الحوار المتمدن - موبايل



حوار مع السفسطائي الروحي-1

أيمن عبد الخالق

2018 / 6 / 9
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


حوار مع السفسطائي الروحي -1
" إن السعادة تكون للعقول قبل أن تكون للنفوس، بل هى لا تكون للنفوس إلا مع النفوس من حيث هى عاقلة ، لا من حيث هى متذوقة" – ابن سينا
o السفسطائي الروحي: في الحقيقة لم أكن في البداية مقتنعا بالدخول في الحوار معكم، لعدم قناعتي بجدوائية ماتسمونه بالحوار الفكري؛ لأنه ليس إلا إتلافا للوقت، وإضاعة للعمر، ولولا صداقتنا القديمة من جهة، وإصراركم على الحوار معي من جهة أخرى، مافكرت لحظة في التحاور معكم.
• الفيلسوف: مع احترامي الشديد لشخصكم الكريم، ولكن لماذا تنظرون هذه النظرة السلبية القاتمة إلى الحوار الفكري البنّاء، وتعتبرونه إهداراً للوقت، ومضيعة للعمر، على الرغم من كونه من أعظم وأجمل مظاهر الإنسانية والتمدن؟
o السفسطائي الروحي: أخبرني أنت أولا عن جدوائية مثل هكذا حوارات فكرية، حتى أخبرك عن رأيي بعد ذلك.
• الفيلسوف: لاشك أنّ الحوار الفكري له فوائد متعددة، على المستوى المعرفي والنفسي والاجتماعي.
فعلى المستوى المعرفي فالحوار يساعدنا على الوصول إلى الحقيقة والرأي الصائب، أو لاأقل الرأي الأقرب إلى الصواب، عن طريق تلاقح الأفكار، واكتشاف مواطن الخلل في أنماط تفكيرنا، وأفكارنا ، وأسلوبنا في الحياة؛ من أجل تغييرها إلى الأفضل.
ومن الناحية النفسية، فالإنسان يشعر ببهجة كبيرة وسعادة حقيقية، في ممارسته لحقه الطبيعي كإنسان مفكر، وكصاحب رأي أو رؤية في الحياة، وفي إقناعه لغيره، والتأثير على الاخرين.
وأما الفائدة الاجتماعية فالحوار هو أفضل طريقة للتفاهم والتوافق بين أفراد المجتمع البشري، وتحقيق التعايش السلمي.
o السفسطائي الروحي: جيد..دعنا الان ننظر في كل ماادعيتموه حول أهمية ماتسمونه بالحوار الفكري، لنرى مدى حقانيته وواقعيته.
• الفيلسوف: تفضل..فأنا قد عودت نفسي على أن أصغي للرأي المخالف مهما كان مصدره.
o السفسطائي الروحي: أولا - بالنسبة لما تدعيه من الفائدة المعرفية للحوار الفكري، من كونه يوصلنا للحقيقة، فهو مجرد وهم؛ لأنه مبني أساساً على قدرة التفكير العقلي للوصول إلى الحقيقة، مع أنّ العقل في الحقيقة لايدرك إلا قشور المعارف، دون لبابها، لأنه من عالم الظلمات، ولايدرك الحقيقة في الواقع إلا قلب الإنسان؛ لأنه من عالم الأنوار، ولكن بعد تخليته من الرذائل الأخلاقية والنفسية، وقطع علائقه المادية بهذه الدنيا الدنية، وتحليته بالفضائل الإنسانية المعنوية......وبناء عليه فالحوار القائم على مثل هذه المعرفة العقلية هو مجرد عبث وهراء.
• الفيلسوف: ماشي...هذا رأيك على أي حال، وأنا أعرفه مسبقاً، ولكني لا أريد أن أعلق عليه حتى تنتهي من كل كلامك.
o السفسطائي الروحي: ثانيا – أما بالنسبة للفائدة النفسية المزعومة، فالبهجة أوالسعادة الحقيقية ياأخي العزيزلاتحصل من القيل والقال، أوالجدل العقيم، الذي يسعى فيه كل طرف لإبراز ذاته وأنانيته، بل السعادة الحقيقية في نكران الذات، واعتزال الناس، والتأمل الروحي الوجداني في حقيقة النفس، وفي ملكوت السموات والأرض؛ من أجل التحرر من سجن البدن المظلم، والتحليق في عالم الأنوار والقرب الإلهي.
وأما بالنسبة للفائدة الاجتماعية للحوار التي ذكرتها من تحقيق التفاهم والتعايش السلمي، فالواقع المشهود على خلافه تماما، حيث نجد أنّ أغلب هذه الحوارات العقيمة محفوفة بالسباب والمهاترات، وتنتهي بالمزيد من الأحقاد التي تعمق الفجوات بين الناس، وبالتالي تؤجج من حدة الصراعات الدينية والمذهبية، والطائفية والقومية داخل المجتمع البشري.
• الفيلسوف: جيد...هل هذه هي كل انتقاداتك حول الحوار الفكري؟
o السفسطائي الروحي: نعم، واعتقد أنّ فيها الكفاية لإثبات عدم جدوائيته، وأنّ ضرره أكثر من نفعه.
• الفيلسوف: ألا يكفي أنك من خلال نفس هذا الحوار، استطعت أن تنقل لي وجهة نظرك المخالفة له؟
o السفسطائي الروحي: ماذا تقصد من كلامك هذا؟
• السفسطائي الروحي: أقصد أنك قد نقدت الحوار، وأثبت عدم جدوائيته عن طريق نفس الحوار، وهذا تناقض!...فلايمكنك أن تستعمل نفس الحوار لتعترض به على أصل الحوار الفكري، وعلى أنه هو الوسيلة المنطقية الوحيدة للتفاهم بين الناس.
o السفسطائي الديني: أممم....أنا...أنا فقط أردت نصيحتك لاغير، حتى لاتضيع وقتك ووقت الاخرين فيما لاينفع...ثم أنك أنت الذي دعوتني للحوار، وأيضا...
• الفيلسوف: على أي حال...أنا لاأريد أن أفرض عليكم رؤية معينة، كل ماأردت أن أقوله، أنه من الطبيعي جدا أن نختلف، ولكن يبقى الحوار هو الأسلوب الوحيد للتفاهم، وللإقناع والاقتناع...وإلا فما هو البديل؟ أتريد للناس أن تسير خلفك مغمضة العينين، وتسلم بكل ماتقول بلا أي نقاش؟!!..أو أن تفرض عليهم رأيك بالقوة، أو أن تستمر التعصبات والصراعات بيننا...
على أي حال بعد أن عبّرتم لي عن وجهة نظركم النقدية للحوار الفكري، فاسمح لي أن أجيب عنها بكل هدوء، لتتأملوا فيها لتجيبوا عليها بدوركم بعد ذلك، ويستمر الحوار بكل هدوء وانسيابية لنصل إلى نتيجة في النهاية إن شاء الله.
o السفسطائي الروحي: أنا من ناحيتي مقتنع تماما، ومؤمن من كل قلبي بصحة رؤيتي واعتقادي، ولست في حاجة لمثل هذا الحوار....ولكن بما أنني في بيتك، وكونك صديقا قديما لي، فلابأس من أن استمع إليك، بشرط ألا تُطوّل الكلام معي، حيث إنّ كثرة الكلام، والمراء تميت القلب، وتكدر النفس.
• الفيلسوف: أعدك بذلك...وأنا بحمد الله لست من المجادلين، أو المراوغين، ودائما ما أقول خير الكلام ماقل ودل.
o السفسطائي الروحي: إذن تفضل....وهات ماعندك.
• الفيلسوف: بالنسبة لقولك أن الحوار الفكري مبني على التفكير العقلي، قول صحيح، ولكن إدعاؤك بأن العقل عاجز عن الوصول إلى الحقيقة فغير صحيح، وكيف عرفت ذلك، فهذا إدعاء خطير للغاية، ويمكن أن يدفع بالإنسان إلى أن يسلك طريقاً مجهولاً....فما هو دليلك على هذا الإدعاء؟
o السفسطائي الروحي: لأنّ العقل بكل بساطة يأخذ معطياته من الحس، والحس لايدرك إلا قشور عالم المادة، فهو ليس من سنخ عالم الروح والمعنى، فكيف يمكنه أن يصل إلى عالم الغيب، وهو حبيس عالم المادة المظلم، هذا بالإضافة إلى تأثر أحكام العقل بالوهم والخيال، والمزاج، والغرائز الحيوانية، والأعراف الاجتماعية...
• الفيلسوف: عن أي عقل تتكلم؟ وماهو منشأ كل هذه الأحكام المتتالية التي أطلقتها؟ إذا كان منشؤها هو عقلك؟ فكيف تستدل به، ثم تشكك في أحكامه، وإذا كنت اعتمدت على غير عقلك، فما هو ذلك الغير، وكيف أحرزت صلاحيته العلمية؟
o السفسطائي الروحي: أنا سبق وأن قلت لك أنني اعتمد على قلبي، بعد تطهيره؛ لأنه هو الطريق الوحيد الذي يوصلني الى الحقيقة.
• الفيلسوف: وكيف دلك قلبك على كل هذا....ارجوك افهمني جيدا...أنا كلامي واضح...انت شككت في قدرة العقل أولا، ثم أعرضت عنه ثانيا، ثم انتخبت القلب كطريق للمعرفة الحقيقية ثالثا...فما الذي دعاك لاتخاذ كل هذه الأحكام والمواقف، وماهي الوسيلة التي اعتمدتها في ذلك....وما معنى الحقيقة عندك، وكيف عرفتها....كل هذا ينبغي أن تبينه لي أولا بنحو علمي موضوعي؛ حتى تستطيع أن تبرر موقفك الحالي، وإلا لأصبح كلامك كله مجرد مصادرات، وشعارات جوفاء.
o السفسطائي الروحي: لا لا ..أرجوك أن تحترم رأيي ومشاعري، ولاتحملني مالاطاقة لي به، أنت تطالبني بالدليل على كل ماأقوله، وهذا هو نهجكم أيها الفلاسفة، وأنا طريقي هو طريق أصحاب المعني والقلوب من العرفاء والروحانيين، وأنا مؤمن بهذا، والمؤمن قلبه دليله.
• الفيلسوف: ياأخي العزيز الله يعلم أني لاأقصد أن أبطل اعتقادك، أو أجرح مشاعرك، وأنت حر في انتخاب أي طريق تراه صحيحا، وتتحمل مسؤولية ذلك، ولكن كلامي في سبب وكيفية إعراضك عن طريق معين، وانتخابك طريقا آخر تبرمج على أساسه كل حياتك، وتبني مصيرك عليه، أليس من حق الإنسان أن يسأل نفسه لماذا فعل كل هذا، قبل أن يجد نفسه قد دخل في نفق مظلم لانهاية له.
o السفسطائي الروحي: على أي حال يحتاج الأمر أن أتأمل فيه أكثر من هذا، لأجيبك بالنحو الذي يقنعك.
• الفيلسوف: عليك أن تقنع نفسك أولا قبل أن تقنعني، فخذ وقتك من التفكير حتى لقاء آخر إن شاء الله.







اخر الافلام

.. 1000 مفقود جراء حرائق الغابات في كاليفورنيا


.. 1000 مفقود جراء حرائق الغابات في كاليفورنيا


.. رئيس أمازون: شركتنا ستعلن إفلاسها يوما ما




.. بيع اكثر من 700 ألف نسخة من مذكرات ميشيل أوباما


.. في بابوا غينيا الجديدة.. إدمان مضغ جوز التنبول