الحوار المتمدن - موبايل



الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق على التجربة المصرية المعاصرة

محمد عبد الشفيع عيسى

2018 / 6 / 10
الارهاب, الحرب والسلام


أولا : مقدمة عامة و خلفية تاريخية عن أصل العنف
يقولون إن "الدولة" بوصفها الكيان السياسى الأكمل حتى الآن ، تتميز عن غيرها من الموجودات الاجتماعية بخاصية "احتكار العنف" ، بما فيه "العنف المسلح" ، ونراها حقيقة . ففي حالة الكيانات السياسية "ماقبل الدولة"، وإن شئت فقلْ : قبل العصر الحديث وفق التحقيب الأوروبى ، وجدنا أن السلطة العامة التى تمارسها باسم مجموعة اجتماعية معينة، كانت محل منازعة قوية من قبل المجموعات الاجتماعية المختلفة الأخرى. لقد كانت الدول المستقرة حينئذ تتمتع سلطاتها بقدر واسع نسبيا من الشرعية، و من المشروعية القانونية ، طوال شطر كبير من التاريخ المكتوب، عبر الحضارات القديمة كما فى الشرق الأدنى القديم وحضارة وادى النيل ، وكذا الحضارة الوسيطة وأبرزها الحضارة العربية الاسلامية التى استمرت قوتها الذاتية ودافعيتها الجمعية عموماً زهاء عشرة قرون (من القرن السادس إلى السادس عشر الميلادى) .
وهكذا كانت الدولة، بشكل عام ، تمارس السلطة فى قلب خضم من المنازعة الاجتماعية المستمرة من قبل الكائنات المجتمعية المختلفة، المنظّمة غالباً ، سواء كانت هذه المنازعة آخذة الشكل العفويّ أو النظامى ، وبينهما درجات كثيرة . بل وكانت الدولة فى حالة الاتساع المفرط لإقليمها المسيطر عليه ، مادياً أو معنوياً ، الدولة الإمبراطورية ، تتسع لعدد من السلطات الفعلية المتنوعة، سواء داخل المركز نفسه (عاصمة الدولة) ، أم فى المناطق الطرفية (أو الولايات حسب التعبير التراثي) . وتلك هى الحالة التى اتّسمت بها "الدول" الإسلامية المتتابعة المعروفة فى بطون كتب التاريخ ، ابتداء من "الخلافة الراشدة" إلى الأموية فالعباسية والفاطمية فى المشرق العربى الحالي(ومن بعدها : الأيوبية فالمملوكية) مقابل دول الأدارسة والأغالبة ثم المرابطين فالموحدين وغيرهم (فى المغرب) – ومن بعد فى الجميع تقريباً : الدولة العثمانية .. وكان للأندلس تاريخ مشابه خلال القرون السبعة وأكثر ، التى استغرقها الحكم العربى فى أسبانيا ، عبر الخلافة الأموية ، ثم ما يعرف بــ (ملوك الطوائف) .
مقابل الحضارة العربية الإسلامية ، كانت أوروبا فى شطرها الغربى خلال العصر الوسيط مسرحاً "أنموذجياً" لتنازع السلطات داخل "الامبراطورية الرومانية المقدسة" فى إطار النظام الإقطاعى "الأنموذجى" ، ودع عنك تنازع السلطة بين الامبراطور وبابا الكنيسة الكاثوليكية . وكان الشطر الشرقى المسيطر عليه من قبل الامبراطورية الرومانية الشرقية أو "البيزنطية" مسرحاً مناظراً لتنازع السلطات بين المركز والأقاليم الطرفية ، وداخل كل اقليم على حدة (حالة مصر مثلاً قبل الفتح العربى) .
أما العصر الحديث الأوروبى فقد تميز سياسيا، أول ما تميز، ببزوغ الدولة ككائن جمعى يمارس سلطته على إقليم مخصوص معيّن الحدود، يعيش فيه "شعب" يملك حق تقرير مصيره الجمعي فى إطار "الدولة – الأمة" أو "الدولة القومية" Nation-State .. لكن "الدولة القومية" فى الغرب ، بقيادة البورجوازية الصاعدة زراعياً فتجارياً وصناعياً ثم مالياً وتكنولوجياً ، قد "حققت ذاتها" عبر "الاستعمار" كظاهرة وسمت العلاقات الدولية تحت ظلال "الرأسمالية العالمية"، وذلك من قِبل أوروبا الغربية ( والشمالية) إزاء كل من عالم ما وراء البحار over seas (إفريقيا وآسيا عموما) والعالم الجديد (الأمريكتين) والأوقيانوسيا (أستراليا ونيوزيلند).
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن العنف المسلح الممارس من الكيانات المتنازعة فيما قبل الدولة الحديثة – بالمعنى الأوروبى – أصبح محرماً مجرّماً فى "الدولة" ، سواء الدولة الغربية العريقة (نسبياً) أو دولة ما بعد التحرر من الاستعمار فى آسيا وأفريقيا وأمريكا – أى فى عصر "ما بعد الكولونيالية" .
بهذا المعنى أصبح احتكار العنف المسلّح أبرز خصائص الكيان المجتمعى المسمى بالدولة. ولكن الدولة وفق المعنى المذكور، في إطار المثالية السياسية في الفكر الغربي السائد، (ينبغي) أن تقوم على التوافق المجتمعى الحر، الذى تذعن الكيانات الفرعية من خلاله للولاء الطوعى للكيان الأكبر، على قواعد من التشارك الاقتصادى، ونوع من التكافؤ الاجتماعى، و المشاركة السياسية المتنامية ضمن الديمقراطية، حمّالة الأوجه .
و هكذا، لا يكون احتكار العنف خاصية مجانية للدولة، ولكنها سمة مخلّقة من باطن الممارسة الاجتماعية المعقدة ، فلا تكون محض ميزة مضافة لقوة اجتماعية بعينها فى مواجهة سائر القوى .
فهل تحقق ذلك بالفعل ؟ لا لم يتحقق . ولم يتحقق فى الغرب الأوروبى بالذات ، نتيجة التكوين الطبقى ذى الطابع الانقسامى الأشدّ فى ظل سطوة الرأسمالية ، وما تلاه من مظاهر لصراع طبقى صارخ، وخاصة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، واشتد تحت وطأة تفاقم الاحتكارات . فقد وضع كل ذلك قيوداً حديدية فى العالم الأوروبى ، ثم في الامتداد الأوروبي بأمريكا الشمالية منذ (استقلال) الولايات المتحدة عام 1776 سواء على حدّ التشارك الاقتصادى ، كما ينبغى له أن يكون ، أو التكافؤ الاجتماعى من ثم ، فالمشاركة الجماعية الحرة فى السلطة العامة .
أما "دمقرطة العلاقات الدولية" فكانت سرابا من السراب فى ظل الاستعمار الأوروبى للقارات الثلاثة – إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية – بل ولم تبرز على مسرح الفكر الاجتماعي والخطابات الإيديولوجية ، إلا فى عالم ومرحلة "ما بعد الحرب العالمية الثانية"، فى إطار ظروف خاصة معقدة ، أبرزها تشكل المجموعات الدولية الثلاثية آئنذ : الكتلة الغربية بقيادة الولايات المتحدة ، والكتلة الشرقية (الاشتراكية) بقيادة الاتحاد السوفيتى ، وعالم حركات التحرر الوطنى وعدم الانحياز فى "العالم الثالث" أو "القارات الثلاثة".
فى إطار ترسخ الدولة ككائن سياسى، تحت لواء الشعار الديمقراطى، وتسرب أفكار التكافؤ والعدل الاجتماعى فى ظل "الكينزية" فى الغرب و "الاشتراكية" فى الشرق و "نمط التطور اللا رأسمالى" فى العالم الثالث ، من 1945 إلى 1975 تقريباً، تم الاعتراف، في الغرب خاصة، بأن العنف المسلح الممارس من قبل الفواعل غير الدولة يعتبر عملاً محرماً، ومجّرماً داخل الدولة لتحقيق أهداف خاصة لمجموعات بعينها باعتبارها "إرهاباً. وهذا ما نعتبره "العنف محل الإدانة"، العنف المدان. وقد تم ذلك الاعتراف، رغم حالة "الإنكار" العملى لجوهر العنف المدان والإرهاب، التى جسدها التدخل الاستعمارى من دول الاستعمار القديم والجديد فى الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن العشرين. وما حروب كوريا وفيتنام وحرب الجزائر التحريرية سوى أمثلة بارزة على جدل الاعتراف والإنكار .. ثم أن مثالاً فجّا واستثنائيا إلى حد بعيد للاستعمار قد برز فى عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، هو الاستعمار الصهيونى ، العنصرى الاستيطانى ، فى فلسطين (1948- ..). وقد مارس الكيان السياسى الصهيونى الاستيطانى تجاه الشعب الفلسطينى تحت الاحتلال ما أصبح يطلق عليه "إرهاب الدولة". كذلك إذن ، أصبح الإرهاب كظاهرة عامة قرينا لإرهاب الدولة كظاهرة مخصوصة ولصيقة إلى حد كبير بممارسة الكيان الصهيونى .
وإن لإرهاب وإرهاب الدولة، وجهين : وجه غير مجسد ووجه مجسد . الأول غير ملموس ، كعنف رمزى وإيديولوجى وسياسى ودعائى وإعلامى ، قائم على "القهر" كظاهرة كلية . والثانى مجسد ملموس، مادى، ، اقتصاديا وعسكريا، وبالذات عسكريا ، كعنف مجسد بالسلاح، عنف مسلح باختصار .
ولا يعمل هذا الإرهاب وإرهاب الدولة ، منعزلاً عن المحيط المجتمعى الداخلى والخارجى ، فكلاهما يغذى ويتغذى بالآثار التفاعلية الارتباطية، داخل نظام "الفعل وردً الفعل" على الدوام .



ثانيا : محاولة تفسيرية، ديالكتيكية
يختلف شرّاح الإرهاب والعنف المسلح المدان فى تفسير الظاهرة على مروحة دائرة بين قطبين، أولهما ما يمكن أن يسمى بالرؤية الأمنيّة – الآنية ، وثانيهما ما يسمى بنظرية "الأسباب الحقيقية" . فأما الأول فيرى أن الظاهرة تعود إلى ثغرات ذات طابع عرضىَ فى المنظومة الأمنية فى لحظة معينة عبر الزمن ، ومن ثم فإن مدخل العلاج يكون من خلال "فرض الأمن" فى المكان – الزمان .
وأما الثانى – الذى نميل إليه – فيرى أن ظاهرة الإرهاب والعنف المسلح يجب منذ البدء تمييزها بدقة عما عداها . فليس كل استخدام للقوة المجسدة من لدن "الهيئات غير – الدولة" بمثابة عنف مدان أو إرهاب. إن المقاومة "المسلحة" لإرهاب الدولة وللاستعمار الأجنبى هو استخدام مشروع للعنف المسلح . وهناك أيضا الحركات الاجتماعية، المعترف بطابعها الجماهيرى – الثورى ، التى تقوم فى مواجهة نظم حاكمة على النسق الفاشىَ الصريح (أو النازى إن شئت) مثل نظام "بينوشيه" الذى أعقب الإسقاط الدموى الشامل لنظام "سلفادور ألليندي فى دولة شيلى بأمريكا اللاتينية فى مطلع السبعينات . ومن الأمثلة أيضا: الثورة الكوبية التى قادها فيديل كاسترو ضد نظام باتيستا اعتباراً من عام 1959، وثورة "الساندنيستا" فى نيكاراجوا مطلع الثمانينات نموذج آخر.
ابتداء من التمييز بين العنف المدان و العنف غير المدان ينبغي البحث عن "الأسباب الحقيقية" للظاهرة. ويمكن اختزال الأسباب الحقيقية الموجبة للعنف غير المدان (أو المبرر) فى كلمة واحدة: الظلم. قد يكون الظلم داخلياً، موجهاً من قوى اجتماعية وسياسية معينة، تستعين بالقوة المجسدة وغير المجسدة سبيلاً للاستبداد بالقوى الممثلة للأغلبية الاجتماعية الساحقة . وقد يكون الظلم خارجياً، موجهاً من دولة باغية أو مجموعة دولية طاغية ، ضد شعوب بعينها ، بغية منعها من حقها الطبيعى فى تقرير مصيرها القومى، بما فيه فرض "سيادة الدولة على مواردها".
فى هاتين الحالتين، الداخلية و الخارجية، تتوفر "أسباب حقيقية" للعنف المبرر أو غير المدان -(المجد للعنف الثورى إن شئت) .
عدا عن الأسباب الحقيقية للعنف الثورى، هناك أسباب حقيقية مختلفة للعنف "الرجعى" أو الإرهابى، إن صح التعبير، حيث يكون العمل العنفى راجعاً إلى عوامل أفرزته أو أوجبته دون مناص . هذه العوامل ليست مقصورة على الجانب الأمني، المحدد مكاناً وزماناً ، فذلك يكون ، حيث يوجد ، بمثابة "قمة جبل الجليد" كما يقولون، أو الجانب الظاهر على السطح فحسب. إنما تكون تلك العوامل متسعة لعالم الجذور الكائن فى "البنية العميقة" وليست "البنية الظاهرة".
لدراسة البنية العميقة دراسة (عميقة) ، تنبغى الإحاطة بتلابيب الظاهرة جميعا، فى مركزها ومحيطها ، وفق الطريقة الديالكيتكية فى البحث، أو ما يمكن أن نسميها بمنهجية "الجدلية الاجتماعية" ذات السمة "التشعيبية" أو المعقدة . هنا يبرز "الكل المتشعب" الذى تتعدد عناصره وتتفاعل أخذاً وعطاءً، على قاعدة من التناقضات التى تقوم بين الشىء وضده (Thesis & Antithesis) ومنهما ينبع المركب الجدلى المنتظر (Synthesis) . هذا الكل المتشعَب التناقضىَ فى طابعه الجوهرى ، يشهد التطور عبر الزمن من البسيط إلى المعقد فالأكثر تعقيداً بالتالى ، وبذلك تكتlل دائرة "الديالكتيك" الاجتماعى بامتياز . بهذا المعنى نستطيع أن نقدم اللوحة التصويرية الآتية :
الديايكتيك الاجتماعى لظاهرة العنف المسلح المدان والإرهاب مع نوع من التطبيق على الظروف المصرية


















فى نوع من التعليق التحليلى على هذه اللوحة التصويرية، كتطبيق للطريقة الجدلية تنزيلاً على فهم الظاهرة ، يمكن تتبّع الخطوات التفسيرية ، مع شىء من التطبيق على الحالة المصرية كالتالى :
(1) منبع العنف كائن – أو كامن بالأحرى – فى التناقضات الاجتماعية
تتحدد التناقضات الاجتماعية بالصراع على أربعة أمور رئيسية : الثروة والسلطة والمعرفة (أو الوعى) والسلاح – هذا إذا استخدمنا استعارات (ألفن توفلر) العائد إلى ثلاثة عقود تقريبأً خلت .
الصراع الاجتماعى على الثروة (والدخل) أول مفاتيح الديالكتيك، وعلى قواعدها تنشأ الطبقات الاجتماعية أول مرة . بعدها الصراع على الإمساك بناصية السلطة العامة أو السياسية . وبينهما صراع رأس المال الرمزى وفق "بوردييه" وأضرابه من رواد ما بعد الحداثة فى علم الاجتماع والاجتماع السياسي (بودريار، جيل دى لوز ..الخ)، بالإضافة إلى البحث عن "المكانة" عند ماكس فيبر من قبل- و هذا صراع بينىّ وليس رئيسياً على كل حال . والثالث صراع على امتلاك المعرفة، بما فيها العلم والفن والوعى الاجتماعي. ورابعها التناقض على قاعدة حيازة القدرات العسكرية واستخدامها فى حسم الصراعات السابقة .
فى التناقض المعقد على هذا النحو يسكن جذر الممارسات الاجتماعية، بما فيها ممارسة العنف . وفى مصر المعاصرة تبرز أوجه التناقض جميعا، من تناقض على حد الثروات والدخول نتجت عنه جماعات طبقية (وربما طبقات)، ونشأ بعضها واندثر بعض آخر، طوعاً أو كرهاً ، وخاصة بعد ثورة 23 يوليو 1952 حتى 1970، فى حقبة "تدخل الدولة الاجتماعى للعدل والتنمية" عموماً ، ثم منذ 1971 فى الحقبة الممتدة للانفتاح الاقتصادى و "الليبرالية الجديدة"، على موجات متقطعة مختلف ألوانها حتى الآن.
وقد نشأت فاشتدّت صراعات على السلطة، بين النخب السياسية الممثلة للشرائح الاجتماعية، خلال ثلاثة أرباع القرن الأخيرة، وكانت لها انعكاساتها على "نخبة القوة" Power Elite جيلاً من بعد جيل (حزب الوفد نموذجاً..) .
بين الثروة والسلطة أطياف رموز المكانة ورأس المال الرمزى، ملأت الدنيا وشغلت الناس خلال قرن ويزيد، على أيدى "الأفندية" عند ثورة 1919، و "الطبقة المتوسطة" بعد ثورة يوليو 1952. أما صراعات المعرفة والتعليم (الثانوى والجامعى) فكانت ولم تنزل قائمة على قدم وساق ، تفرز شرائح وتطيح بأخرى ، دون هوادة، لتغير من نسيج "نخبة القوة" بل والطبقات والجماعات الطبقية أيضا . وأما الصراع على الجيش وفى الجيش تجسيداً للقدرات العسكرية فقد برز على واجهة المسرح يوم الثالث والعشرين من يوليو 1952 وما تلاه من أيام كل عقد أو عقدين، أو أقل أو أكثر .
فى هذا الخضم التفاعلي الضخم نشأت جماعات العنف والعنف المسلح والإرهاب المنظم وغير المنظم فى التاريخ المصرى المعاصر، تاركة ببصماتها اللينة أو الخشنة على جنبات المسرح حتى اللحظة .

(2) تمظهرات الديالكتيك الاجتماعى تجتمع فى الإيديولوجيات السياسية (1)من ماركس (الإيديولوجيا الألمانية) إلى كارل مانهايم (الإيديولوجيا واليوتوبيا)، وألثوسار (من أجل ماركس) إلى عبد الله العروي (الإيديولوجيات العربية المعاصرة)- أو قلْ : الخطابات Discourses من ميشيل فوكو (أركيولوجيا –حفريات-المعرفة) إلى محمد عابد الجابرى فى ثلاثية أو رباعية "العقل العربى" .. ومحمد أركون .. وآخرين .

هذا ، ومن الإيديولوجيات ما قتل ..! ذلك مما يتضح من بعض تفرعات العمل العنفى المنبثة فى بعض الأعمال الممثلة لما يمكن تسميته بالإيديولوجيا – أو الإيديولوجيات السياسية –الإسلامية ، حين (تنطلق الكلمات من فوهة البندقية) . ومن أحدث ما يرصد فى هذا المجال خلال نصف القرن الأخير، ما يمكن أن يطلق عليه "الفكر القطبى" فى منتصف الستينات من القرن المنصرم العائد فى بعض منه إلى أبي الأعلى المودودي ، وبعض اجتهادات ما يسمى "التنظيم الخاص" .. ثم جماعات وتجمعات العنف المسلح ، تحت رداء التأويل الدينى ، فى مصر بصفة خاصة ، بدء من السبعينات والثمانينات: من (جماعة صالح سرية فى حادثة "الفنية العسكرية") إلى (جماعة التكفير والهجرة-شكري مصطفى)، ثم (الجماعة الإسلامية) و (الجهاد) ودع عنك تنظيم (القاعدة) فى الثمانينات انطلاقاً من أفغانستان وباكستان ، وأخيراً داعش ISIS خلال السنوات الخمسة الأخيرة تحت راية الخلافة أو "الدولة الإسلامية" ، ومنها فى مصر (أنصار بيت المقدس...) ومن حول الجميع ، زرافات ووحدان من كل حدب وصوب، بما فيها خلايا يقظة أو نائمة، وذئاب منفردة انتسب بعضها ، بشكل مباشر أو غير مباشر ، إلى أجنحة من التنظيم (الأصلى) لجماعة "الإخوان المسلمين" ، بعد 30 يونيو 2013 . وقد أخذ يرتع الجميع ، بألويتهم الإيديولوجية المتباينة ، فى شبه جزيرة سيناء بصفة أساسية وخاصة فى الشمال والوسط ، وعلى الحدود الغربية لمصر مع ليبيا.

(3) قد استفحل الوجود العنفى والإرهابى فى ظل بيئة حاضنة مفترضة ، ودعم أجنبى مكثف ، تجنيداً وتمويلاً وتسليحاً وإشرافاً مباشراً وتنظيماً .
البيئة الحاضنة لا نعلم عنها الكثير ، ولكنا نعرف أن جماعات العنف المسلح والعمل الإرهابى قد (توطنت) زمناً فى كهوف ومغارات ، وقرى وأحياء مدينية ، فى الشمال والوسط من شبة الجزيرة السينائية، تتبع قاعدة (اضرب واهرب) . واستطاعت هذه الجماعات أن تجد ملاذاً آمناً أو غير آمن ، لأوقات ومدد متفاوتة، بالاستفادة من ظروف الحاجة، لانعدام أو قلة مصادر العمل الشرعى المكسب لجماعات اجتماعية وقطاعات من السكان داخل أو خارج سيناء والشريط الحدودى الغربى .
أما الدعم الخارجى المكثف فهو أمر تتوفر بشأنه قرائن عدة للمراقبين والباحثين، وشواهد إثبات أمام منّصات القضاء، ولسنا هنا فى معرض التعرض المحدد أو المفصل لها. غير أن لنا أن نقول إن البيئة المعقدة للإقليم الممتد للمنطقة العربية -الإسلامية المركزية قد يسّرت ذلك إلى حد بعيد، من هضبة الأناضول إلى منطقة الساحل الإفريقي، إضافة إلى البيئة الدولية المحيطة بنا ، وخاصة من جراء سلوك (الإمبربالية الكبرى) الولايات المتحدة الأمريكية، و (الإمبريالية الصغرى) إسرائيل ، بين ظهرانينا ومن حولنا مشرقاً ومغرباً عربيين .

(4) إن المعالجة الأمنية، بمحدوديتها الظاهرة، قد شكلت سبباً إضافياً لتفاقم الظاهرة، منذ ما قبل ثورة 25 يناير 2011 حتى وقت قريب .
وقد أشار بعض الخبراء هنا إلى الخبرات المستفادة المستمدة من تجربة (الحرب السورية الروسية) فى مواجهة الجماعات المسلحة والإرهابية خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة وخاصة (2015-2018) عن طريق تكتيكات "الزحف المتواصل" لتقطيع الأوصال وكسر خطوط الدفاع على مهل، وعزل الجماعات عن بيئتها الحاضنة، ثم الالتحام البشرى بعد التمهيد النيرانى الجوى والمدفعى، خطوة فخطوة . وهذا ما تم بالفعل، إلى حدّ كبير، فى الحملة الأخيرة المسماة (سيناء 2018).
تلك هي الأسباب الحقيقية، أو "الموضوعية" الأربعة من وراء الظاهرة العنفية المجسدة عسكريا، مع علمنا أن هذه الأسباب الموضوعية، إنما تفعل فعلها من خلال عامل "التوسط الذاتى" ممثلاً فى خصائص السيكولوجيا الفردية والجماعوية للأشخاص الطبيعية أو المعنوية، مما يدرسه علم النفس وخاصة للشخصية "السيكوباثية" .

ثالثا : من "الأسباب الحقيقية" إلى "المعالجة الرباعية"
فى ضوء الأسباب الأربعة الحقيقية السابقة، يمكن تحديد المداخل الأربعة الآتية للعلاج الناجع من المرض المزمن للعنف المسلح المدان والفعل الإرهابى الممتد :
1- الإدارة الناجعة، أى الصحيحة والفعّالة، للتناقضات الاجتماعية الكائنة على محاور الثروة والسلطة والرموز والمعرفة و التسلح. وذاك أمر يطول الحديث فيه، وإن كانت مفاتيحه القوية كفيلة بفك مغاليقه القائمة عن طريق :
أ‌- السير على طريق تحقيق الإنصاف equity والعدالة justiceوالمساواه equality وتكافؤ الفرص equivalence.
ب‌- توسيع مسارات المشاركة السياسية الشعبية الحقيقية وعند الجذور .
ج- الفهم الحصيف للسيكولوجيا الاجتماعية للطبقة الوسطى الصاعدة المتوسعة بالفعل خلال العقود الأخيرة .
د- فتح أبواب المعرفة والتعلم – فى العصر الرقمى- لمختلف لشرائح الاجتماعية، وخاصة منها ذات المواقع المنخفضة على سلّم الدخل والثروة .
2- توسيع نطاق البحث والدراسة على المستوى الأعمق للإيديولوجيا والخطابات، فى أقسام العلم الاجتماعى بمعناه الواسع ، داخل مراكز البحث والجامعات ..فهماً تكاملياً حصيفاً، وتعاملاً .
3- التحسين الجوهرى لشروط حياة البيئات الحاضنة، وخاصة فى القرى والأحياء المدينية المكتظة ، و التجمعات الصحراوية، بالإضافة إلى تجفيف منابع الدعم الخارجى دون هوادة .
4- الحفاظ على قوة الدفع لتكتيك (الزحف المتواصل) بغير انقطاع وإلى أمد معلوم، فى الأفق المنظور.

و ألا هل بلّغنا ..؟ اللهم فاشهد ..!







اخر الافلام

.. قرقاش: نتقدم بحذر في اليمن حرصا على المدنيين


.. الإمارات تمنح رعايا الدول التي تعاني من الحروب والكوارث إقام


.. أمير قطر والرئيس الإيراني يتفقان على رؤية واحدة بشأن اليمن




.. المنتخب السعودي يصل روستوف بسلام بعد حريق بالطائرة التي كانت


.. حصاد ج(1) -معركة الحديدة..تأخر الحسم