الحوار المتمدن - موبايل



هدنة الوهم أم وهم الهدنة

سامي الاخرس

2018 / 8 / 7
القضية الفلسطينية


مخطئ من بعتقد أن اتفاقيات إعلان المبادئ في أوسلو عام 1994 هي اتفاقيات أو تحمل أي صيغ اتفاقيات لأنها لم تتضمن أي ضمانات دولية أو اقليمية، بل هي وقعت كتفاهمات بين منظمة التحرير الفلسطينية و" إسرائيل"، تفاهمات أقرب إلى هدنة منها إلى اتفاقيات، هدنة كانت تتطلب سيطرة ما للطرف الآخر إداريًا ومدنيًا لتكتمل أركان الهدنة بما أن م ت ف لم تكن تسيطر عمليًا على الأرض، بل كانت القوى والفصائل ذات حضور شعبي تحت سيطرة الإحتلال عمليًا، مما تطلب وجود سلطة ما لتكتمل أركانها التي سرعان ما اصطدمت برغبات م ت ف والراحل ياسر عرفات إلى فض هذه الهدنة، والخروج من عنق الزجاجة والمأزق والشِرك الذي نُصب لمنظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح، خاصة وأن شخصية وكاريزما الرئيس ياسر عرفات لا يمكن لها أن تتقبل أو تستمر في هذا الوضع كحارسة لمصالح الإحتلال ومساعيه وسياساته لما لا نهاية، وهو يرى أن عملية المماطلة الإسرائيلية كشفت زيف وخداع نواياها، فانفضت الهدنة بعد ست سنوات، وعادت "إسرائيل" لممارسة حربها ضد الشعب الفلسطيني وقيادته، ليكتشف الكل الفلسطيني الخدعة والخطيئة التي أرتكبت بما يسمى أوسلو التي حاولت الدول الغربية أن تموه حقيقتها وتفرضها كحالة إنسانية عبر المشاريع، والدعم المالي، والتسهيلات الإقتصادية والإنسانية، وبعض اشكال السيادة الوهمية والهامشية مثل الميناء والمطار وجواز السفر...إلخ من الأشكال التي صاحبت هدنة أوسلو الوهم الحقيقي الذي عايشه الشعب الفلسطيني وقيادته والدول العربية التي وجدت فيه فرصة لتحقيق رغباتها بالتخلص من القضية الفلسطينية وإقامة جسور علاقات مباشرة وغير مباشرة مع "إسرائيل" ونفض يدها من المسؤولية أمام شعوبها بتبرير لجوء الفلسطينيين أنفسهم للسلام مع " إسرائيل".
خمسة وعشرون عامًا من هذا الوهم، خاض خلالها شعبنا معركة شرسة من المواجهة والتحدي مع الاحتلال، وقدم خلالها – ولا زال- تضحيات عظيمة، والصورة لا زالت تبدو كما هي عودة للخلف وإعادة تكرار سيناريو نفس المشهد للساحة مرة أخرى، ولكن هذه المرة ليس عبر حركة فتح التي نجح الإحتلال بتكسير عظامها، وتدمير بنيتها الحزبية والتنظيمية والفكرية، وتفتيت وحدتها القوية المتماسكة، ووجودها كقوة كقاتلة تقود الكل الفلسطيني والنظام السياسي الفلسطيني، إنما عبر الفصيل الآخر الذي صعد بقوة ليشكل واجهة المقاومة الفلسطينية، والقوة الصاعدة والفتية التي حوصرت بجغرافيا محدودة في غزة فقط عكس حركة فتح التي كانت كقوة تتمثل في كل الجغرافيا الفلسطينية، وربما الشِرك الذي نُصب وينصب لحركة حماس يستند على هذا المأزق الذي تحاول الحركة جاهدة أن تخرج منه بأي ثمن وإن كان الثمن رأس وجودها العسكري أو قوتها كقوة مقاومة في ذهن الشعب العربي عامة، وبدأت حركة حماس منذ نجاحها في انتخابات عام 2006 تعقد صفقات وتحالفات جديدة مع قى جديدة خارج سياق دول الممانعة بما إنها أصبحت تمثل رأس سلطة وليس رأي قوى مقاومة، وإن حافظت على شعرة معاوية مع بعض دول الممانعة إلا إنها تزج بنفسها في عملية الترويض وتتساوق معها وهي أكثر استجابة بكل إرادتها للخروج من هذا المأزق بالتقدم خطوات للأمام، رافضة كل الرفض الخروج من هذا المأزق بخطوة واحدة إلى الخلف. فحماس اليوم لا تريد مغادرة مربع السلطة، ومربع تحالفاتها الجديدة، والحضور الإقليمي والدولي التي أصبحت في معمعانة، وبذات الوقت لا تريد مغادرة مربع المقاومة والممانعة، وهذا الأمر أو تلك السياسة لا يمكن لها الاستمرار طويلًا الكيل بمكيالين بل هي مرحلة ترويضية يتم غض البصر عنها عمدًا بعملية تدريجية يتم سحب قدمها كما فعلت في أزمتها مع سوريا، وكما تفعل الأن مع إيران التي تتجاهل تجاهل إيران لها استدراكًا من الأخيرة بضرورة وجود حركة حماس ضمن حدود سياساتها وتكتيكها في مواجهة أي مغامرة إقليمية تمس مصالحها، وكذلك في لجم "إسرائيل" ومجابهة الولايات المتحدة الأمريكية والغرب فيما يتعلق بملفها النووي، بما أن حركتي حماس والجهاد الإسلامي مع قوى المقاومة العربية الأخرى هي أهم اسلحة إيران في مواجهة هذه القوى اقليميًا.
بكل الأحوال لا يمكن لحركة حماس أن تستمر في التذاكي السياسي أو الصمود في هذه السياسة المزدوجة فإن كانت تنجح بها في هذه المرحلة فهو للإعتبارات التي تم ذكرها سابقًا، وإنما هي تستمر بفعل الصمت وغض البصر المؤقت عنها من القوى المتصارعة اقليميًا ودوليًا، ومحاولة استقطاب كل طرف لحركات القوة في المنطقة، مع الأخذ بعين الإعتبار ببدء بعض القوى الإقليمية بسحب قدمها ببطء وبروية كما تفعل مصر وبعض الدول من خلال تقديم مقترحات وواسطات واستيعاب لحركة حماس، وربما تأتي الخطوة الكبرى التي عبرت عنها زيارة الوفد الأخير لنائب المكتب السياسي للحركة العاروري إلى غزة ضمن سياسة الترويض والإنقضاض على الحركة والمقاومة، وما يؤكد ذلك علو بعض الأصوات القيادية في الترويج والدعاية للحلول الإنسانية كمطلب ضروري للخروج من المأزق، والتصعيد ضد الرئيس محمود عباس والسلطة الفلسطينية، وتبرير ذلك بالإجراءات التي فرضتها رام الله اخيرًا على رواتب موظفيها في غزة.
إن ما يطرح اليوم هو مشروع هدنة يحمل في طياته نفس ما حمل مشروع أوسلو أو هدنة أوسلو عام 1994 وكان من أهم ضحاياها حركة فتح من جهة والمشروع الوطني الفلسطيني من جهة أخرى، وحقوق الشعب الفلسطيني التي تآكلت وتجرأ عليها البعض، وربما سياسة وكالة غث وتشغيل اللاجئين وإجراءاتها الأخيرة هي شرارة الخطر التي تدق جدران صلب القضية الفلسطينية( قضية اللاجئين) مما يحمل دلالات بأن وكالة الغوث بدأت فعلًا في تنفيذ المخطط المستقبلي وخاصة المتعلق بمسألة اللاجئين.
فما يُطرح اليوم هو ما طرح في أوسلو مع اقحام قضية اللاجئين بقوة، وقضية القدس بقوة، وهما ثابتان فلسطينيان يستهدفان خلق صراعات داخلية فلسطينية بين قوى جديدة في رحلة التيه الفلسطينية التي تصل بالوطن إلى تقبل مشروع الولايات المتحدة الأمريكية وإدراتها الجديدة برئاسة ترامب.
د. سامي محمد الأخرس
السابع من أغسطس (أب)2018
samiakras@gmail.com







اخر الافلام

.. روسيا ومصر.. تنسيق مشترك وشراكة استراتيجية


.. غزة.. محادثات التهدئة وتصعيد الصواريخ


.. مؤشرات الفساد.. ومصائب الدول




.. العراق.. وعود رئاسية وعثرات حكومية


.. بريكست.. قمم من دون اتفاق