الحوار المتمدن - موبايل



الشاعرة جنان الصائغ، رؤية ذاتية بانفعال التوقيعة الشعرية ..!

وجدان عبدالعزيز

2018 / 6 / 13
الادب والفن


ديوان (العصافير تنقر نوافذي) للشاعرة جنان الصائغ اعتمد النثر، واعتمد شعر التوقيعة، حيث عبرت قصائده عن لحظات انفعالية مرتبطة بلحظاتها الآنية وكأنها تسجيل على شريط فديو، شكلتْ مقاطعا لكل مقطع نكهته الخاصة به، والانتقال الى هذه اللوحات الشعرية الفديوية، قد تكون ابتعادا عن المباشرة والخطابية الى الايحاء، رغم ان الكثير من شعراء هذه القصائد لم يصلوا الى النجاح الكامل في رسم معالم هذه القصائد، كون (الومضة الشعريّة لحظة أو مشهدٌ أو موقفٌ أو إحساس شعريّ خاطف يمّر في المخيلة أو الذّهن يصوغُهُ الشاعرُ بألفاظٍ قليلةٍ. و هي وسيلة من وسائل التجديد الشعري، أو شکل من أشکال الحداثة التي تحاول مجاراة العصر الحديث، معبرة عن هموم الشاعر وآلامه، مناسبة في شکلها مع مبدأ الاقتصاد الذي يحکم حياة العصر المعاصر.)، كما يقول عزالدين المناصرة، من هنا فان الشاعرة الصائغ حاولت هنا تأسيس موطيء قدم لها، فمن العنونة (العصافير تنقر نوافذي)، وبالتحديد من حالات النقر الايقاعي للعصافير على النوافذ في لحظات، قد تكون محصورة بزمنية تحمل دلالات التوقف والمعاودة، اي هناك حركة مرتبطة بحالات نفسية متوترة بين انتظار معاودة الحضور بعلة الغياب، التي قد تكون تعانية الشاعرة الصائغ، وعلة الحضور المحمل بالاثم .. تقول الشاعرة الصائغ :

((1)

عقاربُ
العقاربُ وقتي..
تلدغُ إخلاصي إليك
(2)
اقترفتَ إثماً حين غادرتني
وحين عدتَ كان أثمُكَ أكبر)

هذا الوضع النفسي المتأزم رسمته الشاعرة باوجز الكلمات الباثة ايحاءات الرغبة باتجاه الحضور ورفضه في آن واحد، فالشعر تعبير جميل صادق عن واقع النفس،او واقع الحياة او ثورة عليها، وتوجيه الى نفس أسمى ودنيا رحيبة.تتحقق فيها الرغبات والآمال وأسلوب هذا التعبير او طريقته، قد يسايرفى الغالب المالوف، وقد يغايره، وتقتضى المغايرة الجرأة، والطرافة والاصالة للتعبير عن المحتوى النفسى،او الواقعى وفقا للتقدم الفنى، وتبعا لميول الشاعر وروحه المتحررة ولهذا لم يجد كبار الشعراء على مر الاجيال حرجا من التحررمن اسر بعض عناصرالاساليب النظمية الموروثة او كلها .. وبقيت الشاعرة الصائغ تعاني الغياب والوحدة بقولها :

(سمعتك
تصوغُ لها كلماتٍ مبتكرةً
أحرقت قلبيَ معانيها
سمعتُكَ تبوحُ
سمعتُكَ تتوسلُ
ومن قساوةِ قلّبها
تتألمُ
هو أنتَ وحدكَ
وأنا وحدي
هي ذا معهُ
ألمكَ بها
هو ألمي بكَ
فاحتضر)

ولا تفتأ ترسم تلك اللوحات المعبرة بتوتر وقلق الى حد الاحتضار والألم .. ثم تلجأ الى خزانة الذكريات ... (أفقتُ من غفلتي ذات قهوةٍ مسائيةٍ سوداء/ أعدتُ في مخيلتي جميع مساءاتي المثخنة بالوجعِ/بين لحظتين غابتا بكلّ هدوء/ أسدلتُ أشرعتي/ فهواجسي مظلمةٌ
وأحلام المجاديفِ مكبلة/ فتحتُ خزانةَ الذكرياتِ لأنفضها من غبارها الأثير)، فرغم المساءات المثخنة بالوجع، الا ان الشاعرة آلت بها الحال الى فتح خزانة الذكريات، علّها تجد فيها ضالتها، لتخفيف ذلك التوتر والقلق من الغياب ـ الحضور المأثوم بذنب الخيانة والجحود بدلالة قولها : (سمعتك/تصوغُ لها كلماتٍ مبتكرةً/ أحرقت قلبيَ معانيها)، ومن شدة القلق تحولت الشاعرة الى امرأة عادية، لتعيش اجواء الجمال الهاديء بالبساطة وروح الثورة .. بقولها :

(فانا امرأة عادية
رميتُ أقلامَ الحبرِ جانباً، ذات الماركاتِ الشهيرة
واشتريتُ أقلاماً عادية
كي أرسمَ قلوباً وفراشات لكنَّ ألوانها عادية
هكذا تأكلني الرتابة
تجبرني الحياة أن أغيرَ مسيرتي لأكون سيدة غير مبالية
أسكنُ المرآة
ألونُ بعضَ الخصلات)

وقد تكون هذه امنية، راحت تداعب ذات الشاعرة، فعزة النفس من المبادئ الجميلة التي قد يتحلى بها الشخص ولا يتحلى بها إلاّ الأقوياء , والعزّة تعني أن يرتفع الإنسان عن كل المواضع التي تقلل من قيمتهِ ومن قيمة نفسه والإرتفاع عنها , فهي صفة الملوك والأكابر والعظماء ولا يتحلى بها إلاّ أصحاب المبادئ الذين يعيشون مئات السنين لأجل أن يموتوا بكرامة وعزّة بين الناس، هذا بعضا من انفعالات الشاعرة تجاه غياب الاخر وحضوره المصحوب بالاثم، كما اسلفت، لكن الشاعرة بقيت في حالات الانتظار



(أنا بأنتظارِ أن تولدَ الشمسُ من جديد
بأنتظارِ انبثاقِ وجهكَ الآن
..............
انتظرُتكَ بهاجسِ الساعةِ .. وقلقِ المسافاتِ
حتى بكت محطاتُ صبري
رجوتُكَ.. أن لا ترحلَ يا سندبادَ الحلمِ
ولا تدع زهورَ الدقائقِ تذبلُ في أفولِ نجِمكَ
لا تتركني كأوراقِ الخريف
أتقلبُ فوق جمرِ الانتظار
فيتطايرُ شعري مشتبكاً بالريحِ
لا ترسم على عتباتي وهمكَ الوردي
الاعذار
لا تروِ إحساسي بالوجدِ
وأنتَ مغادرٌ كحلمِ فراشةِ بيضاء
قلْ لي: كيفَ لي
أُوقظَ شمسي بكفيكَ وأغفو كشهرزاد ؟
وأن أحبسَ في شفتيَ
قبلاتٍ غادرَها البحرُ ؟
يا أنتَ، يا خطيئةَ القصائدِ البريئة
قل لي: ما ذنبُ النوارس تتسَاقطُ كالشهبِ
فيهجرُها الموجُ ؟)

فالصائغ راحت تصنع لنفسها جمالية تعيش في اجواءها، فليس العزّة بمعنى أن يرى الإنسان نفسهُ دون سواه, فالأعزّاء هم الأشخاص الذين لا يسمحون من كان فوقهم أن يستوطوا شخصيتهُ ولو مثقال ذرة، أو أن يمسّوا كرامتهم, وإذا وجدوا من هم دونهم لا يتكبّرون عليهم ويحترمهم حتّى يرفع من قيمتهم ليصلوا الى ما وصل إليهِ, فهم يطبّقون المثل الذي يقول إحترم نفسك من دون أن تحتقر أحد, فالحب عزة نفس وانفة وكبرياء وثقة، لا ان يكون خنوعا ومذلة، فقولها : (قلْ لي: كيفَ لي
أُوقظَ شمسي بكفيكَ وأغفو كشهرزاد ؟)، و(قل لي: ما ذنبُ النوارس تتسَاقطُ كالشهبِ
فيهجرُها الموجُ ؟)، بمعنى ان ذات الشاعرة يسكنها الضوء والبياض وصدق المحبة ولهفة الانتظار .. ومن منطلق الحب والذات النقية، من الذاتية تخرج بانفعال وصوت مسموع الى الموضوعية، حاملة ضوء البوح والرفض بقولها :


(لا مرحباً بالشعرِ
حين لا يكونُ كالتنزيلِ
معمَّداً بأنينِ الأبرياء
مَنْ ذا الذي
لفَّ نخيلَنا بالحزنِ
مَنْ ذا الذي
أفتى بإعدامِ الزهورِ
حينما لا تُقدمُ بين يدي حبيبٍ
كرسائل وَلَه
من وأدَ رقصةَ الفراشاتِ
و ملأَ الشواطئَ بالأوبئةِ
يا أمةَ الأجنِحةِ المتكسرةِ
يا وطنَ الأدعيةِ المصلوبةِ
والبركاتِ المنهوبةِ
و السماواتِ الداكنةِ
نائمون أنتم
في مسلخِ الكارثةِ )

رؤية ذاتية مرممة برؤية موضوعية منفتحة على الثورة، وتشخيص الكوارث التي يعاني منها المجتمع والوطن (لاشك أن الأدب قد أخذ خلال مراحل التاريخ منذ القديم وحتى الآن دوره البارز والكبير في تناول قضايا المجتمع ، وفي ثورات الشعوب ، وحركاتها الاستقلالية والاجتماعية وكان المحرض لهذه الثورات من خلال ما كتبه الأدباء والشعراء من شعر ورواية وقصة ومقالة
والتي حملت أحاسيسهم وأحلامهم وآمالهم في التعبير من أجل خير المجتمع .. فعندما كتب هوميروس رائعته الخالدة « الإلياذة »كان يعبّر بقصائده عن البطولة والحب وهما مظهران ايجابيان في تلك الحقبة الزمنية ، وعندما يقوم النحات بصنع تمثال حجري لامرأة جميلة إنما يعبر من خلال عمله الفني هذا عن إعجابه بالجمال الأنثوي ، وعندما يتحدث الشاعر في قصيدة ما عن وضع اجتماعي أو سياسي فإنما يعبر عن رؤيته من خلال فنه الإبداعي .‏)، ثم تعود الشاعرة جنان الصائغ الى لحظاتها الزمنية الخاصة، عبر ومضاتها الشعرية ذات الانفعالات النفسية .. لتقول :

(ليتني أكتبك سيدي
أيُّها القابعُ
في آخر زاوية في القلب
لقد تركتُ لكَ الأمكنة
واحتفظتُ بزمني
الزمنُ وحده
من يكفلُ لي تاجي الأوحد..
فأنني امرأةٌ
لن تكرر في عروش النساء
فألغِ مكانك بعدي)

وهكذا يكون ديوان (العصافير تنقر نوافذي) لوحات ذاتية مضمخة بالموضوعية ومشاركة الاخر الحياة بشرط الجمالية والحب ..

الهوامش :

ـ الشاعرة جنان الصائغ و(العصافير تنقر نوافذي) مطبعة المتن الطبعة الاولى2016م بغداد

ـ نجاح حلاس مقالة (الادب حين يخدم قضايا المجتمع والوطن)







اخر الافلام

.. ست الحسن - موقف كوميدي للفنان -مجدي البحيري- مع أمه في مشهد


.. ست الحسن - حوار خاص مع الفنان الشاب الصاعد -مجدي البحيري-


.. الفنانة المصرية ليلى علوي تتحدث عن الفنان الراحل جميل راتب




.. ست الحسن - الفنان مجدي البحيري: أنا معرفش مين اللي رشحني لمس


.. ست الحسن - كوميديا وكواليس ما وراء الكاميرا أثناء تصوير مسلس