الحوار المتمدن - موبايل



صور منسية

عدنان اللبان

2018 / 6 / 12
الارهاب, الحرب والسلام


وصل فيروز الى بيته بعد الغروب , وقدر ان المدينة سقطت لعدم وجود السيطرات الامنية عند مدخلها و في احيائها . عرف من زوجته انها لم تسقط بالكامل , ولا يزال مقر فرع الحزب والمحافظة ومديرية الشرطة والامن وجميعها في موقع واحد تحت سيطرة الحكومة , وقد تسقط حال الهجوم عليها , لاّن معنويات المحاصرين فيها منتهية كما اكد لها الجميع . عند منتصف الليل سمع اطلاقات متفرقة .. سرعان ما تحولت الى اشتباك بين عدة اسلحة ومدافع رشاشة . كان يسكن وسط المشروع , وهو الشارع الموازي لكورنيش سدة الكوت , على يمينه المقابل للسدة المجمع الحكومي والحزبي , وفي نهاية الشارع على اليسار مركز الاسواق الشعبية الذي يعج بالرافضين والمنتفضين . بعد عشر دقائق توقف الاشتباك وعادت الاطلاقات المتفرقة التي تشي بالمشاغلة او تأمين الانسحاب . وسرعان ما تبعها جلبة وصياح وركض باتجاه الاسواق .خرجت زوجته وسألت زوجة جارهم التي كانت تقف في الباب عن سبب هذه الهرجة, أجابتها : كانوا يحملون جريحين , والثالث يسحل برجله .
في الصباح ارسل زوجته الى صديقه احمد الصيدلي لتخبره بعودته , وتسلمه ورقة كتب فيها ما يحتاجه من الصيدلية , وان لم تجده في الصيدلية تذهب لبيتهم ولا تسلم الورقة الا بيده . كان لا يريد ان ينتشر خبر عودته .

بعد الغروب اسيقظ فيروز , وكان لونه افضل بكثير من الامس , ومثلما تقول زوجته فاتي : نوعه احسن ( اسمها فاطمة ويدللها بفاتي ) .لقد راعها بالامس عندما دخل البيت , فهو في الاساس نحيل الجسم , ولثمانية ايام متواصلة مابين السير على الاقدام وركوب السيارة لبعض المسافات تمكن من الوصول الى الكوت , حاله حال الآلاف التي تركت الكويت هاربة باتجاه البصرة , كانت الغالبية من الجنود والمراتب . اما الضباط فقد هربوا ليلا بسياراتهم العسكرية, واخرى مدنية سرقوها من الكويتيين . وكأنهم ادركوا ان الفجر سيكون طريق المطلاع الذي يصل الى صفوان هو الجحيم بعينه , لا احد يعرف اي سلاح جهنمي استعمله الامريكان ؟! مئات العجلات والمصفحات والدبابات والمدافع تفحمت مع طواقمها ومع الحشود الهاربة . كان فيروز يرتجف وهو يتحدث لفاتي في الليل , واضاف : ان الذي انقذه الضابط الذي يعمل بامرته بعد ان حشره في سيارته عندما تحرك فجرا وانزله في البصرة .

عرف فيروز ان احد الجريحين في الليلة السابقة كان صديقه احمد الصيدلي . واضافت فاتي : انها لم تتمكن من مقابلته صباحا , واخبرتها زوجته انها لا تعرف الى اين نقلوه . فيروز ادرك ان زوجته لا تريد ان تخبر فاتي عن مكان زوجها . تناول غذائه بسرعة , وخرج مستعينا بحلول الظلام بعد ان تأكدت له فاتي خلو الطريق من المعارف .
لم تمض اكثر من عشرين دقيقة عندما طرق الباب على فاتي . لم تتفاجأ عندما شاهدت المصور عباس , الذي فاجئها بسؤاله عن دكتور فيروز , وهنأها بسلامة عودته من محرقة الكويت . واكد لها ان كل محافظات الجنوب سقطت والكوت ماتطوّل يوم يومين وتنتهي . الله يسمع من حلكَك : اجابته بحرارة ,وسكتت . وفي الصمت بلعت ريقها , كأنها تريد ان تسترجع كلامها الى داخلها . عباس : وين اخوية دكتور فيروز اريد اسلم عليه ؟ فاتي : ما موجود , ما اعرف وين راح . كان فيروز قد حذرها من المصور عباس عدة مرات , وعباس يمتلك ستوديو الوحدة المقابل لبيتهم . واكد لها فيروز ان جميع المصورين واصحاب الفنادق والمقاهي وباقي الحرف اجبروهم ان يعملوا وكلاء امن .
كانت معارك اليومين الأخيرين واخبار سقوط المحافظات الأخرى , قد رفعت مناسيب الأمل عند الناس الى درجات قصوى . وعباس في الأيام الأخيرة اخذ يتودد لها اكثر , ويرسل ابنه لها كي يأتيها بالحاجيات التي تحتاجها من السوق , ودائماً يؤكد لها على واجب الجيرة , وكيف يجازي فيروز الذي يساعده دائماًعند مراجعته في العيادة . كانت تخاف وشايته , ولكنها اقنعت نفسها بأنه سوف لن يعود مثل السابق وهو يرى بعينيه ماذا جرى لأمثاله في باقي المحافظات . والله اعلم يمكن ضميره صحه ؟

عباس من عائلة فيلية , ولكنهم لم يسفروا الى ايران مثل اهل فاتي عام 1980 , لأنه ليس كما قال فيروز بانه اجبر على العمل في الأمن لكونه مصوراً , والحقيقة انه اصبح مصورا لكونه يعمل في الأمن , ليس وحده بل ومعه شقيقته ايضا , وهو ما انقذهم من التسفير . كما علمت فاتي اخيراً ان عباس واخته من اكثر البعثيين أذية في المنطقة , وفي احدى المرات قتل هارب من الجيش الشعبي عند مطاردته بعد وشاية عباس به . عباس كان زميل فيروز منذ طفولتهما في المدرسة , الا انه فشل في الحصول على الشهادة الأعدادية , بينما كان فيروز من العشرة الأوائل على العراق , لكنه حرم من القبول في الكلية الطبية التي كان يعشقها . لم ييأس , وقدم التماساً الى احمد حسن البكر رئيس الجمهورية وقتها , عسى ان يساعده في تجاوز ورقة شهادة الجنسية السيف المسلط على الفيليين . وفعلا استجاب رئيس الجمهورية لطلبه , وزوده بتوصية استفاد منها فيروز ليس في اكمال دراسته الطبية فقط بل وساعدته في عدم تسفيره مع امه الى ايران في الحملة التي شنتها السلطة على العوائل الفيلية . وظل فيروز طيلة حياته يذكر هذا الجميل لأحمد حسن البكر .

أكمل فيروز دراسته بتفوق , وواصل طريقه في التخصص والحصول على الماجستير في الجراحة. استقر في الكوت وكان موضع اعتزاز اهلها , ولم يبخل في تقديم المساعدة لأي كان بعيداً عن روح الأستئثار التي ارادوها له بعض المسؤولين في فرع البعث لحصر خدماته بهم وبعوائلهم , وكانوا يذكرونه دائماً بفضل السيد الرئيس عليه . حاول قسم منهم ان يتهمه بالشيوعية بعد ان عرفوا انه لم يأخذ اجورا من العوائل الفقيرة ويساعدهم ايضا في شراء الادوية . كان لا يعير اهتماما لكل تهديداتهم لكونه لا ينتمي لأي حزب , وهم يعرفون ذلك جيداً . شعر مسؤول الفرع وحاشيته بالأهانة عندما استدعاه الى مقر الفرع للأستفسار منه عن بعض الحالات المرضية , وتأخر عليه لأكثر من ساعة مع مريضين في المستشفى . فقرر معاقبته , وسرعان ماجاءت الفرصة بالأجتياح المجنون للكويت , وأول من بعثوا به للمعايشة مع القطعات العسكرية فيروز .

اهتزت الجدران , أحسوا الأنفجار داخل بيوتهم . أبتلعهم الصمت , لحظات , وارتفعت الأصوات المرعوبة : الله أكبر , الله أكبر , يا ستار يارحيم . الحفرة وسط الشارع كان قطرها أكثر من متر , وزاد من الأتربة التي لا تزال عالقة في الجو تصدع جدران أحد البيوت . أصوات الأنفجارات من جهة المجمع الحكومي ترتفع , طلقات الأنارة وشعاع الأنفجارات كشف الظلام , وجعل من الليل كأنه تحت قمر كامل . أرتفعت المعنويات , صوت الدعاء بالأنتصار على الظالم يرتفع من البيوت , النسوة فتحن الأبواب , وبعضهن صعد السطوح , تبادلن الصياح والتعليقات , هلهولة ترتجف انطلقت من احد السطوح , غطت زخات الرصاص على اصوات الجميع في منطقة صغيرة هي الأكثر زحمة في المدينة .

في الصباح عرف أهل منطقة المشروع وباقي أهل الكوت ان المجمع الحكومي قد سقط ,المحافظة , مديرية الأمن والشرطة , مقر فرع البعث الذي هرب الجميع منه , ولم يبق الا مقر شعبة حزبية هي الأقرب للطريق الرابط مع بغداد . ولكن فيروز لم يعد , وقبل ان تتناول فطورها خرجت متوجهة الى بيت احمد . وبدل ان تذهب عبر الاسواق أخذت طريق ساحة العامل لتختصر الطريق الى الجهة الشرقية للمدينة , حيث بيت احمد يجاور الملعب الرياضي . كانت الشوارع تحتشد بمجاميع من الناس , الحيرة والانتظار سيطر على الجميع . الانتظار لأي شئ ؟ لاأحداً يعرف ! لكي يسقط النظام ؟! النظام رجع قوياً بعد ان عاد لأستخدام طائراته التي أخذت تحصد الرافضين جماعات جماعات . فيروز لم يكن موجودا في بيت احمد , وأوصى لها مع أم أحمد أنه مع احمد في بيت احد الأصدقاء و لا تبقى قلقة . في طريق عودتها انتبهت لعدم رؤيتها للبعثيين الذين تعرفهم ومن بينهم عباس الذي اغلق الاستوديو منذ البارحة .

عاد فيروز عند غروب اليوم الثاني , كان منهكاً , واخبرها انه أخرج الرصاصة من ساق أحمد وهو الآن بوضع جيد. بعد العشاء أشتدت المواجهة من جديد , طلب منها ان يتركا البيت ويذهبا الى بيت احمد لأنه يبعد كثيراً عن أصوات الرصاص التي أخذت تقترب , الا انها رفضت . وأخبرته : أن يذهب هو , فهي لا تستطيع ان تترك البيت خوفا من سرقته. كان يعرف انها في الفترة الأخيرة لا ترغب بالذهاب الى اي بيت من المعارف والأقرباء , فقد مضى على زواجهم فترة طويلة ولم ينجبا طفلا , ولا يحلو الكلام معها من باقي النساء الا عن اسباب عدم الحمل , وهو ما شكل عقدة لها . فاتي كانت جميلة , وفيروز يدرك غيرة النساء من طول فاتي , ووضاءة بشرتها , وسعة عيونها , وتناسق ملامحها , ما يجعل التذكير بنقص الحصول على الأطفال لازمة لحديث اغلب النساء معها . أستمرت أصوات الرصاص لفترة طويلة , وأخذت تبتعد جنوبا قدرها فيروز انها من جهة ساحة العامل ,الساحة الرئيسية في الكوت . وعند الفجر أشتد الطرق على الباب وكاد يقلعها . ركضت فاتي تحت رعبها الى الباب وفتحتها . كانوا أربعة من الملثمين المسلحين , وقبل ان يسألوها تقدموا الى فيروز الذي ظهر امامهم في البجامة وسط الحوش . أخذوه بشدة , وعند خروجهم أخبروها بأنهم بحاجة اليه لعلاج الجرحى . رغم خوفها وارتباكها كانت متأكدة من ان صاحب الصوت كان عباس .

لم تسقط المدينة بالكامل في ايدي المنتفضين , حيث تمكنت اجهزة النظام من لم صفوفها بعد ان فقدت سيطرتها لبعض الوقت . وذلك لقربها من بغداد ووصول الامدادات السريعة اولا , وثانيا وهو الاهم رؤية المصير الاسود لمنتسبيها في باقي محافظات الجنوب , مما جعلهم يتوحدون بأسلحتهم الفتاكة أمام سلاح المنتفضين الذي كان قوامه الرئيسي هو الحقد على جلاوزة النظام . وفي المدن الصغيرة الجميع يعرف الجميع , والكوت كبيرة نسبياً , ورغم ذلك كان الغريب فيها يعرف بسهولة . فكيف بالعشرات الذين غزو المدينة عن الطريق القادم من العمارة , وبينهم معممين وبعضهم يرطن بالفارسي ولا يعرف العربية , وصورتان للخميني يتداورون على حملها . كان هذا احد الاسباب المهمة التي جردت الثوار الذين يفتقرون اساساً للقيادة الموحدة من سلاح عزيمتهم , واستغلتها السلطة في تهويل حجم التدخل الايراني . ولا تزال الجراح التي تركتها الحرب بين الطرفين لم تندمل بعد , وهو ما سهل للنظام عودة السيطرة على المدينة .

مرت عدة ايام وفيروز لم يعد, فسألت عباس عنه وأكدت له : منذ اليوم الذي جئتم به ملثمين لم يعد , خبرني مسجون ؟ "ملثمين " أستفزت عباس , فأجاب بعصبية :شكو خايفه عليه؟ فيروزعند الرفاق بالمقر , وهم بحاجة اليه . فطلبت منه ان يساعدها بالذهاب اليه حتى تطمئن عليه . أجابها : حتى آني ممنوع علي الوصول لمقر الحزب هذه الايام . عباس في الايام التي اعقبت اختطاف فيروز زاد من تودده اليها , وتجرأ بالتعبير عن اعجابه بها , واخذ يسمعها كلمات فيها اكثر من معنى . بعد عدة ايام تأكدت ان فيروز معتقل ونقل الى بغداد . حزمت امرها ولم تترك لنفسها ان تضيع في غابة الوحوش , فهربت ليلا دون ان يعرف بها احد . والتجأت لاختها الوحيدة الباقية من اهلها بعد تسفيرهم لايران قبل اكثر من عشر سنوات , وكانت تسكن في الاهواز .
بعد سقوط النظام عادت فاتي . ولكنها لم تعثر على اي شئ يهديها الى فيروز ان كان حيا او ميتا . كان الندم يأكلها منذ ان ادركت انها السبب في سجنه عندما رفضت الذهاب معه الى بيت احمد . وظلت فاتي تنتقل بين المقابر الجماعية التي تسمع بفتحها عسى ان تجد اسما لفيروز . ظلت تعتاش على ما يتصدقون به عليها من العوائل والنساءالتي فقدت احبتها وتسكن في مقبرة النجف ايضا .ظلت تدور وتدور الى ان فقد اثرها , ولا احدا يعرف اين ذهبت فاتي ؟







اخر الافلام

.. سعوديات يشاركن في سباق عالمي للسيارات


.. دراسة: بدانة الأمهات تصيب الرضع بأمراض الكبد


.. تدشين خط جوي لتصدير الصنوبر من أفغانستان للصين




.. هل تحسم وكالة المخابرات الأميركية ملف خاشقجي؟


.. مستشار ولي عهد أبو ظبي يستفز السعوديين، والذباب الإلكتروني ي