الحوار المتمدن - موبايل



ملاحظات على مبادرة السفير معصوم

حمدى عبد العزيز

2018 / 8 / 10
مواضيع وابحاث سياسية


قرأت أكثر من مرة نص ماأسماه السفير معصوم مرزوق بخارطة طريق ..

وفي واقع الأمر - من وجهة نظر شخصي الفقير إلي العلم والتجربة إلي حد كبير - أن المبادرة المطروحة لاتعدو كونها سوي أقرب إلي شطحة ورقية غير واقعية ذات طابع علوي ، وفردي النزعة لاتمت بصلة لإن ترتقي إلي مسمي خارطة طريق أو حتي ورقة عمل سياسية يمكن التعاطي معها بالنقاش وتحديد المحاور والأهداف واستخلاص المهام ، وهي كذلك لأنها لاتعبر عن نقاش حقيقي جاد قد جري وسط صفوف قوي المعارضة الوطنية المدنية لسياسات السلطة أو أية محاولة لصياغة برنامج عمل سياسي يغطي تفاهمات ما أو تحالفات أو أية جهود تنسيقية ، وبشكل يجعلها محض رؤية محكومة بشخصية صاحبها وحدود رؤيته الفردية ..

خلافي الأساسي مع مبادرة السفير معصوم مرزوق أنها تسقط نهائيًا إعتبار النضال السياسي الديمقراطي وتستبدله باللعب بالإفتراضات والمقامرات الإجرائية المبهمة القوي والمصادر والأدوات ، وعلي إفتراض إن الواقع أقرب إلي مايكون من كروت الكوتشينة التي يمكن إعادة خلطها فرصها وترتيبها وتوزيعها من جديد علي لاعبين ليسوا هم الشعب ولا مفرزاته الحقيقية ..

وهذا يجعلها من وجهة نظري - ومع كامل إحترامي لتاريخ وقيمة السفير معصوم ولحقه في اصدار مايري من مبادرات - لاترتقي إلي ماأطلقه هو عليها من مسمي خارطة طريق ..

المبادرة غارقة في الإرتباك والإلغاز ، بنفس القدر الذي تفتقد فيه تماماً لمجرد الإشارة إلي أدوات التحقق والنفاذ وآليات عملها ..

والسفير معصوم يستهل مبادرته بطلب إستفتاء شعبي علي إستمرار النظام السياسي الحالي من عدمه ، ثم يضع سيناريوهين أولهما أنه في حال انتهاء الإستفتاء بنتيجة نعم وبأي نسبة مرجحة لصالح إستمرار النظام فعليه يستمر النظام بسياساته ويلتزم الجميع بهذا ، وفي حال خروج الإستفتاء بنتيجة لا .. فعليه يفرد معصوم مجموعة من الإجراءات لإنهاء عمل النظام واستبداله بمجلس إنتقالي علي نحو ماجاء في بنود المبادرة ..

وبخصوص الإفتراض الأول ناهيك عن إمكانات إلزام السلطة القائمة بإجراء ذلك الإستفتاء والأدوات والآليات التي سيتم دفعها عن طريقها لإجراء ذلك الإستفتاء ، فلنفترض أن السلطة ستغتنم الفرصة - وهذا هو بعيد البعيد - وتستبق الأمور وتجري هذا الإستفتاء تأسيسا علي إفتراض ميكانيكي هو القدرة علي إجراء هذا الإستفتاء وإخراجه بنتيجة نعم لمصلحة النظام (وما لايعرفه السفير معصوم هذا ليس له علاقة بحالة الرضي أو عدم الرضا الشعبي عن النظام إنما نتائج الإستفتاء تتحدد بالأجواء التي يتم إدخال الناس فيها عشية الإستفتاء وبتخوف حقيقي موجود لدي الناس من أي خطوة قد تعني لديهم القفز إلي مجهول جديد لأن واقعاً بديلاً لم يتبلور لديهم بعد ، ولم يتبلور واقع قيادي شعبي تضع الناس ثقتها فيه بعد) ،

في ظل ذلك فمن الطبيعي أن يستخدم النظام هذا الإستفتاء كأداة لقمع وتصفية أي إتجاه عام ناقد أو رافض لسياسات السلطة القائمة وكمسوغ شرعي لبدء إجراءات ذات طبيعة قمعية في ظل عجز النظام عن تقديم معالجة ناجحة للمشاكل الإقتصادية والإجتماعية المتفاقمة داخل المجتمع ..

إذن ففي البند الأول هنا يسلم السيد معصوم مسوغات إتمام الإجهاز علي الحياة السياسية المصرية وعلي إمكانات أي عمل شعبي سياسي عام غير موال للسلطة وينصرف بنا إلي بيوتنا لننتظر طائعين صاغرين إكتمال سطوة السلطوية وإحكام القبضة علي المجالات العامة بقوة وشرعية قانونية تتمثل في الإستفتاء
ولولا أنه من الواضح أن السيد معصوم يستبعد هذا السيناريو تماماً (ليس لأنه يعرف باستحالة استجابة النظام واقعياً لمبادردته ولكن لأنه يعول علي قوة خياله في المضي في الشق الإفتراضي الثاني )
لولا ذلك لقلنا أنه يعطي دون أن يدري للنظام فرصته الذهبية في المضي بعيداً لتكريس سلطويته ..

أما في باقي بنود المبادرة فقد لفت نظري الأمر الخطير الذي حمله معه وهو ماأرفضه تماماً في تلك المبادرة من إحتوائها علي مسعي إعادة تعويم جماعات الفاشية الدينية وإعادة الإعتبار لجماعة الإخوان المسلمين عبر إقتراح السفير معصوم الغريب الذي جاء في البند السابع حول مايقترحه من عفو شامل ، ثم تحصين كل من تصدي للحكم والتشريع بعد الخامس والعشرين من يناير 2011 وحتي لحظة تولي مجلسه الإنتقالي المقترح ..

والمسألة بهذا الشكل لن تقتصر علي الإخوان المسلمين فقط بل ستتخطاها إلي جماعات وعصابات تأسلم سياسي إرهابية شاركت في الحكم والتشريع في الفترة التي أعقبت 25 يناير 2011 وارتكبت جرائم مادية في حق المصريين إلي جانب إسقاط المسئولية والإعفاء التاريخي من الحساب علي كل من يمكن أن يكون قد شارك في الحكم ووشارك بالمسئولية أخطاء هذه الفترة التاريخية التي تبدأ من 25 يناير وتنتهي حسب تقدير السفير معصوم ..

أضف إلي ذلك هذا الإبهام الذي يكتنف ماسبقه في البند السادس والنص علي العزل عشر سنوات من تاريخ بدء مجلس السفير معصوم الإنتقالي المقترح لكل من تولي موقعاً تنفيذياً أو تشريعياً أو ساهم أو شارك خلال الفترة من يناير 2015 حتي تاريخ بدأ عمل المجلس ، وهذا يلحق الإدانة مقدماً بعناصر من قوي مدنية ديمقراطية شريفة تولت مواقع مسئولية في أجهزة الدولة والوزارات الأولي والهيئات التشريعية التي أعقبت 25 يناير 2011 ، وعناصر وطنية شريفة شاركت في عضوية برلمانات مابعد 25 يناير وكذلك لجان وضع الدستور

، هكذا بالجملة وبتعسف لامبرر له وبإهدار لأي قيمة عادلة أو إنصاف ، وهذا مايكشف الطابع العلوي الفردي المتعسف والغير واقعي الذي طبع علي صياغة سعادة السفير لبنود خارطة طريقه المزعومة ..

وكمواطن مصري لاترضيه سياسات السلطة القائمة من إنتهاج سياسات تنحاز للأغنياء ولتنفيذ مشروطيات المؤسسات المالية الدولية وعلي رأسها صندوق النقد الدولي التي تؤدي إلي المزيد من سياسات الإفقار والمزيد من التعمق في وضعية التبعية الهيكلية في الأسواق الدولية والقضاء علي إمكانيات أي نهوض يرتكز علي قيام إقتصاد وطني حقيقي ويرتبط بإحداث التنمية الشاملة لمجتمعنا المصري ..

مبدئيًا - كمواطن مصري بالمعني الذي سبق - لا أصادر علي حق السفير معصوم في طرح مايراه من قضايا ومايتصوره من مبادارات ، وإن كنت لاأري أن مبادرة السفير معصوم مرزوق ستحرك واقعاً أو ستشعل حراكاً ما لأنها كما أسلفت تفتقر إلي أي علاقة أدواتية بالواقع السياسي ،

كذلك أدعوه - بعد أن استمعت لمداخلاته في بعض الفضائيات التابعة لقوي فاشية التأسلم السياسي - لعدم الإستجابة لفخ الترويج لمبادرته في المنصات الأعلامية المشبوهة التي تدار من الخارج بواسطة عصابات الفاشية الدينية وحلفائها ، بدعم من مخابرات دول لها مصالحها وأجنداتها الخاصة بها وبأطماعها الإقليمية في المنطقة ، وأربأ به أن يتم استخدامه واستخدام مبادرته هذه في توجيه خطاب تزييف وخداع يجري طرحه ليل نهار علي القوي والتيارات السياسية الوطنية المصرية يري الحل في العودة إلي إعادة وضع جماعة الإخوان المسلمين وحلفائها في قلب أي حراكات أومبادرات سياسية ، بهدف إستعادة هيمنتها علي أي حراك سياسي ممكن ، وإعادة خلط أوراق إنتهينا كمصريين من كشفها ولايعقل أن يكون مسعي السفير معصوم هو إعادة الخلط للإوراق مرة ثانية ..

والأفضل دائمًا من وجهة نظر شخصي الضعيف هو في الإنخراط في النضال الديمقراطي العام الذي يراكم نضالاتنا ويصل بها إلي نقطة التأثير والفعل والتغيير الإيجابي وإنضاج الظروف للإمساك بزمام المبادرات الإيجابية التي تعبر عن أوزان واقعية ووجود مؤثر وفعال ، وبعيداً عن وهم إعتبار أن قوي الفاشية الدينية هي فصائل وطنية يمكن التعاون والتنسيق والتحالف معها في يوم من الأيام ..

ـــــــــــــــــ
حمدى عبد العزيز
8 أغسطس 2018







اخر الافلام

.. روسيا ومصر.. تنسيق مشترك وشراكة استراتيجية


.. غزة.. محادثات التهدئة وتصعيد الصواريخ


.. مؤشرات الفساد.. ومصائب الدول




.. العراق.. وعود رئاسية وعثرات حكومية


.. بريكست.. قمم من دون اتفاق