الحوار المتمدن - موبايل



ماعلاقة التوسع الرأسمالي بتخلفنا؟ -عودة إلى نظريات التبعية -

رابح لونيسي

2018 / 7 / 12
العولمة وتطورات العالم المعاصر


ما علاقة التوسع الرأسمالي بتخلف منطقتنا؟
- عودة إلى نظريات التبعية-

البروفسور رابح لونيسي
- جامعة وهران-



يلاحظ منذ عقود تغييب المنهج الماركسي في تفسير التخلف ولفهم التفاوت الطبقي الحاد سواء على المستوى العالمي أو المحلي، فقد أزداد إحتكار الثروة في يد فئة قليلة جدا مقابل إنتشار الفقر على المستوى العالمي، فمنذ عقود أجمع المفكرون والمحللون بأن 20% من سكان العالم يحتكرون 80% من ثرواته، ليزداد الإحتكار أكثر لتنتقل هذه الفئة المحتكرة لها من 20% إلى 08% فقط في السنوات الأخيرة، وهو ما يثبت النظرية الماركسية القائلة، بأنه كلما توسعت الرأسمالية، كلما أحتكرت أقلية جدا الثروة وتوسع الفقر أكثر، لكن نلاحظ تغييبا للتحليل الماركسي وتفسيراته للوضع الإقتصادي العالمي اليوم، ويختفي وراء ذلك ايديولوجيو الرأسمالية العالمية، وعلى رأسه الإعلام الذي تتحكم فيه الرأسمالية العالمية، ووصلنا اليوم على درجة أنه كلما عدنا إلى هذه التفسيرات يتهموننا هؤلاء بالقديم وبأننا لم نتحرر من ستينيات وسبعينيات القرن 20م، وبأن الأمور قد تغيرت، ويذهبون أكثر لتحميل المسؤولية للدول الفقيرة التي لم تعرف تسيير مواردها-حسبهم-، وذلك بنفس الشكل الذي رواه ماركس عندما يقول بأن البرجوازي في القرن 19 كان يفسر فقر الكادح بالقول له "أنك فقير لأنك كسول وغير نبيه" مغيبا عنه أن المالك البرجوازي كان يسرق عرقه بسلبه قيمة عمله والإكتفاء فقط بإعطائه أجرا حديديا فقط لتجديد طاقة عمله وإن رفض ذلك تم تهديده بجيش إحتياطي للعمال صنعه الرأسمالي لإبقاء العمال تحت ضغوطه -حسب النظرية الذهبية الماركسية-، نعتقد أننا بحاجة اليوم للعودة إلى نظريات التبعية للرأسمالية وإرتباط التفاوت الطبقي الكبير في عالم اليوم وإنتشار الفقر بتوسع الرأسمالية العالمية، فرغم إتباع دولنا لبيرالية إقتصادية إلا أنها عجزت عن الخروج من التخلف، لأن ما يمكن تسميته ببرجوازية في بلداننا فهي في الحقيقة برجوازية تابعة للمركز الرأسمالي، وتخدم مصالحه على حساب مصالح دولنا، وقد تطرقنا إلى ذلك في عدة مقالات سابقة لنا، لكن بودنا اليوم أن نتحدث عن نظريات التبعية، ونضعها أمام القاريء الكريم، ليصدر حكمه بنفسه عن مدى صلاحيتها لتفسير تخلفنا اليوم
قد ظهرت في الحقيقة عدة نظريات تحاول تفسير نشأة التخلف في العالم الثالث الذي يعتبر منطقتنا جزءًا منه، وقد عمم البعض هذه النظريات على كل بلدان العالم الثالث دون الأخذ بعين الاعتبار لخصوصيات بعض المناطق، كما حاول البعض الآخر وضع نظريات تنطبق فقط على بعض المناطق دون الأخرى من العالم الثالث .
ويمكننا تصنيف نظريات تفسير نشأة التخلف ثلاثة أصناف، صنف ربط نشأة التخلف في العالم الثالث بظهور الرأسمالية الأوروبية، وما صاحبها من استعمار لهذا العالم ونهب ثرواته، وتطلق على نفسها نظريات التبعية، ونجد صنف آخر من هذه النظريات حاول أصحابها الرد على نظريات التبعية، فحاولت أن تذهب إلى ما قبل ظهور الاستعمار والرأسمالية، وتجيب عن سؤال أساسي، وهو لماذا ظهرت الرأسمالية الصناعية في أوروبا، ولم تظهر في بلدان منطقتنا الذي كانت تسوده رأسمالية تجارية أو مركانتيلية أكثر تطورا من المركانتيلية في أوروبا؟، أما الصنف الثالث والأخير من هذه النظريات، فتنطلق من فكرة المركزية-الأوروبية التي تحتقر كل ما ليس بأوروبي، فحاولت أن تجسد فكرة مفادها أن تخلف منطقتنا طبيعي وحتمي، ويردون سبب ذلك إلى ثقافته ونفسيته ووضعه الاجتماعي، ونحاول في هذه المقالة التذكير بنظريات التبعية التي تربط تخلفنا بظهور الراسمالية لعلها تفيدنا مستقبلا وتطرح أمامنا إستراتيجيات تنموية بديلة للخروج من تخلفنان ومنها فك الإرتباط بالرأسمالية العالمية التي مافتئنا ندعو إليها، خاصة في كتابنا "النظام البديل للإستبداد-تنظيم جديد للدولة وأفقتصاد والمجتمع-"".

تعتبر هذه النظريات أن العالم الثالث لم يكن متخلفا قبل أن تستولي عليه أوروبا الإستعمارية وتنهب ثرواته، وتوجه اقتصادياته لخدمة الاقتصاد الاستعماري الرأسمالي، وتعتبر أن ذلك النهب هو وراء التراكم الأولى للرأس المال في أوروبا، وعلى هذا الأساس فكلما نمت وتوسعت الرأسمالية الأوروبية قابلها نمو وتوسع التخلف في العالم الثالث .
وقد ظهرت نظريات التبعية أول ما ظهرت عند المفكرين الإقتصاديين في أمريكا اللاتينية، ونجد على رأسهم الاقتصادي الأرجنتيني راؤول بربيش Raoul Brebich الذي وضع نظرية القلب والتخوم، ويعني بها أن الرأسمالية الأوروبية نجحت في توحيد العالم في نظام رأسمالي بإستعمال القوة والاستعمار، فتمركزت بذلك القوة والثروة بيد القلب أو المركز الرأسمالي العالمي على حساب أطراف أو تخوم هذا النظام، ويشبه بربيش هذا النظام الاقتصادي العالمي بالمجموعة الشمسية أين التخوم أو الأطراف تدور حول القلب أو المركز الرأسمالي، فكلما ازدادت قوة المركز الرأسمالي ووزنه انجذبت إليه أطرف أو تخوم النظام الرأسمالي العالمي. ويميز بريبش بين الطبقة الرأسمالية في المركز أو القلب والطبقة الرأسمالية في الأطراف أو التخوم، فالأولى مبدعة ومدخرة، أما الطبقة الثانية فتابعة ومحاكية للغرب ومستهلكة ومترفة.
ونشير إلى أن الكثير من الاقتصاديين في أمريكا اللاتينية أثرو نظريات التبعية، ومنهم فرانك A.G.Frank الذي قال بأن بلاد أمريكا اللاتينية لم تكن متخلفة ولا متقدمة، لكن بمجرد إدماجها العنيف على يد الإستعمار في النظام الرأسمالي العالمي أصبحت متخلفة جدا في الوقت الذي تقدم فيه الغرب الرأسمالي، أما إيمانويل والرستين Immanuel Wallerestein فيرى أن نهب بلاد أمريكا اللاتينية أدى إلى نمو الصناعة والزراعة في أوروبا في نفس الوقت الذي حرمت هذه البلاد من مواردها وفرص نموها.
ويقول أوسفالدو سينكل بتوجيه اقتصاديات بلدان العالم الثالث لخدمة الاقتصاد الإستعماري الرأسمالي، فاستخدمت هذه البلاد لإشباع حاجات المركز الرأسمالي، وليس حاجات العالم الثالث، ففرض الاستعمار التقسيم الدولي للعمل، أين تخصص العالم الثالث في إنتاج وتصدير المواد الأولية والمحاصيل الزراعية النقدية كالقطن في مصر والكروم ثم النفط في الجزائر، والقصدير في بوليفيا، والبن في البرازيل، وقصب السكر في كوبا، والكاكاو في غانا، والشاي في الهند... وغيرها من المواد، ويقوم المركز الرأسمالي بتحويل هذه المواد الأولية إلى مواد مصنعة، ثم يعيد بيعها إلى بلدان العالم الثالث بأسعار مرتفعة جدا.
بناءً على ما سبق يمكن لنا تلخيص الحجج والبراهين التي يستند إليها أصحاب نظريات التبعية عند وضع نظرياتهم حول أمريكا اللاتينية في:
- نهب الغرب لثروات العالم الثالث مما وفر تراكما أوليا للرأسمال في المركز الرأسمالي.
- التقسيم الدولي للعمل الذي فرضه الاستعمار، والذي أدى إلى التبادل اللامتكافئ بين الغرب الرأسمالي والعالم الثالث .
- إنشاء طبقات ومؤسسات سياسية واقتصادية واجتماعية في العالم الثالث مرتبطة بالمركز الرأسمالي وفي خدمته .
وحاول بعض المؤرخين والاقتصاديين في أمريكا اللاتينية تعميم هذه النظريات إلى مناطق أخرى من العالم الثالث، ومنهم المؤرخ الاقتصادي الغوياني والتررودني في كتابه "أوروبا والتخلف في إفريقيا"، أين حاول أن يثبت أن إفريقيا وأوروبا كانتا متقاربتين من الناحية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في القرن 16م، لكن سيطرة أوروبا على التجارة الدولية وممارستها لتجارة العبيد في القارة، وغزو سلعها للأسواق الإفريقية أدى إلى إعاقة التطور الطبيعي لإفريقيا اقتصاديا وتكنولوجيا، قبل أن تصبح لقمة سائغة للإستعمار الأوروبي في القرن 19م، وأوضح والتر رودني في بحثه مدى مساهمة إفريقيا في التطور الرأسمالي طيلة خمسة قرون، وكيف ساهمت أوروبا في تجسيد التخلف في القارة السوداء، ليتوصل إلى نتيجة مفادها أن هناك علاقة "إندماج كل من التنمية والتخلف في نظام واحد هو الأمبريالية الرأسمالية"، لأن من طبيعة الرأسمالية "تركيز كل من الثروة والفقر وإستقطابهما في طرفي نقيض على الصعيد المحلي والأوروبي والعالمي" .
لا يمكن إعتبار ميلاد نظريات التبعية في أمريكا اللاتينية ومحاولات البعض تعميمها على بعض المناطق كأفريقيا السوداء، بأنها محاولة من أصحابها لتبرير التخلف في هذه المناطق، بل يبدو لنا أن تاريخ التوسع الرأسمالي يفرض ذلك، فلو عدنا إلى تاريخ التوسع الرأسمالي الأوروبي يظهر لنا أن اكتشاف العالم الجديد في عام 1492م، يعتبر نقطة بداية النظام الرأسمالي العالمي، وأن نهب أوروبا للمعادن الثمينة وممارستها تجارة الرقيق في الإنسان الإفريقي كان وراء نشوء التراكم الأولي للرأس المال في أوروبا، والذي استثمر في الثورة الصناعية فيما بعد، ثم فرضت أوروبا أساليب أخرى لضمان تدفق الفائض الاقتصادي عليها من المناطق الأخرى من العالم، ومن هذه الأساليب نجد الإستعمار وتخصيصها بعض البلدان في إنتاج مواد زراعية وأولية معينة، وإنشاء طبقات مرتبطة بها، وتحمي مصالحها .
لكن لا يمكن لنا إعطاء نفس التفسير لنشأة التخلف في العالم الإسلامي، لأن هذا العالم لم يتعرض للإستعمار الأوروبي إلا في القرن 19م، فلا يمكن لنا أن نربط بين نمو الرأسمالية في أوروبا وبروز التخلف في بلادنا، ويمكن لنا الاكتفاء فقط بالقول أن الاستعمار قد كرس التخلف بربطه اقتصاديات العالم الإسلامي بالمركز الاستعماري الرأسمالي منذ القرن 19م، هذا ما دفع البعض إلى البحث عن الأسباب العميقة لنشأة التخلف في العالم الإسلامي ورد أسبابها إلى فترة ما قبل ظهور الرأسمالية في أوروبا .

ترى هذه النظريات أن أسباب التخلف في منطقتنا لا يعود إلى ظهور الرأسمالية وما صاحبها من إستعمار، لأنه لو كان العالم العربي والإسلامي متقدما لما وقع بكل سهولة في يد الإستعمار، فمن الجدير أن يتم البحث عن أسباب التخلف في عمق مجتمعاتنا قبل الاستعمار، خاصة وأن العالم الإسلامي كانت تسوده رأسمالية تجارية مزدهرة جدا، لكن هذه الرأسمالية لم تستطع الانتقال إلى رأسمالية صناعية مثلما حدث في أوروبا .
ونجد هذه النظريات لدى ثلاثة مفكرين، وهم سمير أمين بنظريته "التطور اللامتكافئ"، ومحمد السيد سعيد بنظرية حول تخلف التشكيلات الاجتماعية في منطقتنا ما قبل الاستعمار، ومالك بن نبي صاحب طروحات القابلية للإستعمار والمسلم ما بعد الموحدين أو ما بعد الحضارة .
وسنحاول العودة إلى هذه النظريات بالتفصيل في مقالة قادمة


البروفسور رابح لونيسي
- جامعة وهران-







اخر الافلام

.. الجمل الموريتاني.. مأكل ومشرب ومركب وسلاح فتاك لتحقيق النصر


.. فرنسا: المدير السابق للقصر الكبير أنفق أكثر من 400 مئة ألف ي


.. بجرأة لا مثيل لها.. فتاة تتحدى الجاذبية على -جدار الموت-




.. الباحثة اللبنانية ريتا فرج في حديث العرب


.. مرآة الصحافة الثانية 21/9/2018