الحوار المتمدن - موبايل



الأمل حين يتأخر _فصل من روايتي (النرجس والرمان).

عباس علي العلي

2018 / 6 / 6
الادب والفن


الأمل حين يتأخر


في صبيحة أخر يوم من شهر صفر ذهب أبو الياس إلى السيد المحامي لغرض أكمال تسجيل زواجه في المحكمة وأيضا يستلم منه إيصالات الإيداعات التي تمت باسمه في مصرف الرهون, صار مجموع ما أودعه بأكثر تسع وخمسون ألف دينار وأحتفظ عند نرجس التي ما زالت تسكن لوحدها في دار الزايره مريم بمبلغ بحدود ألف دينار, أتفق مع أحد البنائين لغرض ترميم وأجراء إصلاحات لكل مرفقات البيت ومحاولة تحسين وضع المنتفعات الصحية للنزل وتغير الباب الخشبية المتهالكة بباب أخرى ورصف أرضية البيت ونصب حنفيات المياه وتمديدها لكل الساكنين, خاف النزلاء من هذه التطورات وأكثرهم لا يمكنه أن يدفع أكثر مما يدفع الآن أخبرهم أن هذه التحسينات على نفقة المالك وأخبره أن هذا الشهر مدفوع الأجرة للكل بثواب والد صاحب البيت .
أقترح السيد المحامي عليه أن ينتقل إلى دار قريبة من مركز المدينة أو إلى دار حديثة لا سيما وأن المبلغ الذي بحوزته لا يمكن أن ينفقه هكذا, أجابت نرجس التي أختارت فهما أخر أنها لا يمكن أن تترك مكانا معطر برائحة من تحب ولو تهدم عليها, أنها جنتي وجنة أبو الياس هنا تسكن الذكريات والأحلام, لا يمكنه أن ينام هنيئا بعيدا عن رائحة الزايره, أيدها بقوة وأكمل يا سيدنا العزيز تصرف معي وكأني لا أملك إلا ما عرفتني به ولن أترك مهنتي, لا يمكنني أن أعيش بعيدا عن الناس لا يمكن, لا أتصور أبو الياس بعيدا عن فقراء ولايتي أبدا ,قال لا تغير مهنتك ولكن ممكن أن تأخذ هده المحلات التي تحت شقتي وخلفها دار مغلقة وتجعل منها مقهى كبيرة للزائرين ولناسك ولمن تحب أن لا تفارقهم .
يبدو من العرض أنها خطة وتدبير رائع وافقوا عليه، وفكرت جيدا أيضا ووافقت على خطة أبو الياس بتهديم الغرفة الصغيرة المجاورة لغرفة الزايره والتي تلاصق الباب الرئيسي وجعل منها ممرا منفردا للدار والباقي تحويله إلى مطبخ صغير وتحويل المطبخ القديم إلى غرفة للضيوف، خاصة أنهم على موعد مع أقرباءه في زيارة قريبة, سيصبح البيت مستقلا وخارج بيت أبو الرمانه, أوعدها أنه سيتفق مع البناء على ذلك صباحا عندما يأت لإكمال مشروع الترميم, فكرة المقهى الكبيرة لاقت أستحسان نرجس وصممت أيضا على المضي قدما بها لأنها ترضي ولع زوجها وحبه لمهنته, هو الأخر كان يفكر مليا أنه يمكن أن يساعد أكثر لو أفتتح المقهى وقد يجد عملا دائما لمن يحتاج أن يعمل لكنه أثر الصمت .
أسبوعان من العمل الشاق أو كما يقول أبو الياس رجل في البيت ورجل في الشغل, ونرجس دخلت حالة الطوارئ يوميا بين أعداد الطعام ونقل الأثاث من مكان لمكان والذهاب للنداف والخياط, ليست امرأة واحدة صارت خلية نحل ما أن يحل المساء لتجلس تعدل هذا وتنقل ذاك, ترسم وتخطط تكلم نفسها أحيانا وماذا بعد, لقد أعطاك الله كل شيء بدل صبرك وأصطبارك... قد أكون في حلم لا أصدق أن الحياة أحيانا تكون أجمل من الحلم, فكرت أن تعمل شيئا يرضي روح الزايره كانت تعمله في حياتها, تطبخ للناس ما تشتهي وتوزعه على النزل قبل أن تأكل هي شيئا منه, قررت أن تعملها غدا وكل ليلة جمعة ولتطعم أهل الدربونة جميعا باسم الزايره مريم .
أثار حفيظة نرجس أن أبو الياس أخذ خمسمائة دينار قطعة واحدة دون أن يعلمها بأي مبرر سوى كلمة بعدين, صحيح أنه حر بماله ولكنها أيضا شريكة مستقبله لا بد أن تعرف أن تذهب هذه الأموال, ليس من عادتها النق ولكن أيضا ليس من عادتها السكوت على الخطأ وهي تعرف من تجربتها معه أنه أحيانا يفرط بأخر درهم بجيبه متأثرا بكلمة أو بدمعة, لا بد لها أن تعرف, حتى من يتصرف أحيانا ويشعر أن تصرفه أحمق يصارحها وتغفر له وتعلم أن ذلك من طيبة القلب, يا ترى كيف يتصرف لو لم أكن أنا معه لا بد أنه سينفق ما وجد في صندوق الزايره دون أن يبحث عن شيء مفيد أو يعتبر من حكمة والدته .
لم يبقى من موعد المولد النبوي الشريف إلا ثلاثة أيام البيت وقد تمت كافة الترميمات, النزلاء يدعون للمالك بطول العمر والرحمة لوالده أصبح البيت اليوم بحلة جديدة أرضية الدار نظيفة ومبلطة بالبلاط الملون لأول مرة أصبح تنظيف الدار من أوراق شجرة الرمان المتساقط مع حلول الخريف سهلا, ولأول مرة هناك حمامان داخل البيت الذي أصبح معزولا تماما عن بيت الزايره, البيت من الداخل مستعد لاستقبال العريس الجديد, لم يبقى إلا العزم على السفر إلى كركوك لإتمام الزيجة هناك بين الأهل والأقارب, أتصل أبو الياس بابن عمه الحاج عمر يخبره أنه غدا سيكون في كركوك وعليهم التهيؤ لا شيء مهم بقى, كل الأثاث تم أستبدالها إلا صندوق الزايره وكل ما يخصها بقيت كما هي فيها رائحة الأهل وعطر الذكرى .
في الطريق إلى بغداد دارت في رأسها فكرة أن تمر أولا على بيت أبيها وتكسر قرارها السابق, هي في حاجة أكيدة لتعرف ما دار خلفها وإن كان ذلك لا يؤثر على قرارها بأي شيء, فقط لتطمئن على شقيقتيها ما حل بهم وما صار, لم يمانع أبو الياس أن تفعل ما تريد بل كان قد أقترح عليها أكثر من مرة أن تفعل ذلك خاصة بعد عودته من كركوك, الرفض هو القرار وهو الموقف الحاسم, الآن عليهم أن يفعلوا ما هو مناسب وأن لا تتكرر الحماقات, شجعها وأخذها بيده لتركب سيارة الأجرة لأول مرة تتلامس أيديهم مع بعض أحس برعشة تجتاح جسمه وازدادت وجنتيه إحمرارا لاحظت ذلك عليه وكتمت ضحكتها خلف عباءتها التي غطت نصف وجهها، وجلست في المقعد الخلفي, كان يرتدي زيا عربيا شبيه بزي أهل بغداد أنيق وجميل ويعط إيحاء بالفرادة .
قريبا من محلة قنبر علي أمرت سائق سيارة الأجرة أن يتوقف ونزلت أمام بيت كبير مبني على الطراز البغدادي القديم يتسيد أول المحلة بضخامته وسعته، لكنه يبدو منغلقا على نفسه , الشبابيك الخارجية تبدو صغيرة والباب المرتفعة عن الشارع العام يصعد لها بدرجات أسمنتيه عريضة، وقفت هنيهة ثم نظرت مليا نحو الباب ثم اتجهت إلى داخل الزقاق لتختفي عن الأنظار، وخضر جالس قرب السائق ينظر لساعته اليدوية التي لم يتعود عليها بعد, هذا هو اليوم الأول الذي يلبسها بأستمرار ساعة ثمينة ذات حزام جلدي بني ينسجم تماما مع لون بشرته المائل للون الزهر وساعده غزير الشعر الأشهب قريبا للحمرة.
أستأذن سائق السيارة منه أن ينزل يشتري علبة سجائر من المحل القريب ويعود لأن ظاهر الحال أن السيدة سوف تتأخر قليلا, أراد أن ينزل هو الأخر ليبحث عن نرجس وقد مضى عليها وقت وقد أخبرته أنها سوف لا تتأخر إلا دقائق معدودة, عدل عن الفكرة ولا يمكنه أن يترك أغراضهم بالسيارة والسائق أيضا مبتعد يشرب الشاي في القهوة القريبة بعد أن أشترى علبة السجائر, لكن القلق بدأ يأكل من صبره, خوفه أن تتعرض نرجس لأذى, قد لا يسامح أحد إن حصل ذلك لها, من عادته إن أصابه قلق يأكل أظافر أصابعه, بدا نبضه يتسارع وأزداد إحمرار وجهه نزل من السيارة تاركا كل شيء خلفه ,سمع صوت من الجانب الأخر المقابل للدار التي وقفت عنده ,إنه صوت نرجس خرجت من الدار المقابلة بعد أن دخلتها من داخل الزقاق وأشارت له بالتحرك .
تحركت السيارة لتقلهم إلى حيث موقف السيارات نقل المسافرين إلى كركوك دون أن تتكلم بحرف واحد مرتسم على وجهها علامات حزن عميق، ولربما بكت لا يمكنه أن يسألها عن شيء ولا يمكنه أن يطلب منها أن تشرح ما حدث, الصمت المطبق هو ما سيطر على جو السيارة ومن فيها حتى وصلا حيث يرغبان, أنزل كل ما في السيارة من أغراض وأدخلها في سيارة الأجرة التي ستقلهم إلى كركوك بعد أن أتفق مع سائقها أن ينطلق بهم وحدهم, أستغل ذهاب السائق لأمر ما ليسألها عما حدث, قالت له كلمة واحدة قد مات أبي .
صمت قليلا ثم أستأذن السائق بعد أن أركبها بالمقعد الخلفي وذهبا سويا إلى مكان يشبه محل لكنه بالجهة القصية من الكراج أدلف وخرج بعد بضع دقائق عادا سويا وأدار السائق محرك سيرته وأنطلق, كانت نرجس في حال يرثى له تبكي بصمت الثكالى بلا صوت, بكاء مر بكاء قلب من العمق, يشعر خضر أن الدنيا ليست بذاك الجمال والحلاوة التي تصورها بالأمس وهو يحلق شعر رأسه عند حجي مجيد المزينجي .
عليه أن يبادلها نفس الوفاء الذي أبدته يوم توفيت الزايره مريم, لم يرى أمه ولم يحضر جنازتها ودفنها,هي الأخرى لم تحضر جنازته ولا دفنته أنها أبوها, الأقدار أحيانا تضعنا أمام مصادفات عجيبة, السيارة تلتهم الطريق الطويل, رفعت عينها لتتفحص أين وصلوا, تنبهت أنه طريق كربلاء وليس طريق كركوك, قالت أين نحن لسنا بعدين فقد وصلنا, وكركوك والناس التي تنتظر؟, قال أنهم علموا بوفاة والدك ويعرفون بالأمر وسيحضرون الفاتحة بأذن الله .
لأول مرة يكتشف أبو الياس حقيقة ما يكنه الناس له من أحترام, دعوته لمأتم عمه ووالد زوجته كان بمثابة أظهار حقيقي لرجل أرتبط الناس به بإنسانيته بوده ونقاءه, ثلاث ليال لم تنقطع عنه التعازي أفراد وجماعات لكن ما يلفت النظر أن الرجل كان بصحبة ناس أغراب يبدو عليهم أنهم من عرب الشمال، هل يعني أنه ليس من أهالي كربلاء, الكل عرف أن من وقف معه هم أعمامه وأولاد عمه.
لا تعرف بالضبط كيف تتصرف الوضع ليس لائقا الناس عرفت أن نرجس زوجة أبو الياس وأنهم قد تزوجوا منذ مدة, حتى الجيران بدأت تتساءل إن كان زوجها حقا كيف تسكن هي بدار وزوجها بدار أخرى؟, ما المانع وقد أنتهت فترة الحداد؟, من هؤلاء الغرباء الذين نزلوا عندها؟ هل هم أهلها , يبدوا عليهم أنهم أقرب لأبو الياس منهم لها, غرباء وأغنياء ما الذي ساقهم إلى شخص مجهول النسب والحسب لا يعرف عنه شيء، قد يكونوا من أهله أو من أهل زوجته, أسئلة بلا جواب ولا أحد يعرف سر ما يجري, حتى مكانه حيث يعمل بدأ التوسع وتهديم بعض المكان لتوسعة الصحن, ماذا يجري أين سيذهب .
تسمع نرجس من جاراتها هذه الأسئلة دون أن ترد عليها لأنها تعلم أن الأمر ليس بتلك البساطة والسذاجة التي يتصورها البعض, ما يزيدهم حيرة أن ما يجري هنا يجري بصمت وكأن عالم أخر يتحكم به منفردا من قبلها فهي وهو بنظر النزلاء في البيت مجرد نزل مثلهم وإن توكلوا من المالك بالإدارة، ولكنهم يشعرون أن حدود هذه الوكالة غير واضحة وأنهم لا يعرفون يوما ما من هو المالك وكيف يتواصلون معه, أبو الياس كثيرا ما يتغاضى عن الإساءات التي تصدر من بعض الساكنين أو التأخر أو النقص في دفع الأجرة, هذا لا يشفع عند البعض, الطيبة والتعاون أحيانا لا تعط ثمارها مع بني الإنسان, ومع ذلك لم تصمت الألسنة عما لا يخصها .
نقل أبو الياس عدة العمل بأكملها للدار وطلب أن تحتفظ بها للذكرى كما هي لأبنائه لبناته لو رزقهم الله بذرية, خاطبها اليوم ولأول مرة بأم عبد الله, فرحت في داخلها أيما فرح وهي تسمع هذا النداء وأخبرها أن لا حل أمامهم إلا الزواج هنا في بيتهم وقد مر وقت يكفي للحزن، ولو أنه يتمنى أن لا يجرح مشاعرها كما قال ولكن للضرورة أحكام، لم ترد بشيء وصمتت علامة على رضاها, أخبرها أنه سيعود المساء ليصطحبها إلى السيد المحامي هناك أمر هام ولا بد أن تكون حاضرة, قالت أنها ستكون في الصحن للصلاة وتقابله عند مكتب المحامي .
وقفت تنتظر زوجها أمام مكتب السيد المحامي كان قريبا جدا منها قد تزين كأنه ذاهب لحفلة الشباب من المنطقة يحتفون به ويقدمون له التهاني والتبريكات والقبل على خديه المحمرين, أخذته الدهشة من المنظر لا تدري ما الذي يجري خاصة وأنه يراها واقفة تنتظر دون أن يكلمها, لمحت السيد المحامي يقطع الشارع متجها إليها من الجهة المقابلة مبتسم, هل هناك حفلة عرس وأنا لا أعلم, أجابها السيد المحامي نعم حفلة عرس ولكن من نوع أخر, أنها أفتتاح مقهى عبد الله الأشهب هذه المجاورة ستكون أكبر مقهى هنا في المنطقة, اليوم أصبح زوجك مالكها الشرعي ومديرها وداعا للماضي وداعا للزمن الذي ولى, أنه يستحق كل الخير .
كانت ليلة سعيدة بمعنى ما تحمل من عزم على التغيير الإيجابي، أخبرها أن يوم الخميس القادم ستحضر العمة تركية إن أمكنها ظرفها الصحي وخالته أم عمر والحاج عمر وآخرين لحضور العرس وأنه قد استأجر لهم بيتا مفروشا لقضاء المدة التي سيكونون فيها هنا، وسألها عن ما تحتاج من مستلزمات العرس وأخبرها أن مراسيم الزواج كلها ستكون مختصرة على العائلة، على أن يجعل من يوم الجمعة يوم الوليمة الكبرى وسيدعو لها غالب أصدقائه ومجاوريه في العمل والسكن وأولهم نزل البيت, سيكون يوما لله قبل أن يكون لنا, سألها مرة أخرى عن حاجتها لأي شيء يريدها كما تشتهي هي كما ترغب أن تكون, تركها وعاد لغرفته التي سيودعها قريبا عريس محظوظ بزوجة صالحة وعطر رائحة الأم وهي تبتسم له وتدعو في عالم الرحمة .







اخر الافلام

.. ما وراء الخبر- ما وجاهة الرواية السعودية الجديدة بشأن خاشقجي


.. ترمب يدعم الرواية السعودية بشأن مقتل خاشقجي


.. مجريات قضية خاشقجي تتعارض مع الرواية السعودية




.. مشرعون أميركيون يدعون ترامب لعدم التسليم بالرواية السعودية


.. #الكبير_الآن | شقاوة -جعيدي- و -سبرتو- من فيلم -شمس الزناتي