الحوار المتمدن - موبايل



التَّفاهةُ والظُهور

سامي عبد العال

2018 / 6 / 13
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


التفاهة في تجلياتها اليومية هي ظاهرة المجتمعات الراهنة، إنَّها تحفظ وتعري وتغطي وتنتهك حياتنا بالمثل. لقد أصبحت فضاءً مراوغاً داخل العوالم الإلكترونية والتواصلية وفرصة لاستعمال السياسة على نطاقٍ أوسع، مثل حيل الهيمنة على العقول وتقليص قدرات التغيير والتحكم في معايير العمل والعلاقات والمؤسسات. ولذلك تبرُز التفاهة جانبها الشامل تعويلاً على أقل الأسباب والمظاهر أهميةً.

في ظل ثورة وسائط الاتصال تلتحم التفاهة ببيولوجيا الإنسان ككائن يُشابه ما يفعل. كأنَّه أحد الشخصيات الافتراضية التي تمحى وتتلاشى دون طائلٍّ. وجرَّاء التنوع المذهل للثرثرة والطرائف وأشكال السخرية والتهكم بات الانهماك في التوافه بارزاً. وامتدت على نحو صارم وجاد أيضاً إلى مواقع جديدةٍ.

ومن ثمَّ لن تدعك التفاهة وشأنك، لكونها تستطيع الظهور من حيث لا تتوقع. تمثل أقرب مسافة كخط واهٍ بينك وبين العالم، عقب لحظة وأخرى ستواجهك مراراً أمام فعلٍ أو حادثةٍ أو صورة أو دلالة غارقة في تبعاتها. وهي أيضاً تخرج بأشكال عملية ضمن تنوع الحياة ومجالاتها. فالإنسان صانع التفاهات بقدر ما هو صانع المعجزات، وتلك الأخيرة قد تتحول بدورها إلى سخافةٍ دون مفرٍ.

ضمن روايته " حفلة التفاهة " يقول ميلان كونديرا: تتبدى لي التفاهة الآن تحت ضوء مختلف تماماً عن ذلك الحين، إنها تحت نور أسطع وأكثر كشفاً. التفاهة يا صديقي هي جوهر الوجود. إنها معنا على الدوام وفي كل مكان. إنَّها حاضرة حتى في المكان الذي لا يرغب أحد برؤيتها فيه: في الفظائع، في المعارك، في أسوأ المصائب. وهذا غالباً ما يتطلب شجاعة للتعرف عليها في ظروف دراماتيكية للغاية ولتسميتها باسمها، ولكن ليس المقصود التعرف عليها فقط، إنما يجب أنْ نحبها، التفاهة، يجب أنْ نتعلم حبها.

أخطر شيء بشأن التفاهة هو تحولها إلى عمل يدافع عن كيانه وأشكاله وتصوراته. فقد أخذت تظهر نفسها بأنشطة اقتصادية وسياسية واجتماعية، لم تعد المسألة أخلاقية صرفاً، بل اقتصادية لها طابع الإنتاج الرمزي والمادي. غدت تتجلى كنمط من أنماط العيش، لأنَّ الوعي الذي يحملها بصور مختلفة أعطاها حماية قابلة للاستمرار. وبالتالي ليس سهلاً تصنيف أفعال تافهة وأخرى غير ذلك، معطيات جادة وأخرى ليست كذلك، لأنَّ العالم الراهن لم يحتمل في تواريخه إلا مزيداً منها.

أي برزت التفاهة كجزءٍ من ظواهر الحياة المعاصرة بتنوعها التكنولوجي والمعرفي والسياسي والديني، وأية ظاهرة تطفو على السطح تغدو كياناً مستقلاً يصعب النيل منها. لأنَّها تمارس دورات اقتصادية من الإنتاج والتسويق والتسليع والترويج والتداول والمباشَرة وغير المباشَرة، لا بمعناها السوقي الصرف بل بمضامينها الإستراتيجية التي تسمح بانتشارها. والاقتصاد يأتي هنا بإطاره الشامل لكل دلالات الظاهرة سواء ممارساتها أو بدائلها أو رموزها أو علاماتها أو خطاباتها. جميع ذلك يمثل اقتصاداً في مجالات متباينة وتخدم إنتاج الظاهرة وإعادة إنتاجها.

طبعاً من جوانب الخداع أنْ تكشف الظاهرة بعض تجلياتها انتظاراً لتجليات أخرى. وأن تصبح في غير موضعها حتى يتوقع المتابع أين تكون وكيف ستصير. وقد نوَّه كونديرا على نحو حاذق بأنَّ التفاهة أصل الوجود، والتنويه ليس ازدراءً نظراً لربط التفاهة بتبعاتها إنما تقرير لمعاني الأحوال القائمة. حيث تقدم إحساساً شاملاً يحيط بموضوعاته. فلأن التفاهة ترتكز على أبعاد نفسية وفكرية واجتماعية، فهي تموضع ذاتها على هيئة كيان عام، ليس جزئياً بالضرورة ولا مؤقتاً إنما عبر حضور طاغٍ.

وربطها بالوجود هي نظرة تتشابك مع ماهية الحياة، نظرة أوسع من محيطنا الكوني المحدود بالنسبة إليها حيث ينزوي الفعل المباشر وتبرز مسيرة البشر كقناع لسخافات لا تنتهي. والوجود في تلك الحالة هو لعبة الصور الزائفة رغم حقيقتها بالنسبة للبشر. فهو يحضر كلياً ومكثفاً بقوة تجعله ضرباً من اللايقين. فجأة يذهب كلُّ شيءٍّ كما ذهبت الحياة. لكن إلى أين تذهب؟ لا أحد يعرف على وجه الدقة.

من يتأمل ظاهرة الحياة وإيقاعها السريع سيقرأ جيداً كيف تمر الأعمال والأزمنة متبوعة بأحاسيس التفاهة. المرور، العبور، الانقضاء، الترحال، المغادرة السمجة هي أعمال ندم غير مباشر فيما لا يمكن توقيفه والقبض عليه. فالإنسان يشعر أنه كائن قد فاته الكثير مما يعيش.

الحياة تتسرب بلا رجعة ويستحيل العودة إلى ما كان إلاَّ بالمستقبل. إنَّ الإنسان من فرط إحساسه بتفاهة ما مضي يرمي بنفسه في غمار الآتي وإنْ كان مجهولاً. وتلك سلسلة تجري بسرعة فائقة تشعرنا بالاتصال الحاد بين حلقاتها. ما مصدر الوجود عندئذ؟ إنَّه الإحساس نفسه لا مبارحة بينه وبين العالم والحياة. لأنَّ التفاهة تختزل كلَّ ذلك مثل حبة الرمل التي اعتبر أينشتين أنِّها تلخص سمات الكون جميعاً.

كأننا الآن في مرحلة التفاهة المبرمجة والتي تحيط بأنشطة الإنسان. أما الإحساس بكيانها، فلأنَّها تستحوذ على هذا الانتباه الخاص بنا. كما يقول كونديراً تظهر عبر الأعمال الأكثر شراسة وقساوة مثل الحروب والصراعات والعنف. فالتفاهة هنا ينظر إليها كموضوع خارج مجاله، لكنه في صميم العنف الأهوج. معنى هذا أنَّ مظاهر العنف الديني المسلح كانت تنويعات على التفاهة، إنَّها بنية تافهة تؤدي إلى السخرية المريرة من الإنسان سواء بقتله أو إراقة دمائه أو تشويهه أو مطاردته.

ولا أغالي إذا اعتبرنا بعض الثورات الربيعية العربية- أو هكذا اعتبرها الناس– يوميات من التفاهة المملة. وهي تفاهة مرتبطة بالقتل المباشر للأطراف المنخرطين فيها. وصلت المشاهد إلى درجة الغثيان اليومي تجاه ما يجري على الأرض وتجاه الحياة وتجاه الإنسان. هناك من التفاهة مالا يدركها التافهون، لأنها تتحرش بالقيم والمبادئ والأسس. أي أنَّ بعض الممارسات مثل الفساد والاستبداد يرى المتابع أنها سلوك سياسي يضر بمصالح الدولة وقدرات المجتمعات، غير أنَّ تفاهتها تأتي من التلاعب بفكرة العدالة وتحيل القيم إلى مجرد فقاعات خادعة.

ولذلك تتحول بعض المجتمعات إلى صناديق قمامة تحت سلطة الدولة إذ تصرف إليها كافة تفاهات الحكام وممارساتهم. وتبدو الحياة اليومية سائرة نحو السيولة والنظام غير أنَّها نوع من الغثيان، التيه الذي ليس له نهاية. التفاهة هنا فخاخ عالية التصميم والدقة والمراوغة حيث تؤسس لأي شيء ولو كان بعيداً. والفكرة أنَّ هناك سياسات بقدرات الدولة ومؤسساتها تستطيع إدخال مواطنيها في حالة من التفاهة وتصدير نفاياتها إلى الوعي العام.

وتفسح الدولة مجالَّها إلى صناعة رموز التفاهة وأقطابها. وليس شرطاً أنْ تكون كائنات مسخاً كالبهلوانات حتى تكون تافهة، بل قد يكون الحاكم نفسه أبلغ نموذج للتفاهة المتحركة، ويصدم متابعيه بخطاباته الغثة والمملة وروغانه الكذوب. التفاهة تأتي من أكثر المصادر قداسةً وسلطوية في المجتمعات، لأنَّ الفاصل بين أية تفاهة وبين سواها قابل للتجاوز. كوكب الأرض ليست مشكلته في إنسانية تبحث عن وجودها المحفوف بالمخاطر إنما هناك تاريخه المعبر عن التفاهة المعتقة.

وفي خضم فوضى السياسة التي تدعم أنظمة السلطة، تظهر فئات تافهة في حياتها ونمط عيشها، وهي كائنات تتسلق على حواشي المجتمعات وعيونها تجاه المصالح والاستيلاء على الفرص المتاحة للثراء الفاحش وانتهاك القانون واستبعاد الفئات الأخرى والمشاركة في ركود الأوضاع السائدة.

وتأتي الإشارة لتكوين طبقة تستعبد طبقات أدنى. وتحاول الطبقة التي تتبنى التفاهة أن ترسم معالمها بأساليب ومظاهر خاصة أثناء الكلام والملبس. ليس الفنانون هم المعنيون فقط في بلدان العرب الفقيرة والمستعبدة ولا هم رجال السياسة الذين يناقشون أموراً تافهة وينشرون علاقاتهم الفاضحة وممارساتهم القائمة على العمالة والعمولة.

إنَّ انفصال التفاهة في تكوين طبقي ربما أكثر إفرازات الحياة الراهنة وضوحاً، وهي طبقة تعي ماذا تريد أبعد من كونها فئة بعينها. فمثلما أنَّ التفاهة نقص في الوعي وعدم القدرة على الإبداع، فإنها عابرة لطبقات المجتمع قاطبة، تجدها متغلغلة في المعرفة والتعليم والثقافة والإعلام والاقتصاد. ببساطة تعد التفاهة بمثابة طبقة الطبقات جميعاً، لأنها تتحرك وفقاً لمصالحها التي تنتج بفضل اختلاط التصنيفات الاجتماعية والسياسية والفكرية.

أي ستجد سياسياً يدعي المعرفة ويرقق الخطاب حتى ينال رواجاً، بينما هو يمثل مهزلة التفاهة التي تصيب مشاهديه بالغثيان. وستجد فناناً ينظِّر إلى الشأن العام كأنَّه رجل حصيف، لكنه ليس أكثر من خادم للسلطة ومروج لهيمنتها واستبدادها. وستجد إعلاميين يرتدون أفخم الملابس بينما هم أبواق صدئه لأسيادهم، وقد استمرأوا تشكيل جماعات العبيد الجدد طوال الليل والنهار.

التفاهة في مجتمعات متخلفة تتبدي في كل شيء، فهي إفراز ليس اعتباطياً لكنه يشمل الأسس التي تنتج الحياة اليومية. حيث التفاعل والصراع والممارسة التي تستحضرها كبديل دون أن يشعر برسوخها أحد. في صمت الواقع وهسيس المصالح وتواطؤ القوى تنمو التفاهة كالعشب الليلي.

والتفاهات تعرف بعضها جيداً لدرجة الجنون المكشوف، تطفو فوق رقعة الحياة حتى تغرقها. كما يرى كونديرا سيكون علينا أنْ نحب التفاهة بكل أريحية، وتلك طريقة لفهمها، لتداولها، للتعاطف معها، لترويضها وحتى للهروب منها. في البداية سيكون موقف الرفض هو الواضح بينما تدريجياً ستستغل التفاهة استدراجها للرافضين، إنَّ حباً من هذا النوع هو قدر التافهين الذين يمضغون كماً مخدراً من تراكمها.







اخر الافلام

.. استنفار أمني كبير لتأمين وصول الحجيج وتسهيل أداء مناسك الحج


.. جهود التهدئة بين إسرائيل وقطاع غزة تتحول مجددا إلى مادة للتر


.. عزل قادة عسكريين حديث الساعة في الجزائر




.. عراقيون يدعمون دفع بلادهم تعويضات خيالية لإيران!


.. لقاء الأستاذ جهاد جليل على قناة الرشيد بخصوص دور الشباب في ا