الحوار المتمدن - موبايل



الاستئنافات المستحيله ومازق التشيع الامبراطوري الايراني (1)

عبدالامير الركابي

2018 / 6 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


الاستئنافات المستحيلة ومازق التشيع الامبراطوري الايراني (1)
عبدالامير الركابي
لم تلاحظ في العصر الحديث ظاهرة "الاستئنافات المستحيلة"(1) باعتبارها نوعا من التجلي الوسيط مابين بدايات حضور الغرب، وصولا الى تمكنه الاقصى، وتشمل هذه الحقبة .زمنيا الفترة ما بين القرن السادس عشر والتاسع عشر، على وجه التقريب، مع تفصيلات واختلافات في التوقيت والدوافع، لعبت في بلورتها محركات مختلطة، نابعة من المنطقة، اضافة لطموحات، قد تكون مبنية على استعارات، او ردود فعل على تحديات، مصدرها التحول العالمي الوشيك، من هذه الحالات البارزه، تلك التي عرفتها ايران منذ القرن السادس عشر، وتكررت باختلافات اقتضتها تراكمات قرابة ثلاثة قرون، ظاهرة الثورة الايرانية الخمينية، في السبعينات من القرن العشرين.
من تلك الظواهر البارزه ايضا، الوهابية في الجزيرة العربية، والتي استبطنت في العصر الحديث، وضمن اشتراطات مخالفة كليا، مشروع استئناف الثورة المحمدية الكونية، مخرجة اياها من السياقات الطبيعية لتاريخ المنطقة، لتحيلها الى الارادوية "البشرية"، ومن تطابق الالهامية مع اللحظة والشروط الكونية،كما تجلت في القرن السابع في جزيرة العرب، الى محاولة اكراه التاريخ والياته، وسياقاته، كما هي متطابقة، مع بنية وكينونه هذا الجزء من العالم، سعيا وراء وهم استئناف لحظة منتهية بالختام، ( لم تعرف المنطقة بعد الخطورة الملحة الضرورية، القاضية حكما باستكمال "علم الاجتماع" الغربي الحديث، باضافة عن "علم اجتماع التوحيدية التاريخية التحولية"، ماقد يتسبب هنا ببعض الغموض، سنحاول اجلاءه بقدر المستطاع ) وحتى الحالة المصرية، مع محمد على، كان لها طابع استئنافيتها الموكول الى الخاصيات الحضارية المصرية، ككيان دولة احادي، نهري، سكوني، مفتوح على تقبل مايرد من خارجه.
ولن نذهب اكثر في تعداد الامثلة، بل سنركز على الحالة الايرانية، بما انها تمثل الحافة التي ينفتح عندها، افق ومجال التوحيدية الابراهيمية، غير الناطقة بالعربية، والواصلة الى قلب الهند والصين. وايران كيان غير منصهرقياسا بالحالة المصرية كمثال، فعاليته وتجليه الاقصى، امبراطوري، بما يبقي الفعالية الحضارية هنا احادية دولة امبراطورية. تحضر كقوة ضغط محفزة للفعالية الابراهيمية، في البؤرة التي تتشكل فيها الرؤى والمشاريع الابراهيمة، الاساسية، وكان لحضورها وسعيها لخنق الجزيرة العربية، من جهة الشرق والخليج، بعد تدميرها للدورة الحضارية العراقية الاولى، واعلى تجلياتها البابلية، اثر فعال في تفعيل الاليات المضادة، كما تمثلت في الدعوة الاسلامية، وفي تشكل الجزيرة العربية العسكري، العقيدي، بصفتها مجتمعا محاربا كينونة، ماادى لنهاية اخر التجليات الامبراطورية الايرانية، عن طريق عملية "الفتح" المضادة، الخارجة من الجزيرة في القرن السابع. والامبراطورية الايرانية، ظاهرة لاحقة، على الدورة الحضارية الاولى، لمنطقة التوحيد ية العراقية المصرية، وهي متاثرة بقوة بالحضارة العراقية الديناميكية السابقة عليها بالاف السنين. ورد الاحتياطي الخلفي الجزيري، هو الايذان، واللحظة التي تعود معها الاليات الحضارية للمنطقة، للعمل من جديد، بحيث تدخل دورة ثانية، بعد الدورة الاولى السومرية البابلية في العراق، حيث الديناميات الحضارية الاعلى.
ونحن هنا نتابع البحث عن الاليات التاريخية الكونية، المودعة في هذا الجزء من العالم، بغض النظر عن المفاهيم التاريخية الاحادية الشائعة، والمكرسة، والتي تصر على النظر الى الصيرورة التاريخية عموما، نافية طابعها المزدوج، والثنائي، كما الحال في العراق، حيث نتعرف على تجليين امبراطوريين، الاول ذلك الذي ينتمي لاشكال التجلي الامبراطوري، كما هي على سبيل المثال، في ايران، وروما، ويبدا في ارض الرافدين، مع سرجون الاكدي " حاكم زوايا الدنيا الاربع"، في الالف الثالثة قبل الميلاد، والذي امتد نفوذه الى عيلام، والاناضول، وساحل الشام، وصولا الى ليبيا، وما جاء بعده تكرارا، من اشكال امبراطورية، وصولا الى البابلية، بمقابل تجل اخر، من نوع مختلف، لكنه كوني ايضا، واكثر رسوخا وانتشارا، هو مايتمثل بالرؤية التوحيدية، وبناء "مملكة الله" المفارقة، وهذا التجلي الضخم، والاستثنائي، لايحال الى مصدره الفعلي، عادة، وبما ان العقل البشري، لم يبلغ بعد مرحلة افتكار الظاهرة المجتمعية الاعلى " المزدوجة"العراقية، وهو مازال، ومنذ زمن قريب فقط،/ القرن التاسع عشر/ يقف عند تخوم البنية الاحادية الطبقية، الاعلى دينامية، داخل نمطها المجتمعي الاحادي، قبل ان يرتقي علم الاجتماع، نحو مرتبته، وخطوته الاعلى، ويقارب اليات وخاصيات المجتمعية العراقية.
يحتاج علم الاجتماع والتاريخ، الى انقلاب، والى القفز نحو مايلبي مكنونات ومقتضيات المضمر التاريخي الوجودي للانسان، وهو مايتنافى مع قدرة العقل الاحادي الراهن، على بلوغ مشارفه الاهم في الاعقال البشري للذات الكونية والمحلية. ووقتها وبناء على علم تاريخ واجتماع الازدواج، ستحضر "الامبراطرية التوحيدية المفارقة" كمعطى وبما هي، ليس ك " دين" عائد لمايسمى مجال الروح، بل كفعل مجسد في نظام مقابل، يتطابق اساسه مع بنية" مجتمع اللادولة"، حيث الخلفية والقاعدة الاساس للتجلي التوحيدي.وحيث من المستحيل افتراض قيام هذا الفعل، المتصل، والجبار لفعل سلسلة النبوات الابراهيمة، خارج مثل هذه الخلفية العيانية، المجسدة، والحية، والمستخلصة من تناقضات مجتمعي " الدولة القاهرة التمايزية" العادية، مع " اللادولة"، الى ان بلغت الاخيرة مع نبوة ابراهيم، ذروتها، وكمال طورها الاول، "النبوي الالهامي"، وامكن لاحقا، تحقق القراءات الثلاث الكبرى، الموسوية، المسيحية، المحمدية.
ويتفق مع المشار اليه، نوع من التكرار الوارد، في الاراء المطلقة، وكانها بداهات، عن كون منطقة التوحيدية، تمتاز بموقعها الاستراتيجي، بين الشرق والغرب، من دون ان يخطر على البال، احتمال ان يكون مثل هذا الخيار الجغرافي العلوي، مع اختصاص هذه المنطقة بالازدواجية المجتمعية، وبالطبع بازدواجية التجلي الامبراطوري، المزدوج، مقابل الاحادي المتعارف عليه، انما يضعها، كما يضع العالم والتاريخ، امام ملامح اليات عمل بؤرة كونية، واليات شاملة، موضوعة حيث التفاعية الاوسع والاشمل، على جهتي الشرق والغرب، نحو اوربا، وباتجاه الهند والصين، الحضارتان الوحيدتان غير المشمولتين، بحضور الامبراطورية المفارقة الالهية.
ثمة ديناميات تاريخية، وتفاعلية صعودية صائرة،على الوجهتين ، نحو الغرب والشرق، فالمسيحية في قلب الامبراطورية الرومانية، هي رد التوحيدية وامبراطوريتها المفارقة المضاد، والتي ستضع علامة ازدواج راسخة، داخل المجتمعية الاحادية، وهذا لم يكن ليحصل لولا انتهاء الطور الحضاري الاول، العراقي المصري، وماتمخض عنه من ازدواج تعبيري، يضمن له الحضور، ابان زمن الانقطاع. ان الابراهيمة خارج ارضها، اي طورالنبوية المنتهية اليوم، هي شكل التجلي الثاني، المستند الى بنية الازدواج، وهذا مالايمكن ان يراه العقل الاحادي. لدرجه ان بعضهم يذهبون الى الاستدلال، باتجاه النبي ابراهيم بداية الى حران، على نفي صلته بسومر، وبارض اور، مدللين على انعدام نظر كلي، وعجز عن التفاعل مع حالة ابتداء كبرى، تصاب بالانتكاس، وتشعر بان تحققها في ارضها مستحيل في الراهن، هذا عدا عن ان الطرق التي كانت مسلوكة وقتها، بين العراق وارض الشام، والتي تقصد وقتها اجبارا، الذهاب الى الشمال، سوى ذلك، فان النبي ابراهيم، كان وقتها في حالة ضياع، وشبه ياس، مع شعور بانسداد الافق، وانه كان بحاجة لفترة تأمل، قبل ان يعين وجهة حركته، وفعله، بعد طرده، فكانت والحالة هذه، مرحلة حران، مرحلة اكتشاف افق "الابراهيمية خارج ارضها"، قبل العزم على تنفيذها بالتوجه الى ارض الشام ومصر، اي بدء الطور الالهامي النبوي المستمرة مفاعيله الى اليوم، قبل ان ينفتح من هنا فصاعدا، افق "تحقق الابراهيمة في ارضها" بمعنى الانتقال تنتقل من "الطور النبوي الالهامي"، الى " الطور الابراهيمي العلّي" ا لذي هو في طور التشكل .
تختلف ردات فعل، وتفاعل الانتشار الابرهيمي خارج منطقة التوحيدية التاريخية، في الشرق لجهة ماوراء ايران، عنها في الغرب، فالاخير اميل الى مصادرتها، والى اسباغ ذاتيته عليها، مع فصلها عن مصدرها، برغم ان مايحث هنا، بحد ذاته، هو عملية تترافق مع تغيير ضمن تضاعيف البنية التصورية، وحتى اشكال السلطة وممارستها،( نتعرف على هذا الازدواج في الغرب الحديث عبر شعار فصل الدين عن الدولة : ترى لماذا) بالمقابل، فان الامر شرقا، ياخذ شكل التبني، واحلال الابراهيمية مكان التصورات والبنى السابقة عليها في بلدان الشرق، مايجعل التعبير عن الذات هنا، محكوم بعد حضور الابراهيمة، الى قوة حضور وحتى غلبة، هذه الاخيرة، اي ان النزوع الامبراطوري الفارسي مثلا، لايعود بالامكان تكراره، مترافقا مع بنية التصورية الفارسية، السابقة على الاسلام، والصفوية، او الخمينية، مثالان صارخان لهذه الجهة دلان على مازق تاريخي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• هذه اول محاولة، قائمة على تطبيق نظرية "المجتمعية الازدواجية"، المكتشفة من قلبنا، والتي تنوه الى اقتراب الانسان، من مغادرة زمن الاحادية المجتمعية، ومايتعلق بها من تصورات، ومفاهيم، واحكام، ظلت طاغية لقرون مديده، على العقل البشري، الامر الذي نعد بتقديم محاجتنا حوله، وبناء علية في الاليات الفعليه للتاريخ البشري، في كتابنا القادم عن "التحوليّة التاريخية" مقابل "المادية التاريخية".







اخر الافلام

.. البيت الأبيض: مستشار ترامب يبحث عقد لقاء قمة مع بوتين


.. داعش على وشك الانهيار في بادية السويداء


.. صعوبات وتحديات تواجه الحريري لتشكيل الحكومة




.. منظمات تونسية ترفض مقترحات المساواة بالميراث


.. المحكمة الاتحادية بالعراق تحكم بدستورية إعادة فرز نتائج الان