الحوار المتمدن - موبايل



باسم جلالة الملك نعلن اعدام مستقبل الوطن

محمد الدحاني

2018 / 6 / 30
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


علمت بخبر الأحكام القضائية الصادرة في حق مناضلي حراك الريف من خلال حسابي الفيسبوكي، كباقي المغاربة، باستثناء الذين حضروا جلسة النطق بالحكم. تصفحت تفاصيل الخبر، فإذا بي أصدم لهول الفاجعة وثقل الأحكام القضائية التي بلغت عشرين سنة على شباب في ريعان العمر، فإذا بصيحة مداوية تخرج متدفقة من أعماقي وبدون إذن مني، ترجمتها في هذه العبارة " باسم جلالة الملك نعلن إعدام مستقبل الوطن"، وأكررها مرات بأعلى صوتي داخل منزلي، وها أنا من جديد أرفع عقيرتي حتى تصل صيحتي إلى آذان كل المغاربة. وهذه الصيحة ليست إشهارا، ولا أسعى من خلالها إلى استقطاب جمهور من القراء الذين تخدعهم الكلمات البراقة، كما لا تعبر عن بطولة مصطنعة، وإنما هي صرخة في الأول كانت عفوية بحكم أنها كانت نتاج شحنة عاطفية انفجرت من شدة الغضب، أما الآن هي صيحة مفكر فيها، تعكس حجم المعاناة والحسرة التي توخز أرواحنا وفطرتنا النقية جراء ما حدث للشباب الريف التي أصدرت في حقهم ليلة أمس (27 يونيو 2018)أحكام قضائية صورية ومجحفة، وصفتها كما سبق ب"إعدام مستقبل الوطن"، لأن الشباب هم مستقبل الوطن، والحكم عليهم بعشرين سنة هو بمثابة إعدام فعلي ورمزي لشبابهم(لأنهم سيغادرنا السجن في مرحلة الشيخوخة إذا لم نجد وسيلة لإنقاذهم)، وإعدام شبابهم هو إعدام لمستقبل الوطن، سواء كان ذلك باسم جلالة الملك، أو باسم العدل أو باسم القانون أو باسم قوى غيبية.
حقيقة لا يمكن أن يتناطح عليها كبشين، أن المغاربة مصدومون وغاضبون من ثقل الأحكام القضائية، بحيث لا يمكن أن نجد مغربي واحد سوي البنية العقلية والنفسية منتشي أو ساخر أو متشفي أو راض على هذه الأحكام(إذا استثنينا طبعا محامي الدولة أعفي لساني عن ذكر اسمه، وكذلك النيابة العامة والقاضي الذي ذكرنا بالقضاة السيئ الذكر الذين حكموا في المحاكمات السياسية في محطة مختلفة من تاريخ المغرب الراهن كعبد النبي بوعشرين، الطيب الشرقي ومحمد اللعبي، بعض هؤلاء القضاة كان اسمهم مدرج في لائحة الخونة ثم استفادوا من عفو ملكي ليصبحوا قضاة النظام يوزعوا أحكام الإعدام والمؤبد على خيرة أبناء الوطن فضلا على أحكام تصل إلى عشرين وثلاثين سنة)، وأيضا إذا استثنينا أعداء حراك الريف وأقصد بهم قيادة(حزب العدالة والتنمية، التجمع الوطني للأحرار، الحركة الشعبية، الاتحاد الدستوري، الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية) الذين أصدروا السنة الفارطة بلاغا مشتركا يخونونا فيه حراك الريف وقادته.
I. المقاربة السوسيولوجية للأحكام القضائية
تعرف القراءة السوسيولوجية بمقارباتها الموضوعية التي تكمن بالأساس في التمييز بين الحكم القيمي والحكم المعياري، ويصعب جدا أن نقارب هذه الأحكام موضوعيا من الناحية القانونية المحضة، لكن يصبح بمقدورنا ولو جزافا أن نقرأها إذا استحضرنا في تحليلنا هذا الصورة الذي يسعى إلى ترسيخها الخطاب السياسي والإعلامي عن الشباب المغربي، بحيث هاذين الخطابين دائما يربطا بين الشباب والظواهر السلبية في الوطن، حيث يروا أن الشباب رمز للبطالة، رمز للعصيان المدني، رمز للتمرد، رمز لخيانة الوطن، رمز "للدوخة"، رمز للعبث، بل رمز لكل المشاكل الاجتماعية والسياسية التي يعاني منها الوطن. وكأن الشباب عبارة عن فيروس ينخر جسم المجتمع ويهدد وجوده وتوازنه واستمراره. وهذه الأحكام الصادرة للأسف تعزز هذا التمثل الخاطئ حول الشباب المغربي، ولكي ننقذ الوعي والحس المشترك من هذا الاعتقاد الخاطئ علينا أن نتحمل المسؤولية في إنتاج خطاب موازي يهدم هذا التمثل، ويشيد خطاب رزين مفاده: "أن الشباب بمثابة جرعة دواء للمجتمع، به يعالج من أمراضه. لأن الشباب حقيقة هو رمز للإبداع، رمز للعطاء ورمز للإنتاج، بل الشباب هو السند الذي يتكئ ويقف عليه الوطن، الشباب هو أمل المستقبل، الشباب هو القادر على حمل المشعل ودفع عجلة الوطن إلى الأمام، وجعله قادر بأن يلحق بركب الدول المتقدمة التي حققت الرفاهية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وذلك لا يمكن أن يكون إلا بالنضال المستمر والدائم على جميع المستويات وفي كل المجالات. وعلينا أن نتفاءل خيرا بهذه الحركات الاحتجاجية، لأن المجتمع الخالي من الحركات الاحتجاجية هو مجتمع ميت، فالحركات الاحتجاجية هي التي تمنح وتضمن ديناميته نحو التغيير. ونعلم أن لكل الحركات الاحتجاجية ضريبة، وغالبا تكون الضريبة كبيرة في الأنظمة الديكتاتورية الى درجة تكون ممزقة للوجدان وتفوق خيال أكبر متشائم، لكن نحن نؤدي هذه الضريبة بطواعية فداء لوطن حر وعزاءنا ما قول الشاعر:
عاش أباؤنا فمتنا فاليوم لابد أن نموت ليعش أبناؤنا
وهكذا يمكن أن نقول: الأحكام الصورية والمجحفة التي أصدرت أمس في حق خيرة شباب هذا الوطن تعكس خطاب واحد جوهره" أن النظام السياسي المغربي ولعله هو الوحيد في العالم يخشى من شبابه". ولا أدري لماذا؟
II. المقاربة التاريخية للأحكام القضائية
من المعروف أن المؤرخ لا يعلق على الحدث في حينه كما يفعل الصحافي والسياسي، وإنما دائما يدخل الحدث إلى" ثلاجة التاريخ" حتى يتسنى له معرفة جميع العوامل والمتغيرات التي أنتجته، ونفس الشيء يفعله السوسيولوجي حين يعتمد على المنهج التاريخي من أجل تحليل ظاهرة تفرض إشكاليتها هذا النوع من المنهج، وأنا هنا لا أضع أي قبعة من قبعات التخصص(لا أكتب بصفحي سوسيولوجي أو صحافي أو سياسي أو مؤرخ، وإنما أستفد من دروس كل هؤلاء لأبلور رأيا لست متأكدا أبدا من صحته، لكن وعي ومسؤوليتي تدعيني وتحث علي لأكون في موعد مع التاريخ، لأن التاريخ لا يرحم، وإن كان التاريخ نقل لنا أخبار الخونة حبرا على ورق، فخيانتنا نحن سينقلها للأجيال الصاعدة بالصوت والصورة، ويا للمهانة آنذاك، لذلك علينا أن نستحيي من قبورنا أمام التاريخ).
وبناء على ما تقدم فما وقع ليلة يوم الأربعاء (27 يونيو 2018) بمحكمة الدار البيضاء، محاكمة سياسية بالأساس، وليست هي الأولى في تاريخ المغرب، لقد سبق وتكررت هذه المحاكمات السياسية عدة مرات في التاريخ الراهن لهذا الوطن الجريح، وكانت أولها سنة 1964 في حق شباب الريف، ومحاكمة 1971 في حق مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بمحكمة مراكش، وتكررت سنة 1973 في محكمة القنيطرة مع المتورطين في المحاولتين الانقلابيتين، وتكررت سنة 1977 و1981 و1984، كما تكررت في مطلع الألفية الثالثة في حق السلفيين وها هي تتكرر اليوم أيضا، وكأن التاريخ يعيد نفسه. وبما أن أغلب المتهمين في المحاكمات السياسية يكونوا أبرياء، إلا وتطبخ لهم ملفات تبرر قانونيا أمام المواطنين السذج وكذلك الرأي العام الدولي كما كان الشأن مع المتورطين في المحاولتين الانقلابيتين وبعض السلفيين لمجرد أنهم كانوا يحملون على أذقانهم لحي طويلة، ونفس الدرس ها هو يتكرر مع خيرة أبناء الريف. ورغم أن الكل كان يدرك ويقر ببراءة المتهمين في كل هذه المحاكمات السياسية إلا أن المحكمة لها منطق آخر وفهم آخر لا أدري هل سبق أن طبق على الأرض، أو بالأحرى سبق ودرس في إحدى كليات القانون.
وهكذا فمحكمة الدار البيضاء هي نفسها كانت في موعد مع التاريخ ولم تخلفه أبدا، ووزعت بكل سخاء وكرم الأحكام بعشرين سنة، والإعدام الرمزي وهو أخطر درجة العنف بدليل: أن الشاب الذي عانى أربعين سنة من البطالة ثم حكم بعشرين سنة سجنا نافذة بعدها، لمجرد أنه قال: كفى من الظلم ومن التهميش ومن الحكرة، وخرج يطالب بالاندماج الاقتصادي والاجتماعي ويناضل من أجل تحقيقه أمثال: ناصر الزفزافي، أحمجيق محمد، إغيذ سمير ووسيم البوستاتي، وبعض رفاقهم الذين حكموا ب15 و10 سنوات ألا يعتبر هذا الحكم شكل من أشكال الإعدام. وتتجلى رمزية هذا الاعدام في الرسالة التي كتبتها خطيبة وسيم البوستاتي على صفحتها الفيسبوكية وتناقلها العديد من المنابر، وهذا نص الرسالة:" أرادوا أن يحرقوا قلوبنا بكل ما أوتوا من قوة، لكن خاب مسعاهم وخاب ما كانوا يطبخون، والذي رفع السماء بلا عمد، ونفخ الروح في آدم وهو يحيي ويميت، وعزة ربي وجلاله والتربة التي يفترشها والدي تحت الثرى، لن أتخلى عنك يا وسيم ولو وضعوا بيننا ألف عام وألف جدار وألف متراس حديدي وألف سلك شائك، عهد شرف ممن اقتسمت معك حر الحياة وحلوها، والله يشهد إني من المنتظرين".
وينبغي ألا تنسينا هذه الأحكام الصورية الحملات الواسعة من الاعتقالات والاختطافات التي شملت عدد كبير من المواطنات والمواطنين، أثناء الانتفاضات التي عرفها المغرب(ابتداء من انتفاضة الريف 1958، الانتفاضة الشعبية سنة 1965، الانتفاضة المجيدة سنة 1981 و1984، وانتفاضة 20 فبراير فضلا عن انتفاضة حراك الريف وجرادة..) وبعضهم لازال مجهول المصير إلى حد كتابات هذه السطور.
الدرس المستفاد من كل هذه المحاكمات السياسية وحملاتها العنيفة في حق مواطنين عزل يكمن في إخراس وغلق كل الأفواه والأصوات المعارضة للنظام السياسي القائم بالمغرب، ويكفي قراءة كتب التاريخ حول السجون المغربية أو قراءة فقط مذكرات وسير المعتقلين السياسيين الذين نجوا وكتب لهم القدر أن يعيشوا حياة جديدة بدؤوها بتوثيق ما عاشوه من عذاب وما احتفظت به ذاكرتهم منه، وعلى رأس هذه الكتابات نذكر مذكرات مومن الديوري بعنوان" مرافعة ضد مستبد" وسيرة عبد القادر الشاوي بعنوان" كان وأخواتها" و "أشعار ورسائل السجن" للشاعرة سعيدة المنبهي التي توفيت داخل السجن، وسيرة عبد اللطيف اللعبي "مجنون الأمل" بالإضافة إلى مذكرات الناجين من سجن تزممارت وخاصة "تذكرة ذهاب وغياب الى الجحيم" لمحمد الرايس، و"الزنزانة رقم 10" لأحمد المرزوقي، و"أسوار تزممارت" لصالح حشاد، كل هذه النصوص تؤكد ما قولنا أعله، ويكفي أنها اتفقت في وصف تلك المرحلة التاريخية من تاريخ المغرب بسنوات "الجمر والرصاص أو المغرب الأسود".
وعلينا أيضا ألا ننسى الآثار النفسية والعقلية التي تخلفها مثل هذه الأحكام الثقيلة في نفوس أقارب وأسر المعتقلين حراك الريف. فحتما هم على حافة الجنون والانهيار النفسي والعصبي المستمر، كما عانوا من قبلهم جميع أسر معتقلي تزممارت وغيرهم، وهذا ما رصدته زوجة صلاح حشاد في مذكراتها التي عنونتها ب"كفاح امرأة" وقبلها كتبت عتيقة الصايغ سيرتها تسرد فيها هذا العذاب وتلك المعاناة حيث لا يمكن أن تقرأها دون أن تدمع عينيك ولو كان قلبك من حجر، والتي عنونتها ب "العيون الثلاثة تدمع: معاناة زوجة أسير".
III. الانتقال الديمقراطي أم الانتقام الديمقراطي؟
شاءت الأقدار أن يرحل الحسن الثاني مع نهاية القرن الماضي، واستبشروا المغاربة خيرا بالعاهل الجديد في بداية قرن جديد. أقولها بكل صدق وحرقة، أغلب المغاربة منوا النفس خيرا لما اعتل العرش الملك الجديد، وخاصة لما أعطى إشارات قوية خطابيا وعمليا بدأها بالمصالحات الوطنية الكبرى، فأعطى أمره بتأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة وجبر الضرر، التي أصدرت مجموعة من التوصيات كلها تصب في اتجاه نسيان ذاكرة الماضي، وتوعدت بعدم تكرار ما عرفه مغرب الحسن الثاني. وهكذا بدأ المغاربة يتحدثوا عن حياة سياسية جديدة وصفها بمرحلة "الانتقال الديمقراطي"، وهناك من وصفها "بالمغرب الجديد" نظرا لتولي الحكم من طرف الملك الجديد. وسيزداد هذا الشعار قوة وانتشارا لما أقدم الملك على إقرار دستور جديد يراعي روح العصر وتغيراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية مواكبا بذلك السياق الدولي والإقليمي والوطني. لكن سرعان ما ستنطفئ شمعة التغيير التدريجي المزمع، لتخبرنا أن المصالحة والإنصاف وجبر الضرر وعدم تكرار الانتهاكات الكبرى لحقوق الإنسان والانتقال الديمقراطي لم تكن سوى كذبة كبرى انتهت صلاحيتها. وبما أن حبل الكذب قصير رأينا كيف تم استدعاء الماضي بكل أدواته وفلسفته ذو الطبيعة الثلاثية اللاشعبية واللاوطنية واللاديمقراطية كما وصفها بذلك أحد مؤتمرات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، لتترجم وتفعل في قهر المواطنين والتنكيل بهم وإذلالهم، ومحاكماتهم سياسيا. هكذا نكون فعلا نعيش مرحلة انتقالية، لكن ليست الانتقال الديمقراطي كما يزعم البعض، وإنما "الانتقام الديمقراطي" لأن هؤلاء الشباب فعلا تم الانتقام منهم باستخدام آلية من آليات الحكم الديمقراطي والتي تتجلى في وقوفهم أمام العدالة، وتمكينهم من الحق في الدافع عن أنفسهم أمام التهم الموكلة إليهم، لأن بعض إخوانهم الريفيين الذين انتفضوا في فجر الاستقلال تم الانتقام منهم على يد الجنرال أوفقير والحسن الثاني بدون أن يستفدوا أبدا من المحاكمة سواء عادلة أو ظالمة. بل وهناك رواية تاريخية تقول: "أن الجنرال أوفقير في انتفاضة 1958 كان يختطف الشباب الريفي ويأتي يذبحه أمام أعيون الحسن الثاني. وهذا ليس سرا، وإنما معروف عند كل المهتمين والمتتبعين للقضايا السياسية، بل هذه شهادة لصالح حشاد موثقة بالصوت وصورة في برنامج "شاهد على العصر" الذي نقلته قناة الجزيرة وكان يقدمه الدكتور والإعلامي الشهير"أحمد منصور".
IV. الحلول التاريخية لإنقاذ بعض المعتقلين من ثقل المحاكمات السياسية
1. العفو الملكي والمحاكمات السياسية
في البداية لا بد أن نؤكد أن معالجة ملفات سياسية، ينبغي أن يزاح عنها الطابع القانوني المحض، وتعالج معالجة سياسية محضة، ولنا في التاريخ المغربي دروسا وعبرا في هذا الجانب بالذات. نستدعي لتدليل على قولنا فقط محاكمة الانقلابين. يروى في هذا الشأن أن الأحكام الصادرة في حقهم لم ترضي الحسن الثاني، رغم أنها نطقت بالإعدام والمؤبد، وعشرات السنوات. فالحسن الثاني كان يريد أن تكون الأحكام القضائية قاسية جدا، ربما لدرجة يصعب تخيلها عند أصحاب العقول السوية، وذلك من أجل أن يعطي فرصة لنفسه للاستفادة من صلاحياته الدستورية والتي تكمن في العفو الملكي. وينبغي ألا نفهم هنا العفو الملكي بالمعنى الشامل الذي يوازي البراءة، وإنما العفو درجات وتتدخل فيه مجموعة من المتغيرات يصعب معرفتها لمن هم خارج هذا الفلك الممنوع مثلنا، وتكون مثلا( من تحويل حكم الإعدام إلى المؤبد، أو تحويل المؤبد إلى محدد، والتخفيض من سنوات المحدد أو التخفيض من الضريبة المالية وفي بعض الأحيان يكون عفوا كليا أي مساويا للبراءة، ولكن لا يشمل كل المعتقلين السياسيين). ونفس الشيء تكرر مع الملك الجديد في ملف السلفيين المتمثل في الانفجارات العنيفة والمميتة التي شهدتها مدينة الدار البيضاء سنة 2003، هؤلاء حكموا بأقصى العقوبات وبمدد زمنية طويلة ومع ذلك تم الإفراج عنهم لما اعتمد المدخل السياسي في قضيتهم. وهذا حل عقلاني في اعتقادي بعيدا عن الأدوار الانبطاحية أو البطولية في وجه النظام، مادام الهدف الأسمى هو عتق حياة شباب في عمر الزهور وخاصة أن وطنهم لازال في حاجة إليهم والى أمثالهم.
وغالبا هذا المدخل السياسي في معالجة ملفات المحاكمات السياسية يكون بمبادرة شخصية من الملك، أو استجابة منه لرسائل عائلات المعتقلين من أجل أن يحضوا بعض أفرادها بالعفو الملكي. فمنهم من حالفهم الحظ وتم العفو عنهم علما أنهم أبرياء بحجاج الواقع والتاريخ، لكن أغلبهم طبقت عليهم عقوبات أكثر مما نطقت بها المحكمة وعلى رأس هؤلاء معتقلي تزممارت حيث هناك من حكم فقط بخمس سنوات فإذا به يقضى ما يقارب عشرين سنة في غياهب تزممارت الرهيب. أما الذين نفذ فيهم الحكم بدون محاكمة فلا يستطيع عقل رياضي جبار أن يتنبأ بعددهم أبدا، بل ولا أدري حتى السلطة الغيبية التي يقر لها أن تعلم كل شيء علمت؟. وهنا يبقى السؤال المركزي هل سيتدخل الملك محمد السادس للممارسة صلاحيته الدستورية والعفو على مناضل حراك الريف، بكونهم لم يفعلوا شيئا غير أنهم فضحوا من كذبوا عليه في المشاريع التنموية لمناراة الحسيمة الذي أطلقها هو نفسه، وطالبوا أيضا بالاندماج الاقتصادي والاجتماعي؟ أم ننتظر عائلات المعتقلين أن تبحث وتغامر بنفسها من أجل أن تبحث عن طريقا معبرا لتسليم الملك رسالة تلتمس منه العفو على فلذات أكبادها؟ وهل مؤسسات الوساطة(الأحزاب والنقابات والجمعيات) ستترك عائلات المعتقلين وجها لوجه أمام حاشية الملك التي غالبا يصعب اختراقها كما سبق وتركت هذه المؤسسات/مؤسسة الوساطة أحرار الريفي وجها لوجه أمام جحافل المخزن المغربي؟. وربما كل هذه الاقتراحات غير محسومة النتائج، لذلك على المثقفون والهيئات التقدمية أن تفكر في الحال آجلا والعمل على تفعيله بعيدا عن كل المزايدات الضيقة. وأقترح تكوين لجنة للحوار والتفاوض مع الجهة المسؤولة من أجل إطلاق سراح معتقلي حراك الريف.
2. الهيئات التقدمية الوطنية ومواقفها من المحاكمات السياسية
بكل صدق وأعلنها للتاريخ من جديد، أن مواقف الهيئات السياسية والحقوقية التقدمية(القوى الرجعية لا يمكن أن ننتظر منها شيئا) بالأساس كانت مخجلة جدا، بحيث لم تستطيع حتى تأسيس لجنة للحوار أو التفاوض من أجل إعادة النظر في هذه الأحكام الصادرة في خيرة شباب الوطن. بل لم تتجرأ حتى على إصدار بيانات استنكارية تنديد فيها بهذا الحكم الجائر(علما أني ضد هذه البيانات الاستنكارية في الفترة الراهنة وخاصة إن كانت هناك نية حسنة لتكوين لجنة للحوار والتفاوض مع أجهزة النظام من أجل إطلاق سراح المعتقلين)، وهذا يجعلنا نفهم عدم قدرتها على المواجهة مع المخزن سواء سلميا(عن طريق الحوار والتفاوض) أو إلزاميا( عبر إصدار بيانات استنكارية، والدعوة الى وقفات احتجاجية تستنكر فيها هذه المهزلة القضائية وإفراز أشكال تصعيدية تجبر النظام ومؤسسات القضاء على التراجع). وهذه حقيقة مرة في تاريخ مؤسسات الوساطة المغربية وليس إجحافا وتنكرا منا لها، فالتاريخ قادر على إنصاف الجميع.
لكن على مستوى الأفراد فعلا هناك عدد قليل في مجالات متعددة في السياسة(بنعيسى آيت ايدار نموذجا) والإعلام(خالد الجامعي نموذجا) والمحاماة( عمر بنجلون نموذجا) والحقوقية(عبد الاله بن عبد السلام، فؤاد عبد المومني، ادريس بن زكري والصديق الأحراش نماذج حقوقية معروفة) هم الذين لم ترهبهم وحشية النظام، لأنهم لا يخشون من أحد، وإنما يخشون من قبرهم أمام التاريخ. وقد منحهم التاريخ وسام من درجة الشهامة والمروءة يفتخروا به أبناءهم وكل المغاربة الأحرار.
من جديد علينا أن نساءل هذه الهيئات السياسية والحقوقية التقدمية(المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فيدرالية اليسار الديمقراطي...). هل ستكون في موعد مع التاريخ وستقف مدافعة شرسة عن الحق والعدالة وبراءة مستقبل الوطن التي أعلنت المحكمة إعدامه باسم جلالة الملك؟ أم ستخلف موعدها مع التاريخ تشبثا منها بأعرافها؟ أم ستكتفي بإصدار بيانات استنكارية تندد فيها بهذه المحاكمات الصورية؟ أم ستلزم الصمت بذرائع واهية (كاحترام مؤسسة وسلطة القضاء)، أو بمبرر الضعف غير المبرر في قدرتها على الترافع والدفاع عن مصالح المواطنين، عفوا بل عن حياة المعتقلين باعتباره مطلبا آنيا؟. أم ستستنجد بالملك كعادتها في القضايا الحاسمة باعتباره الحكم؟ وحتى ان كانت اختصاصاته الدستورية لا تسمح له بكل ذلك، لكن تبقى مهمة العفو من صلاحياته الدستورية ويمكن تعليق الأمل عليها.
3. الهيئات الحقوقية الدولية ومواقفها من المحاكمات السياسية بالمغرب
إذا فشلنا في إيجاد حل وطني لقضية معتقلي حراك الريف، فعلينا أن نعتمد على هيئات دولية تساعدنا عليه من أجل إنقاذ مستقبل الوطن قبل تنفيذ حكم الإعدام رمزيا، وخاصة أن الأحكام الصادرة لازالت قابلة لطعن. وسبق أن تدخلت هذه الهيئات لما لجأت إليها عائلات المعتقلين وساعدتها ماديا ومعنويا بل وربحت قضيتها وذلك في عدة مناسبات ولا أحد يستطيع أن ينكر ذلك؟ ونذكر هنا ما فعلته الهيئات الحقوقية الدولية مع زوجة مبارك الطويل أحد الناجين من سجن تزممارت الفضيع، والتي أقامت الدنيا ولم تقعدها دفاعا عن براءة زوجها، بل وجعلت من قضية تزممارت قضيتها الأولى، واستطاعت أن تزعج أمريكا المطمئنة في برجها بصوتها الناشز، وهكذا تدخلت أمريكا بجلالة قدرها وفرضت على المغرب أن يطلق سراح المعتقلين السياسيين من سجن تزممارت السري، الذي كان يقول عليه الحسن الثاني وبعض رجال الدولة آنذاك أن هذا السجن "لا يوجد إلا في مخيلة أعداء الديمقراطية في المغرب". ولا ننسى أيضا ما قامت به كريستين السرفاتي التي ناضلت من أجل لفت انتباه الرأي العام الدولي إلى قضية تزممارت. وهي التي طافت بين المنابر الإعلامية الدولية للحديث عن الخروقات السافرة لحقوق الإنسان في المغرب وهذا جزء من شهادتها نقله أحمد المرزوقي في مذكراته:" جنود نسيهم العالم بأسره...يعيشون في ظروف جهنمية...معتقل يسمى تزممارت...عشرات الأموات...ينبغي التدخل سريعا...السلطات تنكر...حسب بعض الرسائل المتسربة". وفعلا تدخلت الهيئات الدولية وتم فضح تزممارت كما تم الإفراج عن ما كانوا لازالوا على قيد الحياة. والفضل في هذا يرجع لهذه الهيئات التقدمية الدولية التي تنصر قضايا حقوق الإنسان. وسألوا من كان وراء اكتشاف والقضاء على السجون السرية في المغرب غيرها؟ واقرؤا تاريخ المعتقلات السرية لتعرفوا حجم الفضاعات التي تكبدها أجدادنا المقاومين من الظلم والاستبداد والقهر وعذاب بمختلف الألوان والأشكال، وأصوغ هنا نماذج قليلة من الفضاعات التي كانت ترتكب في السجون السرية بالمغرب، وأنقلها عن مجلة زمن العدد 26. ورد في هذا العدد أن عدد المعتقلات السرية حسب ما تخبرنا بها المصادر يقارب 30 معتقلا سريا. أول هذه المعتقلات السرية في تاريخ استقلال المغرب ما يسمى "بدار بريشة" والتي توجد بمدينة تطوان وقبل خمس سنوات من الآن تم الإعلان رسميا إلى تحويلها إلى متحف. يحكي المهدي المومني التجكاني في مذكراته الذي عنوانها ب "دار بريشة أو قصة مختطف" بعض فصول التعذيب التي عاشها النزلاء فيها، وأنقل لكم منها مشهد واحد على لسان أحمد بن ضيفة:" جيء بي إلى مكان يدعى الكورنة. هنا يعلق المعتقلون عراة ويتم جلدهم بحبال غليظة، ويصب الملح فوق جلودهم، ليزدادوا ألما. كان المكان عبارة عن كراج، فيه عدد من البراميل، كانت مملوءة بالماء والبول والغائط، عندما ينتهون من الجلد كانت الحصة الثاني هي غطس الرأس في هذه البراميل القذرة"، ونفس المشاهد كانت في دار المقري وهي أيضا معتقل سري كان يوجد بالرباط، وسأنقل لكم مشهد من داخله على لسان مومن الديوري باعتباره أحد نزلاء هذا المعتقل السري، حيث يقول في سيرته الذاتية التي عنونها "مرافعة ضد مستبد" متحدثا عن دار المقري "خيل إلي أنني في قاع بئر. طرقت مسامعي تنهدات مستمرة، وصرخات متأوهة وسعال، وأصوات نساء ورجال وأطفال. كنت مستعدا أن أدفع أي ثمن لقاء أن أعرف ما يحدث حولي، رفعوا العصابة عن عيني، غلالة سوداء تموجت بضع لحظات أمام عيني. بدا لي أنني أرى كائنات بشرية معلقة من أرجلها في السقف ورأسها إلى الأسفل. فكرت أن عيني قد غشيتا لانتقالهما من الظلمة إلى النور. خلال دقيقة ستعود رؤيتي واضحة وسأجد هؤلاء الأشخاص جلوسا أو وقوفا. للأسف لم يكن ما رأيت خطأ أو خديعة، فالصورة حقيقية فعلا، جد حقيقية، رجال ونساء مقيدون ومعلقون في السقف بكلاب حديد ربط إلى الحبل. وعلى الأرض أطفال يرفعون رؤوسهم نحو أمهاتهم وآبائهم، وهم ينتحبون وقد أضناهم التعب والبكاء". المشهد الثالث من معتقل سري آخر يدعى تزممارت، وهو أكثر المعتقلات السرية شهرة بعد أن ذاع صيته خارج المغرب، ويوجد بالجنوب بالقرب من مدينة الراشيدية، تعتبر شهادة أحمد المرزوقي إلى جانب شهادة محمد الرايس وصلاح حشاد شهادة مؤلمة وموثقة وشاهدة على عصر مهم من تاريخنا. في مذكراته يروي المرزوقي تفاصيل العذب وأنا سأختار لكم هذا المشهد فقط:" كان كلما اقترب الليل، قدمت جحافله بكل أنواع المناشير والمقامع لتشج وتحز وتمزق فينا العقل والأعصاب فبعضنا كان يقضي الساعات الطوال في القفز المتواصل وكأن به من الجنون مسا، وبعض آخر، كان يذع الزنزانة في الظلام جيئة وذهابا على نحو ما تفعله الحيوانات الأسيرة في أقفاصها الضيقة. أما فئة أخرى فقد كانت تستمر في حك أطراف جسدها بحثا عن سراب دفء".
كل هذه المشاهد لو لا تدخل الهيئات الحقوقية الدولية لم عرفناها ولما قرأنها، وبفضلها ها نحن نذكر الجلادون بما فعلوا أجدادهم بأجدادنا، ولكن يبدو أن الجلاد لا يعتبر بدروس التاريخ. بحيث أنه يكرر نفس هذه المشاهد بصورة أكثر حدة مع معتقلي حراك الريف، حيث سمعنا وقرأنا عبر وسائل الإعلام أن الجلاد ساقط أخلاقيا حيث لم يتورع في تصوير ناصر الزفزافي قائد حراك الريف عاريا، بل واعترف هذا البطل الشاب للمحكمة أنه تم إدخال عصي في دبوره، بالإضافة إلى التهديد بالاغتصاب، بل التهديد باغتصاب الأمهات. ما من شك في هذه التهديدات أن الجلاد يريد اهانة أخرى ليلحق بهذا البطل ورفاقه كسرا موجعا أمام أعيون اسرهم ومواطنهم، لمجرد أنهم رفضوا أن يتعاملوا ككلاب حقيرة تلحس أقدام السلطة ويلهثوا وراء كرامها المدرار الذي جاد عليهم بعشرين سنة نافذة.
في الختام أكرر من أجل التأكيد فإذا فشلنا في إنقاذ معتقلي حراك الريف عبر مؤسسات الوساطة الوطنية المفروض عليها أن تقوم بمبادرات في هذا الشأن، علينا(كقوى حية وكعائلات المعتقلين) أن نتوجه ونستنجد بهذه الهيئات الدولية، لأنها تملك القدرة على الضغط على أجهزة النظام المغربي لتفرض عليه التراجع عن بعض جرائمه، كما يجب أن ننوه بعملها في الدفاع على القضايا الإنسانية حتى وان انتقدنا انتقائياتها معها في بعض الأحيان؟







اخر الافلام

.. البابا فرنسيس يساند المهاجرين والفقراء وينصح بالاهتمام بهم…


.. شاهد: اشتباكات بين الشرطة الفرنسية ومتظاهرين


.. شاهد: مئات المتظاهرين يطالبون ميركل بمغادرة مدينتهم




.. حركة نداء تونس..محاولة لرأب الصدع


.. 7 BONUS Kshama Sawant at Socialism 2018