الحوار المتمدن - موبايل



عوائق فكرية

إبراهيم الوراق

2018 / 7 / 19
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


عوائق فكرية
-1-
قد نكون متوهمين حين نظن أن عملية تطهير الشارع العام، ومحاولة تقنين أخلاقه، وترتيب سلوكه، هو الذي يجعلنا أمة متحررة من كبتها النفسي، وعنفها الاجتماعي، لأن ما يتراءى لنا من مظاهر منحرفة على سطح شوارعنا الناطقة بكل خلفياتنا الدينية، ومرجعياتنا الثقافية، وثوابتنا المعرفية، لم يكن إلا نتيجة حتمية لما آل إليه وضعنا في صياغة مفهوم التربية، والتعليم، والتثقيف، وغاية لازمة لأنساق انجررنا إليها بحكم التغريب، والتحديث، والتطوير، لاسيما في وضعيات دهمتها الحضارة الغازية، وألزمتها بكيفيات خارجة عن سياقها التربوي، والعلمي. فهل يستلزم القضاء على مظاهر الفساد في شوارعنا، والإنهاء لتجسداتها في مسالكنا،والإحجام لنزواتها في دروبنا، أننا قد أزلنا تلك الغدة السرطانية التي تنخر جسمنا، وتهدم كياننا، وصرنا إلى وضع أجمل مما كنا عليه في سالف عهودنا.؟ ربما، لم نستطع أن نفهم ما معنى المجتمع بالتعريف الفلسفي، والسياسي، والاقتصادي.؟ وما هو الشارع العام، والفضاء المفتوح على كل التيارات المتعارضة، أو المتحاورة.؟ وما هو المطلوب منا جميعا حين نتآلف مع أوضاعنا الاجتماعية التي تعبر عنها هوامش مدننا، وحواضرنا، وموارد أرزاقنا، وأقواتنا.؟
قد يقول قائل؛ وهذا ما يتردد كثيرا على ألسن رجال الدين، والساسة، بل هو شعار يرفعه كل من يريد أن يعرض علينا مشروع إصلاحه المخذول، إن ظهور الناس بمظهر الالتزام بالقانون، واحترام ما يتشكل منه بناءه الخارجي من التزامات، وقيود، هو الدليل على أننا نغدو نحو تمثل حقيقة ازدهارنا، وتقدمنا. لكن هل يصح ذلك في صياغة مجتمع معتدل، وسوي، لا تتنج عنه دواعي التشدد، والتطرف، ونحن نرى قوة القانون في الاقتناع بحقيقته، والالتزام بمقاصده، لا في الإلزام بشكله، ورسومه الفارغة من الرادع القيمي، والأخلاقي، والإجبار على إبرازه بصورة القوي الذي له سلطة على الجميع، وكلاهما يفضيان إلى الامتثال له، والاستجابة لمقتضاه، ما دامت عينه رقيبة، أو الانحراف عنه عند الأمن من غوائله، والتحرر من ضغوطاته النفسية، والاجتماعية.؟
ربما، ومن باب الالتفات عما يطلب منا فعله في آسن الأوضاع، وفاسد أوضارها، نرى هذه الشعارات بمنزلة مخلص أمين، يمكن له أن ينقذنا مما يطال مجتمعاتنا من ظواهر التحرش، والاغتصاب، والجريمة المنظمة، وأن يتنشلنا من إفراز العنف المقدس بين الخطايا والحسنات، وكأنه سيقوم بعملية الإخصاء للفحول المتهوكين بالنظرات الحارقة، لئلا يُشهد في المجتمع فاسق، أو فاجر. لكن، هل تحقق ذلك في التكتلات الأكثر تدينا، وهي ترى المرأة عورة يجب تغليفها في قماش أسود، تبدو فيه وكأنها غراب تائه.؟ ألم تطرد ذلك من شوارعها، لكي تدخله إلى بيوتها.؟ ألم تتحول آليا وبسبب الإدمان على هذه التصورات البائسة إلى الدعارة المعنوية، وهي أخطر ضررا في بناء تصورات الحرية، والكرامة.؟ شيء مربك لنا حقيقة، لأننا في زمن من الأزمنة، نجد أماكن متوافرة للدعارة،ومفتوحة الباب على نقصنا، وكبتنا، وتمارس فيها كل الحريات التي تعبر عن ثقافتنا المتشكلة من عناصر متنوعة، وفي وضعيات مختلفة بين المواخير الملتصقة بمحيط المدن، وهوامشها، ولا أحد يعتب على ذلك، أو ينعى وجودها، ما دامت بائعات الهوى تقدمن خدمة لطلاب اللذة، والمتعة، وهي ترويض هوج المكبوتين، وتسكين وجع المسعورين، إذ لو أغلقنا هذه البيوت التي ألفها الإنسان على امتداد تاريخه البشري، وأزلناها من المهن التي ينظمها السياق العام، وحولنا أماكنها إلى دور عبادة، فهل يعني ذلك أننا تخلصنا من عقدة الجنس، أو من معرة الفساد الأخلاقي كما يسميه المتدينون.؟
ربما يمكن لنا أن نعوض ذلك بحيل التعدد، وزواج المسيار، وغير ذلك من الصور التي توجز معانيها ارتباك العقل الديني أمام حقائق الواقع، ومشكلاته العميقة. لكن، هل ضمن ذلك للمرأة حريتها، وكرامتها، وهي تتحول إلى بضاعة يشتريها الأغنياء بأبخس الأثمان، ويسترفدها الفقراء بأنجس الأفكار.؟ وهل أنهى ذلك قضية التفكك الأسري، وأزمات المجتمع، وهمومه المجحفة.؟ أليست المرأة هي المسئولة عن خياراتها، واختياراتها، ما دامت عقلا يسير بكنهه في مجتمع أخلاقي، وأنساني، لا دور فيه للكلاب المسعورة بعقد الجنس الرخيص، وساديته.؟ لعل اعتبارها جسدا ثائرا، ومنتفضا، ومترعا بمناطق الإثارة، والإغراء، قد جسدها في الذهن على أنها شيطان مفارق، ومخالف، لأنها في عقل من يتصورها بهذه الأفكار البدائية، تعتبر السيف الفتاك الذي يمكن له أن يقضي على تلك البراءة المكنونة في عمق المتدين، إذ هو حين يشهد كماله في محاربتها، وإضفاء نعوت القدح عليها، سيتخلص مما تمليه عليه طبيعته من رغبات، وشهوات، وإذ ذاك، لن يعيش متأثرا بمظهرها، ولا متحيرا بموقعها، ما فتئت تضع قماشا على رأسها، وتمشي الهوينا بين الدروب، والشعاب، لأن وجود ذلك الوضع المفترض، هو الذي سيهبه القوة على الالتزام بتطبيقات الدين، ويمنحه القدرة على الصعود إلى عالم السماء، إذ فرض هذا السياق المتعالي، ولو جافى الطبيعة، وخالف نواميس الصراع بين الخير، والشر، لا يعيد المسئولية إلى طاقة الإنسان، وقدرته على مجاهدة نزواته الحقيرة، بل لا بد من وجود محيط متدين، يكون هادئا، لا صاخبا بما يتفاعل فيه من قوى، وبنيات، ومؤسسات، لئلا يحس بكل ما يؤثر على ملائكيته، ويهدمها، ويدمر خيارها في الطهرانية، إذ هي في الحقيقة نابعة من الداخل، وتكون فاعلة إذا تأسست على فكر قويم، لا يتزلزل بالمؤثرات الخارجية، وإلا، فإن خياره سيكون مهددا بما يدسه الشيطان في روعه، وخلده، ويغرسه فيه من صور الرذيلة، والفسوق، وحينئذ تغيب الإرادة الحاسمة للصراع بين الذات، وأبعادها البرانية، ويكون الدين عبارة عن الخروج والهروب من عالم البشرية. فهل تحرر بعد أن صنع صورة هذه الصورة القاتمة لمجتمعه من هذا الكابوس المزعج.؟ أم ما زال هائجا، مائجا، يبحث عن اقتناص فرصته منها، ولو بتأويلات وتحريفات يلبسها لباس التقوى، وهي عارية من القيم، والمثل.؟
إن هذا النمط من التفكير، لن يتحرر به العقل من هذا الصور المخيفة، بل يضيفها قوة، ومناعة، ثم تستحيل مع طول التجربة إلى بعبع مزعج، ووحش كاسر، وربما تتحول في تراكماتها إلى أشكال منحرفة في التعبير عنها،والإفصاح عن مقتضياتها في عالم المادة، والأشياء، لأنها في تناقض أفكارها، ومقارعتها لواقعها، تكون أعسر على الحل الحقيقي، وأبعد عن التحقق بما هو مطلوب خلقا، وسلوكا، إذ فيها مخالفة الطبع، ومجانفة الطبيعة، ومجافاة لما تستقيم به النظرة بين الذكر، والأنثى، إّذ يكون ذلك كاشفا للصورة الحقيقية للإنسان، وما تنطوي عليه حقيقته من ذاتية، وأنانية، لأنه كما يحتاج إلى إيديولوجية تفسر أسئلته الأنطولوجية، فإنه محتاج إلى أماكن للهو، واللعب، والترفيه،والمرح، إذ هو لن يعيش متألما بنزاعه الجواني طيلة حياته، ومعذبا بما يمليه عليه ذلك من شقاوة، وتعاسة، لأن عمره قصير، وإذا عد ما فيه من ساعات الفرح، وقارنها بما ضاع منه بين دياجير القرح، لن يجد في حصيلته إلا لحظات بسيطة، عاشها غير مقيد بما تفرضه عليه طبيعة فكره المحارب لذاته، والمنابذ لرغباتها البشرية.
لكن حين نريد أن نظهر انتماءنا إلى الدين بهذه المظاهر العجفاء، ونقيم الدنيا ونقعدها من أجل فرض أنموذج يكون الأمثل في الالتزام به شكلا، ومضمونا، لكي نحمي المجتمع من هذه المظاهر الناشزة،والنافرة، فإننا نخادع أنفسنا، ونجامل واقعنا، ونتنصل مما هو وظيفة لنا في رفع عماد الحضارة الإنسانية بين مراحل حياتنا الكونية، لأن إغلاق دور البغاء التي تنشط الدورة الدموية لكثير ممن لا يجدون أماكن لقضاء النهمة في الجنس الطبعي، سوى هذه الأبواب المفتوحة على مطلق رغباتها، وشهواتها، وهي محلات تروج فيها الحقائق التي نلفها بالنسيان، ونزمها بالكتمان، وربما نمعن في التستر عليها، وإخفائها إلى حد إنكار وجودها، على اعتبارها ضرورة إنسانية في بناء المجتمع المتنوع، ولازمة في شموليته لكل ما يمكن أن يكون بشريا، ولا يعاف ظهوره، ما دام وجوده يعبر عن مكون من مكونات الشخصية الآدمية الحقيقية، هو الذي سيجعل سعار الجنس متفشيا، ومنحازا إلى صور ذهنية أخرى، قد تصير ضررا فادحا على السلامة الاجتماعية، لاسيما في وضع لا يتأثر بأوجاع الجوعى، والمرضى، ولا يتعذب باغتصاب الطفولة، واحتقار الأنوثة.
فلذا، كان من لازم الإصلاح، وفي جميع المجالات الحيوية للمجتمعات البشرية، أن نربي عقل الإنسان، وننمي في ملكاته قيم الفضيلة، ونساعده على تأسيس مفاهيمها في حدوده الذهنية، وتصوراته الباطنية، لكي يكون قادرا على امتلاك قراراته أمام إغراءات الجسد، ومتاهاته التي تختزن ما تعاقب عليها من أفكار الحضارة المادية الرديئة، إذ ذلك ما يجعله مالكا لإربه، ومطيقا لأن يسير في حياته بدون ألم يعطل جهاز فاعليته، ونجاعته. وذلك مما لا يتم إلا بإدماج التربية الجنسية في مقررات المدارس والثانويات والجامعات، وهذا أولا، وثانيا، أن نغلق كل منافذ الفقر، والهشاشة، والتهميش، ونوفر فرص العمل والعيش الكريم، لكي تتأسس مبادئ الحياة على تكامل الجسد، والعقل، وتقابلهما في الكائن العاقل، والفاعل. لكن، أن نغلق بيوت الدعارة، وننسى أننا كنا في زمن ما منفتحين على نزواتنا، ولكننا كنا أقل جريمة في سلوكنا، وأكثر أمنا على نسائنا، وأبنائنا، فهذا يعني أننا استحلنا إسلامويين مظهرا، ولو لم نر منهم في تجربتنا التاريخية إلا الخزي، والعار، والخراب، والدمار، لأن صناعة كائنات متعالية عن ذاتها، ومتنائية عن واقعها، لن يتأتى لنا أبدا، إلا إذا تواطأنا على الكذب، والدجل، والخداع، والتأمنا على جعل ذلك وضعا عاما، نحكم على مخالفه بأقسى النعوت، والصفات.
شيء، عشناه في كل مكان يعج بآلاف الزوار الذين يحملون أوزارهم إلى هذه البيوت المنتشية بالبحاث عن المتعة، فيجدون فيها الأمن، والسكينة، والهدوء،(وهذا ما أراح بال سارتر في زياراته المفاجئة لحي العواهر) ثم تنتهي الليالي الحمراء عند هالة القمر، ويعود الضيوف إلى بيوتهم مثقلين بمشاعر الامتنان، إذ ذلك، ولو خالف الضوابط اللازمة لحماية الأنساب، والأحساب، يصرح بقدرة المجتمع على إفراز عقده، وإظهارها بجلاء، لأن ظهور ذلك، ومهما كان مستهجنا في العقل الديني، ومستقذرا في الطبع البشري، لا ينظر إليه من حيثية كونه قضية شرعية، إذ ذلك معروف بالبداهة، بل ينظر فيه إلى ما ينطوي عليه من احتياج الإنسان، وخصوصياته المرتبطة بحاجاته، وكمالاته.
وما دمنا نحفد إلى صلاح المجتمع، فإن عملية إصلاحه، لن تكون بوسيلة الزجر، والردع، والوعظ، والإرشاد، بل لا بد من استجلاء الظاهرة في جميع أبعادها، وملامحها، لكي يتأتى لنا أن نعالج ما يمكن تلافيه بأساليب تقضي على جذور المشكلة، وأسبابها الباطنية، إذ بإمكاننا أن نهذب هذه الغريزة، ونشذبها، ونجعلها ناجعة في صناعة النوع، وفاعلة في بناء القيمة التاريخية والحضارية للإنسان. وإلا، فإن نسيان أسباب هيجان الغرائز، وفورانها، سيصرفنا عن العلاج الحقيقي، ويبعدنا عن إيجاد مناخ معتدل، وطقس قابل للحرية في الخصوصية، وإذ ذاك، سيكون مصير كثير منا ما يناله من شدة العقاب، وهو لم يحاسب إلا بالنتيجة التي كانت ضحية لها، لأن عدم امتلاكنا لأدوات ضبط الوقت، ووأد الفراغ، وآليات لصياغة شباب فاعل، وإيجابي، لن يمهد السبيل إلا لهذه الخلجات التي تستحوذ على النفوس، والخطرات التي تتوارد على العقول.وحينئذ، سنعاقب عاطلا عن الفعل، والإنجاز، والإبداع، وهو لو هيئت له المهاد، ومهدت له السبل، لكان منتجا، ومخترعا، ومبتكرا. لكن نسيان هذه الأسباب، وهو عطالة الإنسان، وفراغه، وضياعه، لن ينهي المشكلة، ما دامت قضيتها مرتبطة بأسباب حقيقية، هي الدافع إلى وجودها في المثال، والواقع.
وهناك، وفي ذلك الزمن الذي كان فيه الإنسان جديرا بأن يلتف حول ما يريد، وبدون مزايدات وامتيازات يكسبها بإظهار التدين الأمثل، ازدهرت العلوم الشرعية، والأدبية، من شعر، وفن، وموسيقى، ومسرح، وسينما، ورقص، لأنها كانت تعبيرا حقيقيا عن الإنسان النقي، وعن صيرورته المتصارعة بين ما هو إلهي وبشري فيه، إذ كان قادرا على كتابة حقيقته على أرض واقعه بلا مواربة، ولا مماذقة. لكننا اليوم، وبعد أن غزتنا الأفكار الهمجية الواردة علينا من خارج دائرتنا، ودهمتنا جحافل هؤلاء الشاحبين باسم الحرص على الأديان، صرنا منفصمين، ومنفصلين، نكذب، وننافق، ونجامل، ونتلاعب بالألفاظ، ونتوارى وراء الاستعارات، ونتمدد على بساط التعميمات، وكأننا نخشى في وضوحنا وصراحتنا أن نهان، أو ندان، لأن الإسلامويين بطباعهم الجافة، وأخلاقهم القاسية، قد فرضوا على المجتمعات العربية نسقهم الفكري، وسياقهم الخرافي، فأرادوا أن تكون هذه الأمة ملائكة بدون رغبات.
شيء حقير أن ننمط الشارع، والمجتمع، والدولة، ونخال أننا نتقدم إلى الأمام، لأننا سنكون منسجمين ظاهريا، وخوفا من معاقبة الأنساق، ومتنافرين باطنيا، إذ سيعيش كل واحد منا صراعاته في قاعه، فلا يكاد يجد مكانا لإفشاء سره، ولا للإخبار عن أمره، إذ ما لم نطق أن نعبر عما يختمر في أغوارنا، وما ينفجر بين قيعانها من رغبة، وشهوة، لن نكون إلا نسخا محرفة لأفكارنا المهجنة، وقيمنا المزيفة. فما قيمتنا إذا لم يعبر كل واحد منا عن حريته بلا خوف، ولا إذعان لمعرفةٍ تحوِّل الحقائق البشرية إلى طابوهات، ومحرمات، وممنوعات.؟ أليس من العار أن نكون ملائكة في الظاهر، وشياطين في الباطن.؟
ولذا، أقول: دعوا المجتمع يفرز ما فيه، ولا تزرموه، ولا تقيدوه، فإن علاج الانحراف لن يتم بالمعاقبة على ما هو مخالف للقانون، إذ ذلك لا يصدر إلا عن الجانحين الذين سكنت الجريمة أعماقهم، وغدوا خنجرا حادا للترويع، والترهيب، بل يتأتى لنا تطبيق ذلك التزاما، حين نكون أحرارا، ونشعر بأن ما يجمعنا على سطح هذه الأرض، هو بناء الوطن، واستقلاله، ونماءه، وازدهاره، وأن ما يفرق بيننا، ويشتت أحلامنا، هو كل ما يجعلنا فقراء، وأميين، ومرضى، ومتأزمين.
تعليق على هامش الموضوع
لا شيء، يعتم رؤية العقل أكثر من الإحساس بأن الآفاق مسودة، ومربدة، إذ ذلك يؤثر سلبا على التفكير، ويعطل جاهزيته لرعاية الواجب الذي يجب أن يقوم به في لحظة هو مضطر لاتخاذ القرار المناسب، لئلا يفقد بوصلته، ويضيع بين عينيه منتهى الاتجاهات، ثم يتحول إلى هادم لذاته، وناسف لغده، وداعس لكل ما يمكن أن يحول إخفاقه إلى نجاح باهر. ولذا اقتضى الواقع أن نتعايش معه، ونتفاعل في حدود تمكننا من تشخصيه، وتدبير أزماته بما يقتضيه قانون البقاء، وناموس السعادة، إذ يعسر على إنسان التأمت حوله كل المعاني السوداء، أن يفجر غيرُه في دياجير عمقه نورا، ما دام هو قد أصر على أن لا حل موجود في الكون، لأن الإيقان بأن كل نفس نزفر به، ونشعر بأنه يحمل آلامنا الباطنية، ونحس أنه بإمكانه أن يكون خلاصا من معاناتنا، ومآسينا، هو ما يفتح أبواب الرجاء، ويوضح السبيل نحو ذلك الأمل الهادئ، واللطيف، ويمهد الأساليب لاختراق تلك الحجب المتكاثفة على مظاهرنا الخارجية، ويطور حاسة الإدراك بما يلزمنا من مغامرات تحث على التزام مبدأ الجرأة، والشجاعة، لكي نزيح أغلال العناء، وأصفاد الشقاء، وإلا، فإن البكاء على الأطلال، والانتحاب على القبور، والارتواء من سؤر الذكريات الأليمة، وانتظار ما هو أسوأ في مجهول المستقبل، لن يشل إلا الإرادة المنفتحة على أعماق الأشياء المطلوبة، والمستحسنة، ويعوق وجهات النظر إليها، ويمنع من مواصلة السير إلى الأمام. وذلك ضرره خطير على الكيان المادي والمعنوي للإنسان، لأن نجاحنا ليس في الاسترزاق بالأفكار، والاستمناح بالقيم، والاستملاك بالمثل، وهي في أساسها ما وضعت إلا لتكون منهجا للإنسان، وشرعة له إلى رغباته التي يحن إلى عنفوانها، ونشاطها، لا أداة لضبط فاعليته، ونجاعته، أو استعباد طاقاته، وملكاته، إذ ما فائدة الدين مثلا، إذا صار وسيلة لمراقبة إحساس الإنسان بكرامته، ومحاسبته على ما يخالف قناعاته، وآرائه، ومعاقبته على تجاوز جهود طلاب فقره، ومرضه.؟ إن تحول الدين من طابعه الفردي إلى عوالم الجماعة التي لا تفترض استقلال المتدين، وحريته، لن يجعله عنوانا على الإرادة البشرية الخيرة، إذ هي لا تكون حقيقية في قدرته على الفعل، والإنجاز، ومبدعة لطرق الكسب، والغايات الجميلة، إلا إذا أحست بتماثل الناس جميعا أمام مقتضى الاعتقاد بالإله، لأن كسب الامتيازات بدعوى الوساطة بين الإنسان، وإلهه، أو بدعوى عدم قدرة فهم خطاب الإله إلا لمجموعة معينة، هي التي تمتلك حق التفسير، والتأويل، لن يعيدنا إلا إلى عصر الجاهلية في كل دين، وثقافة، وحضارة، إذ في كل جاهلية نجد استعباد الإنسان باسم الآلهة، وهي تتشكل كثيرا في الأشياء الطبعية، كالأحجار، والأشجار، وغيرها، لأنها بمقدار ما ترسم خط السماء، فإنها تستهدي إلى أقواتها بما ينتشر على الأرض، ولو كان مصنوعا لأداة وظيفة بيولوجية في الحياة الإنسانية. (فالعرب مثلا، استغلوا الأحجار، فنحتوا منها آلهة، ثم روجوا لتعالي صورتها، لكي يبيعوا وهم قدرتها لغيرهم. وتلك هي من أهم وسائل تجارتهم التي درت عليهم أرباحا طائلة) لكن الأديان جاءت رافضة لهذه الوضعيات القائمة، ونبذ ما فيها من سخرية بالعقول، وتلاعب بالمصائر، على اعتبار الإنسان حرا، لا يحق له أن يمتثل إلا للإله الذي لا يشاركه أحد في ألوهيته. وهنا انتهت الوساطة المتجسدة في الأحبار، والرهبان، وانقضت العلاقة التي ترتبط بالآبائية، أو بغيرها من الأنساق التي تفترض وجود واقع يحكمه نسق السادة، والعبيد، إذ ذلك، يلف الحياة بالتواكل، والكسل، وينتهي إلى الفراغ، والضياع، لأن شلل الإنسان، وعقم فكره، لا يأتي إلا حين نلزمه بأن يقتنع بأن هناك عقلا واحدا، هو الذي يمتلك حق الإدراك، والفهم، والوعي،وهو الذي له سلطة على ما سواه من العقول، لأن هذه التراتبية، لا يجوز لها أن تتصرف في حياة الناس، إلا إذا استهجنت سائر الملكات، واستهانت بكافة الطاقات، لكي يبقى العقل المتفرد بالقرار، هو ذلك المتضخم بأناه، وقوته، وهو الذي تنتهي إليه السلطة في تقرير مصير الإنسان، والحياة، والأرض. ومن هنا، يلزمنا أن لا نفقد الأمل في ذواتنا التي يدسها الواقع الرديء في حمأة اليأس، والإحباط، وأن لا ننبطح لصيرورة تدس أعماقنا في قتامة الأوجاع، ورقاعة الأوضاع.







اخر الافلام

.. -ما لا تعرفه عن زياد الرحباني؟--| الجزء الأول


.. إيران تعزز حضورها غرب نهر الفرات بسوريا


.. إجلاء الآلاف من سواحل المكسيك تأهبا للإعصار ويلا




.. الفقر يستفحل في اليمن والموظف يفقد اغلب راتبه


.. انطلاق أعمال مؤتمر الإستثمار السعودي