الحوار المتمدن - موبايل



وأدتُك قلبي: رواية : الجزء الثاني

صبيحة شبر

2018 / 7 / 9
الادب والفن


الجزء الثاني من رواية ( وأدتك قلبي)
(16)
التوتر سيد الموقف ، لم اعد اجد أصدقائي فرحين كالعادة دائما ، أصبحت اراهم كثيري القنوط، استبد بهم اليأس ، وجعلهم الفشل يترددون كثيرا عند اتخاذهم أي موقف ، وانا ايضا حزنت كثيرا لفراق أصدقائي الذين تعرضوا للتعذيب ، ولم تستطع ادوات التنكيل ان تجعلهم يقولون ما يعرفونه عن سعي الناس الى تغيير الوضع السيء الى احسن ، حتى في المنزل ، اجد افراد عائلتي مرهقين من الوضع العام ، هزيمة تعقب فشل ذريع ، ونحن الأقلية نريد ان تتحسن الأمور ، وسط اناس يطلبون منا الصمت ـ وعدم العودة الى المطالبة بحقوق لامجال للوصول اليها في عراق اليوم ، افكر أحيانا ان اجد لي بعض الراحة ، وان احاول السفر في العطلة الربيعية ، عل نشاطي يتجدد ، ورغبتي في الدرس والتحصيل العلمي تتعزز ، باسمة اراها تحاول ان تبدو بما عرفت به من نشاط وتفاؤل ، وتطلع الى الغد ، الذي لابد أن يكون أجمل ، و بلقيس التي تحبني كثيرا ، عادت الى دوامها ، ولم أشأ ان أسالها لماذا لم تشارك بالاضراب ؟ أسوة ببقية الطلاب ، ادركت بعد تفكير قليل انه من السخف ان أوجه لها سؤالا ، أعرف انا ومنذ البداية جوابه ، كانت تحدثني دائما عن حرص عائلتها على السمعة الحسنة ، وعلى عدم اشتراك ابنتهم في أنشطة تأتيهم بوجع الرأس ، ليس كل البنات يعشن في أسر متفهمة ، مثل باسمة سعيد ، او نهلة التي كثيرا ما وقفت أسرتها بجانبها ، رغم الصعاب التي تعترض طريقها حين رحل زوجها ، وتركها وحيدة تعاني الغربة في هذا العالم ، الذي لايرحم أحدا ، صعبة حياتنا نحن العراقيين ، وأصعب منها حياة الفتيات ، كل واحد في اسرهن يريد ان يتحكم بمصيرهن ، مانعا اياهن من نسيم الحرية القليل الذي يتمتع به الرجال ...
اواصل دروسي بهمة عالية ، حدثت نهلة برغبتي بالسفر ، واقترحت ان ترافقني لنسعد معا ، في بلاد لارقيب فيها ، يعد علينا الأنفاس ، ولا واش يراقب حركاتنا ، ويتهمنا دائما بما لم نقم به ، او نقوله من كلام ، قد يفسر أنه يحمل موقفا معارضا من الكبار المتربعين على كراسيهم ، التي آن الوقت كي نزيلها..ز
تعتذر نهلة عن السفر في الوقت القريب :
- عندنا اعمال كثيرة في المستشفى ، المراجعون كثيرون ، ولا احب ان اطلب اجازة.
- أنت امرأة مجدة دائما!
- لو تخليت عن الجد لما كنت نهلة!
- نسافر اسبوعا واحدا ! لايضير أحدا!
- ليس من عادتي ان تخلى من يطلب ان اقف بجانبه ن انت تعرفني ، وارجو ان تؤازرني.
- انا معك حبيبتي..
- كلي ثقة بك!
- آه لو توافقينني وتصبحين زوجتي!
- لا احب القيود ، الحرية أثمن شيء في الوجود...
يقنعني كلام نهلة ، وأرى انها محقة ، حبيبتي الجميلة كم تسعدني بلمساتها الدافئة وعناقها الظاميء لوصالي ، وقبلاتها التي تخبرني انني الحبيب والرفيق والأنيس، لانحتاج الى تغيير مكاننا في غرفة الجلوس ، فكل الأمكنة تعلن ترحيبها بحبنا الكبير ........



( 17)

تفكر باسمة سعيد في حالها ، وما آلت اليه امورها من تعب وسهر متواصل ، كيف يمكن ان تشعر بهذا الضعف والامتحانات على الأبواب ؟كيف تتراجع عن هذا التفوق وهي في السنة الأخيرة من الكلية وكانت تود ان تكمل / وقد اعتاد جميع افراد أسرتها والمعارف انها متفوقة في دروسها ؟ هل تكمل ديراستها العليا ، ماهذا الهوان الذي تشعر به يكبلها ويحيط بها من كل جانب وهي الحرة الأبية التي نشات على الثقة بالنفس والتحلي بمكارم الأخلاق واباء الضيم ، لماذا تحب من لايهتم بها ، ولا يعلم بمعاناتها الشديدة وتعبها القاسي ، كيف يمكن له ان يعلم وهي الحريصة على سمعتها ؟ هل ترضى كرامتها ان تحب رجلا مقبلا على الزواج من امرأة اخرى ، هل خلت الحياة من الرجال الذين يستحقون الحب والاعجاب من امرأة كل همها ان تحظى بحب حقيقي غير خاضع للأهواء ؟ سوف تناضل من اجل استئصال هذا الشعور من قلبها المتيم ومن عقلها الذي اوشك ان يضيع في خضم المعاناة والحرمان من ما تعشقه النفس وترنو اليها الروح ، سوف تئد تلك النبتة التي غرستها في أعماقها والتي تطالبها دائما بالارواء ، كيف لها ان تقوم بتلبية حاجات الروح والقلب وهي تجد معشوقها مدلها بحب امراة أخرى ، باسمة مخلوقة قوية ، وسوف لن تسمح لنفسها بالمزيد من الآلام والخنوع ، سوف تضع حدا للتعب الفظيع الذي تشعر به ، وسوف تبدأ من هذه اللحظة الى العودة الى طبيعتها التي عرفها الناس من الاخلاص والمودة والاجتهاد والرغبة في كسر الصعاب ، هل هي الوحيدة التي تلجأ الى وأد ما تشعر به من عاطفة جياشة نحو حبيب لايعلم انه الحبيب الوحيد ؟ انها امرأة شجاعة وسوف تعود الى تصميمها وقوتها واجتهادها المعهود ، تسمع رنين الهاتف :
- نعم ؟
- الو مرحبا ست باسمة !
- مَن ؟ الصديق العزيز صلاح ! كيف انت ؟ وما اخبارك ؟
- عندي اخبار لك ، ربما تحمل اليك بعض الفرح..
- ما هي اخبارك ؟
- لن اقولها لك بالهاتف ، غدا في الكلية نشرب الشاي وأنقل الأخبار اليك!
يطول الوقت عند باسمة ، ترى ماذا يحمل لها صلاح من اخبار ، واي نوع من الأنباء يحمل ذلك الصديق ، وهل يمكن ان تكون تلك الأخبار مدعاة للفرح لديها ؟ وهي التي تكاد تدمن الهزائم الروحية رغم تفوقها في الدروس ، لا تظن باسمة ان اخبار صلاح يمكن ان تنقل الفرحة اليها ، فهي لاتفرح الا بوجود احمد بجانبها ، وأحلامها هذه قد بترت وضاعت حين صمم احمد على الاقتران بالمراة التي يحب ؟ لتكن الاخبار كما تشاء ! وسوف لن تنتظر الصباح بالشوق ، فما شانها هي بأخبار صلاح ؟ وهي المهزومة بقصة الحب الوحيدة التي شعرت بها..
تنقضي ليلتها كباقي الليالي طويلة مسهدة ، ويقدم الصباح الذي يكون جميلا بعيون باسمة التي اعتادت ان تستقبل صباحاتها بالترحيب والسرور
قال لها صلاح :
- لنذهب الى مقهى الكلية ، سأدعوك انا الى كاس من الشاي.
- لنذهب..
يدخلان مقهى الكلية ، تحيي باسمة الصديقات والأصدقاء المتحلقين حول الموائد التي تزخر بها المقهى ، ترتشف الشاي الساخن :
- هل عرفتِ الخبر ؟
- اي خبر ؟
- ذلك الذي لم أفشه لك ليلة امس!
- لا ، لم اسمع بعد ! اخبرني انتَ..
- ذهب احمد الى بيت بلقيس طالبا يدها ، لكنه قوبل بالرفض!
- الرفض ؟ لماذا ؟ هل يمكن لمثل هذا النوع من الرجال الحقيقيين ان يرفض ؟
- هل تريدين هذا ؟ يا لسعده ، ويا لتعاستي!-
- ماذا تعني ؟
- لقد رفض طلب احمد من قبل اسرة بلقيس ، وأراك ما زلتِ تحبينه! وأنا المحب لك منذ سنين ، كنتُ ارجو ان تلتفتي لحبي الكبير!
- لابأس عزيزي صلاح ، الحب مسألة حظ !
- أهذا رأيك ؟ وأنت المثقفة العلمية ؟
- نعم عزيزي ، لا يختار المرء ميلاده ولا أبويه ولا مكان وزمان موته ، كما انه لا يمكن له ان يختار من يقع في حبه !
- ماهذا الذي أسمعه؟
- ......
- ستظلين تحبينه رغم انه لم يلتفت الى ما تشعرين به!
- وكيف يلتفت ؟ ومن اخبره بمعاناتي ؟
- هل اخبره انا ؟ وننقذ انفسنا من هذه المتاهة ؟
- لا ، عزيزي صلاح لاتخبره !
- وتظلين تعانين ؟
- لابأس ! سوف احاول نسيان شعوري !
- بالله عليك حاولي ، ومن لا يشعر بك ، اقتلعي حبه من أعماقكِ
- سوف احاول ، وانا واثقة انني سأنجح!
- اعرفك عزيزتي ، تنفذين ما عاهدت نفسك عليه !
تصمت ُ باسمة وقلبها يكاد ان ينفجر ، ترى ماذا جرى لها ؟ ألم تقرر انها سوف تنهي شعورها بالهزيمة ؟ لماذا تواصل الحب لرجل لا يشعر نحوها بالحب ؟ ولكن احمد حبيبها حزين الآن ! لقد رفض طلبه الزواج من بلقيس ! كيف يمكن ان يكون موقف بلقيس من هذا الرفض ؟ هل تطيع رغبة اسرتها رغم ما تحمله لأحمد من حب كبير ؟ وهل تتحلى بلقيس بهذه الشجاعة ؟ وهل تستطيع ان تقف موقف الرافض لما قررته الأسرة الكريمة ؟ ولكن لماذا رفضت أسرة بلقيس طلب احمد ؟ لم يخبرها صلاح بالأسباب التي جعلت أسرة بلقيس تقدم على رفض تزويج ابنتها بمن كان يحبها كل هذا الحب ، واغمض عينيه عن كل النساء على وجه هذه الأرض؟
هل يمكن ان يكون الخبر هذا حاملا بعض الفرح للنفس المتعبة الحزينة لباسمة القوية ؟ أليس من واجبها وهي المحبة ان تقف بجانب الحبيب الذي لم يكن يتوقع ان يجابه طلبه بهذا الخذلان ؟ من يدري لعل في حياتنا هذه بعضا من الشموع القادرة على انارة الدرب الذي اوشك الظلام ان يسوده..


(18)

لايمكنني ان أصدق ! ان المرأة التي كانت تحبني ، والتي جعلني حبها سعيدا ، أعزم على الارتباط بها ، ووضع حد لحياة الحرية ، التي أنعم بورودها البهيجة ، وعبيرها الفواح.. تقف اسرتها مني موقف المعادي لطلبي الاقتران بابنتهم ، أصابني الذهول ، وأقعدتني المفاجأة ! هل يمكن ان اسعى لزواج بلقيس لأنها تعشقني ، وأقابل بالفرض لرغبتي بلتبية رغبتها بالاقتران ، سألت اخاها ، وقد كان صديقا لي :
- لماذا لاتقبلون بيدي الممدودة لكم؟
- ألا تعرف حقا أسباب الرفض ؟
- لااعلم وحياتك ن اخبرني بها!
- نحن اسرة محافظة ..
- أعرف هذا ، وما علاقة محافظتكم برفض طلبي الاقتران بشقيقتك ؟
- لقد خرجت مع اختي وتمشيت معها ، وجلستما وحيدين في شارع العشاق في الكلية ، واستضافكم بعض الأصدقاء في منازلهم.
- ومع هذا ؟ لماذا ترفضون طلبي ؟
- لماذا رفض طلب قيس بن الملوح حين تقدم طالبا ليلى ؟
- بسبب جنونها وجنون ذويها!
- ليس بسبب الجنون ! انما العقل كان دافعا للرفض ، لأن ليلى ارادت ان تحافظ على كرامة اسرتها من القيل والقال!
- لكننا لسنا الآن في العصر الأموي!
- مجتمعنا اصبح اكثر تمسكا بالتقالد والأعراف مما كان في العصر الأموري.
- ماذا تعني ؟
- ان قبلنا طلبك للزواج بشقيقتي نجعل الناس يثلبون سمعتها !
- لم افهم!
- كيف يتأكد الناس ان بلقيس لم تقترف الفاحشة معك ؟
- هل تسمي حبنا فاحشة ؟
- الناس يطلقون على العمل الجنسي دون زواج فاحشة ، تستحق العقاب.
- واحببتم ان تعاقبوا ابنتكم لأنها احبت . يحصل هذا في القرن العشرين ؟
- لانفرط بسمعة الاسرة من اجل تلبية طلب من عاشق ولهان!
- واختكم ؟ ألم تفكروا كيف تكون حالتها وانتم تسلبون حبها منها ، وترفضون الرجل الذي تشعر انها ستكون سعيدة معه.
- من قال انها ستكون سعيدة ؟ السعادة امر لااحد يستطيع توقعه!
- وكيف تلقت اختكم رفضكم لزواجها ؟
- لاشأن لك بموقفها! سوف تقترن بمن هو افضل منك منزلة ومقاما..
- كيف هذا ؟
- تقدم لخطبتها احد ابناء عمومتنا !
- وهل وافقت ؟
- هددت بالانتحار ! ولكني واثق انه مجرد وعيد !
لااملك القوة لأرد على كلام شقيق بلقيس والذي كان صديقي في ماضي الأيام ، اذهب الى الحبيبة نهلة ، وأدفن أحزاني ومتاعبي في أحضانها الدافئة.


(19)
حب جارف تشعر به باسمة ، لايدع الهدوء يتسرب الى نفسها المتعبة ، ماذا يمكنها ان تفعل ؟ وقد تغيرت حالتها وتراجعت في دروسها ، وأصبحت دائمة السكوت ، تخشى ان تكلمت ، ان تدل بعض ما تقوله عن حالة الحب الكبير الذي تشعر به نحو احمد من دون ان تنتظر ان يبادلها نفس الشعور ن هل تصرح بما تشعر به لعلها ترتاح قليلا ، النوم أخذ يجافيها والسهاد يصاحب لياليها ويصادق ايامها الكئيبة ، هل يمكن لأحمد ان يتغافل عما تشعر به من حب فاق الحدود ؟ وهل بقدرة مخلوق الا يرى علامات الحب ترتسم على الكلمات والعينين والشفاه وحتى طريقة المسير ، الم يعرف احمد وهو الذكي ان باسمة تحبه حبا لامثيل له ؟ ولماذا تفكر احيانا ان تصرح بحبها الخارق وهي الهادئة الحيية والتي تحرص على رأي الناس بها ، لقد علموها ان الانسان سلوك وان المرأة العراقية ينظر الى كل تصرفاتها بعين الريبة ؟ كيف تخرج على الأعراف وتفشي امر قلبها المتألم ونفسها الجريحة ، وهو كيف تأتى له ان يتغافل عما تشعر به من آلام الجوى ؟
لماذا لاتخبره بمعاناتها وهي الحريصة المناضلة على المساواة بين الجنسين ؟ وهل التصريح يكون باللسان فقط ، ألم يفطن الحبيب المتجاهل ان حبه قد فتك بالقلب وجعل الفؤاد مكلوما ؟ ولكن أليس الحبيب متعبا بعد ما رفضه أهل الحبيبة ، وهل من المناسب ان يبدأ بحب جديد وهو المعروف بالوفاء والاخلاص في علاقات الصداقة ، فكيف يكون مع الحب وهو اقوى الصداقات ؟ هل تستطيع باسمة ان تنتظر ؟ لعل قادم الأيام ينبيء الحبيب عما تشعر به الحبيبة المظلومة ؟ سوف تنتظر باسمة عسى ان تأتيها لحظة سعادة تخفف بعض ما تعانيه من ألم الحرمان ؟
تتراجع باسمة في دروسها ويصيبها الانهاك وتظهر عليها علامات الهزيمة ، تناضل من اجل الا يعرف احد أصدقائها بما تشعر به من وهن لا تقدر عليه النفوس الكبيرة ؟
تطمئن الى صلاح وترى انه قادر على حفظ سرها ، فمن الصعب عليها ان تحب رجلا يحب امرأة اخرى ، حتى وان رفض طلبه بالاقتران من الحبيبة ، فما زال قلبه ممتليء بالحب ويحتاج الى زمن كي يتناسى حبه القديم ويلتفت الى علاقة حب جديدة ..
تراجع باسمة طبيبها شاكية ما تشعر به من ضعف :
- ليس بك مرض انما بعض التعب من جراء كثرة القراءة والتهيؤ للامتحان
- أشعر وكأن كل اجهزة جسمي قد تعطلت!
- انت لاتنامين الوقت الكافي.
- أسعى للنوم ولكن النوم يجفوني!
- استمعي الى موسيقى هادئة!
- لا أنام الا على أصوات الأنغام !
- حاولي ان تحصلي على ساعات مريحة ، لتنالي الصحة التي تريدين!
- لكني لا أستطيع !
- كيف تقولين هذا وانت المناضلة من اجل الحياة ؟
- .......
- بعض الارادة وقليل من الصبر كفيلان بمنحك القوة للتغلب على شعورك بالوهن..
تحاول باسمة ان تسترد صحتها ولكن كيف ، تسعى ان تئد شجرة الحب الراسخة في اعماقها ، ولكن كيف وهذه الشجرة قد استطالت وكبرت عندها الأغصان والفروع ؟ كيف لها ان تضحي بالبذرة الجميلة في داخل نفسها وهي الظمأى الى محبة لاتزول ؟ سوف تناضل وتنتصر على قلبها المعنى !
تقضي الساعات الطويلة وهي تستمع الى اغاني الحب والهيام بأصوات ام كلثوم وعبد الوهاب وفريد الطرش ، وتكثر من الاستماع الى الأغاني العراقية القديمة التي تبين العطش المستديم الى علاقات محبة وارفة الظلال!
الامتحانات على الأبواب ، سوف تجتهد للحصول على النجاح المأمول ، فما كانت تتطلع اليه من مواصلة الدراسات العليا يبدو انه مات قبل مولده ، فانها ليست حزبية وسوف لن يسمح لها بمواصلة الدراسة ، خسارة كبيرة تضاف الى سلسلة الخسارات التي يعاني منها اناس طيبون في هذا الوطن الجميل ،
تحصل باسمة على درجة النجاح التي لم تكن بالدرجة المعهودة من طالبة عرف عنها الاجتهاد والمواظبة على الدرس والتحصيل ، لقد حوربت في الأيام الخيرة من حياة الجامعة اضافة الى ما عانته من حرمان على الصعيد العاطفي ، قال لها صديقها صلاح :
- ماذا يريدون منك ؟
- من هم ؟
- المسيطرون !
- لا أدري !
- طلبوا مني ومن كل أصدقائك الا يتقربوا منك !
- لماذا ؟
- يقولون انك خطرة !
- خطرة بماذا ؟
- تكثرين من قراءة الكتب ولا تتحدثين ! فأنت تخفين الكثير ، لأنك تخشين التصريح بما تعرفين !
- يا لهذه التهمة !
- كلنا متهمون بها ، وسوف يستمر الاتهام ما دمنا نحب القراءة ، فالقراءة داء يعدي كما يقولون !، لقد أرسلوا على كل أصدقائك من الذكور والاناث ، آمرين اياهم بعدم الاستمرار على صداقتك .
- وهل أرسلوا في طلبك أنت أيضا ؟
- نعم ، ارسلوا في طلبي منذ البداية ، هم يعرفون اننا أصدقاء ، وأنا احظى بثقتك ..
- وماذا قلتَ لهم ؟
- وما عساي أن أقول؟! وهل يفهمون أهمية ان يحب الانسان القراءة وان يحلل الكتب التي يقرؤونها؟ رغم انهم يدعون بالثقافة..
- كثر المدعون في عالمنا ، مكتباتنا زاخرة بالروائع ونحن محرومون من الاقتراب منها !
- ومن سمع كلامهم ؟! بقينا نقرأ وليفعلوا ما يحبون !
- حدثني عن الحبيب !
- حبيبك الساهي حزين ، لقد رفض طلبه من اهل احب الناس اليه !
- وهل علمتَ ماذا سيفعل ؟
- لا أظن ان حزنه سيستمر ! انها فترة لن تطول ، هو رجل قوي وسوف يجتاز هذه المرحلة التي يشعر فيها بالهزيمة !
- اتوقع هذا انا ايضا ! لهذا احب هذا الانسان ! ولم اجد من يضاهيه بالشجاعة والحنان !
- هل ترين هذا ؟ ادعو لك بالشفاء، داؤك لا يرجى منه برء قريب !

(20)
تعب كبير يحيط بي ، كل العالم سراب، ان ناضلنا او بقينا ثابتين في مكاننا ، لاشيء يمكنه ان يتغير ، من قال ان النضال باصرار قد يحول الظلام المسيطر على حياتنا الى نور وهاج ؟ ومن يدعي ان الحب يمكن ان يثمر شجرة وارفة الظلال ؟ من زعم ان الحبيبة التي عشقتك من كل قلبها ، بمقدورها ان تحارب الجميع من أجلك ، وان تتنكر لمحبة الأسرة والوالدين لتقف بجانب رجل لاتعرف عنه شيئا ؟ هل استطاعت بلقيس ان تعرف عني امرا من الأمور ؟ وأنا الغامض بشهادة كل المعارف والأصدقاء ، كيف تسنى لبلقيس ان تفهم شخصيتي العصية على الفهم ، وهي البعيدة عن صفاتي ، والنائية عن خصائص هذا الانسان الذي يقولون ان اسمه احمد منصور ؟ من هو هذا الكائن الذي يبتعد عن الفهم ، ويتناءى عن الغوص في اعماقه ؟ لماذا عشقتني بلقيس وهي الجميلة الفاتنة التي يهواها كل من يفتن بالجمال ؟ ألم تدرك بلقيس انني غير قادر على حب امرأة مثلها لاتبالي الا بشكلها الرقيق ؟ الم يعلم الجميع انني متيم بامرأة أخرى استطاعت ان تجعلني احيا في اعماق قلبها وفي بؤبؤ عينيها ، أتلمس وردتها وأذوب في جسدها القادر على احياء الميت وبعثه من جديد ، لماذا توهمت انني احب بلقيس وانا البعيد عن حبها كبعد الأرض عن السماء ، هل كانت أسرة بلقيس تعرفني حق المعرفة ، حين واجهت طلبي بالزواج من ابنتها بالرفض المبين ، يشفق الأصدقاء على حالتي ، وأسمع منهم كلمات المواساة التي يطلقونها عادة في مثل هذه المناسبات ، حين يموت حلم الانسان في بدء حياة جديدة ، لم يعرف الا القليلون من معارفي وأصدقائي انني متيم بالانسانة الوحيدة التي تستحق ان يهواها رجل يعرف قيمة عقله ، بعضهم نصحني ان اتقرب الى باسمة سعيد ، زاعمين انها مولهة بخصالي ، سوف اصمت هذه الأيام ولن اسعى لخطبة انسانة اخرى ، أخشى ان يجابهوني بالرفض كما فعلوا حين توجهت اليهم لخطبة بلقيس ن، ان كان فرض علي ان اتزوج تقربا من الناس ، وتلبية لأعرافهم ، فلأنتظر ريثما يندمل جرحي ، بلقيس كنت اطمح للزواج منها لتقوم بواجب الزوجة كما تقتضيه الحياة العراقية ، ونهلة المتربعة على عرش قلبي سوف تكون القريبة مني دائما:
- لماذا ترفضين الزواج مني ؟
- لأنني لا أحب القيود !
- لكننا في الحقيقة زوجان سعيدان!
- ان ارتبطنا بعلاقة زوجية وشهد شاهدان بزواجنا ، سوف تنقلب سعادتنا الى تعاسة لاخلاص منها !
- من قال لك هذا ؟
- اعرف من تجربتي ومن التجارب التي يخبرني بها معارفي وأصدقائي ان علاقة الزواج ليس عسلا مصفى!
- وماذا هي ؟
- انها تعاسة لاتريم!
سأظل مع الحبيبة نهلة ، هي المرأة الوحيدة التي تفهم كل نبضة في كيان احمد منصور ، وتستطيع ان تدرك مغزى دقات قلبه ، قربها يجعل مني رجلا سعيدا ، يقدم على الأشياء بمحبة وثقة ، ادعو الله ان نكون معا في هذه الحياة ، التي لا أجد شيئا مستقرا فيها الا حب نهلة لي وحبي لها ، ما أسعدني بقلبها وعقلها وحكمتها وعنفوانها ، تجعلني اسعد انسان على اديم هذه الأرض.


(21)
يتصل صلاح بصديقته باسمة سعيد :
- تهانينا على النجاح الكبير ، سوف تقوم ادارة الجامعة بعمل حفل كبير للمتخرجين ، هل ستكونين معنا ؟
- نعم سأكون في الحفل ،، من من الأصدقاء سيكون ؟
- من تفكرين به ، لن يكون ؟
- لماذا ؟
- لأنه سارع الى العمل في احدى الصحف الكبيرة في بغداد ، ولن يجد الوقت للاشتراك في حفلنا الذي تقيمه ادارة الجامعة . وقد سمعت انه ناجح جدا في عمله الجديد ..
- انه ينجح باستمرار ، في كل عمله يقوم به ، يتفوق على الموجودين !
- ما زلت ِ على رأيك القديم ؟! رغم البعد والفراق الذي أصاب مجموعتنا ؟
- لن أتغير ، رأيي بالشخص يظل معي ، فانا لن استطيعَ أن أغير جلدي 1
- وما علاقة تغيير الجلد بما نقول ؟ الحب علاقة مشتركة ! واعجب لك ! كيف تستمرين على حب من لم يعرف عاطفتك الكبيرة نحوه ؟ ليكن ، هل أمر عليك لنذهب الى الحفل المقام بمناسبة التخرج ؟
- نعم ، لنذهب معا!
تتهيأ باسمة سعيد ، تسرح شعرها عند امهر المسرّحات ، ترتدي الملابس الخاصة بالمتخرجين الجامعيين حديثا ، تضع الأقراط الجميلة على أذنيها، تسير مع آلاف المتخرجين وكاميرات الفضائية الرسمية تصور حفلتهم التي يتابعها الملايين من أبناء شعبنا ، المتطلعين ان يأخذ ابناؤهم المكانة اللائقة بهم ، بعد جهودهم المضنية في الدراسة التي استمرت ست عشرة سنة ، كانت فرحة جدا ، تعلو الابتسامة محياها ، فقد توصلت الى تحقيق حلم من أحلامها الكثيرة ، تشعر ان سعادتها ناقصة ، وكانت تأمل ان يحضر الحبيب مع الالاف من الحاضرين ، لتسعد بهذه المناسبة التي انتظرتها طويلا..
صديقها صلاح يسير مع السائرين المحتفلين بفرحة النجاح وهو يتطلع ان تغير باسمة موقفها منه وتثق بحبه لها وانها قد استوطنت قلبه طيلة الأربع سنوات التي قضياها في الدراسة ، وكثيرا ما درسا معا ، وجلسا في الصف على مقعدين متجاورين ، انه ما زال يحلم ان تبادله الشعور ، فهي ذكية وسوف تلتفت الى مستقبلها والى مصلحتها في العيش مع انسان لم يعرف قلبه الا اياها ، وليس من المنطقي ان تتشبث برجل وجد حياته وسعادته في مكان بعيد عنها..
يقول صلاح :
- سوف اسافر الى الجزائر ، هل تذهبين للعمل الى هناك ، سوف نظل عاطلين عن العمل ان بقينا في العراق ، عامان من البطالة ليس بالأمر الهين ، بالاضافة الى أننا سوف نتعرف على حياة الجزائريين الأشقاء والشجعان الذين ناضلوا واجبروا الاستعمار الفرنسي على الاعتراف باستقلالهم.
- لا اظن انني قادرة على فعل شيء لا يوافق عليه أبي! لقد رباني واحسن تربيتي وليس من اللائق ان أسافر الى بلاد بعيدة ، دون موافقته ، سوف استشيره اولا ، واآمل انه سيوافق..
- لن يوافق أبوك على سفرك ، اعرف آباءنا وكيف يتصرفون .. المرأة العراقية محرومة من كل شيء ، وأنت قد كنت متفوقة ، وحرام ان تحرمي نفسك من السفر والعمل في بلاد شقيقة تحبينها كثيرا ..
- لا أستطيع ان اعمل شيئا يرفضه والدي ، كان طوال عمره حنونا معي ..
- حسن ، سوف انتظرك يومين ، لأن جميع الأصدقاء المتخرجين في دفعتنا قد سافروا ..
- سوف أستشير الوالد واخبرك !

(22)

يطلب مني الأصدقاء أن احضر حفل التخرج الكبير ، الذي تقيمه جامعة بغداد لمتخرجيها، كنت اود لو أستطيع المشاركة مع الأصدقاء ، كنا جميعا ننتظر هذه اللحظة، وقد بذلنا جهودنا الجبارة من اجل ان نكون عاملين في هذا المجتمع ، وقد استطعت بمعاونة بعض الأحباب ان اجد لي عملا ، كنت اطمح اليه في جريدة النضال ، المعروفة بمبادئها والتي تمثل الفقراء المعدمين والذين يناضلون دائما من اجل حياة افضل ، لم انتظر ريثما توظفني الدولة ، وكان يجب ان تستمر البطالة عامين كاملين كاملين ، أسرتي بحاجتي ، ولقد صرفت علي الكثير ، لأتخرج واشتغل ، لأقوم بواجبي بالعناية بوالدي الكبيرين ، واخوتي الذين ما زالوا في سني دراستهم ، وسوف لن اقدم على الزواج في الوقت الحاضر الخطأ الجسيم الذي ارتكبته انني تقدمت طالبا يد يلقيس ، وقد رفض طلبي من قبل أسرتها ، وانا فرح الآن ، لأن طلبي لم يستجب له ، كانت الفتاة الجميلة تعشقني ، وكان خروجها لملاقاتي يثير المتاعب لها ، ونحن في مجتمع عراقي ، لايبيح للفتيات حرية الخروج ، انهكني رفض اسرة بلقيس لي ، ثم فكرت مليا ، هل كنت سأستطيع الزواج في الفترة الماضية من حياتي ن وأنا ما زلت طالبا ، يصرف علي والدي ، ويعطيني ما أحتاجه من نقود للنقل والسندويشة التي اتغدى بها في مطعم الكلية ، اما الكتب التي احب قراءتها بكثرة كما هو معروف عني ، فكنت لااقدم على شرائها ، نحن العاشقين للقراءة كنا نتبادل الكتب فيما بيننا ، كتاب واحد يقوم بالتنقل بين ايدي ثلاثين صديقا ، وما الضير في هذا ؟ لم استطع في الظرف الراهن ان تكون لي مكتبتي الخاصة ، وان أتباهى بما يحوزتي من كتب امام مسمع معارفي وأصدقائي ، كما يفعل المتبجحون عادة ، والذين لايحبون القراءة مثلي ، بل يتظاهرون بما ليس فيها ، سأنتظر مكتبتي الخاصة بعد ان تستقر أموري ، وان اقوم الآن بمساعدة اسرتي التي ربتني وأحسنت تربيتي ، اما اشتياقي للمرأة ، فامرأتي الوحيدة هي نهلة ، التي أعشقها ، والتي مجرد تذكرها يشعرني بسعادة جياشة ، اجزم ان لااحد من معارفي توصل الى الشعور بمثلها ، انا رجل سعيد ، تحبني النساء ، عشقتني بلقيس ، وحين استجبت لطلبها ، بأن نكون معا ، رفضتني اسرتها ، ونهلة تذيقني صنوف الحب ، وألوان من الهوى والوصال ، حين أهرع الى منزلها ، وتستقبلني بابتسامتها الواثقة وذراعيها الحنونين ، فأتناول طعاما شهيا من صنع يديها ، وبعد شرب الشاي ، نسارع الى غرفة نومها ، فأقطف ثمارها الشهية من ثغر باسم وأوقع عليه قبلاتي ، ومن عنق جميل يستقبل لثماتي ، ومن سرة مغناجة اضع عليها ثعباني ، الذي يهبط رويدا رويدا الى وردتها المتفتحة ، ذات العبير الأخاذ ، ثمار شهية يراها الرجل في ظلمات المرأة ، فينتعش الجسد كله ، وتسعد الروح ، وتبتعد اسقامها ، ونعيش اجمل ما وهبنا الله من نعم.
دوامي في الجريدة يستمر طويلا ، وبعد ان انهيه اهرع الى مقابلة معشوقة الروح والجسد ، وأمتع النفس بثمار من السعادة ، لايمكن ان تنتهي او تنفد ، بساتين من الثمار اليانعة تنتظرني في منزل الحبيبة نهلة ، والتي لاتكلفني نقودا لست أملكها ، كل شيء تقوم هي بتهيئته ، الطعام لذيذ والفراش وثير والابتسامة تستقبل محبيها ، وكل جزء يرحب بي اجمل ترحيب.
كثيرا ما اعيد المشاهد الجميلة التي عشتها مع حبيبة الروح نهلة ، فتسعد القلب ، واقوم بانهاء عملي الذي احبه كثيرا ، لأسرع الى منزل الفردوس الذي اجد فيها ثمار دانية القطاف ، لذيذة ، شهية ، تدعوني اليها ، فأحضنها بملء يدي وساقي وقلبي المعنى العاشق .


(23)
تستمع باسمة سعيد من اذاعة بغداد الى نشرة الأخبار الداخلية ، هناك نية لوزارة التعليم العالي بإرسال الطلبة المتفوقين بشهادة البكلوريوس الى القاهرة للحصول على شهادة الماجستير ، تفرح باسمة فان القاهرة عاصمة عربية مشهود لها بالكفاءة والمكانة العلمية ، وسوف يوافق أبوها على سفرها الى هناك :
- لاضير يا ابنتي ، يفرحني ان تكملي دراستك ، قدمي غدا طلبا للجامعة
تذهب مع اوراقها الى الجامعة ، يقولون لها ن ان الادارة وافقت على بعض الطلبات لتوفر الشروط المطلوبة ، تحزن باسمة سعيد ، لكنها لن تدع الحزن يستولي على نفسها ، فهي تعرف القائمين على قبول الترشيحات للدراسات العليا ، وتصرفهم هذا ليس بغريب ، يلاحظ والدها انها لم تحصل على فرصتها التي حلمت بها كثيرا ، فيقول لها:
- هل يعجبك ان تشتغلي بالتدريس ، هناك مدرسة عراقية في الكويت ترغب بأساتذة من كل الاختصاصات..
- نعم يا أبي ، اود ان اقوم بالتدريس ، البطالة تكاد ان تخنقني.
- سأقدم اوراقك غدا ..
تبدأ باسمة سعيد مسيرتها في التدريس ، تجد في هذا العمل الصعب راحتها ، فهي تحب المادة التي عليها ان تدرسها للطالبات ، كما انها تحب طالباتها كثيرا ، وخاصة اؤلئك اللاتي يتميزن بالهدوء والاجتهاد ، ادارة المدرسة والمدرسات تعجبهن باسمة بطريقة تدريسها وجهودها لرفع المستوى العلمي والمهني ، تحصل على التقييمات الممتازة من الموجهين الذين يكثرون من المجيء الى الثانوية وتوجيه المدرسات على مناطق الاخفاق في العملية التعليمية والتربوية التي تتبعها المدرسات وادارة المدرسة ..
يرسل الموجهون الفنيون كتب الشكر وشهادات التقدير لكل المدرسات اللاتي يحسن عملهن ، ويتميزن بالاخلاص والمثابرة والاقبال على العمل التدريسي بهمة ونشاط ، ويكون لباسمة سعيد النصيب الأوفى من هذه الشهادات..
تأتيها العلاوات والشهادات التي تدل على الترفيع ، و يحسب عملها في الكويت كايفاد من قبل وزارة التربية والتعليم ، ولكن راتبها لا يرتفع اسوة بمن اعتبرن موفدات ، تستفسر عن الأمر:
- اننا في فترة تقشّف ، وسوف ننقص راتبك قليلا ، لأنه لا يمكننا ان نعطيك راتبا كما طلبت منا وزارة الشؤون الكويتية ، فنحن نمر بمرحلة صعبة جدا ، على جميع مواطنينا ان يتكاثفوا ويتضامنوا معنا.
الصديقات المقربات من باسمة سعيد يخبرنها :
- جميع المدرسات يمنحن رواتب عالية لانهن موفدات من قبل وزارة التربية ، الا انت يعطونك راتبا اقل منهن..
- لماذا ؟
- يقولون انك لست منهم. فلا تحملين نفس الأفكار التي جاءت بهم الى الحكم
- لكنهم اخبروني اننا بسبب فترة التقشف لا يستطيعون رفع راتبي!
- لاتصدقي ، المدرسات ممن يحملن نفس افكارهم يتقاضين راتبا اعلى من راتبك ، رغم انك تتمتعين باعجاب الطالبات ورضا الموجهين ، سوف يطلبون منك الانضمام الى منظمتهم كي تنعمي معهم
- لن اوافق على الانضمام ، ولن ابدل جلدي من اجل حفنة من الدنانير
- كنت واثقة انك لن تستسلمي لمشيئتهم ،،

(24)

أستمر في دوامي في الجريدة ، أحب عملي كثيرا ، لأني أؤمن بصحة الأفكار التي تدعو اليها ، نفودنا قليلة ، لاتضاهي النقود التي يتقاضاها العاملون في صحف الحكومة ، لكني سعيد بما اكسب لأنه يأتي من اناس اقتنع بمبادئهم ، الحكومة تفتح الأبواب امام طلابها لمواصلة الدراسة في العراق واخارجه ، تمنح الزمالات والبعثات لمن هم اقل مني اجتهادا ، ولم يتمكنوا من الحصول على الدرجات الي حصلت عليها في الكلية ، فقد كان تقديري جيد جدا ، مما يؤهلني لمواصلة الدراسة للحصول على الماجستير ، ولكني لا أقتنع بما تدعو اليه الحكومة من أفكار ، وحاولت ان احصل على فرصة لمواصلة الدراسة ، ولكن الجواب كان يصدمني رغم انني كنت اعرفه :
- انتم الينا اولا ، واحصل على موافقة التعليم العالي على ارسالك لأحدى الدول الكبيرة ، لتمنحك الشهادة التي تسعى اليها ..
- لا اريد السفر انا عامل الآن ن ولن اترك عملي ، اريد الدراسة في داخل العراق ، ففيه كل الكفاءات ، والشهادة التي اريد الحصول عليها ، معترف بها دوليا .
- اسمع مني يا صديقي ، انا اعرف بهم منك ـ سوف لن يسمحوا ان يواصل الدراسة غيرهم ! لقد أصدروا أوامرهم ، ووجهوا تعليماتهم لكل المسؤولين في قبول الطلاب في الدراسة العليا ، الا يقبلوا ممن كان يحمل افكارك..
- لن اغير جلدي ! ولن انتمي لحزبهم !
- اعرف هذا يا صديقي. لهذا انصحك ان تغادر هذا البلد الى آخر ، تحقق فيه طموحاتك!
- طموحاتي لن تتحقق الا في العراق ، كما ان عملي الذي احبه داخل الوطن ايضا ، ولن اغادر حتى لو هددوني بالقتل!
يصمت صديقي عن الكلام بعد ان وجد طرق اقناعي مسدودة كلها..
لم احزن ولم تصبني الكآبة ، في عجزي عن مواصلة دراستي في العراق ، وسوف لن افكر في السفر الى خارج الوطن الآن ، فأنا سعيد بعملي ومع أفراد اسرتي الذين احبهم ، كما انني سعيد في صداقاتي وأجد نفسي محظوظا في نوعية الأصدقاء الذين احظى باحترامهم وتقديرهم ، وتبلغ سعادتي اقصاها حين أكون مع الحبيبة نهلة ، التي تكون معي كل الوقت ، ولا يستطيع عقلي ان يفارقها ، كما ان صحة كياني كله يتوقف على وجود هذه الفاتنة معي ، التي تذوقت معها الشهد ، ولا زلت اعيش احلى الأيام وأسعدها مع توأم الروح وشقيقة القلب ، وحاضنة الجسد والحريصة على اروائه وايصالي الى قمة السعادة ، يا لهذه المرأة الرائعة ! ويا لسعادتي معها ! ويا لنعمة الله الكبيرة ، حيث منحني الجنة وأنا في الحياة الدنيا!
كثير من الأصدقاء العاملين معي في الجريدة يغيبون ، ينقطعون عن دوامهم ، أدرك ان أسبابا قوية تحول بينهم وبين الحضور كل يوم ، يقل الموجودون في الجريدة ويتناقصون ، يكون العمل على عاتقي وعدد قليل من المحررين والعاملين، سوف لن أدع اليأس يصيبني ، فهذا طريقي الذي اخترته ، واعرف انه ليس معبدا بالورود ! أشواك قاسية وأحجار ثقيلة ربما لانستطيع ازالتها في الوقت الحاضر ، ولكني واثق ان غدنا لابد ان يكون اكثر جمالا ، وسوف نعمل معا على ازالة الأشواك من الطرق ، وان نسعى لجعل الناس سعداء.


(25)
تتصل السيدة نوال بصديقتها باسمة وتقدم لها الخبر السعيد:
- هل تذكرين الطالب احمد منصور؟
- وهل اعرف غيره؟
- اتعجب من امرك احيانا ، تحبين رجلا وتواصلين حبه رغم انه لم يكن يبدو عليه انه يبادلك الحب!!
- اخبريني ! ماذا حدث؟ وما الذي جعلك تقولين هذا الكلام؟
- صديقتنا المشتركة فارعة تبلغك تحياتها ، وتخبرك ان احمد منصور سأل عنك!!
- ماذا ؟ اخبريني بالقصة كلها ! كيف عرف احمد ان فارعة صديقتنا ؟ وماذا قال لها ، وما يدريك انه يبادلني العاطفة نفسها؟
- ذهب الأستاذ احمد الى مؤسسة الاذاعة والتلفزيزن حيث تعمل فارعة ، واستفسر منها عن اخبارك ، اين تعملين ؟ ومتى تسافرين الى بغداد ؟ وابدى رغبته في رؤيتك قريبا..
- يا لفرحتي ، تستحقين هدية للخبر السعيد ، سادعوك على الغداء في الجمعة القادمة و أهديك عطرا يعجبك!
- ومتى تسافرين الى بغداد؟
- في العطلة الربيعية ، في شهر شباط سوف امكث في بغداد اسبوعين كاملين
- وماذا سوف تأخذين للحبيب الأزلي؟
- هل ما يزال يحب التدخين؟
- اظن انه كذلك ، هل تهدينه سجائر؟ وانت تعلمين انها تضر بالصحة؟
- في المرة الأولى اهديه سجائر ، وفي المرة الثانية سأهديه عطرا رجوليا أحبه ..
- وفي المرة الثالثة؟
- سوف اشتري كل بدلات العرس من ارقى الأسواق النسائية ، ولن اجعله يخسر فلسا واحدا..
- انه كما نعرفه معا وكان صديقا لنا في الجامعة لن يخذلك ن يمكنني أن اهنئك منذ الآن صديقتي العزيزة ، طال صبرك ونلت ما ترنو اليه نفسك..
- ارجو ان تحققي املك في الاقتران بمن يحبه قلبك-
- من احبه بعيد المنال ، لقد ارتبطت وانتهى الأمر..
- لم تتزوجا بعد!!
- حبيبي سوف يرتبط بامرأة أخرى ، ولن احلم بالمحال!!!
- وكيف تتزوجين من لاتشعرين نحوه بأي عاطفة حب ، اعجاب، ود؟
- لقد تسرعت في الموا افقة على من طلب يدي ، ماذا افعل ؟ الوحدة كارثة! ، وانت شجاعة اكثر مني ، كنت استغرب من الفتيات اللاتي يقبلن بالارتباط بمن لايحببن ، وجدت نفسي مثلهن!
- لاعليك حبيبتي ، خطيبك يتمتع ببعض الخلال ، الا يتصف بالصفات التي تعجبك ؟
- نعم يتصف ، لقد حاولت مرارا ان احبه ! لكني لم انجح ، ولم اثق بما يقوله دائما انه يحبني!
- الحب لا يمكن اخفاؤه ، هو كالشمس ان اشرقت لا قوة تستطيع جعلها تغرب! وانت انسانة رائعة ، واتمنى ان تحبي خطيبك لعله يحبك حقا!


(26)
أتذكر باسمة سعيد أحيانا ، هي من الشخصيات اللطيفة التي تعرفت عليها في الجامعة ، وبعد تخرجنا ، رأيتها مرة واحدة ، تراجع الادارة من اجل الحصول على بعض الأوراق ، تبادلنا الحديث بصورة مقتضبة ، انها رغم ثقافتها العالية قليلة الكلام ، طوال الجلسة نكاد لانسمع منها الا كلمات قليلة جدا ، وبعد رفض اسرة بلقيس لي ، تمنيت احيانا ان أستطيع الارتباط بباسمة سعيد ، نهلة الحبيبة تكرر عدم رغبتها بالاقتران وتردد على مسامعي جملتها المعهودة:
- الزواج يقتل الحب ! دعنا نحيا بحب ، والا نضع أنفسنا في قفص من ذهب
اقتنع بما تقوله الحبيبة ، وحين افكر انني وحدي ، وان أسرتي تلح علي بأن اقوم بانجاز نصف ديني ، يتبادر الى ذهني اسم باسمة سعيد وشكلها وفكرها الذي كنت أعجب به ، تذكرت ان لها صديقة تشتغل في الاذاعة والتلفزيون ، فكرت أن أستفسر من تلك الصديقة عن أخبا ر باسمة سعيد ، عرفت من الصديقة ان باسمة تشتغل في التدريس في دولة الكويت ، وانها بصحة جيدة ، وما زالت على طبيعتها المحبة للقراءة والصمت ، طلبت من صديقة باسمة من تبلغها تحياتي ، وان تخبرها انني مشتاق الى رؤيتها ، لأسكت الألسن التي ما انفكت تطالبني بالزواج ، وحين أذكرها انني رجل منكود الحظ ، ترفضني الأسر الكريمة حين أتقدم لخطبة بناتها ، يقولون لي:
- باسمة سعيد كانت تحبك!
- بلقيس ايضا كانت تعشقني ، ولم تشأ ان تقف امام رفض اسرتها لي!
- شتان بين المرأتين ! باسمة من اسرة كريمة ، سوف لن ترفضك ان وجدت ابنتها تريد الزواج منك!
- لكني لااحب الزواج !
- لاتكذب! كلنا نحب الزواج ، ولكن تكاليفه ترهقنا ! باسمة اصبحت غنية ، ولن تكلفك فلسا واحدا..
- لكني لا أحب باسمة!
- هي تحبك ، وسوف تعمل على ان تكونا سعيدين ، الحب تحسنه النساء! الرجال لايحبون الا من تعشقهم!
اقوم بالاستفسار عن أحوال باسمة سعيد ، وانا احلم ببعض السعادة يحققها لي زواج مبن على المصلحة ، هل توافق باسمة ان تستمر علاقتي بنهلة؟ وكيف تعرف باسمة بأمر العلاقة؟ افرض ان احدا أخبرها ؟ كيف يكون موقفها ؟ المرأة العراقية تتقبل كل شيء ، وتقوم بجميع الأمور من اجل ان يستمر زواجها ، لكنها حتما لن تقبل ان يحب زوجها امرأة أخرى ! واية امرأة انها نهلة التي تغار منها الشمس ! ويستحي القمر ان يظهر أمامها /، فنورها فريد ، وجمالها غريب ، ومشيتها فتانة ، وكلامها ساحر ، وأحضانها دافئة ، اللهم اجعلني مرتبطا بنهلة ! ولا تفشل املي بالبقاء قربها طوال العمر! يا لروعة الوردة التي اهيم بجمالها...


(27)
سافرت باسمة سعيد الى بغداد في العطلة الربيعية ، اشترت العطور والسجائر هدايا للأحباب ، واحدث اشرطه المطربة التي يحبها المعشوق فيروز الرائعة ،وصلت مطار بغداد وهي تفكر اين يمكنها ان تكون ؟ ابوها اخبرها ان عمها في بغداد ويمكنها ان تذهب الى منزله ، وتبقى اسبوعين طيلة العطلة ، استقلت سيارة الأجرة لتي نقلتها الى الكرادة حيث يقيم عمها ، اتصلت بالجريدة حيث يعمل الحبيب:
- الو ، هل يمكنني التحدث الى الصحفي احمد منصور؟
- من انت ؟ لنخبره برغبتك بالحديث معه..
- انا كنت زميلة له في الجامعة ، قل له زميلتك في الجامعة تود التحدث معك..
- لحظة من فضلك!
ينقطع الكلام للحظات ، يأتي الصوت دافئا جميلا كالعادة:
- مساء الخير ، من حضرتك؟
- كنا معك صديقين حميمين .

- من أنت ؟

- كنت معك ومجموعة من الأصدقاء نكون مجموعة طلابية جميلة
- آه ، انت باسمة سعيد ، يا للمفاجأة المذهلة ، عرفتك من صوتك المميز ، الذي لايمكن للمرء ان ينساه، تعالي وزورينا هذه الليلة، سأعرفك على شقيقاتي ، هن يعرفنك جيدا ، حدثتهن عنك وعن ثقافتك وعن خصالك ، وهذه الفرصة سعيدة ، يجب ان نراك!
- متى أزوركم؟
- الجريدة ستغلق بعد خمس ساعات ، اخبري اهلك انك ستكونين معنا ، تعالي في السادسة ، سوف ننتظرك هنا !
تستبد الفرحة بباسمة ، غريبة هي الأيام ، احيانا تتحقق أحلامنا بسرعة لا نتوقعها ، وأحيانا أخرى نجري وراء جبال من السراب ، اي حياة هذه! سوف تقابل باسمة سعيد حبيبها الذي لم تعرف الحب الا حين نبض القلب له دون الرجال جميعا ، اي فرحة تنتابها وهي كالعصفور اهتدى الى أليفه بعد طول ضياع ، سوف تئد الشعور بالغربة الذي امسك بتلابيبها كل هذه الأعوام ، تخبر باسمة عمها انها مدعوة الى بيت احدى صديقاتها ، يوافق العم ويطلب منها عدم التأخر في العودة ، تذهب الى احد صالونات التجميل المشهورة في العاصمة التي يعشقها المحبون ، تغيب تسريحتها وترتدي اجمل فستان لها ، وتؤشر لإحدى سيارات الأجرة التي تمخر الشوارع بسرعة ، تجلس في المقعد الخلفي وهي تكاد تطير من كبر الفرحة التي ملأت قلبها بعد طول انتظار ، تود لو تزغرد معلنة سعادتها الكبيرة ، ولكن الخوف من استهجان الناس منعها من القيام بالتصرف الذي يترجم مدى هنائتها هذه اللحظات ، هل يمكن ان تجعل الزمن يجري ، وان تأمر الساعات بالانصياع لأمرها لطي الوقت وجعله في السادسة كي تنعم بلقاء الحبيب الذي عشقته طوال الحياة وتمنت كثيرا لو يشعر بما تعانيه من حب من طرف واحد ، كاذب من يدعي ان الحب يمكن ان يختبئ ء بين الضلوع وان يظل قابعا في الصدر ينتظر ان نأذن له بالظهور ، من قال ان الحب يمكن ان يكتم والرغبة بعناق الحبيب بإمكاننا ان نخفيها عن الأنظار؟ وكيف ادعى المدعون ان الحب يجب ان يعلنه الرجل للمرأة التي تصغي بعد اعلانه لنبضات القلب المتمرد الولهان ، لمَ لا يمكن للمرأة ان تعلن حبها أمام الملأ وان تحدث القاصي والداني ان قلبها وله يود الطيران وان يضع المعشوق بين الضلوع خوفا ان تسرقه غادة حسناء ، فتولي الأحلام بائسة تشكو من الخيبة والخسران ، تضحك باسمة سعيد لمناظر خلابة وترى الورود تبتسم لها مهنئة اياها بالظفر بعد أن أعياها طول الانتظار ، من يمكن ان يعلن فرحتها الطاغية وانتصارها الكبير على ليالي السهد التي قضتها وحيدة تشكو اللوعة وقسوة الهيام لحبيب لم تكن تدري انه يبادلها العشق ويشترك معها في حرارة الوجد والهيام، يعلن السائق:
- آنستي مقر الصحيفة التي تريدين امامك..
(28)
صديقة باسمة سعيد تحبرني ان باسمة تشتغل في الكويت وقد سافرت مع أسرتها التي تحبها كثيرا، لابد ان الفتاة التي سألت عن احوالها تمتلك ثروة لاباس بها ، يمكن ان تجعلنا نعيش برفاه بين ، وسأظل انا على مساعدتي لأسرتي التي شقت كثيرا من اجل تربيتي ، وسيكون راتب باسمة من نصيب اسرتي الجديدة ، اهلها المعروفون بالكرم لا اظنهم يبخلون على ابنتهم ببعض النقود ، سوف اطلب يد يابسمة سعيد وسترحب بطلبي...
ولكن نهلة هل ستوافق على اقتراني بامرأة غيرها؟
- باسمة سعيد متزنة وهادئة ، سوف تكونان سعيدبن معا.
- وأنت؟ اريد ان تستمر علاقتنا!
- من الطبيعي انها تستمر! فنحن عاشقان بطريقتنا الفريدة!
- يا لسعادتي الكبيرة لو كنت تقبلين الزواج مني !
- نحن زوجان بلا قيود حبيبي أحمد..
- أخشى من المستقبل!
- لماذا تتوقع الكارثة وما زالت خطيبتك لم تطأ قدمها مطار بغداد ، ولم تتحدثا معا وتستعيدا ذكرياتكما الجميلة. لاتفكر بالجانب المظلم من الحياة!
- اكون سعيدا معك انت فقط يا نهلة!
- وانا ايضا سعيدة معك!
- سوف اكرر طلبي لك بالاقتران!
- وسوف اردد عدم رغبتي بالقيود الجميلة التي تتوي أن تحيطني بها!
- لا أحمل قيودا لك يا حبيبة الروح.
- مجتمعنا سيضع قيودا انت لاتراها ، لأنك رجل ، يهبونك الحرية في كل مراحل حياتك!
- انت حياتي ايتها المرأة النادرة!
- كلانا سعيدان بحياتنا المشتركة ، الحرة البعيدة عن القيود. متى ستصل باسمة سعيد ؟
- العطلة الربيعية على الأبواب ، بعد يومين يبدأ شهر شباط..
- سنكون سعداء نحن الثلاثة ، كل بطريقته!
أفارق نهلة وانا مشغول بعقلها وفكرها وروحها الوثابة ونهدها المنطلق وجسدها المعطاء ، وانتظر اللحظات القادمة من التمتع بمكامن اللذة ومباهج الروح..
انجز الأعمال التي على عاتقي ، وأقوم بالتمارين الرياضية التي اعتدت القيام بها منذ ان كنت طالبا في الثانوية، للمحافظة على لياقتي البدنية ، وصحتي التي لااروم التخلي عنها مهما كانت الأحوال. اختي سندس تقوم بمشاركتي بالتمارين كسبا للصحة والرشاقة ، التي أجدها قد ابتعدت عن قوام شقيقتي الذي كان أهيفا.
في بواكير الصباح ، وقبل ان أتوجه الى عملي ، نخرج انا وسندس الى البستان الكبير الذي لايبعد عن منزلنا كثيرا ، نقوم بالركض مدة نصف ساعة ، يتسارع تنفسنا وينهمر عرقنا ، ولكن الشعور بالراحة يتملكنا ، ما أسعد الانسان حين يتمكن من المحافظة على صحته ، التي كثيرا ما تتهدد في جونا الموبوء ، وبيئتنا المتعبة ، نرتاح قليلا ، ونعود الى المنزل ، نجد طعام الفطور قد جهزته الوالدة ، أشرب كاسا من الماء البارد ، ثم نبدأ بتناول الفطور مع عائلتي السعيدة..,.



(29)
تدخل باسمة سعيد ساحة الجريدة الامامية ، تستفسر من الاستعلامات عن مكتب الصحفي احمد منصور :
- لحظة من فضلك ، سأتصل به..
لحظات فقط و تدخل امرأة رشيقة ، وتقول :
- واحدة تسأل عن شقيقي؟
- انها هذه الانسة امامك,,
تقبل شقيقة احمد منصور باسمة قبلة لم تر مثلها ، لم يقبلها احد فيما مر من زمن طويل وهي تظن نفسها تعيش على أديم هذه الأرض:
- شقيقي كلمني عنك ، واراني دفتر مذكراته ، اسم باسمة سعيد يتكرر بين كل جملتين من جمل الدفتر الذي سجل به المذكرات ، كان يأمل ان يراك ، وطلب من صديقاتك في بغداد ان يوصلن اليك تحياته ، لكنهن كن يغادرن البلد من غير وداع ، واظن انهن جميعا لم يتمكن من اخبارك برحيلهن، من اخبرتك اخيرا برغبة شقيقي برؤيتك في بغداد؟
- صديقتي نوال اتصلت بي
- لم يكن يعرف جميع صديقاتك ، لكن صلاح اخبره بأسمائهن
- يسرني هذا
- لحظات ويأتي احمد ، لديه عمل وسوف ينجزه بدقائق ، انه متلهف جدا ، واكثر مما تتوقعين!
نفس القوام الذي عشقته طوال عمرها ، والاسمرار الذي يجمل الوجه ÷، والعينان ذات النظر ة الثاقبة ، وما يضفي على صاحبه ألقا وبهاء ووسامة!
تقوم باسمة لاستقباله ، فيصافحها بيديه الاثنتين ، وكأن سيولا تجتاحها وتقتلعها من مكانها ، قلبها يعزف لحن الحب وفؤادها يهنئها بروعة الوصول الى تحقيق ما كانت ترنو اليه وجسدها يأمل ان يمد اليها ساعديه القويتين ، ليحتضنانها ، ويطيران بها الى الفردوس ، اي قوة جاءت اليها لتزف النبأ السعيد ،ان روحين سيتوحدان معا باغنية ترحب بالوجود وتسعى ان تسعد النفس المتعطشة الى ما يروي ظمأها الأزلي ، يداه تصافحانها وكأنهما تعزفان لحن الحياة الخالد وتنبئان ان السعادة اثمار معلقة على اشجارها وعلينا فقط ان نمد ايدينا لنحظى بنعيمها الجميل ، اية نعمة حلت ببابك واكسبتك هذه القوة وذلك الشعور ان العالم كله ملك بنانك ايتها الصابرة التي انتظرت طوال عمرها ان يأتيها الحبيب ليصنع فرحتها بعالم سوف ينبثق سريعا من بذرة تعهدتها بالرعاية حتى اينعت ثمارها وحان قطافها ، تصمت باسمة و يصمت احمد ، تبحث العاشقة الولهانة عن كلمة لتقولها بهذه الفرحة التي اعترت كيانها وسيطرت على قلبها ، لكن كل الكلمات قاصرة ان تصف فرحتها بهذا اليوم الجميل ، فماذا يمكن ان تقول ، هل تصف الفرحة الكاملة ؟ وكل ملامحها تنبيء عن مدى الفرح الذي خيم على عالمها وانار أيامها وجعلها ترقص وتغني آملة ان يعم الهناء على الجميع وان تسعد البشرية ، وان يجد العاشقون معشوقيهم يبادلونهم العشق ويشاركونهم ثمرات الهيام ، شقيقة احمد تنقل بصرها بين المتحابين ، وتنتظر ان يبدي احدهما رأيا في هذا الصمت الذي تجده قد استطال ، هي تعلم ان احمد يعجب باسمة ، ولكن باسمة لماذا صمتت كل هذه السنين ولم تعبر بكلمة تفصح بها عن خلجات القلب الذي يشتعل نارا تحرق الضلوع، هل يكونان منذ الان اسعد روحين في هذا العالم الذي تجد ان كل زوجين فيه في خصام لا يخمد اواره ، اي نعيم هبط على العزيزين فأحالهما الى مخلوقين متيمين بحب بعضهما ، كلاهما يود ان يكون حبه الاكثر ضراما وقوة ، تجلس الشقيقة وعلامات الاعجاب ترتسم على محياها ، تعرف ان شقيقها لايحب الكلام الكثير ، ولكن ما الذي جعله يطيل الصمت في حضور الحبيبة التي طال غيابها حتى ظن انها لن تعود ، يا لسحر الحب الذي جمع قلبين اضناهما الوجد وفتك بهما الغرام ، أي سحر تملك هذه الكلمة الكبيرة المتكونة من حرفين لا أكثر ، حب كلمة تسحر الناس بمعانيها التي لاتحصى ، فهل تدرك الشقيقة جمال هذه اللحظة وهل سوف يذيقها الصبر ما ترنو اليه النفس الامارة باللذة والبهاء؟..


( 30)
تصل باسمة سعيد ، تدخل الجريدة وتنتظر في غرفة الاستعلامات : اطلب من شقيقتي سندس ان تذهب لاستقبالها ، سندس تعلم ان باسمة تحبني ، وتظن انني أبادلها الحب ، لكنها لاتعرف انني متيم بامرأة اخرى ملكت علي حياتي أمامي بعض الأعمال الكتابية التي لايمكن تأجيلها ،، حين انتهي من أشغالي اسارع الى غرفة الاستعلامات..
ماهذا ؟ مخلوقة سمينة متعبة امامي ، بدلا من الفتاة التي كانت في منتهى الرشاقة والاناقة والجمال ، يتبخر شعور الاعجاب الذي احمله لباسمة سعيد طيلة الوقت ، ويحل بدلا عنه احساس بالعطف لم اكن اتوقع انه سيكون في قلبي ، أسارع الى مصافحتها ، واجد غيوما من الخجل تمنع عشقها لي من الانطلاق : كما كانت فيما مضى ، هل يمكن ان يغيرنا الزمن ذلك التغير الكبير ، فنعجب بما كنا نخبؤه في دواخلنا من روعة المشاعر ، باسمة سعيد لم تعد كما كنت اعرفها ، ادرك انها من اسرة محافظة ، تضع القيود الكبيرة أمام تحرك فتياتها ، في الجامعة كانت الأسرة نفسها ، ولكن باسمة كانت تناضل من اجل الخروج من القيود التي يحاول جميع افراد أسراتها فرضها عليها ، كانت تبدو اجمل واكثر فتوة وجمالا وبهاء وهي تتمرد على التقاليد البالية ، اليوم اجدها وهي في الثامنة والعشرين من عمرها ، وكأنها في الأربعين ، بطيئة الحركة ، نادرة الابتسامة تضع المساحيق على وجهها بكثرة تدل انها لاتحسن كيفية وضع الأصباغ ، لم أشأ ان تدرك باسمة ما يدور في فكري من مشاعر جياشة ، ولا يصح ان ابدي عدم احتفالي بها ، وهي المخلوقة التي اعرف تماما انها مرهفة المشاعر ، حيية قد تخرج الآن من الجريدة ان وجدت انني لاارحب بها..
اترك شقيقتي سندس تتولى امر الترحيب بالضيفة ، نجلس معا ونتبادل أطراف الحديث ، ثم نسارع الى خارج الجريدة ، تدعو شقيقتي باسمة سعيد الى منزلنا القريب من الجريدة ، نتمشى قليلا ونصل المنزل ، اجد باسمة مرتبكة كثيرا ، لاتعرف كيف تتصرف ، هل أضناها اللقاء الذي لم تتوقعه ؟ ام اربكها ان ترى شقيقتي ترحب بها ترحيبا كبيرا؟
تجلس معنا واخرج الى الحانوت القريب لابتياع بعض المأكولات التي نحتاجها في سهرة الليلة ، المكسرات وقد جهزت سندس اللبلبي والباقلاء والجاجيك وبابا غنوج ، حقيبة باسمة تدبو كبيرة جدا ، تفاجئنا حين تخرج منها قنينة ويسكي قد جلبتها معها من المطار ، ولم تعطها لعمها ، بل ارادت ان تكرمنا بها ، كما اكرمتنا بعلب من السجائر التي تعلم انني افضلها ، وهذه المخلوقة سوف لن افرط بها رغم ما وجدت بها من سمنة وعدم الميل الى الابتسامة وقلة الكلام..







اخر الافلام

.. انتوني كوين وعمره 85 يعود لرقصة زوربا مع الموسيقار العظيم مي


.. اللحوم الحمراء تساعد على توازن عملية التمثيل الغذائي


.. هذا الصباح -مهرجان الفيلم اللبناني يكرم المرأة




.. عبد الحكيم قطيفان – فنان سوري – أنا من هناك


.. عمرو يوسف : أطمح بتقديم عمل سينمائي يرتقي للتطعات الجمهور