الحوار المتمدن - موبايل



طعم الرمان _ فصل من روايتي (النرجس والرمان)

عباس علي العلي

2018 / 6 / 10
الادب والفن


طعم الرمان


يخطئ من يظن أن الحياة لها وجه واحد أو أنها في مأمن التقلبات، ولكن مهما كانت لونها وطعمها فنحن مجبرون على أن نعيشها بالقدر الذي يسمح لنا أن نبقى لأجل الغد، هذه الخلاصة التي وصلت إليها الحاجة نرجس وهي تستعيد شريط ذكرياتها وما مر عليها في السنوات الأخيرة، حمدت الله وأثنت على ما كان فليس بمقدور الإنسان أن يغير مسار القدر المحتم حتى يعيش، ودعت شقيقاتها بعد أن هيأ لهم الحاج خضر دار سكن في بغداد بدل بيت الحاج أبو سامي الذي صادرته الدولة كجزء من الحكم الذي صدر ضد شقيقها.
سجل الحاج الدار الجديدة بأسم شقيقتيها بعد أن أنفرد الأستاذ أحمد بدار مستقله مع زوجته وأطفاله، لم يكن راغبا أصلا أن يكون ذلك لكن أصرار الشقيقتين على السكن المنفرد هو من أجبره على الرضوخ لهن، عاشت الشقيقتان مع الحاجة نرجس في بيت أبو رمانة معززتين مكرمتين ولم يلمسا أي ضيق من أحد، الحنين إلى بغداد وأشتياقهما لمنتهى وأطفالها بعد أن تخلى الأستاذ أحمد عنهن بسبب ما لحقه من تداعيات قضية سامي وتقله من دائرة عمله وفقدان مركزه الوظيفي.
لحظات الوداع صعبة على الجميع وأكثر من تأثر بهذا التغير هم تركية وعباس وتعلقهما بخالاتم، لكن النهاية ترسم اللحظة وترسم مصير كان بالأمس أشبه بالخيال، مضت السيارة بهم وما زال هناك أمل في عقل نرجس أن يعود الزمان دورته وتعود الأبتسامة التي سرقها الوقت من شفتيها، عليه أن تتقبل الأمر فهي الأخرى لا تريد أن يكون حمل شقيقتيها ثقيلا على زوجها الوفي الذي أعطى الخير بكل تجرد، نظرت للشجرة من خلال النافذة لتسألها لماذا الرمان مختلف طعمه بين الحامض والحلو، هل في ذلك حكمة من الله ليخبرنا أن لكل شيء قائدة، حتى ما لا نتقبله كطعم قد ينفع في مجال أخر، إنها إرادة التسليم لأمر قد خط علينا ولا مجال للنقاش.
مرت الأيام ومعها تم تجاوز الكثير من مظاهر الحزن والشعور بالفقدان ولو ظاهريا ويبقى الجرح عميقا لتتولى علاج أمره نعمة النسيان، الحاجة نرجس شغلها أمر سامي عن زوجها الذي يعرف أن الأهتمام بالأخرين ومساعدتهم لا يمكنه أن يكون إلا في تلك القلوب النقية، إنها بحاجة إلى تلك العواطف التي لا تهدأ وتمنح الروح طهارتها، هكذا قررت أخيرا أن تمنح الزوج ما له وما عليها كزوجة صالحة، بعثت على أم صالح لأمور عدة منها وأخرها أن تستعيد شيئا من حلاوة الرمان أيام السعادة .. تلك أيام الخير.
عادت المياه إلى مجاريها وأستبشر الحاج خضر كثيرا بأن غيوم الشتاء قد ذهبت، وعاد ربيع الألفة لتزيد من قدرته على الصمود أمام الأحداث المتلاحقة التي عكرت شيئا من مزاجه وجعلته غير قادر على إسعاد نرجس، كان حلمه الأخر السفر إلى بيروت للتخلص من بعض المضايقات التي يتلقاها من بعض من يعرفون علاقته بالمرحوم سامي، وأيضا يشعر بأنه في حاجة إلى رعاية طبية بعد أن شعر بأنه ليس في نشاطه المعتاد، أقترح على الحاجة نرجس أن يرافقها مع الأطفال في عطلة منتصف السنه الدراسية في رحلة تريح الجميع وتعيد لهم شيئا مما فقدوه في أزمة عاصفة مرت بهم دون موعد.
لم يكن أحد يتوقع أن حلم السفر سيتحول إلى كابوس لا ينتهي من إزعاجات السلطة، وكأن ضريبة المواطنة يجب أن يدفعها الحاج خضر من راحته وحقه في الحياة، دامت رحلة الحصول على جواز سفر له ولزوجته وأطفاله أشهرا عديدة ومراجعات شبه يومية للكثير من الدوائر بين بغداد وكربلاء، كل ذلك بسبب أن أسمها أقترن مع أسم سامي المحكوم بالإعام بتهمة المشاركة بالمحاولة التأمرية، هذا غير أن الحاج خضر أيضا بحاجة للبحث عن تأريخه هنا وفي كركوك، لم يكن في سجلات أمن المدينة أي معلومات عنه فهو المعروف سابقا بأبي الياس، لا يمكن أن يكون منحدرا من عائلة ثرية وذات تأريخ في مدينتها ويعمل بائع للشاي.
لم تشفع له كل علاقاته في المدينة ولا ما سانده فيها أبن عمه في بعداد الذي خشي أيضا أن تتأثر وظيفته الأمنية بصلة القرابة مع شقيق زوجة المعدوم سامي المختار، متى ينتهي من هذا الكابوس المزعج والذي فتح أبوابه عليه دون أن يدري أن ذلك طريق طويل لن ينتهي بسهولة، ومع ذلك لم يجديه نفعا حتى مع إلغاء فكرة السفر أصلا، الإرهاق والمضايقات اليومية صدعت له رأسه وبدأ يشعر أن قواه تخذله يوما بعد يوم، لم يعد يخرج من الدار إلا للأمر الذي يستحق أن يضحي براحته من أجله، تأكدت نرجس أن زوجها ليس طبيعيا وأنه بحاجة إلى رقابة صحية على مستوى عالي، أخبرت أبو صالح أن عليه أن يتفرغ تماما لنقل الحاج إلى بغداد لعرضه على طبيب مختص ليقدر وضعه الصحي.
التشخيصات الأولية والتي تطابقت عليها أراء الأطباء أن الحاج بحاجة إلى عناية خاصة، عمليات القلب تشير إلى أنه يعاني من مشاكل عدة ولا بد له من راحة نفسية وجسدية وإبعاد عن كل المؤثرات والأستفزازات التي تؤثر على عمل القلب، الآن ليس بحاجة إلا للأنتظام على العلاج الموصوف والتمتع براحة تامة وبعد شهر لا بد من إعادة الفحص مجددا لمراقبة التطورات ومدى أستجابته للعلاج، عاد الجميع بعد أربعة أيام إلى الدار عازما على ترك أي عمل حتى لو كان في أعلى درجات الأهمية لحين التأكد تماما من حالته الصحية.
في صبيحة اليوم التالي جاء رجل أمن يطلبه للذهاب معه إلى مديرية أمن البلدة وفورا، لم تشفع كل كلمات الترحم خاصة وأنه عائد للتو من رحلة علاج، أصر الرجل أن يحضر معه ولو كان ينازع الموت.... إنها الأوامر ولا يملك التصرف بغير تنفيذها، أرتدى الحاج خضر ملابسه وخرج معه وهو يعلم أنهم لن يتركوه أبدا، بقي في دائرة الأمن لساعات دون أن يسأله أحد أو يستقبله أحد، طلب من أحد ضباط المديرية أن يذهب شخص لداره لجلب الدواء وأنه يشعر بدوار وألم حاد في صدره، دقائق وتم أستدعاءه ليكرر نفس الأجوبة على نفس الأسئلة السابقة وينتهي اللقاء بعد ظهر يوم طالت ساعاته وكأنها دهر.
لم تمضي ساعة على عودته حتى كاد أن يشعر بأن أجله قد أقترب وعليه أن يطلب الطبيب فورا، ألام شديدة في الصدر وزوغان في البصر وصداع شديد وتعرق، لم يتأخر الطبيب عن الحضور ليأمر فورا بنقله إلى المستشفى الحسيني، إنها أعراض الجلطة القلبية ولا بد من عناية مشددة هناك، بقي الطبيب وزملائه في وقفة إنسانية مع الحاج خضر الذي يتذكر الجميع مواقفه الإنسانية وحضوره الأجتماعي، حتى زالت مرحلة الخطر وأستقرار حالته على أن يبقى في المستشفى لحين أجتيازه مرحلة الخطر تماما.
حضر السيد كمال الدين محاميه الخاص بعد أن أستعاد وعيه وهمس في أذنه، يا صديقي عليك الخروج من هذا البلد فالطاعون قادم وأنت أصبحت علامة مهمة لديهم، حاول بقدر الإمكان أن تصفي أملاكك وتستخرج جوازك وتهاجر من هذه البلدة، لعلك تعيش يوميا أضافيا بكرامة بعيدا عن هؤلاء، أشار برأسه أنه موافق على الفكرة، وطلب منه أن يبدأ بذلك فورا بأعتباره وكيلا عنه ووفق ما يرتأي.
كانت نرجس تسمع ما يدور وخوفها يزداد كلما ذكر أمر السفر والأبتعاد عن المدينة التي أعطتها أجمل ما في الحياة، ولكن تبقى حياة زوجها ومستقبل أطفاله أهم لأنها بلا ذلك لا تشعر بأي قيمة للبقاء، (لقد كنت سيئا يا سامي في حياتك وفي مماتك ولم تترك لنا إلا وجع القلب)، ليرحمك الرب ويرحمنا، أخبرت السيد كمال الدين عن موافقتها على أي حل يعيد لها زوجها ومهما كان الثمن، الحاج خضر لا يستحق بعد هذا العمر أن تنهشه الكلاب أو تقتله الحسرة، عليك فعل ما تستطيع خاصة وأن الجواز كما وعدوها قريبا سيكون جاهزا بعد أن علموا بحاجته للعلاج وضمان عودته للعراق.
ثلاثة أشهر قضاها بين المستشفيات والأطباء ومديرية الأمن في كل مرة لا جديد، أخيرا جاء الفرج وأستبشر خيرا أن سيذهب للعلاج وليتخلص من هذا الجو الخانق، كان كل شيء معد تماما، فهناك سيولة نقدية تنتظره في بيروت وما يحتاج سوى إلى تذاكر السفر، السيد كمال الدين تصرف تماما بعد أن تم تصفية أملاكه غير البيت والجامع الذي أغلقته دائرة الأوقاف بحجة عدم وجود وقفية قانونية، له وأنه مسجل بأسم شخص متوفي هي الحاجة تركية ولا بد من حصر التركة فيه، أما بيت أبو رمانه فسيبقى مغلقا حتى ما شاء الله.
حضر الحاج عمر وأخوته وبعض العائلة لمطار بغداد كما حضر الأستاذ أحمد وشقيقات نرجس لتوديعهم، وهم لا يعلمون أنها المرة الأخيرة التي تجمعهم معا، بين دموع الفرح التي تنهال من نرجس ودموع الحزن على فراق الأهل والديار ودع الجميع عائلة الحاج خضر ولتنطلق رحلة اللا عودة بهم بكل ألامها وأمالها ووجعا يختصر معاناة لم يكن لهم يد في صنعها، فما يفعله البعض من فعل أسود وشخصي لهم سيصيب تلك القلوب البيضاء بأثرها....
حلقت الطائرة بأجواء العاصمة متجهة غربا لعلهم في هذه المرة أن يحالفهم الحظ ولن يأكلوا من الرمان الحامض، أو ما يجبرهم على أن يقبلوا به واقعا، فقد أتخمت دنياهم بطعم الحموضة بقدر ما منحتهم شيئا من طعم الرمان الحلو، ولكن يبقى الإنسان دوما بحاجة (إلى ما يحب وليس لما هو موجد فعلا)... حتى لو كان ذلك لتوازن الحياة، فلا أحد يحب الموت وهو يعلم أنه قدر لا مفر منه.







اخر الافلام

.. محافظ جنوب سيناء ووزيرة الثقافة يفتتحان معرض المشغولات البدو


.. مخرج فرنسي يسبب أزمة.. هل طبع مهرجان القاهرة السينمائي مع إس


.. تعرف على الأفلام التي عرضت في مهرجان الشارقة السينمائي الدول




.. الجمهور ومغني الأوبرا.. علاقة شغف يتحدث عنها خوان ديغو فلوري


.. مسؤول تركي يطلب تجاهل مسرحية تسجيلات خاشقجي