الحوار المتمدن - موبايل



نحو واقعية جديدة في الأدب العراقي الحديث

حكمت الحاج

2018 / 8 / 13
الادب والفن


قراءة في ديوان "إجراءات" لحسين علي يونس

إذن فقد صار لدينا ما يمكن أن نسميه تيارا في الكتابة يختص بالسلب والتحريض ونقد الحياة والحاضر عبر أساليب شعرية ونثرية هي واقعية في محمولها الأساس لكنها تجنح إلى السوريالية تارة، وإلى السخرية السوداء المرة تارة أخرى. هذا النوع من الكتابة يتجاوز نصوص التحريض السياسي الرخيص ونصوص الحياة اليومية بتسطيحها للواقعة، ونصوص اللافتات والشتائم. بل أنّ هذا التيار يحمل نوعا من الموقف الأدبي، وزاوية نظر جديدة إزاء الوجود والإنسان والعالم. يستعين بأساليب قديمة جديدة مثل السخرية، الغمز واللمز، التكبير والتصغير -الكاريكاتور- وينهل من مجمل تراث الخارجين على كل ما هو سائد، بدءا من عبيد بن الأبرص، مرورا بعروة بن الورد وليس انتهاء بالشاعر الآن غينزبيرج وزملائه الخنافس، لورنس فيرلنغيتي، وغريغوري كورسو ويمكن أن نضيف إلى القائمة عبد الأمير الحصيري وأمل دنقل. وهكذا صرنا نقرأ في الشعر قصائد من جان دومو وكزار حنتوش ونصيف الناصري، كذلك قرأنا في القصة أعمالا من علي السوداني ويونس أحمد وحسين رحيم. هؤلاء كلهم يصدرون عن موقف خاص من اللغة والعالم يبتعد عن التزويق والتزيين والمحسنات البديعية. فلماذا التزويق، يقول هؤلاء، إذا كان الوجود بهذه القسوة؟ ولماذا الاهتمام باللغة والجمال التابع لها، إذا كانت الألفاظ تعمل كل هذا الركام من سوء الفهم وسوء التفاهم؟ كيف سيبرّر الكاتب لنفسه إذا ما عمد إلى تزيين القبيح؟ لا، إنما هؤلاء قد آلوا على أنفسهم، عبر طريقتهم هذه، أن يشرحوا ذواتهم أولا. فإذا هم أنفسهم الأبطال في القصص، والأقنعة والرموز في القصائد. وهم أنفسهم كل الضمائر الواردة، والتي سترد، وبعد ذلك، يتوجهون إلى الآخرين وينهالون عليهم سخرية وتصغيرا وتعليقا وتنكيتا وتبكيتا، كما كانت العرب سابقا تقول، وهم يفعلون ذاك لأجلنا جميعا، وذلك لكي نتمكن من تأشير مواقع الاستلاب والظلم والخشونة والقبح واللاإنسانية عبر فهم أنفسنا وفهم الآخر الذي يستلبنا وعبر لغة نفهمها، تأخذنا هذه النصوص على جناح من المتعة والذوق والصدق.
وقد ذكرت لكم أعلاه بعض الأسماء، شعراء وقصاصين، وربما أكون قد أغفلت البعض، سهوا، أو نسيانا، لا تقصّدا. لكن اسمحوا لي أن أضيف إلى القائمة التي عندكم، اسم شاعر قادم تحت نفس اللائحة، إنّه "حسين علي يونس" بديوانه المصغّر حجما الموسوم – إجراءات-، انه اسم ربما لا يثير أي انتباه للوهلة الأولى، أعني اسم الشاعر، وعنوان أكثر من عادي لكتاب لا يحيل إلى أي شيء، ولكن بين هاتين التسميتين تعثر عزيزي القارئ على أشعار أقلّ ما تقول عنها أنّها دسمة.
لقد فاجأني هذا الديوان حقا، فمنذ زمن لم أتلقّ شحنة بهذا الشكل من الدهشة. ان دهشة اكتشاف شاعر جديد لا تعادلها دهشة، ومتعة قراءة نص مجهول لا تعادلها متعة، فتذهب بعيدا عن الذاكرة المجهدة والأحكام المسبقة، وتعود إلى رحم روحك وفطرتك فإذا أنت تحب هذا النوع من الكلام وستبحث عن اسم الشاعر ورسمه. وكان شخص الشاعر حاضرا طوال الوقت أمامي، دون أن أعبأ به، في المقهى في الإتحاد، في الشوارع في الملتقيات الأدبية والفنية، لكنّي لم أكن أتصور أنّه يكتب الشعر. لم يحدثني عنه أحد قط. حتى ناشر كتابه العجيب، وهو صديق قديم، لم يذكر لي شيئا بخصوص شاعر -إجراءات- في معرض حديثه عن مشروع الدواوين المصغّرة الذي يزمع مفاجأة الوسط الأدبي البغدادي به. ان كل ما قاله كان لا يتعدى شيئا من هذا القبيل، حسين الصعلوك يكتب شعرا. وعذرا للشاعر ان أنا تجاوزت حدودي فأنا إنّما أنقل عن غيري بيد أنّي أتصور أنّ الشاعر لا يحتاج إل أي نوع من الاعتذارات، إذ أنّ ديوانه صفعة في وجه حتى للذين لم يقرأوه، لأنّهم بعدم الانتباه إليه، إنّما فقدوا متعة كبيرة.
تستوقفنا في الديوان ملاحظة تخصّ تقسيم القصائد، وبالإجمال يمكن تصنيفها إلى: قصائد تعريفات، قصائد ذاتية طويلة، قصائد نمطية. وأرجو ألا يبدو هذا التقسيم تعسّفيا أو غير متناسق، فبالفعل، هناك قصائد نمطية أصلا ولا تتجانس مع باقي القصائد التي ضمّها متن الديوان. فقصائد مثل "سلم الأبدية" و"هكذا" و"هشاشة في المخيلة" و"تحت الأبدية" و" انتظريني" و" 1975" و(حواش) هي قصائد لا تعبّر عن الشاعر بقدر ما تعبّر عن طريقة معتادة شعريا لتناول العالم، فيها من المداراة الشيء الكثير، وهي قصائد خجولة أمام العالم، يراقب فيها الشاعر الأشياء والظواهر دون الولوج فيها واتّخاذ موقف فيها، لذا جاءت بحكم هذا الموقف خالية من الروح الأصلية للديوان ألا وهي: الهجاء والنقد. إذن، على القارئ المتفحّص والناقد المختصّ، طرح هذه القصائد من الفحص النقدي، والنظر فقط إلى المجموعتين المتبقّيتين، القصائد الطويلة، والتعريفات.
وبشأن التعريفات، فإنّ هذا هو ما اصطلح على تسميته بالنسبة لتيار من الكتابة الشعرية في العراق يعمد إلى القصيدة القصيرة أو الجملة الشعرية (بتعبير الشاعر رعد عبد القادر) عبر تقنيات خاصة تعتمد الضربة الأخيرة وإبراز الجانب السلبي من الظاهرة وهذا الاسم، أي التعريفات، ربّما يكون أول من أطلقه على قصائده هو الشاعر "محمد تركي النصّار" كعنوان جانبي لمجموعته الشعرية الموسومة "السائر من الأيام" وهي تقنية خاصة قد يأتي المجال يوما لدراستها دراسة أسلوبية وجمالية تبيّن أهميتها وشرطها التاريخي، وربّما يكون النصّار من الذين لم يفوا هذا التيار حقّه، فأسلم نفسه إلى القصائد الطويلة في ديوانه اللاحق "تنافسني على الصحراء" ومن ثمّ فقد أتاح المجال إلى شعراء منهم "حسين علي يونس" ليكتب في ديوانه ثلاثة عشر تعريفا شعريا هي بجدارة أنموذج حقيقي لهذا النوع من الكتابة. فقصائد مثل "الليل"، "الحذاء"، و"عبد الزهرة شذر" و"الموت" وغيرها، قصائد تحقّق شرط القصيدة- الملصق- أو القصيدة / البوستر كامتداد لأساليب البوب آرت في العالم الغربي.
فهذه قصيدة من هذا النمط تقول:
الليل غطاء للعشاق
حسنا
ولكنه فاضح أسرارهما للظلمة..

وكما قلت، فإنّ هذا النوع من الكتابة الشعرية قد نشط بعد عام 1991 كنوع من رد الفعل إزاء القصيدة النثرية الطويلة جدا، التي شاعت في سماء الأدب العراقي منذ بداية الثمانينات، والتي ترافقت مع طول الحرب العراقية الإيرانية (ثمانية سنوات كاملة). وهذه التعريفات لها تقنياتها وأسلوبياتها الخاصة، وهي تستحق دراسة مفصلة ليس هنا المجال بالتأكيد للاهتمام بها إنّما فقط أردنا التنويه بها.
هذه قصيدة كاملة من بيتين فقط وعنوانها (إجراء عقيل علي):
"وعودك مدافع تغني
لجثث أرضية".

أمّا القصائد الطويلة فإنّها لا شك من أهم القصائد في ديوان -إجراءات- وفيها تبرز مقدرة الشاعر الحقيقية على تطويع الكلام المحكي والأسطورة الحديثة والنفاذ إلى ما بعد الظاهرة للكتابة عن عالم معيش على هذا الشكل من الفظاظة قصائد مثل "إجراء يوليوس قيصر" و"جان دمو أو الجد والجدة"، و"غرفة المعيشة" و"أصوات تتداخل"، وهي أعمال ناضجة في القصيدة النثرية المعاصرة، تستفيد من الشكل الإنكليزي لقصيدة النثر حيث سيطرة السيرة والسرد الحكائي لتحقيق قصيدة نثر تفارق نمطها الفرنسي، حيث الومضة والإشراقة والمجانية. واحيلك عزيزي القارئ إلى الديوان لتقرأ في هذه القصائد إذ لا يمكن اجتزاء مقاطع منها، كما لا يمكن (بالنظر لمساحة النشر المتاحة لي هنا) إيرادها كاملة.
ملاحظة مهمة أخرى يمكن قولها وهي سيطرة الحوار على أكثر من ست قصائد في الديوان هي "أصوات تتداخل" و"غرفة المعيشة" و"السائق" و"دورة الطبيعة" و"حواش" و"الليل غطاء للعشاق". وفي غالب الأحيان تلعب الحوارية دورا تهكميا.
-أين تنزلين أيتها الأم العجوز؟
-قرب الحمار المربوط
-يا للكارثة
ماذا افعل
والمدينة أساسا
مدينة حمير؟

وتلعب التقنية دوار مهما في كسر الروح الرومانسية والعاطفية التي ربما تتلبس هذا النوع من الشعر كما نرى ذلك واضحا في قصيدة (إجراء الفرح) حيث المفتتح العاطفي:
"يا تويج عيني".. الخ.

ما سيؤاخذ الشاعر عليه قليلا هو بعض الاستعمالات اللهجوية غير العراقية وفي تقديري، مثلما يكتب في الصفحة 31 من الديوان "جميزة يابسة"، أو أن يقول "يافوخ" ويعني الرأس، أو "طنجرة" ويعني بها مقلاة أو "طاوة" بالعراقية الدارجة. ولكنه لا يتورع في المقابل عن ذكر ملفوظات شعبية محلية دارجة كأن يقول على الصفحة 39، "مشرورة عواطفنا" أي منشورة على حبال الغسيل، أو في الصفحة 51 يقول "في جملة جميلة لا شك ومعبرة: "وهو يفكر: سترزلني بالضرورة".
وعلى مستوى الذوق الشخصي وعلى خلفية موقف من اللغة والكلام الشعري، أنا معجب بتعامل الشاعر حسين علي يونس مع اللغة في ديوانه هذا (إجراءات) وكأنه يعلن تململه من اللغة وعقابيلها في سبيل كتابة قصيدة نثر عربية سليمة وعصرية في ذات الوقت. لذلك أتمنى أعماله القادمة أن يستمر في ليِّ عنق اللغة وتطويعها أكثر للتعبير عن خلجاته الشعرية وأن يكثر من استعمال تعبيرات جميلة من قبيل "حين اتَّسِعي يا رؤانا"، أو "تستهمزُ الصخرَ"، وكذلك هذه التعبيرة الرائعة كما وردت في الصفحة 41 "أنا ما منحتكَ أية أجْرية".

بغداد جريدة العراق 11-3- 1994







اخر الافلام

.. الفنان الكبير سعدي الحلي و أغنية لا يولدي


.. اغنية يصبرني للفنان الكبير أحمد نعمة


.. تعلم اللغة في بلاد اللجوء بداية الطريق نحو الاستقرار




.. بتحلى الحياة – الفنانة كارلا رميا


.. #بروح_رياضية.. لاعب #تنس يفاجئ زوجته و يطلب من الجماهير الغن