الحوار المتمدن - موبايل



Coming out .. 8 .. Shattered dreams .. 2 / 2 .. جزء رابع عشر ..

هيام محمود

2018 / 8 / 5
سيرة ذاتية


بَعدَ ثلاثة أسابيع على بداية السنة الجامعيّة الثانية , كنتُ مطالبةً بالقيام ببحثٍ اِنشغلْتُ عنه ولمْ يَتبقَّى لي وقت كثير لتقديمهِ .. أهمّ الكتب التي نَحتاجُهَا تلك السنة - كغيرها - كانَ يُمنَعُ اِخراجها مِن مكتبة الكلية لكنْ لمْ يَكُنْ ذلك "القانون" مُطبَّقًا على الجميع , كانت تَكفيني اِبتسامات صغيرة لأَحصُلَ عليها وفي كثير من الأحيان تَبْقَى عندي أيّامًا بلياليها .. بعد سنوات طويلة قالَ لي ( علاء ) أنّ ثقافة العروبة - إسلام التي تَحْتَقِرُ المرأة , تُعطيها في نفس الوقتِ ميزات لا تُحْصَى ولذلك تُدافِع نِسبةٌ كبيرةٌ مِنَ النساء عنهَا : أولئك النسوة أَحْقَرُ البَشَرِ والأكثر اِنتهازيّة ومعاداة لبناتِ جِنسهنّ ..

في ذلك اليوم حَضَرْتُ المُحاضرةَ الأولى وتَغَيَّبْتُ عن الثانية لأهتمَّ بالبحثِ , لمْ أذهَبْ إلى المكتبة لكنْ فضَّلْتُ البحثَ عن قاعةٍ فارِغةٍ .. دَخلْتُ , أَغلقْتُ البَابَ وجَلسْتُ , ثم شَرعْتُ في القراءة في كتابٍ أَمضى عندي ثلاثة أيام دُونَ أنْ أقرأَ منه حرفًا وكان عليَّ اِرجاعه إلى المكتبة قبلَ السادسةِ مِن ذلك اليوم , كانتْ حالةَ "اِستنفارٍ قُصْوَى" وكأنّي أُعِدُّ لامتحان آخر السنة .. لمْ أقرأْ إلا القليل ليَستوقِفَنِي صوتُ بكاءٍ قادمٍ مِنْ خَلفي , اِلتفَتُّ فرأَيْتُ مَصْدَرَ الصوتِ يَتخفَّى بِسِتَارَةِ آخرِ نافذةٍ في القاعة , لمْ أُفَكِّر قُمْتُ مباشرة واِقتربْتُ مِنْهُ ..

- "هايْ ! اِكْشِفْ عن هويتكَ , أنَا أَخَافُ الأشباحَ" ....

الصوتُ الذي سَمِعْتُهُ كانَ صوتَ اِمرأةٍ وذلك مَا سَهَّلَ عليَّ الاقترابَ منها , ولا أظنّني كنتُ فَعلْتُ نفس الشيء لو كانَ صوْتَ رَجلٍ ؛ ربّما كنتُ كَلَّمتهُ مِن مكاني أمّا أنْ أَذهبَ إليه وأَتركَ الذي كنتُ بِصدده فلا أَتصوّرُ أنّ ذلك كانَ سيَحدثُ .. وعلى كلِّ حالٍ , "الرجال" في وطني "أَرْقَى" بكثير مِنْ أنْ يَبكونَ فقد تَركوا البُكاءَ للنساء ولذلك ولغيره يَبْقَى "الرجل رجلا" و "المرأةُ مرأةً" ولا مَجالَ للمقارنةِ أو للتقريبِ والمساواة بينهما ! وكيف يَكونُ ذلك وقد "مَيَّزَهُ الله عليها" في كل شيء حتّى في اللّحية ! على رَأي "حَبْرِ الأمّة" وغيره منَ "الأحبار" .. "طيّب الله ثراهم" جميعهم !

حَكَتْ لِي ( تامارا ) بعدَ مدّة من ذلك اليوم أنها رَأَتْنِي عندما دخلْتُ القاعة , وفكَّرَتْ في الخُروج مُباشرة بعد دخولي لكنها عَدَلَتْ عن الفكرة لأنّ تلك القاعة كانتْ الوحيدة الفارِغة في ذلك الصباح ..

بعد أن كلَّمْتُها , بَقَتْ بعضَ اللحظات وأَبعدَتْ السِّتارة عنها .. عندما رأيتُها - وكُنتُ واقِفةً - سَأَلْتُهَا : "هَلْ أنتِ بخير ؟" , لم تَردّ واِكتفَتْ بالنَّظر لي راسِمةً على شفتيها اِبتسامةً عابِرة ؛ أذكر نَظْرتها لي للحظات , كانتْ نظرةَ صغيرةٍ أرادَتْ أنْ تَشتكي إلى أمّها , صغيرة أرادَتْ الارتماءَ في حُضنهَا لتَشْعُرَ بالنُّصرة والأمان لكنها .. لمْ تَفعَلْ . لم تكنْ مُجبَرَةً على كَشْفِ وَجهها لِي , كانت تَستطيعُ عَدَمَ إجابتي أو حتّى طَردي وربّما القول أنَّ الأمرَ لا يَعْنِينِي أصلًا لكنها .. لَمْ تَفْعَلْ .... وحسنًا فَعَلَتْ !

أَضَفْتُ : "لا أُحبُّ البُكاءَ لكنه مُفيدٌ في بَعضِ الأحيان , أنا أَبْكِي عندما أَحزنُ لأنّي إنْ لمْ أَفعَلْ إمّا أَقتلُ أحدًا وإمّا أَنْفَجِرُ , لا يُوجدُ أحد غيرنا هنا فلا تَقْتُلِيني ولا تَنْفَجِرِي , اِبْكِي سَيكونُ ذلكَ مُفيدًا للجميع" .. ثمّ جَلسْتُ بِجانبها , وَضعْتُ ذِرَاعي اليُسرى على ظهرها وقُلتُ : "اِتَّفَقْنَا ؟"

كانتْ تلك أوّل مرّة أَقترِبُ منها وأَرى عينيْهَا عنْ قُرْبٍ ؛ أبدًا لَنْ أَنْسَ أنّي في تلك اللحظة , وأنا أَرى وَجهها وكان واضِحًا عليهِ أنها بَكَتْ كثيرًا , وأنا قَلِقَة بشأنها وأَرغبُ في مُواساتها , قُلْتُ بيني وبينَ نفسي : "ياه ! مَا أَجْمَلَ عينيها !" .. ولا أَتصوَّرُ أنْ أيّ أحدٍ في مكاني وقتها حتّى وإنْ كانَ رجلًا ومُتَيَّمًا بِها كانَ سيَخْطُرُ بِبالهِ أو سيَهتمُّ لعَيْنَيْهَا , لَكنّي .. فَعلْتُ !

لطالمَا تَساءَلْتُ وأنَا أَنظرُ في عَينيّ ( علاء ) عنْ تَأْثيرِ العيونِ الزّرقاء عليّ , وكعادتي قارَنْتُ بينَ عينيه وعينيّ ( تامارا ) فَلَمْ أَجِدْ أيَّ فَرْقٍ في الأوقاتِ الكثيرةِ التي يُتَجَاوَزُ فيها الجسد والجنس , وفي التي لا يُتَجَاوَزُ لمْ أَجِدْ فَرْقًا كبيرًا .... منذ مدّة ليستْ بالبعيدة , كانت أمامي خَالتي تُكلِّمُنِي , نَظري في عَيْنَيْهَا اِستدْعَى مُلاحَظتها لتُدْرِكَ أنّي لمْ أَسْمَعْ أيّ شَيءٍ مِنْ كلّ الذي قَالتْهُ وعندمَا "لامَتْنِي" على ذلك كان جوابي أنَّ عليها مُستقبلا اِستعمال عدساتٍ لاصقةٍ تُخْفِي زُرقةَ عينيها لأَستطيعَ التّركيزَ معها .. سَرحْتُ ولمْ أُرَكِّزْ مع كلامها لأنِّي في جَمالِ عينيها رأيْتُ نفسي و ( تامارا ) بَعدَ خمسٍ وعشرين سنةٍ إذا بَقينَا ولمْ نَرْحَلْ عَنْ هذا العالَم ..

___________________________________________________________________________

المكتوب فوق كتبتُهُ منذ أكثر من أسبوع , تَمنّيتُ أن أستطيع إِكْمَالَ الكثير الذي لَمْ أَقُلْ , منذُ الجامعة إلى اليوم لكن لمْ تَعُدْ هناك أيّ إمكانية لذلك ..

البارحة قلتُ لهيأة الحوار أنّي أظنّ أنّ المنشورَ قبل هذا - أيْ ( Eppur si muove ! ) - سيكون الأخيرَ في الموقع .. فيه تَكلّمتُ عن أربعتهم : ( تامارا ) ( أميرة ) وطني و ( علاء ) ولا شيء يهمّني غيرهم .... أظنّ أنه آن الأوان لأستيقظَ مِنْ أوهامي ولأعملَ على الشفاء منها فلا ( أميرة ) ستعود ولا وطن سيَحْيَا , الاثنان ماتَا ولن يعودَا .. ربما سأتجاوزُ يومًا ذكراهما في قلبي لكنّي أبدا لنْ أستطيعَ أن أنسى أو أن أغفرَ أنّ السببَ كان شوية بدو ! كمشة بدو أقذار !

ملاحظة أخيرة :

كل كتاباتي لا تدخل في إطار "النضال العربي من أجل الحقوق والحريات" المزعوم , بل في إطار بَيَّنْتُهُ سابقًا وهو رفض العروبة رفضا قطعيا والكلام بطريقة تَنطبقُ على كل البلدان الخاضِعة لها , يهمّني ( حصرا ) العراق وما يُوجَدُ غَرْبَهُ حتى الأطلسي ولا يَعنيني أصلا مَا يُوجدُ تَحته .. قد خَدَعَنَا الجهلة والانتهازيون بالزعم أننا "إخوة" في "العروبة" والدّين ولا يزالون , الحقيقة تقول أنّ "أخوتنا العربية" المزعومة هي أصل كل مآسينا : نحن مُختلِفون ولسنا "إخوة" , خضوعنا لنفس المُستعمِر واِستعمالنا للغته ودينه لا يعني أننا "إخوة" ومصيرنا "واحد" كما يدّعون , التحرر مِن الاستعمار الذي يَجمعنا اليوم لا يُمكن أن يَحجبَ حقيقةَ اِختلاف شعوبنا التي يَحرِصُ المُستعمِر على إبقائها تحت راية هويته البدوية المزيفة .. في هذا الصّدد ( حصرا ) تكلّمتُ عن العراق ومصر وغيرهما من الدول المنكوبة بأيديولوجيا العروبة , وفي هذا الصّدد أقول وأُعيدُ دون أيّ حرج أنه يستحيل أن نلتحق بقاطرة الإنسانية والكرامة ما لم نَقطعْ مع ما يُوجَدُ تحت العراق : تاريخا ودولا وشعوبا , ولكل من لن يُعجِبهم قولي أترك لهم السؤال : ماذا جَنينَا مِنْ تلك الصحراء وسكانها طوال تاريخنا وإلى اليوم ؟!

دام الجميع بخير ..

ولن يكون لكم ذلك وأنتم "عرب" : أنتم أَرقى مليار مرّة من الأيديولوجيا البدوية النازية التي لا تزالون تسبحون في مستنقعها العفن وتظنونها "عرقا" و "نسبا" و "شرفا" .

أُجَدِّدُ شكري لهيأة الحوار بكل أعضائها .

....

هيام محمود , الأحد 05 / 08 / 2018 .







اخر الافلام

.. مرا?ة الصحافة الثانية 2019/2/23


.. شاهد: قمة -مزيفة- تجمع ترامب وكيم في فيتنام


.. إعادة الانتشار في الحديدة تبدأ الأحد




.. تظاهرات في السودان احتجاجاً على قرارات البشير


.. كيم جونغ اون يقوم بزيارة رسمية إلى فيتنام -في الأيام المقبلة