الحوار المتمدن - موبايل



نواظم التداخل بين الموروث الحكائي الشعبي و إكراهات كتابة القصة القصيرة الحديثة(قراءة نقدية تطبيقية في المجموعة القصصيية: -في القاع حكايات أخرى- للكاتبة التونسية نعيمة قربع

خالد بوزيان موساوي

2018 / 7 / 12
الادب والفن


صدر الكتاب عن دار النشر: زينب للنشر و التوزيع ـ قليبية، نابل/ تونس... الطبعة الأولى 2018 .. 80 صفحة، من الحجم المتوسط.
1 ـ السياق العام:
نعيمة قربع أديبة تونسية تنتمي لجيل الكاتبات و الكتاب المغربيين الذين أغنوا المكتبة العربية و مسيرتهم الابداعية المتميزة التي تجاوز إشعاعها حدود الجغرافيا الجهوية، بتراكمات ذات منابع و مناهل و مشارب متعددة.. منها ما هو تفاعل و انفعال تحت تأثير في .. و تاثر بجدلية الظرفية التاريخية المرحلية التي تميل أحيانا بسبب عوامل إيديولوجية و عقائدية و سياسية إلى شبه قطيعة (أو تصالح) ابستيمولوجي(ة) مع الماضي، و بمواقف متنورة و طلائعية إزاء نكسات الحاضر و مفاجآته ... و بمقاربات مختلفة ذاتية أو موضوعية لتصورات استشراف مرتبك للمستقبل...
و منها قراءاتهم للأدب العربي و العالمي قديمه و حديثه، و تشبعوا بالموروث الحكائي الأدبي الشفوي بحكاياته و قصصه و مقاماته و شعره و نوادره و مقاماته و أزلياته ، موروث على شكل فسيفساء مبهرة يتداخل فيه الأمازيغي بالقرطاجي بالفينيقي بالروماني بالعربي بالفرنسي... المدون (كتابي) والشفوي (متوارث أو وليد اليوم): حضور ضمني في الذاكرة لعنترة، و لشهرزاد، و لعلي بابا، و لبيدبا الفيلسوف، و لجحا، و لعيسى بن هشام، و للشاطر حسن، و لشجرة الدر، و لبلقيس، و لسيف بن ذي يزن، و لتوم الابهام، و لإزميرالدا، و للسندريلا، و لبياض الثلج، و للغولة، و لعيشة قنديشة (أو الكونطيسة)، ولقزمان الفراش، و لدون كيشوط، و للكاهنة، و لفينوس، و لعشتار، و لنيفرتيتي، و لكليوباترا، و لشمشون و لدليلا، و لتكفاريناس، و ليوغارطا، و لماسينيسا...إلخ.
و تندرج المجموعة القصصية "في القاع حكايات أخرى" للأديبة المبدعة التونسية نعيمة قربع في هذا السياق العام المتأثر بهذا الموروث المكتوب و الشفاهي.. و الذي يخيم على أجوائه واقعنا الحالي المتأزم و الملغوم... و بهذا الزخم المنسجم و المتناقض من الأفكار و المشاعر لدى المثقف العربي عامة و التونسي، في سياقنا هنا، خاصة، الذي أفرز أدبا جميلا في مظهره و أشكاله و بنياته و أساليبه و انزياحاته، و متوتر من حيث مضامينه و قضاياه و رسائله... و مرتبك في سياق قراءتنا للمجموعة القصصية هنا فيما يخص تحديد الجنس الأدبي: حكاية أم قصة؟...
2 ـ حيثيات اختيار عنوان المجموعة:
"في القاع حكايات أخرى"، هو العنوان الذي اختارته المبدعة نعيمة قربع لمجموعتها التي نحن بصدد قراءتها هنا... تمت صياغة هذا العنوان على شكل جملة إسمية بخبر مقدم (شبه جملة / ظرفية مكان) "في القاع"، و المبتدأ فيها مؤخر "حكايات أخرى"، (قد نتردد فيه بشأن إعراب "أخرى" حال / تمييز / إضافة؟)... تقديم الخبر في السياق لم يكن اعتباطيا أو سهوا.. بل إشارة للقارئ لتوجيه نحو فرضيات قراءة لا تكتفي كما الوجبات السريعة بمقاربة سطحية عابرة، بل بالاهتمام بما "في القاع"، أي بالتسلح بمعاول لاكتشاف الأغوار و الأعماق، و المسكوت عنه، أي ما ورائيات القصص تلميحا و مجازا و رمزا و كناية و تشبيها و مواقف و رسائل... لذا جاء المبتدأ متأخرا في الجملة (العنوان) ليخبرنا بأن الحكاية ليست مهمة في حد ذاتها و لذاتها، و بأن هناك في القاع حكايات أخرى... هي إفادة قد تثير فضول القارئ الذي قد يتساءل كما المثل العربي المتدوال في المغرب: "ما في جعبتك يا حاوي؟"، غير ما قرأناه؟... و إذا كان الحاوي في المعتقد الشعبي مروض أفاعي و يحتوي كيسه على أكثر من مقلب سحري، فحكايات مجموعتنا القصصية قد اعتمدت في تصورها على عملية توالدية زئبقية تجعل كل حكاية منطلق لحكايات أخرى... و هي تقنية كتابة سردية درامية أدبية شبيهة بتجربة الأديب العالمي جورج لويس يورخيس، بطلاق عليها النقاد تقنية الأدراج (Tiroirs)، أو المتاهات (Labyrinthes)... كل حكاية تشبه درج أو متاهة، و داخل كل درج/ متاهة، درج / متاهة ثاني (ة)، و بداخل الثاني (ة)، ثالث (ة)... و هكذا دواليك... كل حكاية / قصة حبلى بحكايات / قصص أخرى... و هي تقنية شبيهة أيضا ببنية رواية "مائة عام من العزلة" للأديب العالمي غارسيا ماركبز، حيث لا يتغير اسم و البطل و تتغير الأحداث و الأزمات و الحلول إلى ما لا نهاية...
إن اقتصرنا في هذا السياق المتعلق بتقنية الأدراج / المتاهات هذه على بعض الأمثلة من قصص المجموعة، نكتشف أن العنوان الرئيس ينطوي على 27 عنوان، و هو مجموع عدد قصص المجموعة، منها 10 صيغت على شكل مفردة واحدة ("السلاح" ص. 10 "الضحية" . ص. 13 ، "الحافلة" ص. 14 ، "الطريق" ص. 34 ، " المستنقع" ص. 36 ، "إغماءة" ص. 40 ، "غياب" ص. 50 ، "الكوخ" ص. 52 ، "الضحايا" ص. 56 ، و "روتين " ص. 52 .. تتجلى من خلالها تقنية الأدراج / المتاهات بشكل أكثر وضوحا...
فرغم استقلالية كل نص / قصة من حيث العنوان و المضامين و البنية و الأساليب و الأحداث، فهي تنقر على نفس مفاتيح بيانو حزين واحد... و بلغة فقهاء اللغة، تنتمي لحقل دلالالي واحد، و لثمثل معجمي معاصر، و لأساليب بلاغية محينة مع الاجتهاد: قصة "السلاح" في تناغم مع قصتي "الضحية" و "الضحايا"، كما السبب و النتيجة... و قصة "الحافلة" في تناغم مع "قصة "الطريق"، كوسيلتين لغاية... و قصة "المستنقع" تحاكي تحاكي نفس حالات الركود و الصمت و البؤس و الكآبة التي تتضمنها قصص"كوخ" و "غياب" و "روتين"...
3 ـ هل هي قصص أم حكايات؟
قد لا يفرق القارئ الغير مطلع على ضوابط و نظم و بنى و خصوصيات الأجناس الأدبية السردية بين جنس "الحكاية" و جنس "القصة" سواء كنت قصيرة أو قصيرة جدا...
و بالرغم من التصريح على غلاف المجموعة بأن ما بالكتاب "قصص"، إلا أن العنوان ""..... حكايا ...." ، يجعل القارئ المتمرس في حيرة من أمره من الناحية التقنية الصرفة، فيطرح السؤال: أهي "قصص" أم حكايات"؟
عادة "مطلع" كل نص، و غالبا "قفلته" ما يساعدان على التمييز بين هذين الجنسين الأدبيين:
للحكاية سواء كانت مدونة أو شفاهية
ـ بنية "مطلع" قارة مع اختلاف الأسلوب أو اللغة... هي موروث شعبي قديم جدا يتجاوز الجغرافيا و التاريخ، المرجع فيه (وهو مكتوب) و لدى غالبية شعوب المعمور: ما يشبه مطلع حكايات "ألف ليلة و ليلة" :
"مما يحكى ... أنه كان في قديم الزمان و سالف العصر و الأوان..."..
ـ و "قفلة" على شكل "حكمة"، أو "عبرة" أو "مثل"، أو "درس" (Moralité)، لها وظيفة أخلاقية أو فلسفية أو سياسية...إلخ.
و يمكن قراءة نماذج منها لابن المقفع (كليلة ودمنة)، و لبديع الزمان الهمذاني (في مقاماته)، و لنصر الدين خوجة (جحا و الحمار)... و بالنسبة لغير الكاتبين بالعربية يمكن قراءة حكايات بنفس البنية القارة لأدباء عالميين مثل Charles Perrault و H Christian Andersen و Wihelm Grimm...
و يمكن الرجوع لكتاب "مورفولوجية الحكاية" (Morohologie du conte)على سبيل المثال لصاحبه الروسي فلاديمير بروب للوقوف أكثر على وظائف و خطاطات و تقنيات جنس الحكاية منذ الأزل و عند كل الشعوب...
قصص "في القاع حكايات أخرى" لنعيمة قربع تخرج عن هذه النمطية، و بالتالي يستعصى (و قد يكون خطأ تقنيا) سجنها في خانة "الحكاية" كجنس أدبي مستقل...
صحيح أن قصصها مستوحاة من الموروث الحكائي الشفوي الشعبي قديمه و حاضره، لكن بنى نصوص المجموعة تختلف عن تصور بناء الحكاية من حيث عناصر التمييز مثل:
أـ مطلع القصة:
و من الأمثلة:
"دخلوا السجن و كبر الغضب تحول حقدا.." (من قصة "الربيع يأتي ليلا" ص. 7 ): بجد القارئ نفسه منذ الجملة الأولى (المطلع) في قلب الحدث.
"خرجا من النزل في ساعة متأخرة ليلا..." (من قصة "الطريق" ص. 34 ) : غياب فعل الكيونونة و ما شابه، مثل "كان"، و فعل إباحة السرد مثل "يحكى" رغم حضور الذات الساردة "هي"....
" أنا كلب... كلب من كلاب ضيعة أبي مسعود..." (القصة "قرار كلب" ص. 58 ): قد يوهمنا هذا المطلع من القصة بأن الشخوص من الحيوانات كما في "كليلة و دمنة" لابن المقفع ... لكن سرعان ما نستدرك الأمر، و نكتشف أننا تشخيص بلاغي لا أكثر، و أن للكلب في القصة رمزية تتجاوز بكثير النعوت الشعبية المتداولة لهذا الكائن الحيواني...
ب ـ القفلة:
و قد تكون أخر جملة أو عبارة أو كلمة مفردة... في جنس الحكاية هي "الحكمة" كما ورد سابقا إما مصرح بها، أو مستشفة، أما في مجموعة "في القاع حكايات أخرى" لنعيمة قربع، فالقفلة ليست بخاتمة، بقدر ما هي بداية لقصة أو قصص أخرى على نهج الكاتب بورخيس كما ذكرنا سابقا... و من ذلك هذه الأمثلة:
" اليوم أوقف زوجها سيارته أمام بيته و ترجل ليفتح الباب لزوجته الجديدة (...) أما هي فهذه السنة الرابعة لها في القبر..." (قصة "غياب" ص. 51 ): انتهت في هذه القصة علاقة رجل بزوجته بعد وفاتها... و حكايات أخرى "في القاع" و منتظرة تبدأ مع الزوجة الجديدة...
"كبرت و تغيرت و عجزت من يومها على أن تحترم أحدا... لا أحد عندها يستحق الاحترام..." (قصة "الفقر متهم ظلما" ص. 66.): تغير في الرؤيا و في الموقف تجاه الآخر، و ما قد ينتج عنه من سلوك و أحداث، لا يضع نهاية للقصة، بل يستفز فضول القارئ ليعرف ما آلت إليه أمور هذه المرأة بعد اتخاذها هذا الموقف في حياتها...
"سكن القضي في الأخير عن تململه، ثم غدا لهم صديقا ودودوا و أغرق معهم في الرقص و الطرب حتى نسي تماما إدانتهم و نسي حتى أنه قاض..." (قصة القاضي الراقص" ص. 43 ): نقط الحذف للكاتبة، و كأنها تقوم بدعوة كل قارئ بتخيل ما قد يحدث بعد هذا "النسيان"... تقنية تذكرنا بإحدى ركائز الكاتب العالمي الألماني "بريخت" (Bertolt Brecht) الذي كان يبدع في كتابة مسرحيات بدون نهاية... و يترك للجمهور مساحة التفكير و اقتراح نهاية أو نهايات ممكنة للمسرحية الواحدة... و هذا ما قصدته بالتقريب نعيمة قربع باستعمالها لكلمة "قاع" في "في القاع حكايات أخرى...".
نحن إذا مع جنس "القصة القصيرة" رغم إيهامنا من طرف الكاتبة بأن الأمر يتعلق بجنس "الحكاية"... فإضافة لتمظهرات "مطلع" و "قفلة" كل قصة... تختلف القصة القصيرة عن الحكاية باستعمال ركائز متشابهة ظاهريا (المرسل، المرسل إليه، الموضوع / الهدف/ القضية، المساعدون، المعارضون في إطار ثنائية الخير و الشر...) و مختلفة البناء و الأساليب و التراكيب و الانزياحات، و لو كانت القضية المطروحة واحدة... كما تختلف من حيث المبادئ الخاصة بها و المتعارف عليها، (كما لخصها الباحث ماهر دعبول) ك:
ـ مبدأ الوحدة: و يعني ان " كل شيء في القصة يكاد يكون واحداً , فهي تشتمل على فكرة واحدة و تتضمن حدثاً واحداً وشخصية رئيسية ولها هدف واحد وتخلص إلى نهاية منطقية و احدة و كما تستخدم في الأغلب تقنية واحدة وتترك عند المتلقي أثراً وانطباعاً واحداً."...
قصة "الطريق" (ص. 34 ـ 35 ) على سبيل المثال لا الحصر، هي قصة شخصين ثملين (و الثمالة في السياق رمزية) متشابهين متناقضين، يقلدان بعضهما في كل حركة حتى في اللامبالاة و النسيان... و يتشاجران بخصوص أيهما الطريق الصحيح الذي عليهما السير عليه... و كأنهما في مفترق الطرق... و هو سؤال فلسفي وجودي حول المصير المشترك للمغيبين عن واقعهم، و الجاهلين رغم ادعاءاتهم لوجهة خطاهم آنيا و مستقبلا...
ـ مبدأ التكثيف: و لا يعني مجرد التلخيص أو الايجاز، و إنما العمل المضني للبحث عن معجم و أساليب تجعلنا نتموقع في صلب الموضوع منذ البداية، و نخرج بعد قراءة صفحات قليلة و أحيانا أقل من صفحة، بما قد توحيه راوية "نهرية" (Roman fleuve) بمئات الصفحات... قصة "الكوخ" (ص. 52 من المجموعة القصصية ذاتها) لا تتعدى في طولها الصفحة (10 سطور): تبدأ ب:
"قضى العمر يرمم كوخه..." (السطر الأول): و يتضح أنه تم حذف التفاصيل، و إلا لاحتاجت الكاتب لعدة مجلدات...
و يتموقع في بداية الفقرة الثانية للنص عند مرحلة كبر الابن:
" لما كبر ابنه أخذ يساعده في الترميم... (السطر السابع).. و كأننا أمام ظاهرة حذف مسافة زمنية بأكملها تمتد من ولادة الابن إلى كبره، و كيف اختزلت وظيفته في مجرد إتمام عملية ترميم الكوخ التي بدأها أبوه..
و تنتهي القصة (أو تبدأ) بنفي كل ما تم إنجازه (و هو كل الحدث)، بالتصريح الغير مباشر (السطر ما قبل الأخير و السطر الأخير رقم 10 ) بأن عملية ترميم الكوخ لم تتم (و الكوخ رمز للمأوى و للأمان.. قد يكون مسكنا، و قد يكون وطنا...):
"و ورث أيضا كوخا متهالكا و هوسا بترميمه و إنكارا لتداعيه..."
ـ مبدأ الدراما: و هو عنص مشترك بين الحكاية (نثرا أو شعرا) و القصة و الرواية و المسرحية... و "يقصد بالدراما في القصة القصيرة خلق الإحساس بالحيوية والديناميكية , وحتى لو لم يكن هناك صراع خارجي ولم تكن هناك سوى شخصية واحدة."
و يتجسد هذا المبدأ فعليا في مجموعة "في القاع حكايات أخرى..." بلجوء الكاتبة التونسية المبدعة نعيمة قربع إلى تقنية "توالد القصص" من بعضها البعض، و قد تطرقنا إليها سابق في تضاعيف هذه القراءة.. و في تقنية "الانتظار" و "الترقب" و "التوقع"
كما في قصة "الضحايا (ص. 56 ـ 57 ):
"سكن الرعب في القلوب (...) الباب... الباب هو الخيط (...) كل يتزاحم على المكان الوسط بين الناس (...) و فجأة سقط أحدهم..."

نكتفي بهذا القدر لضيق الحيز و المجال... و لنا لقاءات أخرى مع الكاتبة المبدعة التونسية نعيمة قربع
و قراءة ممتعة أتمناها لكم أعزائي القراء للمجموعة القصصية " في القاع حكايات أخرى..."







اخر الافلام

.. الفنان بانكسي المعروف والمجهول


.. الفنان خالد عبدالرحمن يكشف لـ تفاعلكم تفاصيل حالته الصحية


.. تفاعلكم : الفنان أحمد مجدي يكشف تفاصيل لا أحد هناك




.. حوار خاص مع الممثلة اللبنانية ستيفاني صليبا


.. دورة تدريبة لفنون العمل المؤسساتي في ريف حماة