ البيت من الضجيج والفرح وكأن القيامة قد حلت بفرحها في لحظة غير محسوبة، كل شيء هنا عنوانه السعادة الصادقة بعد أجتماع لم يتوقع أحد أن يتم لولا القدر نفسه قد فرض لعبته.
تأخر سامي عن الحضور برغم اهمية الحدث ووقع المفاجأة عليه، قد يكون في الطريق أو في مكان غير قريب، هكذا برر الحاج أبو عبد الله العذر لعديله الأستاذ أحمد، ومضيا في الحديث عن العمل والوضع الراهن وخاصة تطورات الوضع السياسي، فقد كان المضيق رجل سياسة وثقافة فيما يبدو من كلامه، بينما الضيف ليس إلا رجل أعمال ووجه أجتماعي يهتم بالناس بعيدا عن السياسة ومصائبها، الوقت اقترب على الظهيرة تمام فقد رفع الأذان في جامع المنطقة ويسمع هنا بوضوح، طلب الحاج خضر طريقا ليسبغ الوضوء ويتهيأ للصلاة.
أعاد الأستاذ أحمد الأتصال بصهره أكثر من مرة وفي كل مرة يلقى نفس الجواب، أنه خرج من مكانه قاصدا بيت أهله، النساء في الداخل في حفلة طبخ وأعداد الطعام للضيوف والكل مشغول بعمل، وحدها أم عبد الله تحاول أستعادة كل ماضيها الذي تركته هنا، تتصفح الجدران والأبواب والشبابيك، وذكريات لا تنسى ولا يمكن أن تفر من بالها، هنا كان أبي يجلس في عصريات الأيام، هنا كان يتناول قهوته المعتادة... هنا ... هنا ... كل شيء كان قفز فجأة إلى الذاكرة... عبد الله ومريم وتركية عرفوا تماما من يكونوا هؤلاء الناس الذين لم يحلموا يوما أنهم من بقية أهليهم... أما عباس الصغير فهو المدلل الذي لم ينافسه أحد بدلال خالاته، أنه أشبه بأبيه تماما ويملك من امه سعة العيون وملامح البراءة النقية.
أخيرا طلب الأستاذ أحمد من زوجته أن تهيء الطعام.. الظاهر أن سامي لم يعد ممكنا له أن يحضر الآن، هكذا أجتمعت العائلة السعيدة لأول مرة على مائدة كبيرة يجمعهم الحب والشوق ويداعب شعورهم الرضا بالوصال، وحدها نرجس تعرف سر تأخير أخيها سامي، فقد نشأت معه في هذا البيت وتعلم كم يعاني من تسلط زوجته وعدم قدرته على أتخاذ أي قرار دون أمرها ومشورتها، أنها الوحيدة التي لم تسنح له الفرصة أن يجبرها على التنازل عن إرث أبيها وقد يخشى المواجهة ويخشى الحساب.
ها وقد حل المساء تقريبا ولم نسمع لسامي صوت ولا أثر، طلبت نرجس من أخواتها أن تتصل به على بيته هاتفيا، الهاتف يرن ولا من مجيب لعلهم خارج البيت أو في مكان أخر، أنه يوم الجمعة التي تقضيه عادة في بيت أهلها كما كانت تفعل هنا.. دقائق وإذا يسمع الجميع طرق الباب ثم تفتح بالمفتاح أنه سامي فما زال يحتفظ بالمفتاح حتى وبعد خروجه من المنزل.. كان أستقباله لشقيقته باردا جدا وكأنه تركها من قليل، حز سوء اللقاء هذا في نفس ابو عبد الله وعده نوعا من عدم الأحترام والتقدير لزوجته من أخ ليس لها غيره، فبعد حديث قصير طلب من الجميع الأستئذان بالسفر فهناك الكثير مما ينتظرهم.
حاول الجميع ثنيه على قراره المفاجيء ولا سيما قد حل المساء ومن الصعوبة السفر ليلا مع الأطفال، توسلات أولاده وعديله وشقيقات زوجته رضخ لها، في حين أن صهره لم ينبس يينت شفه لا مع ولا ضد السفر وحتى لم يحاول أظهار أي أهتمام بنسيبه وأولاد أخته، عرفت نرجس أن زوجها يكظم غيضا في صدره وأن قراره هذا عن أنزعاج من موقف شقيقها سامي، لذا لزمت الصمت هي الأخرى لتتضامن معه ضد من حرم أخواتها من حقهن وسطا على أموال الأيتام.
أخيرا أقنع الأستاذ أحمد عديله بالخروج معه في نزهة قصيرة مع الأولاد وتغيير الجو كي يرتاح مما حدث، تاركا الأخوات مع أخيهن لعل هناك حديث أو كلام لا يرغبن به بحضورهم، من قنبر علي وكرخ بغداد مشيا على الأقدام وصولا إلى دجله ومساء عذب جميل أفرح الأولاد ومتعهم، لكنه لم ينجح في إزالة الحنق الذي يعتري صدر خضر وشعوره بالمهانة والإذلال لزوجته، على مقهى مطل على دجلة بدأ الحديث بين الرجلين بكل صراحة كان الأستاذ أحمد يقص على ضيفه كم عانى من تصرفات سامي ومساوماته كي يقبل بالزواج من منتهى، بالرغم من أنه قبل حتى السكن في بيت العائلة وما يشكله هذا من منقصة بحقه.
كاد أبو عبد الله أن ينفجر من هذا الحديث ومن سخف موقف صهره وهو المؤتمن على مصالح شقيقتها، كان لها الحق نرجس في قرارها بترك بيت والدها بعد الخلاف مع طارق، كانت تعرف حجم الدناءة والطمع الذي يسكن قلب أخيها،...
_أليس من حقهن أن يكون فوق الأخوة أبا لهن يعوض حرمانهن من الأب والأم، كيف لبشر أن ينام مرتاح البال وهو ظالم أقرب الناس إليه... لا أدري لو كان الله رزقني بأخوات لا أظن أني أتركهن إلا وهن في نعيم حتى لو كنت أنا وسط الجحيم.
_يا سيدي إنه كيد النساء.
_ليس كيد النساء فها هي نرجس كانت مثالا للطيبة والعرفان والأخلاص لأهلي ولأمي وحتى في رحليها ما زالت تتذكر كل اللحظات الجميلة التي عاشتها معها... إنها خيبة الرجال حين يقودهم الشيطان دون مقاومة.
_صحيح وأيضا منتهى لها نفس الموقف مع أهلي وأمي التي ما زالت تناديها (أمي) وكأنها فعلا ابنتها وليست أمي أنا.
_يا أخي مهما جمعت من المال فلن يسعدك الأمر بقدر ما تقدم للأخرين وتسعدهم، الحياة عطاء قبل أن تكون أستحواذا على ما في يد الأخرين.
_منذ أن خرج من الدار قبل زواجي بأيام لم أره إلا مرات قليلة يأت فقط عندما يحتاج شيء، لم يشعرهن بأنه رجل البيت وأنه الأخ الأكبر ويجعل من نفسه خيمة لهن.
غادروا المقهى بعد أن تناولوا وجبة العشاء المميزة على شاطىء ساحر وقد هدأت ثورة الحاج أبو عبد الله وأحس بأن ما حدث غير مستغرب في عالم ودنيا البعض يسعى فيها لمصلحته دون إحساس بالأخرين، مضى الوقت سريعا وها هم على دكة الباب وقد أرخى الليل سدوله، كان الجميع في أنتظار قدومهم فقد حدث ما لا يمكن أن يقع لو بقي الزوجين هنا، لقد حضرت زوجة سامي وثار جدال بينها وبين نرجس وكأنها هي صاحبة الأرث وأبنة أبيهم ولا سواها، تطور الجدال إلى تصرف سيء من سامي وزوجته حين طالبته بحقها وحق أخواتها، فترك الدار وهو يتهدد ويتوعد بأنه سيطردهن من البيت ويحرمهن من كل شيء.
نرجس التي واجهت شقيقها بكل تصرفاته كانت واثقة من حقها وحق أخواتها وألزمته بحجة القانون، وأنها لن تسكت على ظلمه وستقف له بالرصاد ليحصد كل الأثام التي زرعها في حياته، لم تنهار ولم تخاف منه وتعرف أن معها من يقف معها إلى أخر المشوار متسلحة بالحق وبالحق وحده، قضوا الليلة في أحاديث شتى على أمل السفر صباحا ووعد من الأستاذ أحمد بزيارتهم في الجمعة القادمة إلى كربلاء.







اخر الافلام

.. أفضل 5 أفلام في السينما الأمريكية هذا الأسبوع


.. فرنسا: تعديل وزاري يشمل حقيبتي الداخلية والثقافة


.. 13 فيلماً في -الشارقة السينمائي الدولي للطفل- تروي حكايات ال




.. تعرف على أسواق باريس الشرق..بيروت وعلاقة تجارها بأغنية الفلك


.. من هم الممثلين العرب الذين ساهموا في نجاح أبرز المسلسلات الأ