الحوار المتمدن - موبايل



الشعور بالكمال يَعْدِلُ الشعور بالموت

محمد عبد الكريم يوسف

2018 / 7 / 11
الادب والفن



كثيرون يسعون نحو الكمال ويجتهدون ويفنون معظم حياتهم للوصل إليه ولكن ما إن يحصلوا على جزء يسير من الكمال حتى يبدؤون بالشكوى من جديد . وقد يكون مصدر الشكوى الكمال نفسه . فهل الكمال مصدر للسعادة والرفاء والرفاه ؟ سؤال كبير يصعب الإجابة عليه في سطور قليلة.
لا أحد يرضى بواقعه فالذي أفنى حياته للحصول على درجة عالية في الهندسة ينظر بعين حاسدة للطبيب الناجح والسياسي اللامع ينظر بعين الحسد للدبلوماسي الذي يجول العالم وإذا سألت الدبلوماسي بماذا يحلم سيجيبك بأنه يحلم أن يجلس مع والدته يحتسي الشاي في فيء شجرة سنديان على طرف التل في قريته . وإذا سألت القادة العظام في لحظة الصفاء والوقوف مع الذات نفس السؤال وجدتهم يجيبوك أنهم يريدون أن يبتعدوا عن صخب الأيام وما تمتلكه أنت وأنا ونملُّ منه يكون عن آخر حلما سرمديا لا ينتهي وما تجده بلسما يراه غيرك علقما . هي دروس الحياة التي نتعلمها في بطئ مع تقدم السنين .
رجال العلم والفن والأدب يشعرون بالكمال عندما يجدون ضالتهم بين أوراق الكتب الصفراء أو لاكتشاف باهر قد يفتح الطريق لشيء جديد ، يفرحون لرائحتها الغريبة ويشعرون بالنشوة التي لا يعرفها إلا المدمنين . وربما كانت كلمة السر في الكمال هي الوصول إلى المزيد من الكمال وإلا يموت الإنسان ويذبل قلبه وإحساسه بالحياة . وأنت وأنا في مرحلة الصغر كم مرة كنا نطلب من أمنا الرائعة أن تكمل الحكاية لأننا لم نرتو بعد من عطش المعرفة فتقلب الحكاية وترويها من جديد تضع البداية في النهاية والنهاية في البداية لتستخلص السعادة والدهشة وترسمها على وجوهنا في لحظة استغراق فكري مبدع .
والعالم يئد في السعي للكمال كل غروره لأنك أنت وأنا نبحث دائما عن أفق جديد ما كنا نعرفه من قبل أو درب ما زرعته عيوننا أو نجم ما قطفناه بعد . وربما كان هذا هو الدافع الذي قاد بوذا لسلوك طريق النيرفانا والاتحاد بروح الإله كما قاد من قبله جلجامش لسلوك طريق الخلود والبحث عن معنى جديد للحياة .
والسعي الكمال هو تلك المتعة التي تجدها في طريق يتلوى مليء بالحفر والانعراج والضيق والانفراج في النهاية عندما نصل للقمة . وماذا بعد القمة ؟ لا شيء إلا الانحدار وربما كان ابن خلدون مصيبا للغاية في رسم مسار حياة الأمم والشعوب والقادة والحركات والمجتمعات وهو نفس المسار الذي رسمه أرسطو لمسار الأحداث في المسرح الإغريقي وحياة الأمم والأبطال . لحظة الاعتياد على الشعور بالكمال لحظة حزن وتعاسة، لحظة بؤس ونقص وموت ، همسة الكمال التي توسوس في صدور الكثيرين هي همسة البدء بالموت البطيء .
يحكى أن الفنان المبدع مايكل أنجلو نحت بإزميله تمثال " موسى " من الرخام الجميل في معجزة فنية ، وتعتبر هذه المنحوتة من الأعمال الفنية الشهيرة للفنان مايكل آنجلو. بدأ مايكل أنجلو العمل على قبر البابا يوليوس الثاني حيث وُضع في نهاية مذبح كاتدرائية القديس بطرس في روما . أراد مايكل أنجلو من تصميماته الأولية أن يخصص القبر بقاعدة من ثلاث طبقات فمن الأسفل قام بتصوير مشهد النصر للعبيد وتحريرهم وفوقهم كان هناك أربع أشكال جالسة تتضمن موسى والقديس بولس وأخيرا ملائكة تحمل إما تابوتا أو البابا.
وأخيرا وضمن الشكل العام هناك حوالي أربعين شكلاً تتوضع على المشروع مشكّلةً فيما لو جُمعت بجانب بعضها البعض بناء من ثلاث طوابق . إلا أن مجال العمل وتوسعاته تم تضيقه بشكل كبير وواسع نتيجة ضغوط العمل والمشاريع الأخرى التي أجلت إنجاز هذا العمل الكبير. في النهاية وُضعت ثلاثة أشكال فقط من صنع مايكل أنجلو على القبر الذي استقر في روما في كنيسة سان بييرو ، فينسولي . أقوى هذه الأشكال كان تصوير موسى سنة 1515م ويعتبر هذا النحت مثالاً حيّا لقدرة مايكل على منح صخرة جامدة الحياة والحركة. حيث صور موسى مفتول العضلات جالساً منحنياً بجسده إلى اليسار قليلاً وملتفتاً برأسه إلى اليمين بشدة وكأنه ينظر إلى شعبه بغضب وهم يعبدون إلهاً مزيفا. الطريف في الأمر أن مايكل أنجلو وبعد الانتهاء من تمثاله الرائع وقف أمامه وفي لحظة النشوة والذروة العاطفية والشعور بالكمال الفني الأعلى نظر في عينيه وصرخ فيه قائلا : " تكلم ...." لكن التمثال بقي جامدا . وفي لحظة جنون النشوة والشعور بالكمال المطلق قذف التمثال بمطرقته فهشم أنفه . هشّم أنفه لأنه ربما يؤمن أن الكمال أسوأ ما يمكن أن يصل إليه الإنسان . هشّم أنفه لأنه يؤمن أنه يمكن أن يبدع ما هو أجمل منه . جرح مايكل أنجلو كمال التمثال حتى لا يصل إلى لحظة العقم الرهيب. إن تصرف مايكل أنجلو مثير للجدل. البعض يعتبره ضربا من الجنون والبعض يعتبره لحظة اندماج روحي بالعمل الفني ويجدون له مبررا.
الوصول للقمة يحتاج جهدا استثنائيا للمحافظة عليه وقد تغيب هذه الحقيقة المطلقة عن الكثيرين لأن الناس كل الناس يمرون بها في علاقاتهم الزوجية فالحب الأفلاطوني يصل مجده ويبدأ بالانحدار لأن الناس كل الناس لا يفهمون معنى الاستدامة ولا يدركون كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على شريك العمر والحب القديم. وكثيرة هي العلاقات التي كافح أصحابها للاتحاد برباط زوجي مقدس لتنهار على قارعة الطريق بعد سنوات قليلة من الزواج . تبدأ الطريق النازلة حيث تنتهي الطريق الصاعدة . ويبدأ الإنسان بالتلاشي والانتهاء حين يحسب نفسه بلغ القمة .
الشاعر علي محمود طه يصور الشعور بالكمال في مشهد مؤلم مع تمثاله البديع في قصيدته " التمثال" حيث يقول :
صورة أنت من بدائع شتّى و مثال من كلّ فنّ رشيق
بيدي هذه جبلتك من قلـبي و من رونق الشّباب الأنيق
كلّما شمت بارقا من جمال طرت في أثره أشقّ طريقي
شهد النّجم كم أخذت من الرّوعة عنه ، و من صفاء البريق
شهد الطّير كم سكبت أغانيــه على مسمعيك سكب الرّحيق
شهد الكرم كم عصرت جناه و ملأت الكؤوس من إبريقي
شهد البرّ ما تركت من الغار على معطف الرّبيع الوريق
شهد البحر لم أدع فيه درّا جديرا بمفرقيك خليق
و لقد حيّر الطّبيعة إسرائي لها كلّ ليلة و طروقي
و اقتحامي الضّحى عليها كراع أسيويّ أو صائد إفريقي
أو إله مجنّح يتراءى في أساطير شاعر إغريقي
قلت : لا تعجبي فما أنا إلاّ شبح لجّ في الخفاء الوثيق
أنا يا أم صانع الأمل الضّاحك في صورة الغد المرموق
صغته صوغ خالق يعشق الفنّ و يسمو لكلّ معنى دقيق
و تنظرّته حياة ، فأعياني دبيب الحياة في مخلوقي!
كلّ يوم أقول : في الغد ، لكن لست ألقاه في غد بالمفيق
ضاع عمري ، و ما بلغت طريقي
و شكا القلب من عذاب و ضيق
ويحكى أن جورج برناردشو المسرحي الساخر الشهير التقى في إحدى الحفلات الراقية مع أحد اللوردات سليل عائلة عريقة . نظر اللورد إلى برناردشو بنظرة وضيعة وسأل : من أي العائلات هو ؟ سمعه برناردشو وكان لسانه أسبق من سيفه فأجابه: لست من عائلة عريقة يا سيدي اللورد، أنا لست مثلك . مجد عائلتك يا سيدي ينتهي بك أما مجد عائلتي فيبدأ بي.
يقول الحكماء : يظل العالم عالما ما طلب من العلم والمعرفة فإذا ظن نفسه عَلِمَ فقد جهل .
ويقول سقراط في ذات السياق : العالم هو الذي يعلم أنه لا يعلم .
في يوم من الأيام وفي منطقة بانياس الساحلية السورية كنت أسير على شاطىء البحر في مشوار مع أحد الأشخاص سليل العائلات الدينية وصدف أن قابلني شخص في الطريق فألقى السلام بحرارته المعهودة وسلّم على رفيقي سلاما باردا ، وفي قرارة نفسي كنت قررت أن أعلّم رفيقي درسا في الحياة ، فبادرت إلى تعريف رفيقي على الشخص الذي قابلنا وأخبرته أن رفيقي هو ابن فلان ، فأعاد الترحيب به وكاد يركع ويصلي له . كنت أريد أن أقول له بطريقة غير مباشرة أن ما أجتهد للحصول عليه من سنين طويلة أنت حاصل عليه وما عليك إلا المحافظة عليه واغنائه . للأسف كنت أنا في الطريق الصاعد وكان رفيقي في الطريق النازل . والإنسان مهما تطاول لن يتجاوز ناموس الكون ولن يصل إلى خط النهاية ومتى شعر بالكمال بدأ بالسقوط تماما مثل الفراشة التي يبهرها منظر النور لتدخل فيه طائعة لتحترق.
الحياة هي توق الإنسان للوصول للكمال الذي لن يصل إليه مهما فعل .
ما رأيكم أنتم ؟







اخر الافلام

.. لقاء مع وزيرة الثقافة وتنمية المعرفة الإماراتية لمناقشة زيار


.. حفل ختام كأس العالم 2018: البرازيلي رونالدينيو والممثل الأمر


.. الفرنسيون يحتفلون بالأعلام والغناء بعد الهدف الرابع في مرمى




.. وزيرة الثقافة تكرم حرم اللواء باقي زكي يوسف في حفل تأبينه


.. شاهد: رسامون يحولون الأجساد إلى لوحات فنية