الحوار المتمدن - موبايل



أعراض ليبرالية

مصطفى مجدي الجمال

2018 / 6 / 15
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان


انزعج بعض الأصدقاء والرفاق من بعض مقالاتي ومداخلاتي الأخيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي النقاشات السياسية العامة، من تكراري للتشديد على خطر "الليبرالية" في التنظير وتحليل الواقع وحتى التنظيم الحزبي.. الخ، والذي أعتقد أنه قد أزف الأوان كي تتخلص منه جماعات وأفراد اليسار المصري.. وليس مقصودي بالليبرالية المذهب المعروف بمعناه الضيق، وإنما تسرب مكونات هذا المذهب إلى سائر التيارات السياسية فيما عدا التيارات التي تنسب نفسها للإسلام السياسي، فالأخيرة تبرز المداهنة والبراجماتية في الاستعانة ببعض المكونات والطلاءات الليبرالية دون أن تتنازل أبدًا عن جوهر مشروعاتها شبه الفاشية (فاشية العالم الثالث، إن شئت القول).

وهو موضوع شائك، ويتطلب مني أن ألتمس للمنزعجين بعض العذر في انزعاجهم. ويرجع ذلك في جزء منه إلى العقود الطويلة من نظم الحكم الشمولية الوطنية، والتي أعقبتها نظم رجعية دكتاتورية قمعية استفادت أيما استفادة من إرث الشمولية السابق عليها، فباشرت أسوأ سياسات النيوليبرالية والتبعية والفساد (في الخلاصة: رأسمالية المحاسيب التابعة/ الكمبرادورية).. ومن ثم كان من المنطقي أن يراود الحلم الليبرالي الكثير من الكوادر الجديدة (والقديمة أيضًا) ومن ثم ساد بينهم تصور قاصر بأن الليبرالية هي المفتاح الوحيد المضمون الذي سيقود حتمًا، وفي رؤية خطية مبسطة، إلى تحرير الوطن والمواطن و"العدالة الاجتماعية" (ولا أقول الاشتراكية)..

ومما ساعد في هذا: ذلك الظرف الدولي المصاحب لانهيار المعسكر الاشتراكي والرطانة عن النظام العالمي الجديد والانتصار النهائي للرأسمالية وأيديولوجيتها الليبرالية.. فاضطربت التحليلات وباتت التنازلات أمام الفكر الليبرالي بلا حساب، بل تراجع الكثيرون عن الدعاية للفكر الاشتراكي وعن التحرر الوطني المرتبط بمفاهيم راديكالية، ولاحت "حقوق الإنسان" هي جوهر النضال وهدفه ومنتهاه.. وتمادى البعض في تمجيد "الديمقراطية الليبرالية" التي أبدعتها البرجوازيات الغربية، وكيف أنها تحولت إلى "منجَز إنساني".. متجاهلين أن الديمقراطية في التاريخ الغربي لم تكن تبرعًا من البرجوازية بقدر ما كانت نتيجة لنضال الطبقات العاملة التي دفعت أبهظ الأثمان في الحقب الأولى من حياة المجتمع الرأسمالي.. مثلما كان استقلال بلدان الجنوب (المستعمَرة سابقًا) هو نتاج نضال شعوب هذه البلدان ولم يكن اعترافًا نبيلاً من الرأسماليات الأوربية بحق الشعوب في تقرير مصيرها..

وسأحاول وضع أفكاري هنا في سياق عملي/ تاريخي، مع بعض اللمحات الشخصية. ففي السبعينيات تفجر خلاف كبير داخل حركة اليسار المصري حول طبيعة المرحلة الثورية. ورغم التلوينات المختلفة للمواقف، فقد كان هناك اتجاهان رئيسيان وقتها: اتجاه يقول بالثورة الاشتراكية (لكنْ طرَح بعض أقطابه شعار الجمهورية البرلمانية)، واتجاه يقول بالثورة الوطنية الديمقراطية كمرحلة أولى (ولكن بقيادة الطبقة العاملة).

وكان موقف الكاتب الذي لم يتغير كثيرًا منذ السبعينيات بأن هذا الخلاف به قدر من الاصطناع والمبالغة.. وكان من أنصار القول بثورة متعددة المراحل التكتيكية التاريخية تدور حول أربعة محاور: الاستقلال السياسي والاقتصادي، التحول الديمقراطي الشامل، التنمية المعتمدة على الذات والمحققة- كبداية- لتقليل متصاعد لحدة الاستغلال الرأسمالي، وثورة ثقافية شاملة تُعلي من قيم المواطنة والمساواة والعلم والعمل والانتماء للوطن والجنوب عامة. ولا بد لهذا من حزب ثوري قائد وجبهة استراتيجية للطبقات الشعبية مع جبهات وائتلافات تكتيكية مرنة حسب الظرف.

عرفت مصر وقتها ثلاثة أحزاب يسارية سرية (الشيوعي، والعمال الشيوعي، والشيوعي 8 يناير)، وحزب شبه سري (التيار الثوري)، ثم حزب التجمع العلني/ الشرعي (المشتبك وقتها في علاقة توءمة ملتبسة مع الحزب الشيوعي).. ناهيك عن العديد من الانقسامات التي خرجت من كل منها. وللأسف ذاب الحزب الشيوعي في حزب التجمع بعدما غادر الأول أهم كوادره وأكثرها استقامة، ومال الأخير للتركيز على قواعد مشتركة مع النظام. بينما انفجر حزب 8 يناير بفعل مؤامرة داخلية وأمنية كبيرة، وتفكك حزب العمال الشيوعي بعدما أنهكته الانقسامات.. وحتى حزب الشعب الاشتراكي الذي انشق على الحزب الشيوعي تحلل سريعًا ثم نهائيًا بعد وفاة زعيمه (نبيل الهلالي). وبُذِلت محاولة لإنشاء "حزب العمال الموحد" من بعض بقايا التنظيمات لكنها فشلت سريعًا.. ولعل السبب في كل ما سبق يكمن في حالة الإحباط المروعة التي أعقبت انهيار المعسكر الاشتراكي وتحول الصين نحو "اشتراكية السوق"..

كل ما سبق يُعتبر عاديًا في سياقاته وقد عرفت معظم بلدان العالم تطورات مماثلة. لكن الملاحظة التي لم أستطع تفسيرها حتى الآن- دون تحيز- تتمثل في أن بعض الكوادر التي كانت ترفع شعارات مفرطة في التطرف كانت هي نفسها الأسبق والأسرع نحو الاتجاه "للعمل المدني والحقوقي" ليس كرديف للعمل الحزبي وإنما كبديل له.. وسيقت وقتها مبررات كثيرة لهذا التوجه مبنية على فهم البنك الدولي ومراكز الأبحاث الغربية لـ "المجتمع المدني"، وتغاضت عن إشكاليات كثيرة مرتبطة بهذا التوجه، مثل الأجندة المجزأة، التمويل، النشاط المأجور وليس التطوعي،... إلى آخر السلسلة الطويلة من النقائص التي تطرقت لها في أكثر من مناسبة..

الأمر الأكثر إثارة أنه عندما نشأت حركة المنتدى الاجتماعي العالمي (في مواجهة المنتدى الاقتصادي العالمي/ دافوس) تكالبت المنظمات غير الحكومية الشمالية على اختراقه مستفيدة مما تملكه من موارد مالية وفيرة (كان لا غنى عنها لبطاقات السفر والإقامة في الفنادق وبدلات المشاركين..). وكان من نتائج هذا أن حرص اليساريون السابقون (النشطاء "المدنيين" الآن) على استبعاد الأحزاب والنقابات وحركات التحرير من المشاركة في أنشطة المنتدى الاجتماعي، إلى آخر الممارسات والمواقف الأيديولوجية التي قبرت في النهاية حركة المنتديات.

وكمثال عملي على ما أقول أذكر مواجهة عنيفة حدثت في إحدى الندوات بين شخصي وبين شخص لبناني يقود إحدى الشبكات الأهلية العربية. وقد كنت البادئ بنقده لأنه حضر المنتدى الاجتماعي العالمي في البرازيل ثم انطلق منه مباشرة لحضور منتدى دافوس (ومن المعروف فداحة التكلفة المالية وشروط المشاركة في هذا المحفل الأخير).. فبُهِت الرجل لمعرفتي بهذه المعلومة ولم يجد ما يقوله سوى "ذهبت إلى دافوس لأعرض مواقف المنتدى الاجتماعي"!! .. وفي الوقت نفسه اندفعت شخصية متمولة معروفة لتهاجم بشكل غير مباشر من أسمتهم "أعداء النجاح الجالسين على الرصيف".

وفي مناسبة أخرى لتقييم حالة اليسار أواخر التسعينيات أبديت ملاحظات عن النشاط الحقوقي غير التطوعي، والمترفع وقتها عن النشاط السياسي والتنظيمي (بل والساخر من صيغة الأحزاب نفسها).. فرد عليّ أحدهم بعبارة اجتهد كي تكون بليغة قائلاً: "نحن نؤمن بالإنسان بينما أنت مُعجب بالدولة"!!

وفي أحد المؤتمرات التي شاركت فيها منظمات "حقوقية ومدنية مصرية" وقع الاختيار على شخصي لصياغة البيان الختامي، وحينما تلوته في الجلسة الختامية ووجهت بثورة عارمة من بعض النشطاء الحاضرين، حتى أن أحدهم قال: "هذا البيان لا يليق بالحركة.. فهو مجرد بيان "قومجي" ساخن ضد الإدارة الأمريكية. والنضال ضد العولمة يقتصر على اتفاقيات الجات". الغريب أن من اختاروه لإعادة صياغة البيان (وهو يتولى موقعًا قياديًا في حزب يساري الآن) كان من ضمن التغييرات التي أدخلها على البيان حذف تعبير "الكيان الصهيوني" وأحل محله "حكومة اليمين الإسرائيلي"!!

ومثال آخر حينما واجهت أحد أقطاب التمويل "المدني" بقبوله لمنظور الاتحاد الأوربي بشأن المشاركة مع دول الجوار، وخصوصًا ربط هذه المشاركة مع مفهوم الشراكة المحلية الثلاثية بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني (تحديدًا: الجمعيات الأهلية والحقوقية) ردَّ علي بأنه لا يجد أي تناقض بين الجلوس مع "الحكومة" ورجال الأعمال في الصباح ثم يتظاهر ضدهما عصرًا على سُلم نقابة الصحفيين، وأن هذه هي "الجدلية" التي يصعب على الدوجمائيين استيعابها.

وعلى مستوى الاحتجاج السياسي، كان لا بد للحالة السابقة من الانفراط والتسيب السياسي والتنظيمي لكوادر يسارية سابقة، أن تنعكس على تلك الاحتجاجات بكل أبعادها.. ولا أريد الجزم هنا بمعلومات وإشاعات وصلتني عن لقاءات غير حذرة يعقدها هؤلاء مع شخصيات غربية "مريبة".. ولن أزيد.

في ظل هذا الجو العبثي، بالإضافة إلى إحن المشاحنات الأيديولوجية والحلقية السابقة، فشلت كل محاولات توحيد اليسار في أطر عامة تستطيع أن تستوعب أيضًا اليساريين غير المنظمين الذين باتوا يشكلون الأغلبية الساحقة وسط اليسار.. ففشلت مبادرات مثل اتحاد اليسار والتحالف الاشتراكي ومؤتمر اليسار الأول..

كان هذا وقت للتيه الفكري والسياسي والتنظيمي حقًا. فمنذ حرب الكويت تسربت إلى طروحات بعض اليسار المصري أفكار "النظام العالمي الجديد"، وازداد الأمر سوءًا حتى بلغ ذروة عالية مع حصار العراق ثم غزوه.. حيث بدأ البعض يتحدث جهرًا عن خطورة "الاستعمار الداخلي" ممثلاً في النظم الدكتاتورية، واستخدام هذا التعبير المستحدَث لتبرير عودة الإمبريالية- حتى بقواتها- إلى المنطقة لإسقاط نظم دموية تعجز الشعوب عن إسقاطها، وأن الديمقراطيات الغربية ستلتزم بما أعلنته من مبادئ التدخل (الخيري) من أجل الدمقرطة والإصلاح والتحديث.

وأذكر أنه في الأيام الأولى من غزو العراق قد وقعت مصادمة عنيفة بيني وبين اثنين من كبار المرتبطين بالتمويل الغربي وأفكار الدولية الثانية، حيث عبرا عن كون تلك الأيام من أسعد أيامهما وأن المنطقة بأكملها بصدد الدخول في حقبة من الديمقراطية الحقيقية.. وأذكر أن هذه كانت من المرات النادرة في حياتي التي كدت فيها أن اعتدي بدنيًا على من أتناقش معهم.. لكن الله سلم.

وبلغ التيه مبلغًا آخر مع ترشُح السياسي الانتهازي أيمن نور لرئاسة الجمهورية.. لأجد بعض اليساريين ينساقون وراءه، وربما كان لديهم بعض العذر لأنهم لا يعرفون عن شخصيته الكثير سوى أدائه في صحيفة وحزب "الوفد".. وشعرت بالخجل لأن ينجرف يساريون إلى تأييد والترويج لشخص منحرف وذي علاقات أمنية وخارجية مشبوهة، وكأن مصر قد هانت عليهم إلى هذا الحد.. فالكاتب يعرف ذلك الشخص منذ كان في مرحلة التعليم الثانوي وارتباطاته المشبوهة وجرائم نصب سياسي ومادي عديدة ارتكبها.. وكان أكثر ما يؤرقني تقديمه كزعيم للشباب وانخداع الكثيرين منهم به.. وتعرضت لمزايدات من البعض بسبب موقفي من هذا الشخص.. وقد أثبتت الأيام للجميع حقيقته ولكن بعد سنوات من الوقت المهدَر وخيبة الأمل لدى الشباب.

وحينما تكونت حركة كفاية كان من أهم معالمها: توجهها الليبرالي، وحرصها على تصدير بعض الشخصيات الليبرالية إلى مقدمة الصورة، بهدف تمرير شرعية الحركة داخليًا وخارجيًا.. ويمكن تفهم هذا مع بعض التحفظات، ولكن المشكلة الأساسية تمثلت في تركيبة الحركة التي جعلت للشخصيات "العامة" فرصة احتلال مواقع نفوذ أكبر من حجمها.. ناهيك عن مشاركة جماعة الإخوان وانشقاقاتها.. وقد حدث أن انسحبت من أحد الاجتماعات المبكرة للحركة حينما وجدت نفسي جالسًا جنب أحد أكبر كوادر الجماعة، وإن ظللت أشارك في أنشطتها من خارجها.. فعندي موقف حاسم برفض التعاون مع هذه االجماعة وتلويناتها بأي شكل من الأشكال.

وازدادت الأمور وضوحًا أمامي حينما بدأت حركة الدفاع عن استقلال القضاء.. وهي بالطبع حركة لها أساسها الشرعي المقبول.. لكن معلوماتي الشخصية أفادت بأن كبار المتصدين لقيادة حركة القضاة هم من الكوادر المغطاة أو النائمة في جماعة الإخوان أو على حوافها.. غير أني أعترف بأنه كان من الصعب إثبات هذا وإقناع الآخرين بها.. لكن الصورة اتضحت تمامًا حينما تولى مرسي رئاسة الدولة. وليس معنى كلامي هنا أنه كان يجب الوقوف ضد حركة القضاة، وإنما ضرورة التزام الحذر.. وتحديدًا عدم تقديم كوادر الإخوان للجمهور على أنهم قيادات ديمقراطية حقة..

ثم جاءت ظاهرة محمد البرادعي والجمعية الوطنية للتغيير، وكان نفوذ جماعة الإخوان فيها أكبر بكثير من أي ائتلاف سبق، ومن أسباب هذا: الإمكانيات البشرية والمادية الكبيرة لديهم، واستفادتهم من اتفاقات سابقة عقدوها مع النظام في النقابات والبرلمان وحتى بعض الأحزاب..

وقد كان من الغريب منح هذا البرادعي مكانة قيادية في الحركة الديمقراطية رغم أنه بلا تاريخ سياسي تقريبًا، كما أن توليه منصبًا دوليًا مرموقًا وفي وكالة أممية تعتبرها الولايات المتحدة من أهم أدوات فرض هيمنتها على الدول "المارقة".. لكن هناك من اليساريين وغيرهم من سارعوا بـ "تزعيم" الرجل محاولين الاستفادة من شهرته الدولية، وهو ما يعكس حالة مَرَضية من التركيز على الدعم الخارجي لا الشعبي.. ومن اللافت أن البرادعي قد أخفق في توسيع شعبيته من صفوف النشطاء "المدنيين" والمثقفين وقطاع من المُسيسين وبعض البيروقراطيين إلى صفوف الطبقات الشعبية..

من المهم هنا التطرق إلى الفلسفة التي حكمت نشاط كل هذه التحركات.. فقد بُنِيَت على فكرة أن الديمقراطية هي الحلقة الرئيسية في "الثورة" وأن تحقيق إنجاز رئيسي فيها سيساعد في جذب بقية الحلقات.. وهو مفهوم ليبرالي يتناقض جذريًا مع المفهوم السابق ذكره عن المحاور الأربعة للثورة في الظروف المصرية وسياق العولمة الإمبريالية. بل تحولت تلك الحلقة "الرئيسية" إلى الحلقة "الوحيدة" للنشاط الاحتجاجي.. بل وانحازت إلى منظور شكلي للديمقراطية يقصرها على دورية الانتخابات ونزاهتها وتداول السلطة دستوريًا والحقوق السياسية والمدنية.. ولعل هذا التناول كان من أهم أسباب الطابع القاهري والنخبوي لتلك الحركات..

جاءت انتفاضة 28 يناير 2011 وسط تلك التفاعلات فبدأ منذ اللحظات الأولى التفاوض/ التفاهم الخشن بين الإخوان والمجلس العسكري.. ليجني الإخوان ثمار التساهل الليبرالي معهم من جانب القوى اليسارية والديمقراطية، ومستفيدين من عدم تمكن القيادات الليبرالية من نقل الانتفاضة نقلاً حقيقيًا إلى الأحياء الشعبية والريف..

ظل التناول الليبرالي يقوم بمفاعيله الضارة في كل المناحي.. خصوصًا مع خفوت أو غياب صوت الأحزاب اليسارية والديمقراطية الراديكالية في الانتفاضة ثم في لعبة الشد والجذب بين الإخوان والمجلس العسكري.. فكان لا بد أن تنشأ ائتلافات "ثورية" تضم آلاف الشباب الجدد على النشاط الثوري، بل وحتى الاحتجاجي، لأنه لم تكن هناك أحزاب ثورية ناضجة وقادرة على استيعاب هذه الموجة.. وهو الوضع الذي أوصل إلى انقسامات وتفكك كل هذه الائتلافات في النهاية (بسبب بنيتها وكذلك بسبب الضغوط والاستيعابات السلطوية والإخوانية عليها)..

وقد وقعت هذه الائتلافات في ذات الخطأ الليبرالي، حيث تعرضت للاختراقات من جانب الإخوان.. حيث اندفع بعضها وراء الفكرة التي وضعها تيار ينسب نفسه للتروتسكية (الاشتراكيين الثوريين) وهي فكرة "مع الإخوان أحيانًا، ضد الدولة دائمًا"، إلى حد قيام هذا التيار بتشكيل جبهة "هزلية" مع جماعة الإخوان قبل الانتفاضة..

ومما زاد من فداحة الأخطاء المرتكبة شيوع فكرة غريبة وقتها تقول "هذه ثورة شباب" و"اتركوا الشباب يقررون مستقبل ثورتهم".. وعلى السياسيين "القدامى" أن "يركنوا" الآن.. وهو تطبيق مكرر لفكرة وأدت فيما مضى تحركات ثورية في العالم تحت دعوى "صراع الأجيال".. بل وتم اصطناع تناقض آخر غريب بين "السياسة/ الأحزاب" وبين "الثورة/ الميدان".

ظاهرة أخرى يمكن نسبتها إلى تغلغل الروح الليبرالية، وتتمثل في تصور الفرد أو المجموعة الصغيرة من الشباب الثوري أن بالإمكان تعبئة الشعب والثوار من خلال التدوينات على الفضاء السيبري دون حاجة إلى تنظيم أو عقد اتفاقات سياسية أو التقيد بتنسيق محدد للتحركات الجماهيرية.. لكنهم لم يدركوا أن لجماعة الإخوان والكتائب الإلكترونية الأمنية واليمينية ذات القدرات ولكن بمستويات وإمكانيات أعلى بكثير.. وهكذا سادت العشوائية في الدعوة للاعتصامات والتظاهرات.. كما انقاد البعض وراء الإخوان وحتى السلفيين في الدخول في مصادمات دامية كانت جزءًا من مخطط التفاوض الخشن الذي تضطلع به الجماعة مع المجلس العسكري..

كذلك ثارت مشكلة أخرى في الحوار بين القوى "الثورية" بأجيالها، وبين الشباب أنفسهم.. ألا وهي مشكلة التسيب اللفظي واللغة الهابطة التي تحط من شأن المختلفين، أو تتصور أن تسييد الموقف المطلوب يكون بالصوت العالي والمزايد.. وهو عامل إضافي آخر أفشل الكثير من الجهود وأهدر الإمكانات..

وقد عرف العام الأول من الانتفاضة حراكًا حزبيًا يساريًا تمثل في انشقاق كبير عن حزب التجمع وتبلور مشاريع أحزاب يسارية جديدة قامت بالأساس على أكتاف جيل السبعينيات الذي سبق أن ابتعد قطاع كبير منه عن النشاط الحزبي المنظم، كما لم يَسْلموا بدورهم طبعًا من التأثر بالأفكار الليبرالية.. أيضًا ظهرت أحزاب ليبرالية خالصة حتى وإن تسمت بالديمقراطية الاجتماعية (وقد اعترف الملياردير ساويرس أيامها متفاخرًا بأنه يمول خمسة أحزاب ليبرالية).

وعلى مستوى التنظيم الحزبي انتشرت آراء ليبرالية أعلت من شأن "التنظيم الشبكي" و"الأفقي" المزعوم أنه الوحيد القادر على علاج مشكلة سيطرة القيادات الحزبية العليا (أي غلبة المركزية على الديمقراطية).. ولكن تبني هذا النهج التنظيمي أفرز المزيد من الانقسامات وليس الوحدة، وماجت الحياة الداخلية في بعض الأحزاب اليسارية بالفوضى بمعنى الكلمة.. فأحد الأحزاب مثلاً لم يستطع حسم موقفه من الانتخابات الرئاسية ففريق أيد حمدين صباحي، وفريق أيد أبو الفتوح، وفريق أصغر أيد أبو العز مرشح الحزب نفسه، كما ذهب فريق آخر إلى تأييد محمد مرسي في الجولتين الأولى والثانية.. ومن المعروف أن الالتزام بالموقف الانتخابي الرسمي للحزب- أي حزب- هو من أهم علامات وحدته ونضجه..

بل أوشك أحد الأحزاب اليسارية الواعدة أن ينشيء بداخله "منابر" للاتجاهات المختلفة داخله، استرشادًا بتجربة حزب العمال البرازيلي (وهي تجربة مختلفة في ظروف مختلفة) الأمر الذي إن تحقق لكان يعني التفكك الكامل للحزب.. والمؤسف أن يتم التعليل الأيديولوجي لاتخاذ تدابير تنظيمية تستهدف ترضية تيارات تريد الاستقلال ببرامجها التثقيفية ومواقفها السياسية داخل الحزب الواحد..

ولعل أوضح المظاهر الأخيرة لتمدد الأفكار والممارسات الليبرالية وسط اليسار، تلك الائتلافات التي بدأت تتشكل من جديد وتهدف عمليًا إلى بعث تجربة حركة كفاية دون تقديم نقد ذاتي لها.. فنسمع أحاديث عن "مصالحة مجتمعية" مضمونها الانفتاح من جديد على جماعة الإخوان، إلى جانب تدابير تنظيمية تمنح نفوذًا غير متناسب داخل االنشاط الجبهوي لبعض الشخصيات العامة الليبرالية أو يقول سلوكها أنها على حواف جماعة الإخوان وربما أكثر.

في النهاية أقول: إن أعراض المرض الليبرالي كثيرة ومتعددة الأبعاد والساحات.. وهي بالطبع غير النضال الديمقراطي الملائم لمجتمعات الجنوب، وغير المنفصل عن النضال الاجتماعي والوطني والثقافي، وهو ماسيحول في النهاية دون هلهلة الأحزاب وابتذال الائتلافات.







التعليقات


1 - تحليل كنا فى أنتظاره من فترة
عمرو إمام عمر ( 2018 / 6 / 15 - 19:26 )
كل كلمة فى ذلك التحليل تكشف العديد من السطور لأخطاء متتالية وقعنا فيها ، فالنخبة السياسية لم تستطع قراءة الأحداث بشكل صحيح لغياب الرؤية و الاستراتيجية التى يجب أن تعمل عليها ، و للأسف نحن نعيش اليوم نعانى من تداعى ثورة شعبية مهزومة بسببها يدفع ثمنها المواطن البسيط الذى وقف فى الميدان لمدة 28 يوم يدافع عن حلم ثورته أن القادم سيكون أفضل


2 - الأمانة مع الذات
فؤاد النمري ( 2018 / 6 / 16 - 06:33 )
ليس ما يستحق النقد أكثر من الأمانة مع الذات التي لدى الكاتب

العالم بكل أركانه تقوده البورجوازية الوضيعة منذ اغتيال ستالين في العام 1953
Petty Bourgeoisie
وهي التي انقلبت على الثورة الاشتراكية التي انتصرت على الصعيد العالمي

الإمبريالية انهارت في سبعينيات القرن الماضي وقد تأخر انهيارها بسبب نجاح البوورجوازية الوضيعة في الإنقلاب على الإشتراكية حيث المؤتمر العام التاسع عشر للحزب الشيوعي السوفياتي العام 1952 بحضور ستالين كان من أهم قراراته هو انهيار النظام الإمبريالي في وقت قريب وهو قرار يجهله حتى الساعة الشيوعيون

العولمة ليست إلا فعل انهيار الإمبريالية وهو ما يثبته التحليل الاقتصادي للظاهرة

احتلال أميركا للعراق كان فعلا تحريرا للشعب العراقي من طغمة البعث الدموية وكان جورج بوش الرئيس الأمريكي صادقاُ عندما خطب في معسكر ويست بوينت قرب نيويورك بعد احتلال العراق باسبوعين وقال بالحرف .. تحن نستنكر الإرث الإمبريالي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط
في العام 2011 تضرعت الحكومة العراقية لأميركا لكي تبقى في العراق واميركا رفضت ذلك فكيف يمكن الإدعاء بغزو إمبريالي
أضف إلى ذلك أزمة الوقود في أمريك

اخر الافلام

.. قرقاش: إتهامات طهران للإمارات لا أساس لها


.. أزمة الكهرباء مستمرة في ليبيا


.. مئات القتلى من أطفال جندهم الحوثيون في اليمن




.. لماذا يحاول داعش مهاجمة سجن الناصرية جنوبي العراق؟


.. قوات النخبة الشبوانية تواصل جهود مكافحة تنظيم القاعدة الإرها