الحوار المتمدن - موبايل



أرجل الرّجال

عايدة الجوهري

2018 / 6 / 6
المجتمع المدني


«أرجل الرجال»، «الرجل الرجل»، «رجل ولا كل الرجال»، «رجل بكل معنى الكلمة»، هذه الشعارات ذيّلت، الشهر الماضي، الصور العملاقة لأحد زعماء الطوائف اللبنانية، الراسخين الأبديين، تبريرًا وتفسيرًا لانحياز أنصاره الثابتين له، وتشجيعًا للآخرين على إعادة انتخابه، دون غيره الأقلّ «رجولةً وقوةً وسطوةً» ضمنًا.
لا يأبه هؤلاء الناخبون لأداء زعيمهم السياسي الفعلي، ولا يتساءلون عن إنجازاته الوطنية، ولا عن الملفات العامّة التي عالجها، ولا عن القضايا المهمّة التي دافع عنها، ولا عن التشريعات التي أسهم في إنجازها، من أجل تحسين ظروف حياتهم، والدفع بالبلاد إلى الأمام، كلّ ما يعنيهم هو كونه نموذج السياسي الهجومي، والعنيد، والشرس، الذي لا يلين، والذي يخشى غضبه زعماء الطوائف الأخرى، في عملية تهديد وابتزاز متبادلين.
أظنّها ظاهرة لبنانية عربية عالمية تقضي بتماهي الذكور المقهورين والإناث المقهورات، مع من يُمثّل الصورة النقيضة لصورتهم، والتي توحي بالسلطة، والنفوذ، والسيطرة على الواقع والتأثير على الحدث، والقدرة على النجاح والارتقاء والعلو، وتوزّع على المهمّشين وقليلي الحيلة أوهامَ القوة والغلبة، والانتصار، فينساق هؤلاء إلى من يجسّد في عيونهم «الرجولة الحقّة» و«القوة الحقة»، بما هي قوة مطلقة ينشدونها لأنفسهم، ولا تتوفّر لهم، فلا يملكون سوى التماهي مع من يظنّون أنّه يمثّلها.
وأظنّها ظاهرة تحاكي في الآن عينه مجموعةً من الصور، والخيالات، الراقدة في اللاوعي الجمعي العربي، وبعضها ماثل في الذاكرة المعاصرة، والتي تقرن السياسة، بالقوة، والتحدي، والغلبة، والمغالبة، والقدرة على إخضاع الآخر، وهزمه.
ولمّا كان تعريف السياسة على هذه الشاكلة، فهي تندرج في منظومة الرجولة، بما هي هوية الذكر الاجتماعية التي يحوز بفضلها مكانته الاجتماعية، والاعتراف به ككائن ذكري مكتمل خالٍ من شوائب الأنوثة، والسياسة هي مسرح الرجولة الأمثل، فهي في العالم العربي عمومًا، وفي لبنان على سبيل المثال، عالمٌ قائم على الصراع، والتحدّي، وعلى المواجهة الفظة، وعلى الانتصار القبلي الطائفي، أو الهزيمة القبلية الطائفية، والصراع المذكور يحياه المحكومون بحماسٍ وحمية يفوقان حماس وحمية الحكّام الذين وجدوا، منذ نهاية الحرب، حلاًّ تسوويًّا قضى ويقضي بالتحاصص السياسي، والإداري، والاقتصادي، والمالي، والخدماتي، والأمني، وحتى الدبلوماسي.
ورغم اشتراك الشعوب العربية بجذور الثقافة السياسية، التي يشتبك فيها الدين بالسياسة، المقدّس بالفعل والحدث التاريخيين، العقل القبلي الجماعاتي، بالعقل الفردي، إلاّ أنّ اللبنانيين ينفردون بدوافع انجذابهم إلى زعمائهم الطائفيين، فهؤلاء هم، في عيونهم، قادة المعارك السياسية من أجل انتزاع ما اصطُلح على تسميته تعسُّفًا «حقوق الطائفة».
إنّه وهمُ الحماية الذي يُغذّيه الخوف من الطوائف الأخرى، ووهم الحقوق المحفوظة على لوح الزعامة، اللذين ينهضان (الخوف والوهم) على عدم الوثوق بالدولة، وحياديّتها وموضوعيّتها، وقدرتها على حلّ النزاعات، فضلاً عن وهم استحالة الخروج من المأزق، الذي يجعل اللبنانيين، وخلافًا لمنطق التاريخ، يعيشون واقعهم، كقدر إلهي، حتمي، مستسلمين لفكرة الزعيم الملهم، والمنقذ، والكلّي القدرة.
في ظلّ هذا الصراع المدمّر لفكرة الدولة، ولفكرة المواطن، ينبهر اللبنانيون بالزعيم الصنديد، المتصلّب، العنيد، المستعدّ للمبارزة والمواجهة، والمغامرة، أيًّا كانت الأثمان العامّة، وهم يمقتون الرجل السياسي المتّزن، المتروّي، المتأنّي، الحكيم، ويصمونه، بالرخاوة، والجبن، والميوعة، والتأنّث، وبأنّه «شبه رجل»، عملاً بالعبارة العربية المشهورة، «يا أشباه الرجال».
استوعب الزعماء اللبنانيون الدرس فكلّما أفصح الزعيم عن قدرته على انتزاع الحصّة الأكبر من موارد الدولة، وانتهاك القوانين، ومعه منطق الدولة والعدالة، استقطب مزيدًا من التأييد والمبايعة، وأبدى أتباعه استعدادهم لفدائه بالروح والدم.
ووفق منظومة المفاهيم والمقولات التي يرجع إليها مصطلح «رجولة» في الثقافة العربية، هو «أرجل الرجال»، و«رجل بكل معنى الكلمة»، هو وجه الرجولة المثلى، المكتملة، المظفرة، الرجولة البطلة، التي تُبطل قدرات الخصوم، وتهزمهم، وتُشعر المقهورين والضعفاء بالقوة، والعلو.
إنّه استعمال مشوّه لأخلاقيات «الرجولة» التي تشتمل في تعريفاتها المتعدّدة والمتناقضة على خصال إيجابية هي أصلاً عابرة للجنس، منها روح العدل، والعدالة، والترفُّع، والنزاهة، والوفاء، والحكمة، والمسؤولية، إلخ... ولكنّ الثقافة السياسية الأثرية archaique القائمة جوهريًّا على مفاهيم الغزو والسلب والنهب والاستعباد والتحكّم والأمرة والتسلّط، شاءت أن يستعمل المصطلح، ذي الرنة الإيجابية المطلقة في آذان العرب، لتجميل ما يرفضه المنطق السياسي الحديث، ويُمجّده منطق القبيلة.
إنّ توظيف دلالات الرجولة في الوضعيّة التي وصفنا، إنّما هو استعمال انتقائي، أداتي يرمي إلى مخاطبة المنظومة الثقافية الأخلاقية الأثرية الكامنة في لاوعي الجماعة المستهدفة، ولا بدّ أخيرًا من الاستنتاج أنّ ثمّة علاقة عكسية بين انحسار قيم الديمقراطية، والقانون، والعدالة، والحرية، والمواطنة، والفردية، وحقوق الإنسان، وبين رواج وطغيان صورة الرجل القوي، والمتسلّط، والفتّاك.







اخر الافلام

.. مظاهرات عارمة في أميركا ضد سياسة فصل أطفال المهاجرين


.. البلد الأكثر ترحيبا بالمهاجرين في العالم


.. الحوثيون وراء تدهور الوضع الإنساني باليمن




.. كلمة العراق في الأمم المتحدة يلقيها العريف شلتاغ


.. جيرمي كوربن يزور مخيمات اللاجئين السوريين والفلسطينيين بالأر