الحوار المتمدن - موبايل



رسالة رد إلى الفنان السوري نزار صابور

غسان صابور

2018 / 6 / 7
سيرة ذاتية


رسالة ــ رد إلى الفنان السوري نــزار صــابــور
كتب الفنان السوري والأستاذ بكلية الفنون بدمشق ما يلي :
(وكأنهم كانوا هنا...
عدت الى منزل اللاذقية بعد غياب عدة أشهر
كل شيء كان بانتظاري .
أدوات المطبخ .. و فنجان القهوة على الطاولة .. سجائر زوجتي ...
شاشة التلفزيون الكبيرة ..و أجهزة التحكم ..
هنا ..كان فرح ينام ، بعد عودته من الخدمة العسكرية ، و هنا...كرم حين عودته من دراسته من دمشق ، و هنا ...زين ،و هنا سهراتهم مع الأصدقاء .
هنا.. غرفة المرسم ،و الكتب منتظرة من ينهي قراءتها ، و هناك .. طاولة الكوي.. و غرفة الغسيل و ثياب الجميع .
هنا..شهاداتي و شهادات الأولاد فوق رفوف الخزائن .. الممتلئة بالأوراق الرسمية ...و فواتير الهاتف و الكهرباء و الماء .
و كل شيء .. كل شيء كان ينتظر أهله ..أصحابه .
انه منزلنا ...سورية .)
وهذا ردي إليه :
تعرفت عليك منذ حوالي ربع قرن, عندما أقمت لك معرضا للوحاتك الأيقونية بمدينة ليون.. بقصر بوندي Palais de Bondy الذي يستقبل عادة أشهر رسامي العالم.. عندما كنت مسؤولا عن الرابطة الثقافية الفرنسية السورية.. وبمساعدة السلطات والهيئات الثقافية المحلية والمركزية.. وعرفت بعدها لوحاتك بالعالم كله.. وكنت أتابع أخبارك ولوحاتك وكتاباتك المختصرة... وشهرتك محليا وعربيا.. وأحيانا عالميا... رغم أنك لم تذكر ولا مرة واحدة مدينة ليون.. بأية مقابلة دعائية تواجهت معها... لم أعاتبك ولا مرة واحدة عن هذا النسيان.. لأنني أعرف طبيعة الفنانين.. عندما يرتقون بعالم الشهرة...
ولكنني هذه المرة.. لما قرأت ما كتبت على صفحتك الفيسبوكية إلى مدينة اللاذقية.. هذه المدينة التي ولدنا أنت وأنا فيها.. كأنك تعود من غياب برحلة عادية لتطييب المزاج... توقفت عجبا.. توقفت اندهاشا مغموسا بكثير من الاستغراب الصامت وعدم الموافقة من غرابة كلماتك.. متحدثا عن بيتك وعائلتك الشخصية.. كأنما اللاذقية نامت بخدر عجيب كل ثمانية سنوات الحرب التي عاشتها سوريا.. وما زالت تعيشها.. وكأنما لم يتغير أي شيء بجسدها.. بعمرها.. بــآمــال ربيعها... وكل شيء "تمام.. تمام.. يا خالتي"!!!...
صعقت.. صعقت لكلماتك الموزونة.. كأنها صادرة من موظف صغير مسؤول بوزارة الإعلام السورية متخصص بإعلانات الإنتصار... كأنما اللاذقية لم تتغير.. وأنها ما تزال المدينة الفينيقية السياحية الربيعية الجميلة المعروفة التي عرفناها أنت وأنا.. أيام طفولتنا وفتوتنا وشبابنا (رغم فارق السن بيننا).. وكأنها لا تكتظ بأكثر من مليوني مهاجر تائه داخلي...
عندما قرأت كلمات عودتك العادية المعسولة.. لم أفهمها.. أعدت قراءتها مرات ومرات.. وقلت مترددا : هذا ليس نـزار صـابـور الذي عرفته بمدينة ليون... ليس الفنان الذي يحترق محبة لوطنه ولبلده وشعبه.. يعود لبلده كأنه كان برحلة سياحية بجزيرة جميلة له وحده.. يرسم ما يشاء من اللوحات الغالية المطلوبة من رغبات مليارديرية بورجوازية منتفخة... لا يرى فيها كل ما تهدم وتفجر.. وما مات وجرح.. أو هــرب من الموت وهــاجــر... كأنما نزار صابور الفنان الهادئ الرائع.. كان في جنة.. وعاد إلى جنة!!!.....
عرفت كتاباتك.. عندما كنت إنسانا كاملا وفنانا عاديا.. من قلب هذا الشعب.. أكثر التصاقا بالحقيقة ومرارتها.. نــعــم ومراراتها.. وشدتها.. ورغباتها... فهل غيرتك الشهرة والوظيفة ووجودك بالعاصمة قرب أهرامات السلطة وأمانها.. فأبعدتك عن حقيقة مرارة ما عاشه هذا البلد.. وما زالت.. من مرارة وخوف وموت.. دون أن ننسى كل ما هدم وخرب وتفجر... غالب المدن مهجورة.. مهجرة.. سكانها فقراء محرومون من أبسط حاجات الحياة.. رغم كل الخطابات الانتصارية العنترية...
رأيت لك بعض اللوحات الحزينة.. ولكنها كانت دوما غامضة.. بلا تعريف ولا تفسير ولا أية مسؤولية.. كنت دوما باق بأبراج الغموض والشهرة.. وحتى كلماتك اليوم تبقى ــ بنظري واعتقادي ــ مغلفة بالغموض والشهرة... بعيدة عن مشاعر الفنان وأحاسيس الفنان الذي يعيش ألم وطنه وشعب وطنه.. ولو كان بعيدا عنه آلاف الكيلومترات... ولهذا أكتب إليك شخصيا.. آملا استطاعة عرضك بقصر بوندي بمدينة ليون من جديد.. لــيــون LYON التي ما زالت تتذكرك.. وتسأل عنك وكيف أصبحت... آمــل أن يعود نــزار إلى بداية البدايات.. عندما كانت هناك داخل الإنسان كل الحقيقة.. أو حتى بعض نــادر من بعض حقيقة...
لن أعتذر عن قساوة كلماتي... لأنني لم أجد أي بديل ــ ديبلوماسي ــ لحقيقة واقعنا... ولكلماتك... واحتراما لذكرياتنا المشتركة العتيقة.....
وحتى نلتقي.......
غـسـان صــابــور ــ لـيـون فــرنــســا







اخر الافلام

.. استنفار أمني كبير لتأمين وصول الحجيج وتسهيل أداء مناسك الحج


.. جهود التهدئة بين إسرائيل وقطاع غزة تتحول مجددا إلى مادة للتر


.. عزل قادة عسكريين حديث الساعة في الجزائر




.. عراقيون يدعمون دفع بلادهم تعويضات خيالية لإيران!


.. لقاء الأستاذ جهاد جليل على قناة الرشيد بخصوص دور الشباب في ا