الحوار المتمدن - موبايل



الثقافة العربية المعاصرة : ثقافة من دون سوبرمان

مازن كم الماز

2018 / 7 / 12
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي


لا تعرف الثقافة العربية المعاصرة السوبرمان أو الإنسان المتفوق .. إنها ثقافة الإنسان العادي , الذي يرى الفيلسوف الصيني لاوتزي أن أهم صفاته هو "تحرره أو حريته من أفكاره الخاصة" .. الثقافة العربية المعاصرة ثقافة تقوم على مساواتية هوياتية و تهدف في أفضل أشكالها إلى تكريس تلك المساواتية بمساواتية مفترضة , نسبية طبعا .. لا تعرف الثقافة العربية المعاصرة الفرد , لا تقر بوجوده و لا تراه أصلا .. إنها تعرفه بنفي ذاته و فرادانيته أولا , و لا ترى أي جدوى و لا تشعر حتى برغبة في مساءلة قدره أو في تحديه , إنها تكرس "قدره" .. و هي و إن كانت تريد "تحريره" فإن ما تريد أن تحرره هو القطيع الذي ينتمي إليه , لا الفرد في داخله أو في ذاته .. إنها خلافا لنيتشه , لا ترى القطيع سجنا للإنسان , الفرد , بل تراه تحققه الوحيد الممكن : فقط في القطيع يمكن أن يوجد و يحصل على ما يمكن أن يحصل عليه : فقط كفرد من القطيع .. و الضعف عندها هو الوسيلة و الفضيلة لا القوة .. و إرادته خاضعة لإرادة الله , و إن لم يكن فلإرادة القدر .. لم تشكك الثقافة العربية المعاصرة بما سماه نيتشه بأخلاق العبيد و لا ثقافة القطيع , على العكس تماما : هي ليست أخلاقية فقط بل سوبر أخلاقية , و ليست قطيعية بل سوبر قطيعية : المواطن "الصالح" هو نموذجها و مثالها و غايتها لا الإنسان المتفوق حسب نيتشه أو المتفرد حسب ماكس شتيرنر .. ها هو ذا مالك بن نبي يريد أن "ينقذ" مفكرا جزائريا : عبد العزيز الخالدي , من براثن أستاذ شيوعي .. يقول له أحد أصدقائه "إن خالدي في ذمتنا يا سي الصديق" , لا يجوز أن نتركه للتيارات التي "لا تتفق مع فكرتنا و شخصيتنا و تاريخنا" .. فيقرر بن نبي أن يقدم له أحد كتب نيتشه , هكذا تكلم زرادشت , فيتوب المفكر و تنتهي حيرته , و كما يخبرنا بن نبي "و هكذا رجعت نعجة تائهة ردها نيتشه إلى القطيع الإصلاحي" ( مالك بن نبي , مذكرات شاهد القرن , دار الفكر المعاصر 1984 , ص 346 ) .. نبي الفردانية و الإنسان المتفوق و إرادة القوة , تستخدم كلماته التي تقطع كالفأس لهداية النعجات التائهة إلى "فكرنا و شخصيتنا و تاريخنا" .. و أخيرا تستخدم عدميته التي تنفي كل شيء عدا الفرد لوصف داعش التي تنفي الفرد بأقصى تطرف و لا تثبت الإنسان إلا بحالته السوبر قطيعية ... يمكن التساؤل هنا كيف فهم بن نبي و الخالدي كلمات نيتشه الفولاذية عن موت الإله و استبداله بالإنسان الأعلى , عن الأقوياء الذين يستغنون عن القطيع و لا يهابون مواجهة الخوف و الخطر , لا يحلمون إلا بالمجهول و لا يطلبون إلا المستحيل .. و كيف نفهم اليوم أيضا عدمية نيتشه ... هكذا قرأ نيتشه عربيا , نهضويا و فلسفيا و أخلاقيا و إصلاحيا .. إذا كان نيتشه قد حاول التفلسف باستخدام المطرقة فإننا نتفلسف باستخدام البخور .. إذا كان نيتشه قد حلم بأن يحمل سيفا فنحن نفضل سياطنا المرئية و غير المرئية .. إذا كان نيتشه قد أمات الآلهة ليولد الإنسان المتفوق فإننا ما زلنا نمارس فناء الذات في المقدس , أو في القطيع .. إذا كان نيتشه قد حلم بالطيران عاليا في الفضاء و لو لبرهة هي حياتنا القصيرة الفانية على هذه الأرض , فإننا نؤثر الالتصاق "بأرض الواقع" , و لو لبرهة فقط ..







اخر الافلام

.. القلق المالي سبب رئيسي لأمراض الجلد بين أوساط الشباب


.. موريتانيا: محمد الأمين.. أحد أشهر المدونين الشباب يخوض غمار


.. ليبيا: -كنز بنغازي-.. سرقة أكثر من 10.000 قطعة أثرية من مصرف




.. هل موافقة حماس على المقترح المصري يمكن أن تؤدي إلى المصالحة


.. فصيل على صلة بالحشد الشعبي يعلن استعداده للقتال مع الحوثيين