الحوار المتمدن - موبايل



هل العصيان المدني السلمي ممكن في العراق؟

علاء اللامي

2018 / 7 / 28
مواضيع وابحاث سياسية


كنت قد نشرت هذه المقالة في 15 تشرين الأول 2015 في الصحافة والمدونات التواصلية خلال موجة من التظاهرات الشعبية ضد نظام حكم المحاصصة الطائفية خلال تلك السنة، وأعيد نشرها اليوم مع إضافات تطبيقية للعصيان المدني على ظروف العراق:
العصيان المدني أسلوب سلمي احتجاجي يلجأ إليه الناس لمواجهة السلطة المحلية أو الأجنبية في بلادهم بهدف تغيير القوانين التي يجمعون على أنها غير عادلة وإيقاف الممارسات الظالمة ومظاهر الفساد بإنهاء تلك السلطات وانتخاب سلطات بديلة لها.
برز هذا المصطلح في القرن التاسع عشر، واكتسب تعريفه في علم السياسة والاجتماع على يد الباحث هنري دافيد ثورو، حين استخدمه في بحث له نشر عام 1849، في أعقاب رفضه دفع ضريبة مخصصة لتمويل الحرب الأميركية ضد المكسيك، بعنوان "مقاومة الحكومة المدنية".
وفي أوروبا تأخرت صياغة هذا المفهوم ولكن فكرة (مقاومة قانون جائر أو غير عادل) كانت موجودة قبل القرن التاسع عشر. أما اليوم فقد اتسع هذا المفهوم ليشمل العديد من الأشخاص الذين يمارسون أفعالا تسعى للإحلال إعلاميا محل " الحركات المناهضة للدعاية".
وقد استخدم هذا الأسلوب السلمي في حركات مقاومة سلمية عديدة موَّثقة؛ في الهند (مثل حملات غاندي من أجل العدالة الاجتماعية، وحملاته من أجل استقلال الهند عن الإمبراطورية البريطانية)، وفي جنوب أفريقيا في مقاومة الفصل العنصري بقيادة نيلسون مانديلا وقوى اليسار، وفي حركة الحقوق المدنية الأمريكية. وبالرغم من اشتراك العصيان المدني مع الإضراب العام في كونهما وسيلتين تستخدمهما الجماهير للمطالبة برفع ظلم أصابها، إلا أن الإضراب العام كان في بداياته محصورا بحقوق العمال في مواجهة صاحب العمل (والذي يمكن أن يكون هو الحكومة). وكانت إحدى أكبر تطبيقات العصيان المدني وأوسعها نطاقا في لجوء المصريين إليه ضد الاحتلال البريطاني في ثورة 1919 السلمية.

باختصار، فالعصيان المدني هو رفض الخضوع لقانون أو لائحة أو تنظيم أو سلطة تعد في عين من ينتقدونها ظالمة. هذا هو التريف العام أما التعريف الأكاديمي فثمة:
تعريف جون راولز وج. هابرمس للعصيان المدني: هو عمل عام، سلمي، يتم بوعي كامل، ولكنه عمل سياسي، يتعارض مع القانون ويطبق في أغلب الأحوال لإحداث تغيير في القانون أو في سياسة الحكومة. وباتخاذ هذا المسلك، يخاطب العصيان حس العدالة لدى غالبية المجتمع ويصرح، وفقا لرأي وتفكير ناضج، بأن مبادئ التعاون الاجتماعي بين أفراد يتمتعون بالحرية والمساواة في الحقوق لا يتم حاليا احترامها.
ويتسم فعل العصيان المدني بعدد من الخصائص الرئيسة منها:
1-خرق واع ومتعمد للقانون الظالم وفق اعتقاد الجماهير التي تقوم به.
2-عمل عام: أي أنه فعل وسلوك شعبي علني وشفاف وهو ما يميزه عن العصيان الإجرامي حيث يزدهر الأخير في الخفاء.
3-حركة ذات رسالة جماعية: يندرج فعل العصيان تحت مبدأ الحركة الجماعية. فهو الفعل الصادر عن مجموعة يعرفون أنفسهم بالأقلية الفاعلة، ويترجم بتضافر جهود هؤلاء. لذا تشير "حنا آرندت" إلى أن (العصيان المدني، بعيدا في منطلقه من فلسفة ذاتية لبعض الأفراد غريبي الأطوار، إلا أنه ينتج عن تعاون مقصود بين أعضاء مجموعة تستمد قوتها على وجه التحديد من قدرتها على العمل المشترك.) وهكذا يكون العصيان المدني بطبيعته عمل جماعي.
4-حركة سلمية: يلجأ الممارِس للعصيان إلى وسائل سلمية، فالعصيان المدني يهدف إلى إطلاق حوارات عامة ورفع شعارات وبرامج وأهداف محددة. ولبلوغ هذه الأهداف، فهو يخاطب " الضمير الغافل للأغلبية" أكثر مما يدعو إلى أعمال عنف. وهذه إحدى السمات التي تميزه عن الثورة.

5-الهدف من العصيان: تعديل قاعدة: يسعى العصيان المدني إلى إدراك غايات مستحدثة. كما يهدف إلى "إلغاء" أو على الأقل تعديل القاعدة محل النزاع. مبادئ عليا:
ينادي القائمون على العصيان المدني "بمبادئ عليا" تتفوق على الفعل موضع النزاع. وهو دون شك أهم ما يميز العصيان المدني، إذ أن هذه السمة هي ما تضفى عليه "نوعا من الشرعية". وقد تكون هذه المبادئ العليا المشار إليها مبادئ "دستورية" أو "فوق دستورية"، ولذلك كانت مرجعية بعض الكتاب والسينمائيين الفرنسيين هي "الحريات العامة واحترام الإنسان" في أعمالهم التي كانت تنادى بالعصيان المدني عام 1997 ضد مشروع قانون جون لويس دوبريه والذي كان يفرض على أي إنسان يستضيف أجنبيا في زيارة خاصة لفرنسا إخطار عمدة المدينة بموعد مغادرته.
ومن الطبيعي أن تختلف التطبيقات العملية والتفاصيل التنفيذية للعصيان المدني العام من بلد إلى آخر لأنها تأخذ بالحسبان خصوصيات ذلك البلد ويمكن ظلنا أن نتوقع أن يأخذ العصيان المدني العام والسلمي في العراق أشكالا تنفيذية وطرقا عملية كثيرة ويستهدف تحقيق أهداف مختلفة يمكن أن يكون من بينها:
1-الامتناع عن دفع فواتير الماء والكهرباء مطلقا سواء كانت لجبايات الحكومية أو لشركات القطاع الخاص اللصوصية.
2-عدم التعامل مع المجالس المحلية والبلدية والاعتصامات الجماهيرية الكثيفة حولها.
3-السيطرة على الموانئ والمطارات "الأبراج ومدرجات الإقلاع والهبوط" والسكك الحديدية بالحشود السلمية الكثيفة وقطع طرق المواصلات الوطنية والدولية وخاصة تلك الناقلة لثروات العراق النفطية الى الخارج.
4-السيطرة على المنافذ الحدودية مع الدول المتدخلة في الشأن العراقي أو الحامية للنظام الرجعي في العراق أو التي لها أطماع في أراض عراقية والتي تصادر مياه الرافدين وخصوصا تركيا وإيران.
5- منع إبحار السفن الإيرانية في شط العرب بوسائل سلمية طالما امتنعت إيران عن إطلاق مياه نهر الكارون وغيره نحو العراق. ومنع إبحار السفن الكويتية في خور عبد الله (مع إنها نادرا ما تبحر فيه) حتى تتوقف هذه الدولة عن الإضرار بمصالح العراق وخنقه بحريا عبر السيطرة على الطلة العراقية على الخليج العربي واستعادة ما انتزعته بواسطة القرار الدولي المجحف من أراضي عراقية وخصوصا في ميناء أم قصر وخور عبد الله!
6-مقاطعة البضائع والشركات التركية والإيرانية والأميركية والبريطانية والاعتصام الجماهيري أمام سفارات وقنصليات هذه الدول وتطويق القواعد العسكرية والمعسكرات الأميركية والتركية بالحشود السلمية المطالبة برحيل هذه القوات المحتلة
7-تطهير المباني والعقارات الحكومية التي استولت عليها الأحزاب السياسية الطائفية وتطهيرها والاحتفاظ بالموجودات فيها وعدم إلحاق الأذى بالأشخاص الموجودين فيها والاكتفاء بطردهم منها!
8-عندما يتصاعد الحراك الشعبي السلمي خلال فترة عدة أسابيع أو أشهر وينجز عددا من هذه المهمات وغيرها مما يطرحه الواقع الفعلي، يمكن التفكير والتخطيط للقيام بتظاهرات مليونية في العاصمة والمدن الكبرى تنتهي بالسيطرة السلمية على المؤسسات الحكومية والتشريعية وتقيم سلطة الشعب المنتخبة مباشرة والمعبر عنها في مؤتمر تأسيسي أو جمعية تأسيسية تعيد كتابة الدستور وتستعد لانتخابات تشريعية جديدة وفق قانون أحزاب وقانون انتخابات جديدين!
ومن الضروري جدا أن يكتسي العصيان المدني بطابع السلمية المطلق ورفض العنف المسلح ويكون ذلك حالة شاملة وإلزامية، كما يجب تطويق وفضح أية حالة عنفية مسلحة وكشف القائمين بها كمندسين يحاولون تخريب وإفشال الحراك الجماهيري لمصلحة نظام المحاصصة الطائفية وأحزاب الفساد واللصوصية. كما يجب صيانة حياة جميع العاملين في المؤسسات والمنشآت الحكومية وغير الحكومية المستهدفة بفعاليات العصيان المدني من المواطنين العراقيين والأجانب المدنيين غير المسلحين والتعامل معهم بإنسانية واحترام وبكل ما توجبه أخلاق الثوار الوطنيين السلميين والمحافظة على الممتلكات العامة ومكونات البنية التحتية لأنها ملك الشعب وحدة. وينبغي منح أهمية من قبل قيادات الحراك الشعبي للجانب الأمني والمعلوماتي للجماهير المنتفضة ومراقبة تحركات المشبوهين والمندسين والاستفزازيين والمتحمسين أكثر مما ينبغي والتعامل معهم بحزم.
كُتب الجانب التعريفي والتاريخي من هذه المقالة باعتماد مصادر مختلفة منشورة في الموسوعات المفتوحة على النت مع شيء من التصرف الطفيف.
*كاتب عراقي







اخر الافلام

.. هل تنبأ خاشقجي بمصيره؟ ???? ???? ????


.. قرار استيطاني جديد للحكومة الإسرائيلية


.. براين هوك يغلق صنبور إيران




.. حزب الله.. مجرم عابر للحدود


.. رصاص الاحتلال يصيب 1 من كل100 فلسطيني في مسيرات العودة