الحوار المتمدن - موبايل



مع مقاربات الروازق لطروحات علي الوردي

عدنان يوسف

2018 / 8 / 10
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


لا بد اولا من الاشادة بالجهد المتميز للمؤلف ، الكاتب والباحث والمحقق صادق الروازق . جهد انتج كتابا بعنوان "الدكتور الوردي ..مقاربات اصلاحية في فهم الدين والذات ، الصادر عن دار نيبور عام 2014 .
والدكتور علي الوردي ( 1913 - 1995) عالم اجتماع عراقي حصل على شهادة الدكتوراه عام 1950 من جامعة تكساس في الولايات المتحدة الامريكية بدرجة شرف . قال له رئيس الجامعة وهو يسلمه الشهادة : "ايها الدكتور الوردي ستكون الاول في مستقبل علم الاجتماع" .
شن الدكتور الوردي حملة شعواء ضد بعض رجال الدين واطلق عليهم تسمية "وعاظ السلاطين" ، متهما اياهم بالوقوف الى جانب الحكام وتجاهل مصالح الامة لحساب مصالحهم الضيقة ، وذكر كيف كان حكام الدول الاسلامية يستخدمون "الوعاظ" لتبرير ظلمهم .
》يرى كثير من الباحثين ان طبقة فقهاء السلطة التي سماها الدكتور الوردي بوعاظ السلاطين نشأت مع نشوء السلطة الملكية الوراثية الاموية وقد استدرج الملوك الامويون عددا من الفقهاء (باغراءات مادية) ليكونوا في خدمة البلاط بشرعنة حملات تصفية للمعارضين للسلطة وللحركات الفكرية المتنورة كالقدرية والمعتزلة . وقد شنت تلك الحملات بإسم الدين وهي في حقيقتها تهدف الى الحفاظ على سلطة الخليفة المطلقة التي اضفى عليها الوعاظ صفة القداسة
وعلى مر العصور ، حافظ فقهاء السلطة على مناصبهم وعلى دورهم في حماية مصالح طبقة الاثرياء ونذكر هنا على سبيل المثال فتوى الزعيم الديني السيد محسن الحكيم بعدم جواز الصلاة في ارض مغتصبة ، بعيد صدور قانون الاصلاح الزراعي في ايلول 1958 وكان ذلك دفاعا عن الاقطاع المرتبط طبقيا بكبار رجال الدين ، ويتأكد الجانب السياسي ، لا الديني، في هذه المسألة حين آلت السلطة للاسلاميين فانهم لم يتورعوا من اقامة صلواتهم في قصور وفيلل ومنتجعات مغتصبة من قبلهم بعد سقوط نظام صدام حسين ، وكان حقها ان تعاد الى الدولة فهي ملكية عامة ، يتساوى في حق الاستفادة منها جميع العراقيين《
والوردي لم يزعج بمؤلفاته ومحاضراته الوعاظ فقط انما تعدى ذلك لازعاج السلطات الدكتاتورية وبشكل خاص نظام صدام حسين (1979 -- 2003) ، الذي كان يكرهه بشدة . يذكر محمد عيسى في كتابه مائة عام مع الوردي شهادة تاريخية تمثل نص ما سمعه شخصيا من الوردي بحضور الاستاذين عبد المطلب مهدي وسلام الشماع ، قال الدكتور الوردي عن نظام صدام : "هو حكم الاسوأ على طول تاريخ العراق وسوف يوصل العراق الى المهالك ... وربما لن اكون معكم في الاحداث التي ستعصف بالعراق ، فإن وصلتموها فتذكروا ما قلت لكم " وبسبب ذلك جرى التضييق عليه بمنع كتبه من التداول ومحاولة تهميشه وافقاره ماديا وكذلك منعه من السفر لغرض العلاج ، ثم سحبوا منه لقب استاذ متمرس وبعد وفاته قامت سلطة محاصصة الاحزاب الاسلامية التي اعقبت دكتاتورية صدام بتجريف قبر الوردي في مقبرة براثا ، يذكر ذلك الاستاذ صادق البلادي في رده على المدعين بمعاداة الشيوعيين للوردي ، يقول البلادي بصدد هذه الواقعة : سعى الشيوعي كامل شياع ، وكان يشغل منصب مستشار وزارة الثقافة (اغتيل ببغداد في وقت لاحق) لوقف هذه الجريمة.
كتاب الاستاذ الروازق يمثل دراسة لكتب عديدة للدكتور الوردي تصعب الاحاطة بها درسا وتحليلا في كتاب واحد او حتى في مجموعة كتب . الا ان المؤلف تمكن وببراعة من انجاز هذا العمل وقد اغنى الكاتب بحثه بالشرح والتعليق مضيفا الى ذلك الاستشهاد بمصادر اخرى تتفق او تختلف مع الوردي فيما عرضه من آراء .
تأثر الدكتور الوردي بإبن خلدون وسار على نهجه في تحليل الشخصية العراقية فقرر انها ازدواجية وتحمل قيما متناقضة وقد عزا ذلك الى تقلبها بين البداوة والحضارة ووصل الى قناعة (وردت في ص415 من كتابه دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ط2 دار دجلة والفرات 2013) مفادها "ان الشعب العراقي منشق على نفسه وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي اكثر مما في اي شعب آخر باستثناء لبنان " وخرج بنتيجة "ليس هناك من طريقة لعلاج هذا الانشقاق اجدى من تطبيق النظام الديموقراطي فيه" ، ولو كان الوردي قد اكتفى بقراره الى هذا الحد لكان حقا داعية للديموقراطية ، لكن وربما بتأثير رواسب طائفية خلص الى شكل "ديموقراطي"هو اقرب الى المحاصصة القائمة في لبنان والتي حدثت في العراق بعد بضعة عقود من تاريخ اعلانه ذاك والذي قال فيه "حيث يتاح لكل فئة منه ان تشارك في الحكم حسب نسبتها العددية" . وللاستاذ الروازق رأي آخر يتعلق بهذا الشأن (الديموقراطية) فيقول في صفحة 96 من كتابه "درس الوردي موضوع الخلافة لما ترتب عليه من نتائج الصراع والتنازع والخلاف فجاءت دراسته لظاهرة اجتماعية سلط عليها ادواته البحثية وفق ما يتطلبه علم الاجتماع الحديث" ويقرر الروازق ان الوردي "يرى المنهج الديموقراطي المسار الذي جاء به الدين الاسلامي" وبهذا الصدد يقول الاستاذ الروازق (ص 139) : "لا يشك ان الاسلام في بادئ امر رسالته وحكومة الرسول وحكومة الخلفاء كان نظاما ديموقراطيا" ، ويستشهد الكاتب بامثلة على ديموقراطية الخلفاء من وقائع مستلة من كتاب مهزلة العقل البشري للدكتور الوردي : "يروى ان ابا بكر اعتاد ان يحلب للضعفاء من جيرانه اغنامهم ، فلما تولى الخلافة سمع جارة له تقول : اليوم لا تحلب لنا . فقال : لعمري لاحلبنها لكم .

ولا شك ان هذا المثال لا علاقة له بالديموقراطية ، لا من قريب ولا من بعيد . فالديموقراطية التي ظهرت في اليونان في القرن الخامس قبل الميلاد تعني حكم الشعب لنفسه من خلال ممثلين منتخبين ، وتعني الفصل بين السلطات والتداول السلمي لها . ولم يحصل مثل ذلك في الدولة الاسلامية منذ نشأتها والى السقوط النهائي للخلافة في اعقاب الحرب العالمية الاولى . والخلفاء الراشدون الذين يصف الوردي عهدهم بالديموقراطي جرى تنصيبهم في خضم صراع قبلي . انتزع عمر بن الخطاب الخلافة لابي بكر بقول ينسب الى النبي : "الأئمة من قريش" . وبذلك عادت السلطة الى قبيلة قريش وبالتحديد الى اثرياء القبيلة .{ ولعل الخاطرة الطريفة لشيخ الازهر الاسبق عبد الحليم محمود تشير ، ربما دون قصد ، الى هذه الحقيقة ، حيث قال إن اصحاب الملايين من الصحابة كانوا من المبشرين بالجنة ، اما فقراؤهم فليسوا من العشرة المبشرين بالجنة (مجلة آخر ساعة عدد 30 يوليو 1975) } . وبهذا الحديث ايضا افشلت محاولة الانصار ، وهم من قبيلتي الاوس والخزرج، لترشيح زعيمهم سعد بن عبادة للخلافة . واوصى ابو بكر بالخلافة من بعده لعمر وجرى تعيين الخليفة الثالث بطريقة مشابهة بتعديلات طفيفة ، وجاءت خلافة علي بن ابي طالب اثر ثورة شعبية اطاحت بعثمان بن عفان بقوة السلاح . ثم تحولت السلطة على يد الامويين الى ملكية وراثية وهو ترسيخ لحالة قبلية كانت سائدة قبل الاسلام .
كتاب الاستاذ صادق جعفر الروازق اضافة مهمة للمكتبة العراقية وهو بما انطوى عليه من بحوث ورؤى حديثة في تفسير النصوص الدينية يضع لبنة جديدة في بناء حضاري معرفي قيد الانشاء بدأه مفكرون تنويريون كجمال الدين الافغاني ومحمد عبدة وعشرات غيرهم ، نأمل ان يستمر البناء ويتحرر الدين من الخرافات والدجل والشعوذة ليتحرر المجتمع من العلل المزمنة التي تعيق نموه وتقدمه وازدهاره . اخيرا اعرض مقتطفات من اقوال واراء متقاربة في فكرها ومضامينها وردت في ص 200 و 201 من الكتاب للاساتذة الوردي والروازق ومحمد مهدي شمس الدين .
يقول الروازق : الفقه الذي يتحجر في احكامه يكون عائقا امام نظرية خلود الدين . والكثير من الاحكام الفقهية في صدر الرسالة عالجت امورا وظواهر آنية ، فليس من المعقول ان تبقى هذه الاحكام سارية المفعول مع انعدام الامور والظواهر الشبيهة .
ويقول محمد مهدي شمس الدين : لابد من اعادة النظر فيما يعتبره معظم الفقهاء الاصوليين من السنة احكاما شرعية الهية بينما كثير منها تتضمن ما اسميه تدبيرات وهي احكام تنظيمية ادارية
اما الدكتور الوردي فيرى ضرورة التجديد في الاجتهاد الديني توافقا مع حركة المجتمع وتطوراته ولا يرى في الفقهاء الذين يعتقدون بان احكام القرءان والسنة خالدة تصلح لكل زمان ومكان ، ما هم الا وعاظ سلاطين يبررون افعال الحاكم الظالم المستبد في خنق الحريات العامة والخاصة للمستضعفين.







اخر الافلام

.. المسلمون الروس يؤدون شعائر الحج


.. هذا الصباح- بقايا -ماردة- الإسلامية غربي إسبانيا


.. السياحة الدينية في العراق في أزمة بسبب العقوبات على إيران




.. هذا الصباح- حصن غرماج.. أكبر القلاع الإسلامية بأوروبا


.. هذا حال نساء العراق بلد البترول في ظل حكم الإسلام السياسي