الحوار المتمدن - موبايل



تطوّر الكائنات البشريّة - الفصل السابع من - علم التطوّر و أسطوريّة فكر الخلق : معرفة ما هو واقعي و لماذا يهمّنا - - الباب الرابع من - العلم و الثورة الشيوعية -

شادي الشماوي

2018 / 8 / 14
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


تطوّر الكائنات البشريّة
- الفصل السابع من " علم التطوّر و أسطوريّة فكر الخلق : معرفة ما هو واقعي و لماذا يهمّنا "
- الباب الرابع من " العلم و الثورة الشيوعية "
مقدّمة الكتاب 31 :

ما من شكّ في أنّ الغالبيّة الغالبة من القرّاء سيثيرون بصفة مباشرة أو بصفة غير مباشرة ، عاجلا أم آجلا ، سؤال من هي أرديا سكايبراك التي ترجم لها شادي الشماوي هذه الفصول و المقالات و يقدّمها إلى القرّاء باللغة العربيّة ، لهذا لتكوين فكرة عن هذه المنظّرة الشيوعية ، أوّلا و قبل كلّ شيء ، نعيد إلى الأذهان ما صغناه بإقتضاب كتقديم لها في سبتمبر 2016 ضمن كتابنا عدد 25 المتوفّر بمكتبة الحوار المتمدّن و الحامل لعنوان " عن بوب أفاكيان و أهمّية الخلاصة الجديدة للشيوعية تحدّث قادة من الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتحدة الأمريكية " : " أرديا سكايبراك من القيادات النسائيّة لهذا الحزب منذ عقود ... هي ذات خلفيّة علميّة بمعنى أنّ تكوينها و دراستها الأكاديميين مجال إختصاصهما هو البيولوجيا كما تخبرنا بنفسها فى حوارها الصحفي المطوّل لسنة 2015 فى جريدة " الثورة " . و قد ألّفت عديد المقالات و الكتب الهامة و منها على سبيل المثال لا الحصر كتاب " عن الخطوات الأولى و القفزات المستقبليّة : بحث فى ظهور الإنسان و منبع إضطهاد النساء و طريق التحرّر " ( و قد ترجمنا و نشرنا فصلين منه هما الفصل الثالث و الفصل الرابع) و كتاب " علم التطوّر و أسطوريّة فكر الخلق : معرفة ما هو واقعي و لماذا يهمّنا " و كتاب " العلم و الثورة عن أهمّية العلم و تطبيقه على المجتمع و الخلاصة الجديدة و قيادة بوب أفاكيان- حوار صحفي مع أرديا سكايبراك " هو مضمون الحوار الصحفي المشار إليه أعلاه ."
و إلى ذلك نضيف تعريفا نوعا ما رسميّا بالكاتبة ورد فى مؤلّفها ، " علم التطوّر و أسطوريّة فكر الخلق : معرفة ما هو واقعي و لماذا يهمّنا " المنشور سنة 2015 :
" كانت أرديا سكايبراك تتدرّب رسميّا لتصبح بيولوجيّة مختصّة فى البيولوجيا التطوّرية والبنية الإجتماعية. و قد كانت ألزمت نفسها بنشر العلم و المنهج العلمي على أوسع نطاق ممكن إذ كانت ينتابها شعور قويّ بأنّه عندما يُحرم الناس من المقاربة العلمية للواقع ، يُسلبون كلاّ من التقدير التام لجمال العالم الطبيعي و ثرائه و وسائل الفهم الحقيقي لديناميكيّة التغيّر فى الطبيعة و المجتمع .
و تنحدر سكابراك من خلفيّة عالميّة فقد سافرت كثيرا و تفاعلت مع أناس من ثقافات عديدة . و منذ أن كانت طفلة تلقّت تشجيعا على أن تصبح مفكّرة نقديّة و دُرّبت منهجيّا كمثقفة حسب التقاليد الأوروبيّة . و قد شمل هذا مروحة واسعة ومتنوّعة من الإهتمامات و الهوايات فى الكثير من المجالات المتنوّعة ، لكلّ من الفنون و العلوم .
و قد تأثّرت سكايبراك تأثّرا عميقا ، أثناء دراستها فى المعاهد و الكلّيات ، بالهزّات الكبرى لستّينات القرن العشرين و كيف أنّ " الثورة كانت فى الجوّ ". و تأثّرت كبير التأثّر بحرب الفتنام و مالكولم أكس و الفهود السود و الحركة الراديكالية لتحرير النساء و الصين و الثورة الثقافيّة و ماو – بالنسبة لها كما بالنسبة لآخرين كثر .
و متابعة لشغفها بالبيولوجيا ، فى بدايات سعينات القرن العشرين و أواسطه ، راكمت سكايبراك تجربة هامة فى البحث فى المخابر و على أرض الميدان . و كمكتشفة حقيقيّة ، كانت فى غاية السرور لمّا كانت تستطيع المزج بين نقاش آخر المفاهيم النظريّة مع زملائها البيولوجيّين و التوغّل فى الغابات الإستوائيّة الرطبة أثناء بعثات بحث على أرض ميدان ما . وقد درّست العلوم على مستوى المعاهد و نشرت مقالات فى مجلاّت مختصّة ، و تحصّلت على شهادة الماجستير ، و كانت فى سبيلها نحو الحصول على دكتوراه بيولوجيا .
و كعاملة شابة بمجال العلم ، كانت سكايبراك تعيش بالضبط الحياة التى أرادت عيشها ، لكن فى نفس الوقت ، ظلّت تشعر بفظاعة الظلم الإجتماعي و شعرت بالحاجة الماسة إلى التغيير الثوري للعالم . و قبل مناقشة أطروحة دكتراها ، إتّخذت القرار الصعب بترك برنامج الدكتوراه لتكرّس نفسها كلّيا للإلتزامات الإجتماعية و السياسيّة الأوسع . و مع ذلك ، لم تفقد أبدا شغفها بالبحث العلمي و عشقها للمغامرة و حماسها لتطبيق المناهج العلميّة و نشرها فى صفوف الشعب إذ شعرت أنّه دون ذلك لا يمكن أنيوجد فم سليم للواقع أو لكيفيّة تغييره .
و شملت تجارب حياة أرديا وعملها كلاّ من المناطق الدينيّة الكبرى عبر العالم و الأماكن البرّية الغريبة ، كلاّ من التدريس الأكاديمي و العمل فى المصانع مقابل أجر أدنى . وهي مرتاحة كذلك فى النقاش مع الفنّانين و المثقّفين أو الجلوس مع سكّان حيّ حول طاولة المطبخ للحديث عن الحياة و الفلسفة .
و ككاتبة ذات أفق شيوعي ثوري ، بحثت جملة من المواضيع الإجتماعية و السياسيّة و العلميّة و الفلسفيّة – و تشمل كتاباتها " عن الخطوات الأولى و القفزات المستقبليّة : بحث فى ظهور الإنسان و مصدر إضطهاد النساء و طريق التحرّر " ؛ و" بعض الأفكار حول الدور الإجتماعي للفنّ "؛ و" ليس فى جيناتنا وخوض الهجوم المضاد الإيديولوجي "؛ و " تذكّر ستفان جاي غولد " ؛ و " الإشتغال على الأفكار و البحث عن الحقيقة : تأمّل فى القيادة الثوريّة و السيرورة الفكرية " .
و كقارئة نهمة تلتهم الكتب إلتهاما و كمتابعة للثقافة الشعبيّة ، تعتمد على التاريخ و الفلسفة و الأنتروبولوجيا و العلوم السياسيّة و الفنّ و الموسيقى و الأفلام – مثلما تعتمد العلوم الطبيعيّة – لتجعل من الموضوع التى تتطرّق إليه موضوعا ينبض حيويّة . و فى موقع الجوهر فى ما تكتبه ، و ما يُبلغه كتابها الأخير بصفة قويّة ، أهمّية " معرفة ما هو حقيقي – و لماذا يهمّنا ".
و نحن إذ بذلنا ما بذلنا من الكدح لتعريب المادة التي بين أيدى القرّاء و نسخها و إخراجها في شكل كتاب لا نقوم بالواجب الشيوعي الثورى فحسب بل ننهض بمسؤوليّة نراها راهنا واحدة من أوكد المهام العديدة الملقاة على كاهل الشيوعيين الثوريين و الشيوعيات الثوريات ألا وهي التعريف بالمنظّرات الشيوعيّات الثوريّات اللاتى شعرنا ، لا سيما عربيّا ، أنّهنّ مغمورات ولا يوفيها المهتمّون بالشيوعية عامة حقّها في الدراسة و التمحيص و النقد و التفاعل الإيجابي كأنّها دون المنظّرين الذكور مستوى أو تمكّنا من مواضيع النقاش و البحث عن الحقيقة و المسك بها و الدفاع المستميت عنها . و من هنا يأتي هذا الكتاب لبنة أخرى في ما قد يعتبر كسرا للطوق المضروب عن وعي او عن غير وعي على المنظّرات الشيوعيات الثوريّات و قد أنف لنا التعريف بجملة من أعمال نظريّة ماركسيّة في كتابنا السابق ، الكتاب عدد 30 الذى إخترنا له من العناوين " الماركسيّة و النسويّة " – تجميع و نشر شهرزاد موجاب . و بالمناسبة ندعو الشيوعيات الثوريّات و الشيوعيين الثوريين إلى إيلاء العناية اللازمة شيوعيّا لنشر مقالات و كتب منظّرات البروليتاريا العلمية جنبا إلى جنب مع نشر كتب و مقالات منظّرى البروليتاريا العالميّة .
و تقع المواضيع التي تناولتها أرديا سكايبراك في كتبها و مقالاتها موقع القلب من محاور الصراع العلمي و الإيديولوجي و الطبقي عبر العالم قاطبة فبحوثها العلميّة فى ظهور الإنسان و مصدر إضطهاد النساء و طريق التحرّر ، و في البيولوجيا و الوراثة و الجينات و الثقافة ، و في علم التطوّر و أسطوريّة فكر الخلق ، و في الدور الاجتماعي للفنّ و الإشتغال على الأفكار و البحث عن الحقيقة إلخ من صميم مواضيع السجالات بين الفكر العلمي و الفكر الخرافي ، بين القوى الرجعيّة و القوى الثوريّة عبر العالم بأسره و عليه ففائدتها بلا أدنى ظلّ للشكّ عظيمة بالنسبة للشيوعيين و الشيوعيّات الحقيقيين و الباحثين و الباحثات عن الحقيقة في البلدان العربيّة . فمن أمريكا و نظام ترامب / بانس الفاشي إلى أقطارنا العربية مرورا بعدّة بلدان أوروبية و آسيويّة خاصة ما فتأ المسيحيون الفاشيّون و الإسلاميون الفاشيوّن داخل الحكم أو خارجه إلى جانب قوى رجعيّة أخرى كثيرة يتلاعبون بثقافة الجماهير و يبثّون فيها سموما معادية للعلم و مشوّهة له و حتّى مطالبة بالحطّ من منزلته و تسويته بالخرافات المبتدعة و الأساطير الدينيّة التي تجعل الجماهير مغتربة عن الواقع المادي الموضوعي في المجتمع و الطبيعة و كيفيّة التعاطى معهما . هذا من ناحية ، و من الناحية الثانية ، يصمّ أذاننا دعاة القوى الدينيّة الإسلاميّة بشتّى ألوانها بإدعاء أنّ رجال الدين علماء فلا يكفوّا عن نعتهم بالعلماء على مدار الساعة في حين أنّهم أعداء العلم الحقيقي و منابع الفكر الخرافي و ما يروّجون له منهجا و مضمونا غريب في غربته عن العلم الحقيقي بمنهج بحثه الدقيق و بما هو بحث عن حقائق مادية موضوعية قائمة على الدلائل الملموسة من الواقع الملموس . و هذه بالتأكيد نقطة على كافة الشيوعيين و الشيوعيات الحقيقيين أن يبرزوها ضمن الصراع المحتدم لبثّ الفكر العلمي حقّا و محاربة الفكر الخرافي بما أوتوا من قوّة و طاقة . و إننّا لمن المقرّين بحقيقة وجوب خوض المعركة ضد الأفكار الرجعيّة المعرقلة لإستيعاب أوسع الجماهير للعلم و للشيوعية كعلم سلاحا لتفسير العالم و تغييره شيوعيا ثوريّا . أمّا المتهرّبون بشكل أو آخر من ضرورة خوض هذه المعركة المصيرية فيحرّفون الماركسيّة و يطمسون الحاجة إلى النظريّة الثوريّة لبناء حركات ثوريّة الشعوب في حاجة ماسة لها من أجل القيام بالثورة و تحرير الإنسانيّة من الإستغلال و الإضطهاد سواء منهما الجندريين أو الطبقيين أو القوميين . بلا لفّ و دوران نقولها صراحة ، ثمّة مهادنة و حتّى تذيّل للقوى الدينيّة من طرف قوى تدّعى التقدّميّة و حتّى الثوريّة بتعلاّت و تبريرات متنوّعة تبلغ التلاعب بالماركسية و بالماديّة الجدليّة . و هذا الوجه من إدارة الظهر للعلم و للشيوعية كعلم يقابله وجه آخر هو الإنحراف الدغمائي الذى يجعل من علم الثورة البروليتارية العالميّة دوغما دينيّة تحنّط الماركسية و تقطعها عن حبل التطوّر ككلّ علم و هذا مرض مستشرى في صفوف الحركة الشيوعية العربيّة و العالمية ... و ليس إنتصارأرديا سكايبراك إلى الشيوعية الثوريّة نظريّة و ممارسة و الإستماتة في الدفاع عنها و تطبيقها و تطويرها إلاّ الوجه الآخر المكمّل لقائدة شيوعيّة تعلى راية العلم نظريّا و عمليّا لذا يجب أن تتبوّأ المكانة التي تستحقّ عن جدارة .
و قد بوّبنا ما إصطفينا من فصول و مقالات من كتابات قائدتنا الشيوعية الثوريّة في خمسة أبواب هي على التوالي :
I- الباب الأوّل : العلم و الثورة - مقتطف من " عن أهمّية العلم و تطبيقه على المجتمع و الخلاصة الجديدة و قيادة بوب أفاكيان - حوار صحفي مع أرديا سكايبراك "
- مقاربة علمية للمجتمع و تغيير العالم
- نظرة علميّة و فضول لا حدود له بشأن العالم
- تقييم علمي : العالم اليوم فظيع بالنسبة لغالبيّة الإنسانيّة – و يمكن تغييره تغييرا راديكاليّا
- التجربة والتطوّر الخاصين : التدريب الفكري و متعة السؤال العلمي
II- الباب الثاني: بعض الأفكار حول الدورالإجتماعي للفنّ والإشتغال على الأفكار و البحث عن الحقيقة : تأمّل فى القيادة الثوريّة و السيرورة الفكرية
1- بعض الأفكار حول الدورالإجتماعي للفنّ
الجزء الأوّل : " الفنّ و تاريخ الإنسان "
توطئة الناشر :
حكايات شعب الكنغ سان !
" العمل الدائم و عدم اللعب يجعل جاك طفلا غبيّا " :
الفنّ كتعبير عن النظرة إلى العالم :
دور الفنّ فى المجتمع الإنساني :
الجزء الثاني : الفنّ و العلم
مقترح منحرف :
صياغة الجديد :
الجزء الثالث : الفنّ و السياسة و الدور الخاص للفنّ الثوري
الفنّ الثوري :
الجزء الرابع : الفنّ كتنبّئ بالمستقبل
هل يكون الفنّ أقوى عندما " يخفى الفنّانون آراءهم "؟
الفنّ بمستويات مختلفة :
أحمر و أخصّائي :
الوعي و العفويّة :
2- الإشتغال على الأفكار و البحث عن الحقيقة : تأمّل فى القيادة الثوريّة و السيرورة الفكرية
3- رسالة من أرديا سكايبراك إلى ندوة ذكرى شولاميث
III- الباب الثالث : الفصلان 3 و 4 من " عن الخطوات البدائية و القفزات المستقبلية - بحث فى ظهور الإنسان و منبع إضطهاد النساء و طريق التحرّر "
مقدّمة المترجم :
مقدّمة كتاب " الخطوات البدائية و القفزات المستقبلية ..."
الفصل الثالث
الفصل الرابع
ملحق : لماذا كان إنجلز متقدّما بخطوة ؟
مراجع كتاب " عن الخطوات البدائية و القفزات المستقبلية ..."
IV- الباب الرابع : تطوّر الكائنات البشريّة - الفصل السابع من " علم التطوّر و أسطوريّة فكر الخلق : معرفة ما هو واقعي و لماذا يهمّنا "
- من نحن؟ من أين أتينا ؟ كيف سيكون المستقبل ؟
- تطوّر الإنسان من أنواع غير إنسانيّة وجدت قبله :
- بعض الوقائع الأساسيّة عن التطوّر :
- ثمّ هناك الأحافير – الكثير من الأحافير :
- تلخيص مقتضب :
- ماذا يعنى عمليّا أن " تصبح إنسانا " ؟
نحن الطفل الصغير ضمن الكتلة -
- ظهور أنواع جديدة و تعزيزها :
- ظروف مفاتيح فى تطوّر الإنسان :
- الأدلّة الواضحة و المتراكمة عن التطوّر من قردة إلى إنسان :
- لماذا نوعنا من الهومينيد هو الوحيد الذى لا يزال منتصب القامة [ واقفا ] ؟
- ما الذى يجعلنا خاصّين جدّا ، و إن بالنسبة لأنفسنا ؟
- القفزتان الكبيرتان فى تطوّر الهومينيد :
- سلسلة مراحل إنتقاليّة من الملامح الأشبه بالقردة إلى ملامح أشبه بالإنسان :
- هل كان الهومينيد الأوائل" مجرّد قردة " دلالة تطوّر التنقّل على قدمين على طريق التحوّل إلى إنسان:
- لذا ، هل نحن مجرّد حادث ؟
- تلخيص و نظرة عامة :
- صلة بيئيّة ممكنة :
- نوع واحد – عبر العالم بأسره :
نوع يغيّر العالم تغييرا جذريّا
إضافات إلى الفصل السابع
الإنسان و الديناصورات ؟! فكرة عبثيّة أخرى لأنصار فكر الخلق .
الحمض النووي لدى الشنبنزي ولدى الإنسان : إلى أي مدى نتقارب ؟
هل كان توماي أحد أسلافنا ؟
ميف ليكي تمسك بآخر إكتشافاتها للأحافير
هل أن الهومو أركتوس أوّل أنواع الإنسان التى غادرت أفريقيا ؟
جميعنا أتينا من أفريقيا
ماذا يقول لنا علم التطوّر عن " الأعراق " الإنسانيّة ؟
ألا يزال الإنسان يتطوّر ؟
V- الباب الخامس: إطار نظري جديد لمرحلة جديدة من الثورة الشيوعية - مقتطفات من:
" العلم و الثورة - حول أهمّية العلم و تطبيقه على المجتمع و الخلاصة الجديدة للشيوعية و قيادة بوب أفاكيان "
إطار نظري جديد لمرحلة جديدة من الثورة الشيوعية
ما الجديد فى الخلاصة الجديدة ؟
الإختراقات النظريّة و التطبيق العملي للخلاصة الجديد
دستور الجمهورية الإشتراكية الجديدة – تطبيق ملموس لرؤية ثاقبة للخلاصة الجديدة
الخلاصة الجديدة : المضي صراحة صوب الحقيقة – و نبذ مفهوم " الحقيقة الطبقية "
بوب أفاكيان : مزيج نادر جدّا من – النظريّة العالية التطوّر و المشاعر و الصلات العميقة مع الذين يحتاجون بأكبر يأس إلى هذه الثورة
تهمة " عبادة الفرد " – جاهلة وسخيفة و فوق كلّ شيء تتجاوز المعقول
القيادة : هل تخنق المبادرة أم تطلق لها العنان ؟
لماذا من المهمّ جدّا التوغّ فى مؤلّفات بوب أفاكيان و ما يعنيه ذلك
رؤية آملة – على أساس علمي
التفاعل الجدّى مع الخلاصة الجديدة – و الفرق الذى يمكن أن تحدثه
هبّات كبرى فى العالم و الحاجة الكبيرة للمقاربة العلمية للخلاصة الجديدة
------------------------------------------------------------------------------------
ملحق : فهارس كتب شادي الشماوي

الباب الرابع
تطوّر الكائنات البشريّة
الفصل السابع من " علم التطوّر و أسطوريّة فكر الخلق : معرفة ما هو واقعي و لماذا يهمّنا "
( محتويات الكتاب برمّته :
مقدّمة
الفصل الأوّل : نظرة عامّة :
- إذن ما هو التطوّر على كلّ حال ؟
- ما المشترك بين كافة أنظمة التطوّر ؟
- ملايين و بلايين السنين .
- ما تقول لنا الأحافير .
- إذن ما الذى أدركه داروين ؟
- ما تعلّمه داروين من المزارعين عن الإنتقاء .
- هل وقع حقّا إختبار نظريّة داروين عن الإنتقاء الطبيعي و أثبتت صحّتها ؟
إضافات إلى الفصل الأوّل :
بدايات ظهور الحياة .
لا يريد منك كلّ إمرء أن تكون على معرفة بالتطوّر .
أساطير فكر الخلق .
تقنيات التأريخ .
كان التغيير فى الجوّ .
التحوّلات الجينيّة و الآثار المؤسسة .
إستمرار الحياة على هذا الكوكب ليس أمرا معطى .
الفصل الثاني : أدلّة التطوّر الجاري متوفّرة حولنا :
- التطوّر الجاري اليوم .
- التغيّر التطوّري الملاحظ ضمن سكّان الموث .
- أين كنّا سنكون دون ذباب الغلال ؟
- نوع سنقسم إلى إثنين على ضفتي الكانيون الكبير .
- بضعة كلمات عن أصحاب فكر الخلق .
إضافات إلى الفصل الثاني :
تحوّلات الموث .
التطوّر جاري – توزيع خلايا الجينات المنجليّة ضمن المجموعات البشريّة .
مثال تطوّر جاري مهمّ فى معالجة إصابات نقص المناعة .
الفصل الثالث : مراجعة بعض النقاط المفاتيح بصدد التأقلم :
الفصل الرابع : كيف يُفرز التطوّر أنواعا جديدة تماما :
- كيف نعرف أنّ شيئا قد حصل فعلا إن لم نكن هناك لنراه ؟
- ظهور الأنواع و تنوّع الحياة متجذّران فى نفس قاعدة الظاهرة ، بما فى ذلك الإنتقاء الطبيعي .
- ليس بوسع الكائنات الحيّة إلاّ أن تتطوّر .
- كيف تظهر إلى الوجود أنواع جديدة تماما ؟
إضافات إلى الفصل الرابع :
هل نحن ملزمون بالتطوّر ؟ دور عوامل الصدفة و غيرها فى التطوّر .
تطوّر مقاومة مبيدات الحشرات فى صفوف مجموعة من الحشرات .
الفصل الخامس : المزيد عن التوالد المنعزل و ظهور الأنواع و التجديدات التطوّرية :
- ألياّت التوالد المنعزل .
- توالد مجموعات منعزلة يمكن بصفة خاصة أن يبيّن أكثر " تجديدات " تطوّريّة صغيرة و تغيّر تطوّري سريع .
- بعض أسباب عدم ظهور أنواع .
- محور جدال البيولوجيين التطوّرين و ما يعنيه ذلك و لا يعنيه .
- بضعة كلمات عن ما يسمّى ب" الفجوات " فى سجلاّت الأحافير .
- لا تتطوّر جميع الخطوط التطوّرية بنفس النسق .
- لا وجود لضمانات فى التطوّر .
- آثار الإنقراضات الجماعيّة .
- أمام أعيننا تظهر أنواع ؟
الفصل السادس : التطوّر واقع ثابت – الأدلّة الملموسة تأتى من عديد الإتجاهات المختلفة :
- الماضي يترك بصماته على الحاضر .
- الأدلّة المباشرة للتطوّر من كلّ من سجلاّت الأحافير و سجلاّت الذرّات.
- أدلّة غير مباشرة على التطوّر :
• تطوّر الجنين .
• معطيات أثريّة ( " باقية " أو " متروكة " ) .
• معطيات متماثلة .
• إلتقاء .
• " تصاميم إختيارية فرعية " : مراوغات الطبيعة و عيوبها .
• التوزّع الجغرافي للأنواع حول العالم .
• واقع أنّ ميزات الكائنات الحيّة تنسجم فى نظام من " شبكة " تصنيف تراتبيّة .
الفصل السابع : تطوّر الكائنات البشريّة
- من نحن؟ من أين أتينا ؟ كيف سيكون المستقبل ؟
- تطوّر الإنسان من أنواع غير إنسانيّة وجدت قبله :
- بعض الوقائع الأساسيّة عن التطوّر :
- ثمّ هناك الأحافير – الكثير من الأحافير :
- تلخيص مقتضب :
- ماذا يعنى عمليّا أن " تصبح إنسانا " ؟
نحن الطفل الصغير ضمن الكتلة -
- ظهور أنواع جديدة و تعزيزها :
- ظروف مفاتيح فى تطوّر الإنسان :
- الأدلّة الواضحة و المتراكمة عن التطوّر من قردة إلى إنسان :
- لماذا نوعنا من الهومينيد هو الوحيد الذى لا يزال منتصب القامة [ واقفا ] ؟
- ما الذى يجعلنا خاصّين جدّا ، و إن بالنسبة لأنفسنا ؟
- القفزتان الكبيرتان فى تطوّر الهومينيد :
- سلسلة مراحل إنتقاليّة من الملامح الأشبه بالقردة إلى ملامح أشبه بالإنسان :
- هل كان الهومينيد الأوائل" مجرّد قردة " دلالة تطوّر التنقّل على قدمين على طريق التحوّل إلى إنسان:
- لذا ، هل نحن مجرّد حادث ؟
- تلخيص و نظرة عامة :
- صلة بيئيّة ممكنة :
- نوع واحد – عبر العالم بأسره :
نوع يغيّر العالم تغييرا جذريّا
إضافات إلى الفصل السابع
الإنسان و الديناصورات ؟! فكرة عبثيّة أخرى لأنصار فكر الخلق .
الحمض النووي لدى الشنبنزي ولدى الإنسان : إلى أي مدى نتقارب ؟
هل كان توماي أحد أسلافنا ؟
ميف ليكي تمسك بآخر إكتشافاتها للأحافير
هل أن الهومو أركتوس أوّل أنواع الإنسان التى غادرت أفريقيا ؟
جميعنا أتينا من أفريقيا
ماذا يقول لنا علم التطوّر عن " الأعراق " الإنسانيّة ؟
ألا يزال الإنسان يتطوّر ؟
الفصل الثامن : فكر الخلق المناهض للتطوّر و الهجوم الشامل على العلم بإسم الإلاه :
- دون علم التطوّر لم يكن ليوجد أيّ علم – إلى هذا الحدّ هو جوهري .
- علم التطوّر و فيروس سارس .
- علم التطوّر و زرع الأعضاء و " قطاع الغيار " فى المستقبل .
- ما يجب على كلّ إنسان معرفته عن أصحاب فكر الخلق .
- باعة زيت الثعابين و المشعوذون أمام المحكمة ز
- إنّهم يستهدفونك أنت !
- " لكن كيف يمكن لنا أبدا أن نكون متأكّدين من صحّة أي شيء ؟ " .
- مثل هذه النسبيّة الفلسفيّة توفّر لأنصار فكر الخلق فضلات سهلة .
- نظرية التطوّر – أيّة نظريّة علميّة هي .
- الإعتراف بالحقيقة العلمية و المطالبة بها و القتال من أجلها .
- دليل لحديقة حيوانات فكر الخلق .
- أصحاب فكر الخلق المدافعين عن حداثة كوكب الأرض .
- أصحاب فكر الخلق المدافعين عن قِدم كوكب الأرض .
- أصحاب فكر الخلق التقدّميّون و أصحاب فكر الخلق التطوّريّون .
- التطوّريّون المؤمنون .
- أصحاب فكر الخلق المدافعون عن المصمّم الذكي .
- دحض " فكر الخلق العلمي " من المدرسة القديمة .
- القانون الثاني للحركة الحراريّة .
- مثال نموذجي آخر لمناهج فكر الخلق : الإلاه فى فجوات ؟
- مثال آخر من التطوّر ذو أهمّية كبرى : تطوّر الفيلة .
- المتحوّلون ليسوا وحوشا .
- عُمر الأرض ( و عمر الكوكب ) مشكل كبير بالنسبة لفكر الخلق .
- " ربّما جعلها الإلاه تبدو قديمة ، و ربّما جعلها أيضا تبدو كما لو أنّ الحياة قد تطوّرت " .
- هل سيقوم إلاه عالم بهكذا شيء بتصاميم غير دقيقة ؟
- الغلاف الجديد لفكر الخلق لن يخدعنا : نظريّة المصمّم الذكيّ لا تزال بعدُ مجرّد دين – ليست علما - و لا تزال خاطئة !
- فكرة دمبسكى عن " مصفاة مصمّم " .
- بيهي و فكرة " التعقّد غير ممكن الإختزال " ك " دليل " على " المصمّم الذكي " .
- التطوّر الطبيعي التام للسيرورات البيوكيميائيّة المعقّدة ذات الأجزاء المتعدّدة .
- مسألة مناهج ، مسألة صراع .
- كيف يمكننا أن نبلغ الحقيقة الفعليّة للأشياء ؟
- المزيد عن ما هو خاطئ منهجيّا فلى فكر خلق المصمّم الذكي و فكرة " التعقيد غير القابل للإختزال " كدليل على تصميم إلاهي .
- فكر الخلق وشرطة الأخلاق .
إضافات إلى الفصل الثامن :
- منذ البدايت الأولى و بالنظر إلى المستقبل .
- الإنفجار الكمبري و التوازن الذى يتخلّله و حجّة " فجوات الإلاه " .
- تشويه العلماء العاملين – تكتيك مفضّل لدى أصحاب فكر الخلق .
- تنوّعات نادرة لتقريبا الرمز الجيني العالمي كلّه تمثّل دليلا على التطوّر ، لا على التصميم .
- أنظروا من فى سرير من !
- " مشروع ستيف " : يستعمل التطوّريّون الفكاهة لتسجيل نقطة جيّدة .
- الواقع و تشويهات الواقع – الحقيقة الموضوعيّة و التأثيرات الذاتيّة .
- بعض ما يمكنكم تعلّمه لمزيد معرفة أكاذيب فكر الخلق و تشويهاته .
- التطوّر ليس " مجرّد سيرورة صدفة " .
- هل أنّ الرابحين فى اليانصيب يكسبون بفعل تصميم ؟
عن الكاتبة .
==================================================
مقدّمة :
الرسالة المفتوحة التالية من أرديا سكايبراك إلى قرّاء جريدة " العامل الثوري " ( الآن " الثورة " ) نشرت فى الأصل فى ماي2002 للإعلان عن و تقديم سلسلة المقالات القادمة التى يتضمّنها هذا الكتاب. و تعيد إنسايت براس نشرها هنا لأنّها تصلح كمقدّمة مناسبة لكتاب " علم التطوّر و أسطورية فكر الخلق ... معرفة ما هو حقيقي – و لماذا هو مهمّ " .
القرّاء الأعزّاء ،
فى الأشهر القليلة القادمة ، أخطّط لكتابة سلسلة من المقالات للجريدة لعرض الأدلّة العلميّة على تطوّر الحياة على هذا الكوكب ، و مقارنة هذا بالإنفعالات المناهضة للعلم لدى الأصوليين الدينيين الذين يخوضون حملات منظّمة لمحاولة تلويث سمعة علم التطوّر و منع الناس من معرفته. وأكثر الأصوليين تطرّفا ( المعروفين أيضا ب" أصحاب فكر الخلق ") يشدّدون على أنّ الحياة لم تتطوّر أبدا ، و أنّ كلّ أشكال الحياة المختلفة التى نراها على هذا الكوكب اليوم – كافة النباتات و الحيوانات ، بما فيها البشر – ليست مترابطة تماما ببعضها البعض ،و لا تتقاسم اسلافا ن و ظلّت غير متغيّرة فى المظهر الذى من المفترض أنّها ظهرت به منذ نشوء الأرض ، و أطلقتها يد خالق ما وراء الطبيعة . و الحقيقة هي أنّ العلماء قد كشفوا الكثير من الأدلّة و الإثباتات على العكس لأكثر من قرن و نصف القرن ، و اليوم الغالبيّة العظمى من العلماء عبر العالم بأسره لا شكّ لديهم مطلقا فى الوقائع الأساسيّة للتطوّر . و يعدّ التطوّر عمليّا من أكثر الوقائع الأفضل رسوخا فى العلم كلّه و كشيء أكثر تأكّدا مثلما هو متأكّد واقع أنّ الأرض ليست مسطّحة أو أنّها تدور حول الشمس . و الكثير من التقدّم فى العلم الحديث قد تحقّق على أساس فهمنا للتطوّر ، و لم يكن ممكنا دون ذلك . التطوّر مفهوم جوهري حاسم فى فهم كلّ الحياة إلى درجة أنّ العلماء يحبّذون الإستشهاد بملاحظة أبداها مرّة عالم الجينات الشهير تيودوسيور دوبزهنسكى : " ليس لأيّ شيء معنى فى البيولوجيا بإستثناء المعنى الحاصل على ضوء التطوّر ".
ومع ذلك ، رغم كلّ هذا الإجماع العلمي ، فإنّ أصحاب فكر الخلق و المتشدّقون بمعاداة العلم ببساطة لا يقبلون ذلك. و السؤال الذى يطرح نفسه هو لماذا لا يقبلون ذلك ؟ و فى بلدان مثل الولايات المتحدة ، بعض المدافعين الأغرب عن فكر الخلق يحتلّون حتى مواقع سلطة و يأثّرون فى السلطة التشريعيّة و يعيّنون كمستشارين مرحّب بهم للرؤساء . و مجدّدا ، لماذا يحصل هذا ؟ هذه الأسئلة تحتاج أن نخوض فيها .
سأحاجج بأننّا نحتاج جميعا إلى معرفة على الأقلّ الوقائع العلميّة الأساسيّة عن التطوّر و كذلك إلى فهم كيف أنّ الأصوليين الدينيين الذين يريدون إبقاء الناس فى جهل و إضطراب فى ما يتصل بالتطوّر تدفعهم أجندا إجتماعية و سياسيّة رجعية . و نحتاج إلأى معرفة الإقرار بما هو جوهريّا خاطئ و غير علمي فى حجج فكر الخلق ، مهما كان الشكل الذى يتمظهر فيه – و يشمل هذا حجج الجيل الجديد من أصحاب فكر الخلق المدافعين عن المصمّم الذكيّ ، هذا الجيل الذى يعترف بواثع أنّ بعض التغيّر التطوّري قد حدث إلاّ أنّه يواصل التأكيد على أنّ تنوّع الحياة و تعقّدها لم يكن ليستطيع الحدوث دون تدخّل نوع من " المصمّم الذكي " فى نقطة معيّنة من السيرورة .
يبدو لى أنّ أفضل الثوريين و أكثرهم بصيرة يفكّرون دائما و يخوضون فى عديد الأنواع المختلفة من المسائل " الكبرى " الإجتماعيّة و الثقافيّة و الفلسفيّة و السياسيّة ، حتى و بالذات فى خضمّ أشدّ المعارك إحتداما . ليس أبدا أمرا جيّدا أن نركّز فكرنا و أعمالنا و نصبح ضيقى التفكير إلى درجة أن نخفق فى التعاطي مع مسائل كبرى متنوّعة – بما فى ذلك فى العلم و الفنون – خاصة إن كنّا مهتمّين بإدراك كيف تغيّر العالم تغييرا جوهريّا .
آمل أن تندلع شرارة النقاش و الجدال الحيويين لهذه المسائل الهامّة فى صفوف ( و بين ) مروحة واسعة من قرّاء هذه الجريدة . إنّنا نحيا فى مجتمع حيث العلماء المحترفين و غير المحترفين ، الذين يملكون تعليما رسميّا و الذين توفّر لهم تعليم قليل أو لم يتوفّر لهم مثل هذا التعليم و الذين ظلّوا عادة مبعدين و نادرا ما تفاعلوا و تعلّموا من بعضهم البعض. ليس علينا القبول بهذه الإنقسامات . بتنوّع قرّائها المتميّز ، هذه الجريدة فى موقع للنهوض بدور هام فى تجاوز مثل هذه الإنقسامات .
الخوض فى الأدلّة العلمية الخاصة بالتطوّر و تخلّف فكر الخلق الأصولي الديني شيء مفيد للغاية :
إن كنت سجينا فى مكان ما يقاتل كي لا تسحقه الظروف و الآلام الناجمة عن كلّ هذا الجنون ، فإنّ بعض الفهم الحقيقي لكيفية وجود الأشياء ( و كيفية و إمكانية وجودها ) ، يتحدّد بالنظر من خلال كلّ هذه الأكاذيب التى رُويت من أجل أَسِر عقول الناس ؛
إن كنت فى مكان ما خارج النطاق ، متعب إلى النخاع من مجرّد محاولة تدبير الأمور ، خائفا من ما إذا كانت الشرطة ستعنّف أطفالك أو تقتلهم ، و مريض و متعب من سماع " الأشياء كما هي لأنّ تلك مشيئة الإلاه و ليس بوسعك القيام بأي شيء " ؛
إن كنت عالما محترفا أو أي شخص آخر قد يكون بعدُ " عارفا بكلّ الأشياء عن التطوّر " لكنّك ترغب فى " ربط " هذه المسألة بجمهور أوسع و أكثر تنوّعا ، و ربّما أيضا الإنخراط فى نقاش فكري حول ما هي العلاقة المناسبة بين العلم و الدين من منظور سياسي و إيديولوجي أكثر راديكاليّة ؛
إن كنت إنسانا تقدّمي الأفكار قد تكون له بعض المعتقدات لكنّك تتمنّى أيضا أن تحصل على معلومات علميّة ، و ليس بوسعك أو تواجه الحماسة المفرطة الأصولية المتعصّبة ، و تريد أن تكتشف أكثر مسألة العلاقة بين علم التطوّر و الإيمان الديني ؛
إن كنت أحد قرّاء الجريدة عبر العالم ، و تعلم أنّ ما هو حاليّا بوجه خاص شكل أمريكي من جنون فكر الخلق يمكن بسهولة أنيتجاوز الحدود الأمريكية ، و تعترف كذلك بأنّ تقديم الفهم العلمي الحقيقي لمئات ملايين الفلاّحين و المضطهَدين الآخرين حول العالم يمكن أن يساعد على الإطاحة بأعباء قرون من الزمن ؛
إن كنت أي شخص ببساطة يرغب فى معرفة حقيقة كيفيّة وجود الأشياء فى الطبيعة و المجتمع ؛
إن كنت ناشطا سياسيّا يصارع من أجل إيجاد عالم أفضل ، من المهمّ إدراك الروابط بين فظاعات اليوم و تعسفاته – بما فى ذلك تشجيع هجمات الأصوليّة الدينيّة و فكر الخلق على العلم و السير الكامن للنظام الذى نعيش فى ظلّه . نحتاج أن نساعد الناس على رؤية الروابط بين ، مثلا ، الهجوم الأصولي المسيحي على حقّ الإجهاض و كلّ ما يحدث للنساء فى ظلّ أصوليين دينيين إسلاميين مثل طالبان ؛ روابط بين لماذا بعض الناس و بعض الدول أغنياء للغاية بينما الملايين عبر العالم يغيشون الكاد يقدرون على البقاء على قيد الحياة فى ظروف عسيرة ؛ روابط بين السعي المحموم و بلا هوادة وراء الأرباح و كلّ من اهب الحيوي للكوكب ؛ روابط بين نظام من الإستغلال العالمي و الحروب التى لا تتوقّف التى تشنّها حكومة الولايات المتّحدة ؛ روابط بين تاريخ هذا النظام و جذور الواقع الحالي فى العبوديّة والإضطهاد القومي و العدوان السافر الذى يكتسح العالم إلى يومنا هذا ؛
إنّ إستخدام الدين لشنّ هجوم مركّز ضد العلم فى هذه الفترة فى الولايات المتحدة هو جزء لا يتجزّا من أجندا رجعيّة شاملة تستهدف دعم الإمبريالية الأمريكية و تعزّزها ؛ و هذا الرابط أيضا يحتاج إلى مزيد الدراسة و النشر بين صفوف الناس و فى الأوساط الشعبيّة . كانت معركة الدفاع عنعلم التطوّر ضد هجمات أصحاب فكر الخلق محتدمة لبعض الوقت فى الولايات المتّحدة . و ليست تتجه نحو الإنتهاء و لها تبعات كُبرى : ليس على العلم و حسب و على الدين و حسب ، بل كذلك على المجالات السياسيّة و الإيديولوجيّة الأوسع ؛
بكلمات أخرى ، الأمر غاية فى الأهمّية .
وفى الأعداد القادمة من هذه الجريدة ، سحاول هذه السلسلة عن التطوّر أن تعالج أشياء مثل : ما هو التطوّر و كيف نعرف معرفة أكيدة أن ذلك حدث ( و يتواصل حدوثه ) ؟ ما الخاطئ بشأن حجج فكر الخلق ضد التطوّر ، و لماذا منهجه وهمي تماما ؟ لماذا تتواصل المعركة اليوم ؟ كيف يمكن لكافة التنوّع و التعقّد المدهش للحياة على هذه الأرض أن يكون قد نشا بفعل يد " مصمّم ذكي " ؟
سيكون من العسير أن نوفي حقّ مثل هذا الموضوع المتميّز بتعدّد الأوجه و ببعد المدى ببساطة فى عدد قليل نسبيّا من المقالات على صفحات هذه الجريدة . لكن آمل أن يكون من الكافي هنا على الأقلّ أن نبلغ بعض الوقائع الأساسيّة التى لدينا أدلّة علميّة شاملة عليها ، و أن نوفّر عرضا صغيرا لما يحاول فكر الخلق دفعه ؛ و أن ننشر الأفكار فى صفوف الجماهير العريضة لتخوض فى هذه المسائل و غيرها المتصلة بها .
و إن أراد أحد أن يرسل لنا تعليقاته أو إن كانت لديكم أسئلة معيّنة تودّون أجوبة عليها ، سارحّب بها و سأسعى إلى إدماجها فى هذه السلسلة من القمالات . و كذلك أودّ أن أدعو آخرين ذوى خلفية علمية ( كلّ من العاملين المحترفين فى مجال العلم و الطلبة و غير المحترفين ) إلى المساعدة بأيّة طرق بمقدورهم المساعدة بها فى تحسين هذا المشروع و فى إيجاد طرق لبثّ وقائع التطوّر ( و الحرب الصليبية التى ما إنفكّ يخوضها فكر الخلق ضد التطوّر ) و نشرها لتبلغ جمهورا أوسع ما أمكن – بما فى ذلك إلى الذين قد يكونون فى موقع لتعلّم أي شيء من هذا فى المعاهد أو قاعات المحاكم أين خيضت إلى الآن معظم المعارك بين التطوّر و فكر الخلق .
سنسعى فى هذه السلسلة إلى الحديث إلى كلّ من الناس الذين ليست لديهم خلفيّة علميّة و إلى الناس الذين لهم بعدُ علم " بالأسس " بيد أنّهم يرغبون فى التعمّق فى بعض المسائل العلميّة الأكثر تقدّما . و الرجاء عدم التردّد فى دراسة هذه السلسلة بتعمّق حتى و إن " لم تغوصوا فى العلم قبل أبدا " أو لم تكن لديكم قط فرصة لتعلّم أي شيء عن التطوّر . لا وجود لضرورة تجربة سابقة ! العلم ليس حقّا جدّ غامض ( و إن أراد بعض الناس جعله يبدو كذلك قصد التمكّن من التسلّط على الناس ) و على كلّ حال ، سنعمل على الشرح خلال تقدّمنا ( و يجب على الذين يملكون معلومات أكثر من غيرهم أن يساعدوا الذين يمكن أن يكونوا أقلّ علما حتى نتمكّن جميعا من المضيّ قدما ) .
و كمسألة واقعيّة ، الذين منكم ليس لديهم تدريب علمي و ربّما حصّلوا القليل من التعليم الرسمي عامة يمكن أن ينهضوا بدور هام بوجه خاص فى هذا : بالنضال من أجل تحصيل العلم بشأن التطوّر و ما يهدف إليه الأصوليّون الدينيّون عندما يبحثون عن منع الناس من هذه المعرفة العلميّة الراسخة جدّا ، بمقدوركم القيام بالكثير للمساعدة على نشر نظرة علميّة فى صفوف الناس . لقد تعرّض الكثير منكم لقدر كبير من الدين و لدي الكثير منكم جذور عميقة أو علاقات قرابة عائليّة و روابط شخصيّة أخرى ضمن المجتمعات حيث يتواصل الإعتقاد التام فى الكتب الدينيّة و تغذيته بعمق و يتواصل تشجيعه بشكل كبير من قبل الذين يُسيّرون المجتمع – بينما ، فى صفوف الجماهير الشعبيّة ، لا يقع عموما تشجيع الفهم العلمي للأشياء و لا يقع الترويج له من قبل ذات السلط لأسباب ليس من العسير جدّا تصوّرها . إنكم فى موقع جيّد للمساعدة على إلقاء شيء من الضوء على الوضع .
أنشروا الكلمة !
أرديا سكايبراك – ماي 2002 )
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
الفصل السابع من " علم التطوّر و أسطوريّة فكر الخلق : معرفة ما هو واقعي و لماذا يهمّنا "

تطوّر الكائنات البشريّة
من أين أتينا ؟
" إنحدرنا من القردة ! عزيزي لنأمل أن لا يكون ذلك صحيحا ، لكن إنكان صحيحا ، لنصلّى من أجل أن لا يصبح ذلك معروفا لدى العموم ! "
هذا ما قالته فى القرن 19 إمرأة الأسقف وورسنستار ، عندما سمعت عن نظريّة داروين عن التطوّر .
" الوقائع هي معلومات العالم ؛ و النظريّات تفاسير مقترحة لتأويل الوقائع أو التنسيق بينها . واقع التطوّر من الأشياء الأكثر رسوخا فى العلم ( يقيني مثلما هو يقيني دوران الأرض حول الشمس ).
عالم الحفريّات و بيولوجي تطوّري محترم ، ستيفان جاي غولد .
============
من نحن؟ من أين أتينا ؟ كيف سيكون المستقبل ؟
هذه أسئلة كان البشر على الأرجح يطرحونها على أنفسهم طالما أنّهم بشر . إنّها من الأشياء التى تجعل منّا بشرا . هذه القدرة على التفكير و التساؤل و الحديث مع بعضنا البعض ليس بشأن أحداث يومنا الحالي فقط بل كذلك بشأن ما حدث فى الماضي ، أو بشأن ما يمكن أن يحدث فى المستقبل . ليس بوسع أيّة كائنات حيّة أخرى على هذا الكوكب أن تفعل ذلك . و هذه القدرة بالذات هي التى تسمح لنا بالتعلّم من المعرفة المتراكمة و تقاليد أجداد أجدادنا ( بعضها قد نودّ أن نستفيد منه و بعضها بلا شكّ من الأفضل أن نستبعده ، غير أنّه منها جميعا يمكن أننتعلّم على أي حال ) ؛ و هذه القدرة هي التى تسمح لأجيال من البشر ، جيلا بعد جيل ، بمواصلة البناء لمراكمة مخزون من المعرفة و التجربة ، معا بمراجعة و تحوير الفهم الماضي ، و بكسب أفكار ثاقبة جديدة على ضوء إكتشافاتنا الجارية و تغيّرات العالم من حولنا .
لكن إلى جانب كلّ هذه القدرة الملهمة ، يبدو أنّه لدينا نحن البشر قدرة و نزعة ببساطة ل" صنع الأشياء" عندما ببساطة لا نعرف بعدُ الحقيقة حول شيء ما ! حينما ننسج قصصا خياليّة عن المستقبل ، غالبا ما نسمّى ذلك الخيال العلمي ، بينما القصص الخياليّة عن الماضي يشار إليها عامة بالأساطير . و جملة خاصّة من الأساطير المعروفة " بأساطير الأصل " أو " أساطير الخلق " يمكن أن توجد بموقع القلب لدى العديد من الديانات التى لا تزال تمارس حول العالم اليوم ( و مثل هذه الأساطير بلا شكّ كانت فى موقع القلب لدى العديد من ديانات العالم القديم التى قد كفّت الآن عن الوجود ). ( أنظروا " أساطير الخلق " ، بالصفحة 14 ) .
أساطير الخلق هي ببساطة القصص الخياليّة الكثيرة التى قصّها الناس الذين عاشوا قبل مئات و آلاف السنين على بعضهم البعض فى محاولة لتفسير ما ليس يملكون بعدُ أساسا لفهمه : كيف نشأ الناس فى الأصل . و تختلف هذه القصص ( التى تروى عبر الأغاني و القصائد فى الكثير من الثقافات ، و تكتب فى كتب ألّفها بشر على انّها " كتب مقدّسة " من شتّى الألوان ، مثل الإنجيل و التوراة أو القرآن ) فيما بينها فى التفاصيل و عادة ما تعكس واقع أنّ الناس الذين كانوا فى الأصل وراء رواية هذه القصص عاشوا فى أزمان و أماكن و بيئات متباينة . بيد أنّ لأساطير الخلق جانب مشترك هام : سواء كانت تتحدّث عن أشياء مثل آلهة الشمس او أرواح المياه و أمّهات الأرض ، أو البطاركة الملتحين فى الغيوم ، جميع أساطير الخلق تسعى إلى تفسير " من أين أتى البشر الأوّلون " من خلال قصّة خياليّة عن كيف أنّه فى زمن ما بعيد ، خلقت أرواح خارقة للطبيعة ( و عادة غير مرئيّة البشر الأوّلين ، و يقال غالبا أنّها صنعت البشر من بعض العناصر المكوّنة للأرض ( مثل الطين ) . ثمّ إمّا أنزلوا من السماء أو أرشدوا إلى أحشاء الأرض ، أو شيء مشابه ، أو مذّاك إستطاع البشر المضيّ قدما و سكن الأرض ( أو على الأقّلّ أي جزء صغير من الكوكب مهما كان و كان أصحاب هذه الأساطير معتادين عليه زمنها ).
لا أجد بتاتا من المفاجئ أن البشر القدامى الذين عاشوا فى عالم ما قبل العلم ، قد ألّفوا مثل هذه القصص فى محاولة منهم لتفسير جذور الإنسان . وفيما دراسة هذه القصص اليوم لنتمدّنا بتفسير حقيقي لمن أين أتى البشر ، فإنّ عددا منها يمكن بعدُ أن ينال إعجابنا كشعر أو أغنية أو أدب ، و جميعها لا تزال قادرة على أن تعلّمنا الكثير عن كيف عاش مختلف البشر القدامى و كيف كانوا يفكّرون فى عالمهم. (1)
لكن فى حين أجد من اليسير فهم لماذا صاغ البشر منذ زمن بعيد أساطير الخلق ، فإنّ واقع أنّ هناك أكثر ممّا يكفى من الأدلّة التاريخية و العلميّة للتدليل على أنّ كافة قصص الخلق المتنوّعة لكافة الأديان هي ذاتها " خلقها " البشر ! و البشر يخلقون كذلك قصصا للأطفال حول أشياء من مثل سانتا كلوس أو جنيّة الأسنان – لكن فى هذه الحال نعلم جميعا أنه من المفترض أنّنا ننمو و نعلم ما هي عليه : قصص ذات غايات إجتماعيّة إلاّ أنّها مع ذلك تظلّ قصصا . أسباب أنّ البشر حتّى البالغون يبدون متمسّكين بقصص الخلق الدينيّة حول جذور البشر و أشكال الحياة الأخرى ، وثيقة الصلة بالعوامل الإجتماعيّة التى تشعر العديد من الناس بحاجتهم إلى الدين فى المصاف الأوّل ، لكنّها وثيقة الصلة أيضا ب :
أ- كونه ببساطة بالنسبة لمعظم زمن وجود البشر ، ليست لدينا بعدُ المناهج العلميّة والنظرة العلميّة ( و بعدُ لم نحقّق نوع الإكتشافات العلميّة التى حقّقنا الآن ) التى يمكن أنتوفّر لنا أجوبة حقيقيّة عن من أين أتى البشر ، بالإعتماد على الوقائع عوض الإعتماد على الأسطورة و التطيّر ؛ و
ب- منعت المعرفة و الفهم العلميين الحقيقيين للأشياء تقليديّا عن غالبيّة الإنسانيّة كنتيجة مباشرة للإنقسامات و اللامساواة الإجتماعية القائمة عبر العالم – وهو وضع متواصل إلى اليوم.
اليوم بوسع العلم أن يجيب بوضوح و نهائيّا على السؤال الجوهري : " من أين أتينا ؟ " فمنذ نشر العمل الرائد لشارل داروين حول تطوّر الحياة فى 1859 ، إزدادت قدرة العلماء بصفة متصاعدة على الفهم و التفسير العلميين لكيف أنّ كافة أشكال الحياة المتباينة على هذا الكوكب ( كلّ النباتات و الحيوانات ، بما فيها البشر ) مرتبطة ببعضها بعضا بدرجات متنوّعة ، و كون كافة الأنواع المختلفة تطوّرت ( نشأت و تغيّرت ) طوال آلاف ملايين السنين من خلال سيرورة معروفة ب " الإنحدار مع التبدّل " من مجموعة من الأجداد المشتركين ( المتقاسمين ) . و صار الآن جليّا جدّا أنّ هذه السيرورة تشكلت فى جزء كبير منها جرّاء تلك الآليّة الأوّليّة للتغيّر التطوّري المعروف بالإنتقاء الطبيعي . ( 2)
لقد مثّل التطوّر عبر الإنتقاء الطبيعي الذى تعرّضت له مجموعات من الأشخاص المتنوّعين " الفكرة العظيمة " لداروين لكن كون التطوّر يحدث بهذه الطريقة لم يعد مجرد " فكرة مهمّة " أو " نظريّة لم يقع إثباتها " أو فرضيّة – إنّه واقع علمي مثبت جيّدا : و يمكن حتى قول الكثير عن أنّ كامل النموّ فى البيولوجيا و العلوم المتصلة بها بين بداية القرن العشرين و نهايته ( وهو متواصل اليوم ) قد شكّل " دليلا " متواصلا عن نظريّة التطوّر الأساسيّة لداروين . الآن ، بعيدا عن أي ظلّ للشكّ ، وقع إثبات أنّ الحياة قد تطوّرت بالفعل بإستمرار طوال ال3.5 بليون سنة الماضية ، وأنّ الحياة تواصل التطوّر، و أنّ التغيّر التطوّري على كلّ من النطاق الصغير و النطاق الكبير يحدث من خلال الآليّة اللاواعية المعروفة بالإنتقاء الطبيعي . إنّ العلوم المعاصرة لم تدلّل على أنّ التطوّر يحدث فقط بل دلّلت على كيفيّة حدوثه ، بما فى ذلك من خلال إكتشافات فى علم الجينات و بيولوجيا الذرّات / الجزيئات و هما لم يوجدا زمن داروين .
دليل التطوذر الماضي حولنا ، فى كلّ الأنواع الحيّة و فى كلّ أحافير أنواع ماتت منذ زمن بعيد .و هناك تماما آلاف الدراسات العلميّة التى بيّنت لنا أنّ التطوّر لا يزال يحدث حولنا . مجموعات من النباتات و الحيوانات الحيّة غالبا ما تتغيّر ( تتطوّر ) خلال عدّة أجيال متعاقبة ( ليس " آنيّا " ) بفضل الإنتقاء الطبيعي و الظواهر المرتبطة به .
تطوّر الإنسان من أنواع غير إنسانيّة وجدت قبله :
هل هناك دليل عمليّا على أنّ الإنسان ( و ليس فقط الأنواع الأخرى من الحياة التى تعمّر الأرض ) هي نتاج لمثل هذا التطوّر البيولوجي ؟ هل هناك حقاّ دليل واضح على أنّنا ننحدر من بعض الأنواع غير الإنسانيّة التى سبق وجودها وجودنا ؟ نعم . مطلقا ، دون أدنى شكّ . الدليل على هذا جليّ جدّا .
الإنسان قد إنحدر عمليّا من سلسلة طويلة من الأنواع غير الإنسانيّة التى وجدت قبله . فالخطّ التطوّري الذى قاد إلى الإنسان المعاصر ( المعروف بخطّ " الهومينيد " ) قد تميّز فعليّا ( إنشقّ عن ) عن خطّ قردة أفريقية قبل بضعة ملايين السنين فقط . و فرع آخر من هذا الخطّ إنشقّ ليعطي فى النهاية الغوريلا المعاصر و كذلك فى ظروف أخرى أعطى الشنبنزي الذى يمثّل أقرب أبناء عمومتنا فى التطوّر . و " الهومينيد " من ناحية هذا التطوّر " الإنشقاقي " يشمل كافة الأنواع التى تعتبر أقرب إرتباطا بالبشر منها بالشنبنزي . و كما سنرى ، قد وجدت فعلا عدّة أنواع مختلفة من جانب حدث تفرّع جانبنا الهومينيد ، و التى تميّزت جميعها عن أجدادنا القردة بكونها تتنقّل على قدمين ( المشي وقوفا / منتصبي القامة ). و هم يمثّلون الكثر من الخطوات التطوّرية الإنتقاليّة المتنوعة الرابطة بين أقدم الأجداد من القردة بالإنسان المعاصر . و أقدم هذه الأنواع التى تمشى منتصبة القامة كانوا و لا يزالوا أكثر شبها بالقردة من نواحي عدّة ، بينما الأحدث نسبيّا تشمل البعض من تلك التى كانت أشبه بالإنسان المعاصر . على علماء الحفريات ( العلماء الذين يجمعون الأحافير و يدرسونها ) يعثرون بإستمرار على المزيد و المزيد من الأحافير لللكثر من الأنواع المختلفة من الهومينيد المتنقلين على قدمين ( بعضها تعايشا فى نفس الحقبة الزمنية ) و يتم تعلم الكثير عن أي هذه الأنواع كانت أجدادنا الأكثر مباشرة و أيها تمثّل فروعا جانبيّة لشجرتنا العائليّة ما أدّى فى النهاية إلى نهايات تطورية مسدودة الأفق . بشر اليوم ينتمون جميعهم إلى نوع واحد ، النوع الوحيد الباقي من سلسلة متنوعة من نوع الهومينيد . و فى سيرورة معرفة هذه الأنواع من الأجداد السابقين و البيئات السابقة التى عاشوا فيها ، تزيد معرفتنا ليس فقط بمن هم أجدادنا الأكثر مباشرة و أيضا ما يعنيه أن نصبح إنسان تماما .
مع كل أحفور تعثر عليه وتحلّله و تناقشه فرق متنوّعة من العلماء ، نظلّ نتعلّم المزيد زو المزيد من التفاصيل عن بالضبط كيف جرى تطوّر الإنسان . و لا يزال هناك الكثير لمعرفته إلاّ أن القضيّة الأساسيّة ، المسار الأساسي جدّ واضح و جدّ موثق بحيث أنّ الغالبيّة العظمى من العلماء عبر العالم سينظرون إلى شخص لم يعتقد أن الإنسان تطوّر من أنواع وجدت قبله بنفس الطريقة التى سينظرون بها إلى شخص لا يزال يعتقد أنّ الأرض مسطّحة و أنّك إن أبحرت فى قارب نحو الأفق ستسقط فى الفراغ !
يعتاش أنصار نظريّة الخلق الأصوليين الدينيين على الجهل و الإضطراب الناجم عننقص التعليم و عن التعليم المبني على معطيات خاطئة : إنّهم يكذبون و يشوّهون تماما الوقائع المعلومة عن التطوّر ، و حتى يحاولن جعل الناس يشعرون بالعار من جذورهم ما قبل الإنسانية و من أجدادهم . يجعل أنصار نظريّة الخلق الأمر يبدو كما لو أنّ أنصار نظريّة التطوّر يقولون للناس إنّ الإنسان ليس " مختلفا عنالقردة فى حديقة الحوانات " . لكن الأمر ليس كذلك . الحقيقة هي أن أنصار نظريّة التطوّر يقولون للناس أنه هناك عددا كبيرا من الأدلة الملموسة على أنّ :
(1) الإنسان فى الواقع ينحدر من أجداد يشبهون القردة ؛ ( 2 ) القردة المعاصرة كالشنبنزي ، لها روابط وثيقة بالإنسان ؛ ( 3 ) الإنسان و القردة لا زالا يتقاسمان عديد الملامح الجسمانيّة و السلوكيّة ؛ ( 4) للإنسان أيضا بعض الملامح التطوّرية الفريدة خاصة به ما يؤدى بداهة إلى كون الإنسان مختلف تمام الإختلاف من عدّة نواحي عن أقرب أقربائهم من القردة الحيّة .
يحبّذ أنصار نظريّة الخلق أن يدّعوا أنّه لو درّست المدارس و الكتب المدرسيّة أبناءنا أنّهم ينحدرون من حيوانات فإنّ الأطفال ببساطة " سيتصرّفون كالحيوانات " و يغرقون فى لاأخلاقيّة وحشيّة . و هذا بدوره رأي سخيف لا يحترم بعمق الشباب و عائلاتهم و قدرتهم على المسك بالحقيقة . وهو يخفق مرّة أخرى فى الإقرار بواقع أن البشر تطوّروا من أنواع لاإنسانيّة سابقة لهم لا يعنى أنّه ليست لدينا بعض الملامح الإنسانيّة الخاصة و الفريدة تميّزنا حتى عن أقرب آبائنا من ضمن الأنواع الأخرى . كيفيّة سلوكنا ( للأفضل أو للأسوأ ) هي – و ليس بوسعها إلاّ أن تكون – إنسانيّا مغايرة .
يكشف علم التطوّر أنّه إنإستطعت العودة عبر الزمن و عبر كامل سلسلة الأنواع السابقة التى تشكّل إرثنا ، لن تجدوا فقط سلاسل طويلة من الأنواع ما قبل الإنسان الشبيهة بالقردة التى تشكّل أجدادنا الأكثر مباشرة ، بل العودة إلى ما قبلهم فى آخر المطاف ستبلغ الثدييّات الأولى ( التى منها إنحدرت على الأرجح كافة الثدييّات التالية بما فيها أنواع مختلفة مثل الدببة و الحيتان و الكلاب و الإنسان ، و إن كان فى نقاط متباينة من تاريخ التطوّر ) . كان أولئك الأجداد من الثدييّات الأوائل لكافة الثدييّات التالية كائنات فى حجم الفئران عاشت زمن الديناصورات . وهي ذاتها قد تطوّرت من فرع زواحف تشبه الثدييّات ، و أوّل ممثّلى الزواحف بدورهم تطوّروا من فرع لبعض البرمائيّات الأوائل ( المجموعة التى ينتمى إليها السلمندر و الضفادع ) و التى مثّلت المخلوقات الأولىبالذات التى زحفت خارج الماء و مشت على الأرض . وهي بدورها قد تطوّرت من فرع خاص من الأسماك البحريّة ( التى شكّلت نهاية عظميّة و قربة هواء أساسا للأرجل القصيرة والرئتين البدائية للأنواع الأولى لتزحف نحو الأرض و تتنفّس فى البرّ ). أمّا بالنسبة إلى السمك ، فقد تطوّر قبل ذلك بكثير من فرع من اللافقريّات البحريّة ( حيوانات بلا عامود فقريّ )، و التى بدورها تطوّرت من نوع حتّى أبسط و أكثر بدائيّة من الكائنات البحريّة ، عائدين تماما و بالذات إلى الأشكال الأولى للحياة الشبيهة بالبكتيريا و التى أطلقت كافة العرض التطوّري القائم ، و التى كانت تشبه أكثر بقليل من بعض الفروع من الحمض النووي المحاطة ببعض خلايا الغشاء .
لذا إن أردتم حقّا الحديث عن الجذور الإنسانيّة و أجداد الأجداد و حصلتم على الصورة بأكملها ، لا تتحدثون ببساطة فقط عن أجدادنا من القردة – عودوا بالأمر إلى نهايته ! عودوا به إلى تلك الكائنات الأولى الشبيهة بالبكايريل التى ظهرت من الخليط الكيميائي للمياه الأولى للعالم قبل حوالي 3.5 بليون سنة و إعترفوا بهم كذلك كأجدادكم الأوائل أيضا !
لا أعرف ردّ فعلكم لكنّى لا أجد هذا التاريخ مخيفا أو مزعجا بأي شكل من الأشكال . شخصيّا ، أعتقد أنّه جامح جدّا و مذهل فعلا كوننا بلغنا ما بلغناه اليوم بفضل مثل هذا الخليط المتنوّع من الأنواع القديمة المترابطة . لكن الإقرار بالدلائل العلميّة عن كلّ هذا لا يعنى أنّنا جميعا سنشرع فى العمل مثل البكتيريا و السمكأو القردة ! يمكن أن " نكون " فحسب ، و نسلك سلوكا مثلما نحن عليه عمليّا – نوع مختلف و بالأحرى فريد ، الهومو سابيانس .
لكن ، قد يسأل البعض إن كنّا فى نواحى عديدة مختلفين و فريدين كنوع ، عندئذ لماذا نقلص أنفسنا إلى محاولة إكتشاف الأنواع السابقة التى تطوّرنا نها ؟ هل نحن نسعى ببساطة إلى أن نجمع نوعا من ألبوم صور تطوّريّة عن الأجداد الذين عاشوا منذ زمن بعيد ؟ ما القضيّة ؟ حسنا ، بعض الناس قد يريدون دراسة جذورنا و دراسة أجدادنا المباشرين لمجرّد إهتمام و فضوليّة عامين ( و بالتأكيد لا عيب فى ذلك ! ) لكن أودّ أن أقول إنه ، أبعد منذلك ، من المهمّ السعي إلى تعلّم أكبر قدر ممكن عن الأنواع التى وجدت قبلنا و التى منها إنحدر الفرع الإنساني لسببين أساسيين إثنين :
1- لنساعد أنفسنا على التحرّر من الأوهام المتعلّقة بما وراء الطبيعة : فبقدر ما نعرف الواقع الملموس للجذور التطوّرية للإنسان ، بقدر ما يحرّر الناس أنفسهم على ألرجح من كافة التطيّر و الإعتقاد فى ما وراء الطبيعة – معتقدات أحاجج لأنّها لم يفت زمانها وحسب بل هي عمليّا ضارة للإنسان. يعتقد أناس كثر بأنّ نوعا من الروح الخارقة للطبيعة خلقتنا و ينزعون إلى البحث عن تبريرات كافة أنواع الأمراض و اللامساواة الإجتماعيّة التى غالبا ما يفسّرونها بقول : " إنّها إرادة الإلاه " أو " الإلاه يعمل بطرق غريبة " . و الكثير من الناس ينتظرون بسلبيّة أن يأتي نوع من الروح لإنقاذ الإنسانية عوض أن يتخذوا همأنفسهم المبادرات للقيام بشيء إزاء الأمراض و اللامساواة الإجتماعيين . لكن إن أدركنا الوقائع العمليّة للعلم الحديث و أدركنا أنّ الإنسان فى حين أنّه خاص و فريد من نواحي عدّة ، مع ذلك هو مجرّد نتيجة لسيرورة مديدة جدّا و غير واعية كلّيا من التطوّر البيولوجي و الإنتقاء الطبيعي الذى فعل فعله فى جميع الأشياء الحيّة لبلايين السنين ، عندئذ أظنّ أنّ هذا سيساعد الكثيرين منّا على وضع الأمور فى الأفق المناسب و أنّنا سنمضى زمن أقلّ بكثير فى النظر إلى السماء و إلى بعض الأرواح ما وراء الطبيعة من أجل أن تنقذنا و عوض ذلك سننظر أكثر إلى أنفسنا – لبعضنا البعض – لإدراك ما يجب القيام به .
2- لنفهم فهما أفضل من نحن و ما هي حاجياتنا و قدراتنا :
بقدر ما ندرك جذور تطوّرنا الخاص بقدر ما ندرك ، أعتقد ، فى نفس الوقت أنّ نوعنا الخاص وثيق الإرتباط و التداخل و الإرتهان بعديد أشكال الحياة الأخرى على هذا الكوكب ، و أنّ النوع البشري بالتالي لا يستطيع " المضيّ لوحده " ( و لا يمضى لوحده ) . و إنعكاس هام لهذا هو أنّ ذلك يمكن أن يساعدنا على إدراك أنّه لو بقينا نحطّم تعسّفيّا منظومات إيكولوجيّة كاملة و ندفع أنواعا جديدة أخرى نحو الإنقراض ، قد ننتهى إلى إطلاق شلاّل من الإنعكاسات البيولوجيّة التى يمكن أن تجعل الأرض غير قابلة للسكن حتى لنوعنا . و فى فس الوقت ، إن أدركنا بشكل أفضل ما حدث بيولوجيّا حين تطوّر الخطّ الإنساني من الأنواع القديمة التى وجدت قبله – ما كانت التغيّرات و التجديدات التطوّريّة المفاتيح المعنيّة – عندئذ أعتقد أنّنا سندرك إدراكا أفضل أشياء من مثل واقع أنّ تطوّر درجتنا الفريدة من المرونة السلوكيّة و قدرتنا غير المسبوقة على تعلّم أشياء جديدة تحرّرنا عمليّا إلى درجة كبيرة من أننكون محدّدين بصرامة ببرامجنا الجينيّة الكامنة ( نحن أكثر بكثير من جيناتنا ! ).
نحن البشر لنا قدرة هائلة على أننغيّر دراميّا كافة أصناف مظاهر كلّ من الطبيعة و المجتمع من أجل الأفضل و من أجل الأسوأ . و هذه القدرة تنبع مباشرة من بعض مظاهر تطوّرنا البيولوجي التى أفرزت نوعا له قدرة تطوّر عالية للتفاعل بوعي مع العالم من حوله على أساس التعلّم المستمرّ ، ترافقه فى ذلك قدرة تطوّر عالية على التواصل الإجتماعي و التنسيق الإجتماعي . لسنا النوع الحيّ الوحيد الذى طوّر قدرة على التعلّم و بعض المرونة السلوكيّة ذات الدلالة و قدرة على التصرّف فى البيئة الخارجيّة ،و بعض الأشكال المعقّدة من التنظيم الإجتماعي و التواصل : هذه القدرات يمكن أن توجد أيضا إلى درجات متباينة لدى أنواع أخرى ، لا سيما ضمن الثدييّات الإجتماعيّة الأخرى . ولذكر بعض الأمثلة فقط، قردة الشنبنزي قادرة على صنع الأدوات البدائيّة و إستعمالها ،و الكلاب تدرك كيف " تسترعي " الإنتباه والذئاب تعلّم صغارها كيف تصطاد و الفيلة تتعلّم مثلا كيف تعتنى بصغارها و الحيتان تعلّم نسلها " الأغاني " المعقّدة التى يستخدمها نوعها للتواصل ، إلخ . لذا خاصة فى صفوف الثدييّات الإجتماعيّة التى تعيش فى مجموعات ،هناك عديد الأنواع إلى جانب البشر طوّرت قدرات مذهلة على تعلّممهارات معقّدة ليست ببساطة مبرمجة جينيّا . لكن سيكون من الصعب إنكار أنّ تطوّر البشر مثّل قفزة نوعيّة حقيقيّة فى تطوّر قدرات من هذا القبيل . ما من نوع آخر على الكوكب يقترب من البشر حين يتعلّق الأمر بالقدرة على التغيير العملي و الواعي للعالم المحيط بنا . و علينا أن نفهم فهما أفضل طبيعة هذه القفزة و جذورها التطوّرية لأنذ هذا ما يجعلنا بوضوح بشرا .
حتى فى أواخر القرن 19 ، لاحظ داروين و علماء آخرون أوجه الشبه الجسمانيّة البديهيّة بين الإنسان و القردة الأفريقيّة المعاصرة ( الغوريلا و الشنبنزي ) و بعدُ قد شكّوا فى أنّ الإنسان قد تطوّر كفرع منفصل من نوع من الأجداد البعيدين المشتركين مع القردة . و تبيّن أنّ داروين وأصقاؤه على حقّ ولو أنّ الدلائل المطلقة على هذا لم تأت قبل القرن العشرين .
منذ زمن داروين ، قام الأصوليّون الدينيّون المسيحيّون بكلّ ما بوسعهم سعيا إلى إبقاء الناس فى منأى عن النظريّات العلميّة للتطوّر و عن الكمّيات الهائلة من الدلائل العلميّة الملموسة التى جاءت لتؤكّد حقيقة هذه النظريّات . ببساطة لا يريدون أن يكتشف الناس الوقائع المثبتة عن كيف أنّ الحياة على الأرض تعود إلى 3.5 بليون سنة لأنّ التأويل الحرفيّ للإنجيل يقترح أنّ عمر الأرض لا يعدو أن يكون بضعة آلاف سنة . لا يريد أنصار فكر الخلق أن يعرف الناس الأدلّة العلميّة التى تثبت أنّ كافة الأنواع النباتيّة و الحيوانيّة مترابطة بعضها ببعض إلى درجات متنوّعة و أنّ كلّ نوع من الأنواع هو نتيجة لتغيّر تطوّري لأنواع سابقة له ، لأنّ الإنجيل يقول إنّ الإلاه قدخلق كلّ النباتات و الحيوانات بشكل منفصل و كلّها فى لحظة واحدة ( أو فى غضون بضعة أياّم ) . و فوق كلّ ذلك ، لا يريد أنصار فكر الخلق سماع أي شيءعن كيف أنّ الإنسان تطوّر من أنواع لاإنسانيّة وجدت قبله لأنّ الإنجيل يقول إنّ الإنسان " مخلوق خاص " للإلاه و إنّنا خلقنا " على صورة الإلاه " و إنّنا بوجه خاص صمّمنا للتحكّم فى ( " السيطرة على " ) كافة الأنواع الأخرى على الأرض . و تقف وقائع التطوّر ضد كلّ هذا . ( أنظروا " الإنسان و الديناصورات ؟! فكرة عبثيّة أخرى لأنصار فكر الخلق " ).
طبعا ليس كلّ الناس المتديّنين حالات جنون أصوليين ! اليوم قلّة متزايدة من المسيحيين ذوى الأذهان المتفتّحة و متديّنون آخرون يقبلون بالتطوّر كواقع مثبت علميّا ،و إختاروا أن يأقلموا معتقداتهم الدينيّة لتأخذ بعيم الإعتبار الدلائل العلميّة الشاملة عن التطوّر . و مثلا ، يشعر العديد من الناس بأنّ البشر الذين كتبوا مختلف أسفار الأنجيل قبل قرون عدّة كانوا بالضرورة محدودي المعرفة ،و أنّ ما يقال فى الإنجيل لا يجب بالتالى أن يفهم فهما " حرفيّا " . و كان على الكنيسة الكاتوليكيّة أن تجري " تعديلا " مماثلا عندما كان عليها فى النهاية أن تقرّ بأنّها كانت على خطأ فى معارضتها لنظريّة كوبرنيك على أنّها هرطقة و كفر . لكن لقرون عديدة ، نظريّةكوبرنيك – التى بيّنت أنّ الأرض لم تكن مركز العالم و أنّ الأرض و كواكب أخرى تدور حول الشمس و ليس العكس – تمّت معارضتها بقوّة و خبث و حتى قمعها السلط الدينيّة لأنّها تتحدّى النظرة الإنجيليّة القائلة إنّ الإنسان محور الخلق الإلاهي الخاص . لكن فى النهاية لم يوجد ما ينكر أدلّة علميّة ملموسة : كان كوبرنيك على حقّ ! (3) .
صدمت كلّ من نظريّة كوبرنيك و نظريّة داروين للتطوّر عالم الدين المنظّم و عارضتهما السلط الدينيّة و ندّدت بهما على أنّهما هرطقة لأنّ كلا النظريتين أنزلتا الإنسان من على ظهر الفرس ( إن أمكن قول ذلك ) و كشفتا أنّ البشر و الأرض لم يكونا ضربا من المركز الخاص لكلّ شيء ،كما وضع ذلك الإنجيل . و يواصل الأصوليّون الدينيّون أنصار فكر الخلق التنديد اليوم بالتطوّر الدرويني ( حتى أمام الدليل العلمي الشامل ) بما يذكّرنا تماما بالهذيان اللاعقلاني للكنيسة ضد كوبرنيك و غاليلي قبل مئات السنين .
ألا تقشعرّ الأبدان من أنّ جورج بوش ، الرئيس الحالي للولايات المتحدة – أقوى بلد على الأرض و بلد يقرّ بأنّه يملك مخازن أسلحة الدمار الشامل – يصف نفسه بأنّه وُلد من جديد كأصولي مسيحي يشارك بلا حياء و يشجّع بنشاط جوانب كثيرة من الأجندا السياسيّة و الإجتماعيّة لأنصار فكر الخلق المسيحيين الفاشيين ضمن ما يسمّى ب" اليمين الديني " ؟
معرفة التطوّر ( بما فى ذلك التطوّر الإنساني ) أوّلا و قبل كلّ شيء هي معرفة حقيقة الوقائع العلميّة المثبتة . لكن معرفة هذه الوقائع و معرفة تعرية أكاذيب أنصار فكر الخلق سيساعد ، نأمل ، كذلك على توجيه ريح مقاومة لأجندا الرجعيّة السياسيّة و الإجتماعيّة .
بعض الوقائع الأساسيّة عن التطوّر :
إذن ما هي أهمّ الأشياء التى ينبغى أن نعلمها بشأن التطوّر الإنساني ؟ حسنا ، قبل كلّ شيء ، يجب أن تعلموا أنّ هناك الآن صفر مطلق من الشكّ فى أنّنا فعلا مرتبطون وثيق الإرتباط بالقردة الأفريقيّة المعاصرة اليوم و التى تشمل الغوريلا و الشنبنزي . و نقطة إضاءة علاقتنا بالقردة الأفريقيّة الحيّة هو أنّها إلى درجة كبيرة أقرب أقربائنا الأحياء . و منهنا ، دراسة القردة الحيّة المعاصرة اليوم يمكن أن يساعدنا على تحسين فهم الكثير من المظاهر المشتركة بعدُ لدى القردة و الإنسان ، و هي على الأرجح أيضا مظاهر قد إمتلكها الأجداد المشتركين للإنسان و القردة الذين عاشوا قبل بضعة ملايين السنين و الذين منهم إنفصل كلّ من جهته كلّ من الخطّ الإنساني و خطّ الشنبنزي . دراسة القردة الحيّة يمكن أن توفّر لنا أيضا فهما أفضل للطرق التى يختلف فيها الإنسان المعاصر عن القردة بأشكال فريدة و هذا كذلك يمكن أن يساعدنا على إعادة بناء ما كانت على الأرجح بعض الخطوات الأكثر حيويّة فى المسار التطوّري للتحوّل التام إلى إنسان.
عديد الناس وهم يشاهدون القردة فى حدائق الحيوانات ، فى التلفاز ، أو فى الحياة البرّية ليس بوسعهم إلاّ أن تصدمهم أوجه الشبه الجسمانيّة البديهيّة مع الإنسان ، و حتى بعض السلوكات الأساسيّة " الإنسانيّة تقريبا " ( طريقة لعبهم و مسكهم الأشياء أو الإنضباط و رعاية الأطفال مثلا ). و بالنسبة للتخصّص العلمي فى علم التشريح ( شكل و وظيفة مختلف أعضاء الجسم ) أوجه الشبه أكثر بداهة حتى : أكثريّة أعضاء جسمنا الأساسيّة ( عظامنا و أجهزتنا ) مشابهة بصفة مذهلة لتلك لدى القردة ، و هذا فى حدّ ذاته دليل كبير على أنّ أجدادنا مشتركين . ة تتضمّن بعض أكثر إختلافاتنا بروزا : الإختلافات فى أحجام الجسد ( الإنسان نسبيّا يداه أقصر و رجلاه أطول ) و كوننا نملك جلدة أقلّ شعرا نسبيّا ، و إبهام اليد أكثر حركة ، و جمجمة فى خطّ واحد ما عامودنا الفقري مصطفّ بطريقة تمكّننا من الوقوف و المشي و الجري واقفين تماما ( بدلا من الإنحناء إلى الأمام على المفاصل معظم الوقت كما تفعل القردة ). نحن البشر لنا كذلك دماغ أكبر بكثير نسبيّا و قدرة أكثر تطوّرا على تعلّم اللغة المعقدة . هذه بعض أبرز إختلافاتنا . لكن من ناحية أخرى ، تنطوى أوجه تشابهما على كون بروتينات دمنا وذرات الحمض النووي هي تقريبا مماثلة لتلك لدى الشنبنزي : غالبيّة بيولوجيّو الذرّات يتفقون على أنّه هناك شيئا بنسبة 3 بالمائة إلى 5 بالمائة من الإختلاف بين الحمض النووي لدى الإنسان و الحمض النووي لدى الشنبنزي!
و من المعروف أنّه بقدر ما تمتدّ المدّة الزمنية لتطوّر الخطّين إبتعادا عن الأجداد المشتركين بقدر ما تكون الإختلافات فى الحمض النووي . و يبيّن لنا تحليل أوجه الشبه و أوجه الإختلاف فى الحمض النووي مثلا ، أنّ القردة الأفريقيّة الحيّة أكثر إرتباطا وثيقا بالإنسان منها بأيّة قردة أخرى ، وهي مجموعة تطوّرت قبل ذلك من أصل حيواني مشترك . و بشكل أدلّ ، واقع أنّه لا يزال هناك تقريبا 95 إلى 98 بالمائة من التشابه بين الحمض النووي لدي الإنسان و الحمض النووي لدى الشنبنزي يثبت بما لا يدع مجالا للشكّ أنّ نوعينا مترابطان وثيق الإرتباط إلى أبعد حدّ . و بالفعل ، إستطاع علماء بيولوجيا الذرات العمل خلفا إنطلاقا من هذه المعطيات لحساب أنّنا لا زلنا نتقاسم أجدادا مشتركين مع الشنبنزي قبل حوالي 5 مليون سنة ، و هذا على نطاق الزمن التطوّري الشامل ليس سابقا زمنا طويلا جدّا .( أنظروا " الحمض النووي للشنبنزي و الإنسان : إلى أي حدّ نتقارب ؟ " )
ثمّ هناك الأحافير – الكثير من الأحافير :
زمن حياة داروين ، كان الناس بالكاد يشرعون فى البحث عن أحافير أجداد الإنسان الممكنين ، لذلك لم يعرف تماما أي احد إذا كان سيتمّ العثور أبدا على العديد من مثل هذه الأحافير ،و كيف ستكون ( أشبه بالقردة أم أشبه بالإنسان أم مزيجا من الإثنين ؟ ) أو إن كانت ستتجه نحو تأكيد أو دحض فكرة أنّ الإنسان قد تطوّر من الأجداد الشبيهين بالقردة غير الإنسانيين . لكن فى القرن و نصف القرن منذ نشر داروين لأوّل مرّة لعمله عن التطوّر ، تمكّنت عدّة فرق مختلفة من العلماء من تجميع تماما آلاف النماذج من أحافير الهومينيد [ أسلاف الإنسان ] من مختلف الأعمار . وهي تتضمّن : أحافير هومينيد عمرها أقلّ من 200 ألف سنة ( وهي بوضوح إنسان معاصر من الناحية التشريحيّة ) ، و أحافير عدد من أنواع الهومينيد المختلفة و عمرها يتراوح بين مليون و مليوني سنة ( وهي ليست مشابهة تماما تشريحيّا للإنسان المعاصر لكن بعضها قد أظهر بعدُ بعض الملامح الجسمانيّة الحيويوّة التى تميّز الإنسان عن القردة ، لكن مع ذلك كانت قادرة على المشي واقفة تماما ) .
لا تزال أحافير الهومينيد التى عمرها أكثر من 4 مليون سنة نادرة جدّا . و إكتُشفت حديثا فى التشاد ، بأفريقيا جمجمةسمّيت توماي عمرها مقدّر ب 7 مليون سنة ، وهي لما يمكن أن يكون هومينيد يمشى منتصب القامة . و يراجع مختصّون متنوّعون فى هذا الحقل راهنا الأدلّة ( بما فى ذلك أين ترتبط عضلات الرقبة بالجمجمة ما يمكّن من توفير دليل عن وضع المشي على قدمين إثنين ) ولا أحد مقتنع كلّيا بأنّ هذا المخلوق قد تنقّل منتصب القامة تماما . غير أنّه ، إن إنتهى الأمر إلى تأكيد أنّ هذا الأحفور كان يتنقّل منتصب القامة على قدمين ، فإنّ هذا الإكتشاف سيمثّل أقرب ما إستطعنا بعدُ العثور عليه من بقايا الهومينيند الذين عاشوا زمن ، أو كانوا قريبين جدّا من زمن ، أوّل إنفصال للهومينيد المتنقّلين على قديمين إثنين عن خطّ الفقردة الأفريقية . ( أنظروا " هل كان توماي أحد أجدادنا الأوّلين ؟ " ).
و يعتقد بعض العلماء أنّ وضع التنقّل على قديمين يمكن أن يكون قد تطوّر ( و إضمحلّ ) أكثر من مرّة واحدة ضمن خطوط أجداد القردة : أكان الحال كذلك أم لم يكن ، من الواضح الآن أنّ قصّة تطوّر الإنسان ليست نوعا بسيطا من القصّة ذات الخطّ المستقيم لكيف أنّ نوعا وحيدا من القردة قبل زمن طويل أفرز صنفا وحيدا من نوع الهومينيد المتنقّل على قدمين و الذى مضى تاليا ليفرز الإنسان المعاصر . و الأمر أعقد بكثير من ذلك : و الآن نعرف معرفة أكيدة أنّ بين هؤلاء الأجداد من القردة الأفريقيّة غير المتنقّلة على قديمن و الإنسان وُجدت عدّة موجات مختلفة من أنواع الهومينيد المتنقّلين منتصبي القامة . و بعض هذه الأنواع المتنقّلة على قدمين عاشت لمئات الآلاف أوحتّى مليون أو أكثر من السنوات قبل إضمحلالها . و كان البعض منها أجدادنا فى خطّ مباشر ، و بعضها كانت أشبه بالفروع الجانبيّة لأكبر عائلة هومينيد كبير ( فروع جانبيّة إنتهت فى آخر المطاف دون أن يظلّ منها منحدرون معاصرون اليوم ) .
عموما ، نموذج تطوّر الهومينيند يبدو أكثر " شجيرة " شبها و تفرّعا و غنى مقارنة بأي نوع من المسارات الخطّية – المباشرة أو " النسل " من القردة إلى الإنسان . و وفّرت دراسة أوجه الشبه و الإختلاف بين شتّى أنواع الهومينيند التى عاشت فى أزمان متباينة فى الخمسة ملايين سنة الماضية قسطا كبيرا من الأدلّة الملموسة عن أنّ الإنسان المعاصر تطوّر من خلال سلسلة من الخطوات الواسعة من التغيّرات التطوّريّة – إبتداء من أجدادنا الهومينيد ألشبه بالقردة و ثمّ تطوّر من خلال سلسلة من الأنواع المنحدرة المتتابعة ، العديد منها لها ملامح كانت بوضوح إنتقاليّة بين القردة والإنسان المعاصر، و ثمّ فى النهاية أنتجت نوعها الإنساني المعاصر ذاته تماما قبل حوالي 200 ألف سنة .
هل نعلم الآن كلّ شيء يجب علمه عن جذورنا الأولى كبشر ؟ بالطبع لا . يبدو أحيانا أنّ فى كلّ مرّة تفتحون فيها جريدة هناك تقرير عن فرقة من العلماء قد إكتشفوا بعدُ جمجمة أخرى لهومينيند متحجّر
تزوير الوقائع لتتماشى و قناعات الأصوليين الدينيين :
هذا إختصاص من إختصاصات أنصار فكر الخلق . و إلى فترة حديثة ، غالبيّتهم إعتادوا حتى على التشديد على أنّ الإنسان و اليدناصورات عاشا فى نفس الزمن ( وهو ما كان سيكون عليه الحال إن كانت قصّة الخلق الإنجيليّة صحيحة ) . أشار أنصار نظريّة الخلق إلى آثار قدمي إنسان وجدت فى ذات الطبقات الحجريّة و بعض آثار أرجل ديناصورعلى أنّها " دليل " مفترض عن أنّ الإنسان و الديناصور عاشا جنبا إلى جنب . إلاّ أنّه ببساطة هناك مشكل صغير فى هذا " ففى حين أنّ آثار أرجل الديناصور حقيقيّة ( و يعود تاريخها إلى ما قبل إضمحلال آخر ديناصور قبل 65 مليون سنة ) ؛ يتبيّن أنّ آثار قدمي الإنسان كانت ببساطة محفورة فى ذات حجر التكساس خلال إنهيار فى ثلاثينات القرن العشرين ، عندما كان ذلك كرنفالا لعب شعبي و ترفيه سياحي فى ذلك الجزء من التكساس . و لا حاجة إلى قول إنّ غالبيّة أنصار نظريّة الخلق لم يعودوا يتحدّثون كثيرا عن ذلك .
وجزء آخر من الهيكل العظمي لبعض أنواع الهومينيد الأجداد الذين عاشوا قبل ملايين السنين . و فى كلّ مرّة يحدث هذا جميع فرق العلماء المختصّين فى المجال تصبح جدّ متحمّسة . وهو أمر مفهوم ، ثمّ يقضون أشهرا ( و غالبا سنوات ) للتثبّت من عمر الأحفور و فحص ملامحه عن كثب بحثا عن أوجه الشبهو أوجه الإختلاف مع الإنسان المعاصر ومع القردة الحيّة و مع أي أحافير هومنيدوُجدت فى طبقات الصخور الراجعة للعصر نفسه و مع كلّ الأحافير الأكبر و الأصغر عمرا التى عُثر عليها قبلا . و بهذه الطريقة ، تتجمّع المعلومات التى تجعل من الممكن إستخلاص ( عادة عقب نقاش حيوي جدّا بين مختلف الفرق العلمية ) بالضبط أين يقع مكان أحافير الهومينيد فى شحرة العائلة بأكملها ، نسبة إلى كاملأحافير الهومينيند الأخرى التى وقع إكتشافها قبلا .
و مجدّدا ، بالعودة إلى أيّام داروين ، فرضيّة أنّ الإنسان ينحدر من أجداد يشبهون القردة لم تكن إلاّ مجرّد فرضيّة لم تختبر صحّتها – كان داروين و عدد من العلماء الآخيرن متأكّدين جدّا من أنّ هذا هو ما حدصل ، مقيمين فرضيّتهم على علم أن – أ- واقع أوجه الشبه التشريحيّة التى يتقاسمها الإنسان مع القردة و – ب- واقع أنّ كل أشكال الحياة الأخرى على الأرض كانت بداهة تامة نتيجة للتغيّر التطوري لشتّى الأنواع التى وجدت قبله .
لهذا داروين و أصدقاؤه و زملاؤه ( و ت . هتش . هاكسلي خاصة ) إشتبهوا فى أنّ الإنسان لن يكون إستثناءا عن القاعدة . لكن طبعا ، جرّا ء ذلك غدت السلط الدينيّة أيّام داروين مجنونة بما أنّ كامل نظام عقيدتها و نمط وجودها بات فى خطر بديهي لإفتراض أنّ الإنسان يمكن أن يكون نتاجا للتطوّر البيولوجي الطبيعي ،عوض نوع من الخلق المنفصل الخاص لكائن ما وراء الطبيعة . و داروين نفسه كان حذرا بهذا الشأن لأنّه ظلّ عرضة لهجمات بلا رحمة من الأصوليين الدينيين و الضغط الشعبي و من آخرين تحدّت إكتشافات داروين معتقداتهم ،و كذلك لأنّه كان يعلم أنّه لم يكن لديه بعدُ دلائل صلبة كافية لإثبات التطوّر الإنساني على النحو الذى إستطاع إثباته بالنسبة لعديد الأنواع الأرى .
علم داروين أنّه غذا كان الإسنان بالفعل تطوّر من بعض الأنواع الشبيهة بالقردة التى وجدت قبله ، سيكون من الممكن الحفر فى طبقات الأحجارة القديمة و إيجاد عظام أحفور تربط الخطّ الإنساني بخطّ أجداد القردة ، لكن هذا لم يتمّ بعدُ . و فى الواقع ، قبل زمن داروين ، لم يكن الناس قد عرفوا حتى ما يكفى لبدء البحث عن مثل هذه الأحافير ( أوّل مثل هذه الأحافير التى تمّ إستخراجها – تلك المعروفة بالبشر البدائي النيندرثال – لم تكتشف إلى أواخر القرن التاسع عشر ، حوالي زمن نشر عمل داروين الإختراق " أصل الأنواع " ).
و إنطلقت الأبحاث عن أحافير الهومينيد إنطلاقا فعليّا فى القرن العشرين ( خاصة بفضل العمل الرائد لأجيال ثلاثة منعائلة ليكي العاملة فى أفريقيا الشرقيّة ) ، و كانت عديدة خاصة فى العقودالأخيرة . و اليوم المشكل ليس نقصا فى الأحافير و إنّما واقع أنّ هناك الكثير و الكثير منها ، و الأحافير الجديدة إكتشفت بنسق يمكن أن يكون تحدّيا حقيقيّا للتوصّل إلى تنظيمها "جميعا " تنظيما صحيحا فى علاقة الواحدة بالأخرى . و مع مطلع القرن الواحد و العشرين ، نحن قادرون على إعادة بناء جزء كبير من شجرة عائلتنا ، لكن إكتشافات الأحافير الجديدة لأنواع مختلفة من الهومينيد المترابطين يواصل مراكمة المزيد من المعلومات إلى الخليط و عادة ما تدفع العلماء إلى إعادة النظر أو إعادة تفحّص التسلسل الصحيح و درجة العلاقات الرابطة بينمختلف أنواع الهومينيد بأنواع أجداد القردة الأقدم فى إتجاه واحد ، وبأنواع الهومينيد الباقية فقط ( نوعنا نحن ) فى الإتجاه الآخر ، من خلال سيرورة عدة ملايين السنين من الخطوات التطوّريّة الإنتقاليّة . و من جديد ، فى كلّ مرّة يكتشف فيها أحفور جديد ، يتبع ذلك نموذجيّا بأشهرو حتى سنوات من التحليل و النقاش الحيوي فى صفوف مختلف فرق العلماء قبل بلوغ ضرب من الإجماع حول أين توجد بالضبط "مكانة " المكتشف الجديد فى علاقةبكلّ الأحافير الأخرى المكتشفة قبل ذلك .
لعقد مقارنة نقول يشبه الأمر قليلا وضع إمتلاكنا لكمّية هائلة من صور ألبوم العائلة – لعديد الأجيال – و رمينا بها أرضا فتداخلت الصور جميعها . و الآن نحاول أننعيد ترتيبها غير أنّ الأمر عسير بفعل الكمّ الكبير من المعلومات حول بالضبط علاقة كلّ واحد بالآخر التى فقدت مع مرور الزمن . قد يكون بديهيّا جدّا تحديد الصور التى تمثّل الأجداد الأبعد و الصور التى تمثّل صور الأجداد الأقرب لكن بينهما يمكن قد يكون من الصعب تحديد على وجه الضبط ما هي الصور التى تمثّل حقّا أقرب الأقرباء و الأجداد فى خطّ مباشر ، و ما هي تلك التى تنتمى إلى أبناء عمّ بعيدين يختلّون فروعا جانبيّة من شجرة العائلة . و قد توجد حتى بضعة صور لأجداد لن يستطيع أي كان أن يكون متأكّدا تمام التأكّد بشأنها و بشأن مكانها الأصلي فى ألبوم الصور العائليّة و قد تستمرّ المحاججة حول الأقارب لسنوات ! بيد أنّه مع الوقت و الصبر الكافيين ، سيكون من الممكن فى النهاية جمع الصور ذاتها ( و من ألجزاء المرتبطة بالأدلّة التاريخيّة ) معلومات كافية لنقدر على إعادة ترتيب معظم صور العائلة الترتيب الصحيح للعلاقة . حسنا، هذه مجرّد مقارنة ، لكنّها تعبّر عن الكثير من أحوال عمل العلماء اليوم لملئ فراغ تفاصيل ألبوم العائلة الكبيرة التى تربط الأجداد الذين يشبهون القردة قبل ملايين السنين بنوعنا الإنساني المعاصر ( نوع الهومو سابينس من خلال باقة متنوّعة من الأقارب الإنتقاليين – عدّة أنواع من الهومينيد الإنتقاليين .
و لتوسيع المقارنة حتّى أكثر ، يمكننا أن نقول إنّه ندما يتعلّق الأمر بتطوّر الهومينيد ، " لا تزال بعض الصور مطروحة أرضا " ( لا شكّ مطلقا فى أنّ المزيد من البقايا المتحجّرة من الهومينيد القدامي ستكتشف فى السنوات القادمة ) ، " لا نزال على ألرجح صور فى المكان الخطإ " ( و التقنيات المجرّبة و الفهم العلمي الجديد بالتأكيد تقريبا سيخوّلان لنا مزيد تقييم العلاقات العائليّة لبعض أنواع أحافير الهومينيد فى السنوات القادمة ) ، لكن بشكل عام " عديد الور توجد بعدُ فى الأساس فى المكان الصحيح فى ألبوم العائلة " . بكلماتأخرى ،من الصحيح حقّا فهم أنّ هناك بعدُ إجماع علمي عام حول بعض العلاقات و الملامح المميّزة المفاتيح التى تسمح لنا بربط أنواع الأجداد الأوائل المتنقلين على قديمن و المنتصبي القامة فى مشيتهم بالإنسان المعاصر منخلال سلسلة من الخطوات الإنتقاليّة و التغيّرات التطوّرية الحيويّة التى شهدتها بضعة ملايين السنين .

تلخيص مقتضب :
دعونى أحاول أن ألخّص بإقتضاب بعض ما نعرفه الآن عن " من أين أتى الناس " ؟ نعلم أنّ هناك العديد من الأصناف المختلفة من أنواع الهومينيد المنتصبي القامة فى مشيتهم عاشت طوال فترة تمتدّ على بضعة ملايين السنين ،و من الواضح أنّ بعضها كان ط ناجحا " جدّا ( بمعنى القدرة على الحفاظ على النفس كنوع مختلف لمئات آلاف أو حتى ملايين السنين قبل الإنقراض ) . و نعلم كذلك أنّه وجدت أوقات أثناءها عاشت أنواع هومينيد متباينة فى نفس الفترة الزمنيّة العامة ( و أحيانا حتّى فى نفس المجال الجغرافي ) ، مع بعض الإختلافات فى بعض الملامح الجسمانيّة الخاصة ( حجم الأسنان و الجسد و حجم الجمجمة إلخ ) و مختلفة بأشكال معيّنة فى علاقتها بالبيئة – مثل أصناف الأغنية التى كانت تتناولها ( و التى يمكن إستنتاجها من أحافير أسنانها ) أو إذا كانت أم لم تكن تستعمل الأدوات الحجريّة ( و لاحقا النار ) للحول على غذائها أو لإعداده . نعلم أنّ تطوّر الهومينيد لم يكن " "مجبرا على " أن يؤدّى إلى الإنسان المعاصر ، فقط فعل ذلك . و نعلم بما لا يدع مجالا للشكّ أنّ أجدادنا البعيدين جدّا كانوا نوعا من القردة أجدادهم السابقون أفرزوا من جهة خطوطا قادت فى النهاية إلى القردة الأفريقيّة المعاصرة ( الغوريلا و الشنبنزي ) و من جهة أخرى ، إلى سلسلة معقّدة كاملة من الهومينيد المنتصبين فى مشيتهم ما أدّى فى النهاية إلى الإنسان المعاصر .
ماذا يعنى عمليّا أن " تصبح إنسانا " ؟
نحن الطفل الصغير ضمن الكتلة
بات جليّا بشكل متزايد أنّ كامل تاريخ خطّنا الهومينيد – خطّ نوع إنفصل عن أجدادنا القردة قبل جحوالي 5 ملايين سنة و الذى يشمل أنواعا أقرب للإنسان منها إلى الشنبنزي – ينطوى على فترات بارزة من تنوّع الأنواع ( عندما تطوّر عدد من أنواع الهومينيد الجديدة و المختلفة منعن تلك التى وُجدت قبلها ) و كذلك بعض الفترات البارزة بإنقراض أنواع ( عندما إنقرض نوع أو أكثر من الهومينيد ، و إن كان عادة فقط بعد مئات آلاف السنين من الوجود الناجح ) .
و نعلم أيضا أنّ نوعنا الإنساني المعاصر الخاص تماما ( الهومو سابينس ) صنف من الطفل فى باقة الهومينيد بما أنّه تطوّر من أنواع الأجداد السابقين مباشرة قبل 200 ألف سنة فقط . و عاقدين مقارنة ، أفضل التقديرات العلميّة الراهنة للنقطة التى إنفصل فيها فى البداية نوع الهومينيد المتنقّل على قدمين عن خطّ القردة الأجداد ، تؤرّخ هذا الحدث فى نطاق قريب من أكثر بقليل من 5 مليون سنة .
و طبعا حتى هذه الخطوة الأولى ذاتها التى ميّزت أجدادنا الأكثر مباشرة عن كافة الأنواع السابقة – ظهور التنقّل على قدمين ضمن خطّ القردة – هو فى حدّ ذاته تطوّر " حديث " نسبيّا فى مجمل الخطّ الزمني لتطوّر الحياة على هذا الكوكب : تذكّروا أنّ العلامات الأوّليّة للخياة الشبيهة بالبكتيريا تعود إلى حوالي 3.5 بليون سنة ، و أنّ البرمائيّة الزاحفة على الأرض الأولى تطوّرت من خطّ واحد لأسماك عظميّة قبل حوالي 400 مليون سنة ، و أنّ الزواحف الأولى تطوّرت من أجداد البرمائيّة قبل أكثر من 300 مليون سنة ،و أنّ الثدييّات الأولى ، و العصافير الأولى و النباتات المتفتّحة الأولى قد تطوّرت قبل حوالي 200 مليون سنة ( مع أنّ أوّل الثدييّات و أوّل العصافير تطوّرت من خطّين منفصلين من الأجداد الزواحف ).
و مثلما أشرنا سابقا ، بعض أنواع الثدييّات الأسبق كانت مخلوقات صغيرة بحجمالفئران كانت بعد موجودة قبل حوالي 150 مليون سنة ، فى زمن كانت فيه بعدُ الديناصورات تجوب فى الأرض . و رغم أنّه يبدو أنّ أنواع الثدييّات هذه كانت نسبيّا قليلة زمن الديناصورات ، و إستطاع البعض منها أن يظلّ على قيد الحياة فى وجه الإنكسارات البيئيّة الشاملة قبل حوالي 65 مليون سنة ، عندما توجت قبالة فترة تغيّرات شاملة أطول ( ما كان يحدث بعدُ لبعض الزمن ، ما طال أشياء مثل تراجع مستويات البحر وتصاعد النشاط البركاني و التغيرات المرتبطة بذلك فى البيئات الماديّة و الإحيائيّة ) جراء حدث فجئيّ حقّا ، الصدمة الدراميّة لكويكب إصطدم بكوكب الأرض بقوّة تساوى قوّة عدّة قنابل ذرّية . و هذه الصدمة حدثا زمن كانت مجموعات من الأنواع السابقة المهيمنة سابقا ( بما فى ذلك غالبيّة الديناصورات) كانت على ما يبدو بعدُ فى حالة إنحدار شديد وتواجه أنساق إنقراض متصاعدة . فى هذا الإطار ، نقص عام مفاجئ يطول أسابيع فى ضوء الشمس ( بشبب الكمّيات الهائلة من الغبار و الحطام الذين رمت بهما فى الجوّ صدمة ك/ ت فى شبه جزيرة يوكاتان ) كانت على الأرجح شيئا مثل القشّة التى قصمت ظهر البعير بالنسبة لعديد الخطوط التى لا تزال على قيدالحياة : سحب الغبار والحطام هي على الأرجح المسؤولة مباشرة على الخسارة المقدّرة ب 80 بالمائة من أنواع النباتات الأقلّ إرتفاعا حول الكوكب . و هذا لوحده على الأرجح قد تسبّب فى إنهيار سريع فى عدد السكّان و الإنقراض النهائي التام ،خاصة فى صفوف الكثير منالنباتات الأكبر الآكلة للفقريّات ( و الحيوانات المفترسة الكثيرة ) بما فى ذلك بعض ما بقي من الديناصورات القريبة بعدُ من الإنقراض . و بالعكس يبدو أنّ الثدييّات الصغيرة ذات الدم الساخن وعلى الأرجح الليليّة و الشبيهة بالقوارض قد تمكّنت على نطاق واسع من البقاء على قيد الحياة أمام هذا الحدث و ما تلاه و بعد ذلك سريعا ما عرفت توسّعا " إنفجاريّا " لتنوّع فى الأنواع أفرز فى النهاية تنوّعا هائلا فى أنواع الثدييّات الجديدة . و مثلما جدّ مع جميع الإنقراضات الكبرى ، إبتعاد عديد و عديد الأنواع و الخطوط المهيمنة سابقا من على ركح المسرح " عبّد الطريق " لمجموعات جديدة بأكملها من الأنواع لتتوسّع و تزدهر ،و فى هذه الحال سمحت للسكّان و أنواع الثدييّات الباقيين على قيد الحياة ( و كذلك العصافير ) بالتوسّع و ب" إشعاعات تأقلم " دراميّة منتشرة إلى عدّة " محاريب " إيكولوجيّة جديدة مفتوحة ثمّ عرفت سلسلة من التغيّرات التطوّرية فى سيرورة التأقلم مع هذه الفرص الجديدة .
فى كلّ الأحوال ، لا شكّ فى أنّه مذّاك فصاعدا ( قبل حوالي 65 مليون سنة ) واصل خطّ الثدييّات التطوّر و أفرز عديد الأنواع الجديدة لملايين السنين . و أنتجت أوّل " القردة الشبيهة بالإنسان " قبل حوالي 35 مليون سنة ( هذه مجموعة ثدييّات ستشتمل فى النهاية كافة القردة و كافة أجداد الهومينيد من الإنسان ، و الإنسان ذاته ) . واصل خطّ الحيوان الأصل الرئيسي التطوّر – و مزيد الإنقسام إلى كلّ الألوان المتباينة من أنواع الحيوان الأصلي الرئيسي لحوالي 30 مليون سنة أخرى قبل أن يفرز فرع الحيوان الأصلي الرئيسي الخاص الذى سيشكّل أكثر أجدادنا مباشرة ، الهومينيد المنتصب القامة فى مشيته .
و من هنا بينما شرعت الحياة ذاتها تتطوّر على الكوكب قبل حوالي 3.5 بليون سنة ، و خطّ الحيوانات الأصليّة الرئيسية ككلّ قدتطوّر بعدُ قبل حوالي 35 مليون سنة ، فإن الهومينيد المنتصب القامة فى مشيته لم يظهر إلى تقريبا قبل 5 مليون سنة و أحدث الهومينيد الذى تطوّر من أنواع سابقة – نوعنا الخاص ، الهومو سابينس – الذى هو حقّا الطفل الجديد فى الكتلة التى وجدت حوالي تقريبا أقلّ من مليون سنة .
ومن المهمّ أنّ ندرك أنّه ، قبل حوالي 20 مليون سنة ، زمن إمتدادات هائلة من الغابات المغطّات دون إنقطاع نسبيا غالبيّة أفريقيا، وُجد عادة عدد أكبر من أنواع القردة فى أفريقيا من ما هو عليه الحال اليوم. لكن هذا الإزدهار لعديد أنواع القردة القاطنة للغابات قد تقلّص لاحقا تقلّصا كبيرا لفقط مجموعة صغيرة من أنواع القردة على القارة الأفريقيّة ).
ونفس النوع " وُلدت منه " عدّة أنواع و تنوّع يبدو أنّه قد حصل لخطّ هومينيدنا الخاص : فى البداية يبدو أنّه وُجد فقط نوع واحد أو قلّة قليلة من الهومينيد المتنقّلين على قدمين ، و لكن بسرعة كبيرة عدد أنواع مختلف أنواع الهومينيد المتنقّل على قدمين أخذ فى التنامي بشكل هام ، ثمّ لاحقا شهد بعدُ موجة أخرى من التنوّع فى الأنواع ، قبل أن يتمّ فى النهاية " تراجعها " لفقط قلّة من الأنواع ، و فى النهاية بقينا نوع الهومينيد الواحد و الوحيد الذى لا يزال قائما .
و هذا النوع من السيرورة و النموذج يُلاحظ عمليّا على نحو شائع عبر العالم الطبيعي بعد ظهور خطّ تطوّري جديد من خطّ أجداد على أساس لون من التغيّر التطوّري الهام ( مثل ظهور التنقّل على قدمين فى خطّ قردة تقطن الأشجار ) : فترة من التنوّع التطوّري ( مولّدة عدّة أنواع ) عادة ما تتبع بما يمكن أن يفكّر فى أنّه صنف " التشديب " التطوّري – فترة خلالها تبدو فيها سيرورة نشوء أنواع جديدة خفّضت من سرعتها و إنقرضت بعضالأنواع بينما حافظت أخرى على نفسها ضمن الصورة لفترة زمنيّة ، لكن دون أن تفرز أيّة أنواع جديدة . ( 4 )
ظهور أنواع جديدة و تعزيزها :
مثلما ناقشنا أعلاه ، كلّ التغيّر التطوّري الهام و الملموس ( بما فى ذلك التغيّرات التطوّريّة من صنف النطاق الضيّق و المراوحة بين التراجع و التقدّم ، التى تواصل حدوثها داخل أعضاء أي نوع و التى يشار إليها عادة ب " التطوّر – على النطاق الضيّق ) يمكن أن تحدث فقط على أجيال متعاقبة عدّة . و هذا يصحّ كذلك بشأن سيرورة نشوء أنواع جديدة تماما – الإنقسام الأوّلي أو " تبرعمها " ، إضافة إلى التعزيز التالي ، لنشوء نوع جديد ( مختلف تماما و منفصل فى عمليّة إعادة التوالد ) من ضمن الأنواع المختلفة السابقة الوجود . و قد تنطلق هذه السيرورة بباقة صغيرة نسبيّا من الأفراد المختلفين غير النمطيين الذين يجدون أنفسهم بطريقة أو أخرى منقطعين عن عمليّة إعادة التوالد الأوسع و الأكثر نمطيّة لمجموع أفراد الأجداد التى منها إنحدروا ( و قد لاحظ البيولوجيّون عمليّا أنّ هذه السيرورة تحدث ضمن الأنواع الحيّة ) ، لكن نامي ملموس فى أعداد أفراد جدد غريبي الأطوار وكذلك مزيد التوسّع التطوّري و التعزيز للإختلافات المفاتيح ( المتعلّقة بكتلة الأجداد ) ما يشير نموذجيّا إلى أنّ مجموعة من الأجهزة التى تمثّل نوعا جديدا حقّا ( فى تعارض لمجرّد صنف صغير أو مؤقّت من النوع القديم ) – كلّ هذا سيرورة لا يمكن أن تحدث إلاّ طوال توالد أجيال كثيرة جدّا .
و مثلما ناقشنا أيضا قبل ، إنطلاقة سيرورة نشوء أنواع جديدة بأكملها يمكن أن تكون " فجئيّة " تماما ( يتصوّر أنّها منطلقة بفقط مجموعة صغيرة من التغيّرات الجينيّة أو إعادة التركيبات الجينيّة لدى فقط أفراد قليلين ، مثلا ) و الظهور التالي لذلك النوع الجديد فى تسجيل الأحافير يمكن أن يظهر كذلك على انّه " فجئي " تماما ( لا سيما على الأرجح لأنّه لن تكون لدينا و لا فرصة لإيجاد أحافير الأنواع الجديدة إلى أن يكون زمنا كافيا قد مرّ ليسمح لأعدادها و مداها الجغرافي بالنموّ بشكل ملموس ). لكن سيرورة تعزيز حدث نشوء أنواع جديدة و النقطة التى يمكن أن يقال بصددها بالفعل " آه، هذا نوع جديد نهائيّا "، إنّم لم ينقرض بسرعة بعد ظهوره ،و لم يتمّ جينيّا إعادة إستيعابه إلى كتلة الأجداد – لقد حافظ على هويّته المختلفة و يبدو أنّه سيبقى لمدّة – سيرورة التعزيز هذه تستغرق وقتا أطول . و يمكن أن نواصل وصفها بأنّها " فجئيّة " نسبيّا فى نطاق الزمن البيولوجس الشامل ( حيث الأشياء تقاس بمئات آلاف ملايين السنين ! ) و لكن لن يكون مفاجئا أن نجد أنّ هذا حدث طوال مئات أو آلاف الأجيال المتوالدة . لدى أنواع لا تعمّر كثيرا أو سريعة التوالد مثل ذباب الثمار ، يستغرق الأمر فحسب بضع سنوات ل " تبرعم " نوعا جديدا ( وبالفعل قد لوحظ حدوث هذا عمليّا فى المخابر) ، لكن لدى أنواع تعمّر طويلا و بطيئة التوالد نسبيّا مثل الحيوانات الأصليّة الرئيسية ، التراكم فى مجموعة التغيّرات التطوّريّة الهامة الكافية تؤدّى إلى نشوء أنواع جديدة تماما يمكن أن تنتشر بيسر طوال مئات أو آلاف السنوات .

ظروف مفاتيح فى تطوّر الإنسان :
لن أكرّر هنا كلّ ما قد قيل عن آليّات كيفيّة حصول نشوءأنواع جديدة ، و عن أهمّية آليّات التوالد المنفصل لأصناف متنوّعة فى " لفّ كرة نشوء أنواع جديدة " ، إن أمكن قول ذلك؛ بيد أنّى أودّ أننشدّد مرّة أخرى على أنّ التفكير العلمي الراهن هو أنّ التغيّرات و التبدّلات الكبرى للبيئات المحلّية قد لعبت على الأرجح عادة دورا مبادرا حيويّا ( أو " دافعا " ) فى شقّ خطّ آخر تطوّري ستاتيكي ثبوتي نسبيّا للنباتات و الحيوانات و يفرز نوعا أو عدّة أنواع جديدة .
أتطرّق للمسألة هنا بوجه خاص لأنّه يبدو أنّ مجموعتين من التغييرات البيئيّة ( سناقشها بعد قليل ) قد أثّرت فى التحفيز على ظرفين كبيرين بصفة خاصة أو " قفزتين " فى تاريخنا التطوّري الإنساني الخاص : أوّلا ، النقطة التى إنفصل فيها الهومينيد المتنقّلين على قدمين منتصبي القامة ) عن أنواع القردة السابقة التى لم تكنتمشى واقفة تماما ؛ و ثانيا ، نقطة ( بعد بضعة ملايين السنين ) عندما نسجت فرعا نوعيّا مختلف من الهومينيد المتنقّل على قدمين عن فرع أنواع الهومينيد السابقين المتنقّلين على قدمين ( بالضبط ذلك الذى لا يزال يتمّ الإشتغال حوله ) ليولّد سلسلة من الأنواع كانت أشبه بكثير بالإنسان المعاصر ، و صنّفت عموما على أنّها تنتمى إلى جنس الهومو الخاص .
الأنواع المتنوّعة ضمن جنس الهومو التى عاشت باية من قبل حوالي مليوني سنة ، عموما لديها أدمغة أكبر بكثير من القردة أو الهومينيد السابقين المتنقّلين على قدمين مثل الأسترالوبيثين . و بالفعل ، معدّل حجم الأدمغة لدى أنواع الهومو الأوائل كان تقريبا ضعف معدّل حجم أدمغة القردة أو الأسترالوبيثين الأوائل ، رغم أنّ معدّل حجم الجسد لم يكن مختلفا جدا . إلاّ أنّ سجلاّت الأحافير تبيّن أنّ حجم ثقب الحوض الذى عبره يمرّ الأطفال عندما يولدون كان صغيرا جدّا ليسمح بكائنات كبيرة الدماغ مثل هذه بالمرور عبره ( و هذا هوحال كلّ من الأنواع الأوائل فى جنس الهومو و نوعنا المعاصر عينه ) . لذا كيف أمكن للهومينيد اللاحقين و الإنسان المعاصر أن ينتهوا إلى مثل هذا النموّ الكبير فى حجم الدماغ مقارنة بالأجداد القدماء ؟ الإجابة على هذا يبدو أنّها ظهور تغيّر تطوّري حيوي فى النسق العام لنموّ الهومينيد و تطوّره – تغيّر نجم عنه أساسا هومينيد جنس هومو يلدون أطفالا " غير تامي التطوّر"( أو غير تامي التشكّل ) و تواصل أدمغتهم التطوّر لفترة طويلة بعد الولادة و خارج جسد الأمّ ،و فى النهاية يتضاعف ثلاث مرّات معدّل حجمه فى الفترةبين الولادة و النضج فى حال الأفراد الأخيرين من جنس الهومو و فى حال نوعنا الإنساني الخاص ( لدى الإنسان المعاصر دماغ الطفل يتضاعف حجمه فى السنة الولى فقط بعد الولادة ) . بكلمات أخرى ، خلال سيرورة تطوّر و فعل تغيّرات الإنتقاء الطبيعي – و ليس بفعل أي " تصميم " – التى حدثت فى علم التشريح بعض الهومينيد أفرزت أن يولد أبناؤهم بمظهر خاص هو من جهة حجم دماغ ( و حجم الهيكل العظمي المتناسب معه ) كان بعد صغيرا بما فيه الكفاية ليسمح بالمرور الناجح عبر ثقب الحوض ، و من جهة أخرى ، إستطاعت الأدمغة بعدُ أن تواصل النموّ و مزيد التطوّر تطوّرا كبيرا بعد الولادة .
و من المهمّ أن نلاحظ أنّ عديد التغييرات التطوّريّة الكثيرة عبر تاريخ الحياة قد نجمت على ما يبدو من خلال " دوائر" صغيرة نسبيّا لنسق نموّ و تطوّر جزء أو أكثر من الجسد . مثلا ، منذ ثمانينات القرن العشرين ، تراكمت الأدلّة على أنّ حتى التغيّرات الصغرى فى المجموعة الصغيرة من الجينات التى تتحكّم فى التطوّر الجنيني ( الجينات المثليّة التى " تفتح و تغلق " الجينات الأخرى ) يمكن أن تتسبّب فى تغييرات درامية فى التنظيم التشريحي أو " مخطّط الجسد " . و بعض هذه الأنواع ذات " دوائر" أصغر نسبيّا لأنساق النموّ و التطوّر يمكن أن تنتج الكائنات الحيّة الفرديّة بملامح تشريحيّة جديدة ما قد يثبت فى النهاية أنّه ميزة فى إعادة التوالد و بالتالى ينتشر بفعل الإنتقاء الطبيعي طوال أجيال متتالية .
و فى حال الهومينيد المنتصب القامة – شكل تنقّله و " حرّية اليدين " لا شكّ فى أنّهما قد خوّلا له بعدُ إكتشاف وسطه و إستخدامه إلى درجة أكبر بكثير من أيّة أنواع قردة سابقة – و " دوائر" تطوّر و تباطئ الأنساق العامة للنموّ و التطوّر يبدو أنّها مثّلت القفزة التطوّرية الكبرى الثانية ( و الأولى هي ظهور التنقّل على قدمين ) و نقطة تحوّل مفتاح فى مسار التحوّل إلى إنسان تماما . و أدّى هذا التغيّر ليس إلى نموّ فى الحجم العام للدماغ ( و قد كان معتبرا ) فقط بل كذلك إلى نموّ فى المدّة الزمنيّة التى بمقدور الدماغ أن يتطوّر أثناءها خارج جسد الأمّ . يبدو أنّ هذا مثّل تطوّرا مفتاحا سمح بقدرة متنامية كبيرة على التعلّم ، فى تفاعل نشيط مع الديناميكيّة خارج البيئة الطبيعيّة و الإجتماعيّة .
و إضافة إلى ذلك ، واقع أنّ أطفال الهومينيد الأخيرين كانوا قد ولدوا ( مثلما هو حال أطفال البشر ) فى وضع جدّ ناقص التطوّر و غير مستقّل و غير ناضج ممّا عني أنّه كان على الكبار أن يعتنوا بهم عناية أكبر و لفترات أطول بكثير من الزمن ممّا كان عليه الحال لدى الهومينيد السابقين ( بالضبط مثلما أنّه يجب الإعتناء بأطفال البشر لفترة زمنيّة أطول بعد الولادة أكثر من العنايةبأطفال الشنبنزي التى هي أكثر حركة و إستقلاليّة بالضبط منذ الولادة ) . الحاجة إلى فترة عناية طويلة بالأطفال كانت لها بلا شكّ تبعات هامة على التنظيم الإجتماعي للهومينيد ، و تحفيز و تعزيز تطوّر التنسيق و التواصل الإجتماعيين فى صفوف عائلات و مجموعات أوسع ما يسّر توسيع التعليم و التعلّم .
وحتى من تلك النقطة ، سيستغرق بعض الوقت تطوّر الإنسان المعاصر تطوّرا تاما : تبيّن سجلاّت الأحافير بوضوح أنّ الأنواع السابقة " الأوّلية " من جنس الهومو لم تكن قريبة من الإنسان المعاصر تماما ( سواء فى ملامحهم الجسمانيّة أم فى قدراتهم على صناعة الأدوات ) مثلما هو حال المنحدرين " الأخيرين " الذين أفرزوا نوعنا الخاص بعدما يناهز أكثر من مليوني سنة من مزيد التطوّر فى خطّ الهومو . و فتح ظهور التغيّرات التطوّرية التى يبدو أنّها تسبّبت فى تباطئ النموّ و التطوّر العامين لدى الهومينيد و سمحت بتعلّم الكثير بعد الولادة و تطوّر الدماغ يبدو أنّه بمعنى ما ، فرتة من صقل ما ننزع إلى التفكير فى أنّها ملامح إنسانيّة مميّزة . و خلال كامل هذه الفترة ، ضمن مجموعات الهومينيد القابلة للأذى جسمانيّا مع أطفال غير مستقلّين إلى درجة عالية ،و الإنتقاء الطبيعي ، على الرجح قد وفّروا أرضيّة كبرى لأي نموّ فى قدرة التعلّم و التعاطي مع التحدّيات المعقّدة التى تطرحها البيئة الطبيعيّة و الإجتماعيّة من خلال سلوكات أكثر مرونة و تنسيق إجتماعي متنامي ، بما فى ذلك من خلال لغة منطوقة أكثر تطوّرا و أشكال أخرى من الإتصالات .
و يرجّح أنّ بعض أنواع الهومينيد الأوائل المتنقّلين على قدمين ( مثل تلك المصنّفة عموما على أنّها أوسترولوبيثين ) و أنواع مشايهة ) قد إستعملت على الأقلّ أدوات بدائيّة ( و بالفعل درجة معيّنة من إستعمال الأدوات للحصول على الغذاء ليس شيئا يتفرّد به خطّ الإنسان فقد لوحظ بشكل متكرّر لدى الشنبنزي ، و حتى لدى بعض العصافير كالغراب و عائلات طائر زرياب ) و عديد الأدوات الأوّليّة التى إستخدمها الهومينيد يمكن أن تكون قد شملت أدوات طبيعيّة مثل تلك التى يستخدمها الشنبنزي الذى يرمى بالأغصان على الحيوانات المفترسة المهدّدة له و شريط أوراق من الأغصان ل " صيد " النمل الأبيض عند خروجه من أعشاشه أو إستخدام حجارة لكسر و فتح الجوز . الهومينيد الأوائل المتنقّلين على قدمين مثل الأسترالوبيثين ، إستطاعوا على الرجح أن يفعلوا الكثير من مثل هذه الأشياء و يمكن كذلك أن يكونوا قد بدؤوا فى إستخدام أشياء كالقرع الجوفاء غير المعدّلة أومثانات حيوانات التموين و جلودها لحمل أشياء كالماء أو تجميع نباتات غذائيّة بأيديهم الحرّة نسبيّا . لا نعرف معرفة يقينيّة ذلك أنّ هكذا مواد غير المعدّلة و السريعة التلف على الأرجح لم تخفظ فى سجلّ الأحافير . نعرف أنّ الهومينيد الأوائل المتنقّلين على قدمين لم يصنعوا أيّة أدوات حجريّة معدّلة : أوّل الأدلّة عن صناعة حتى أبسط الأدوات الحجريّة ( أبسط المكاشط و القواطع الحجريّة التى تعلّم الهومينيد صناعتها بضرب أصناف معيّنة من الحجارة بعضها ببعض لصناعة رقائق حجريّة حادّة ) لا تظهرفى سجلّ الأحافير إلى قبل حوالي 2.4 مليون سنة ، أو بضعة ملايين السنين بعد أوّل ظهور للتنقّل على قدمين .
فقط حوالي تطوّر نوع الهومينيد الأوّل المنتمى إلى جنسنا الهومو شرعنا فى العثور على أدلّة ليس على إستعمال الأدوات فحسب لكن أيضا للمهام الأعقد و الأكثر تحدّيا ذهنيّا للأدوات المصنّعة : مستعملين مواد طبيعيّة غير معدّلة كأدوات من صنف شيء يمكن أن يكون الهومينيد الأوّلين قاموا به تماما ( و لعلّهم قاموا بذلك حتّى على نطاق أوسع من ما يقومبه الشنبنزي اليوم) ؛ لكن من الأعسر و الباعث على التحدّى أكثر بكثير ( حتّى بالنسبة للإنسان المعاصر ! ) تصوّر كيف تضرب ببساطة الحجارة المناسبة بالضبط فى الزاوية المناسبة للنجاح فى صناعة حتى أبسط الحجارة الحادة كالقواطع و المكاشط التى إستخدمت فى تقطيع جثث الحيوانات و التى بدأت تظهر فى سجلّ الأحافير قبل حوالي 2.5 مليون سنة . ومع الوقت ، أنواع لاحقة من الهومو أركتوس و الهومو أرغاستار ظهرت فى سجلّ الأحافير و " ثقافة الأدوات " قدتطوّرت حتى أكثر لتشمل أشياء ذات محاور حجريّة أعقد ، و كذلك الإستعمال الواعي و المحسوب للنار ( التى يمكن إستخدامها للتدفأة و طبخ الغذاء من الحبوب و الحماية من الحيوانات المفترسة . و طبعا ، لم يتغيّر الجانب التشريحي و التطوّر الفيزيولوجي و القدرات التقنيّة للهومينيد فحسب عبر الزمن : هذه التغيّرات كانت على الأرجح إرتبطت بالعديد من التغيّرات الهامة فى السلوكات و فى الهياكل الإجتماعيّة كذلك .
و جزء من الحماس لدراسة جميع التغيّرات التى جدّت لدى شتّى أنواع الهومينيد ، من أوائل الأسترالوبيثين إلى الإنسان المعاصر ، يعود إلى أنّ بقاياها تحجّرت فتعطينا أدلّة ليس عن ما كانت تبدو عليه و حسب بل كذلك عن كيف عاشت و ماذا يعنى عمليّا أن " تصبح إنسانا " .
الأدلّة الواضحة و المتراكمة عن التطوّر من قردة إلى إنسان :
كتبت كتب و صفحات علميّة كثيرة بصدد تطوّر الهومينيد و تضيف الإكتشافات الجديدة لفهمنا بعض التفاصيل و الثراء بشأن التطوّر الإنساني على أساس يومي عمليّا . و هنا ليس بوسعى إلاّ أن أحاول أن أقدّم عرضا و تلخيصا سريعين لأين وصل فهمنا الأساسي اليوم .
نعرف واقع أنّنا مرتبطون وثيق الإرتباط بالقردة الأفريقيّة الحالية ( الغوريلا و الشنبنزي ) . و فعلا ، لنا تقريبا 95 إلى 99 بالمائة من الحمض النووي المشترك مع الشنبنزي ! و هذا غاية فى الأهمّية لأنّه بيّن بشكل قطعي أنّه بقدر ما تكون الأنواع قريبة الترابط ببعضها البعض ، بقدر ما يمكن أن نعثر على أوجه شبه فى ذرّات حمضها النووي . وبالعكس ، بقدرما يكون نوعان بعيدي الإرتباط ، بقدر ما تطون الإختلافات قدتراكمت فى حمضهما النووي وذرّاتهما الداخليّة الأخرى .
و مثلما ناقشنا آنفا ، للعلماء عدد من المناهج المختلفة للتثبّت فى وفحص عمر أشياء متنوّعة بما فيها العظام المتحجّرة ، و من ضمن مناهج فحص التأريخ المتعدّدة هناك التقنية المعاصرة لتأريخ الذرّات ، الذى يسمح للعلماء بمقارنة درجة التشابه و الإختلاف فى الحمض النووي للأنواع الحيّة ، و هذا بدوره يجعل ممكنا الحصول على فكرة جيّدة جدّا عن الزمن الذى إنفصل فيه خطّان تطوّريّان عن أجداد مشتركين تقاسماهما و ذهبا كلّ فى حال سبيله . حسب معلومات هذه " الساعة الذريّة " ، خطّ الشنبنزي و خطّ الإنسان لا يزالان يتقاسمان أجدادا مشتركين إلى زمن حديث قبل حوالي 5 مليون سنة . و لعدد من الأسباب لن أفصّلها هنا ، يعتبر العلماء عموما أنّ خطّ الشنبنزي ( الذى يتكوّن اليوم من نوعين فقط ، الشنبنزي المشترك بان تروغلوديتوس ، و الشنبنزي البغمي / القزم أو بونوبو ، خطّ بان بانسكوس " محافظ " نسبيّا ، ما يعنى أنّه لا يعتقد أنّه قد تغيّر تغيّرا راديكاليّا جدّا منذ زمن الأجداد الذين تقاسمهم مع الفرع الإنساني من خطّ الهومينيد . ( لسوء الحظّ ، لا وجود لسجّل أحافير لخطّ الشنبنزي على نحو ما توجد بالنسبة لخطّ الإنسان لأنّ الأنواع التى قطنت الغابات كالشنبنزي تعيش فى أوساط حيث حتى العظام تنزع إلى التلاشي بسرعة دون أن تشكّل أحافير . لكن دليل الحمض النووي ضمن أشياء أخرى ، يشير إلى أنّه من المعقول إعتبار أنّ الأجداد المشتركين بين خطّ الشنبنزي و خطّ الإنسان كانت يمكن تمييزها بالنسبة لنا كقردة أفريقيّة . مثل القردة الأفريقية اليوم ، هذه الأنواع الأجداد من الممكن جدّا أنّها أحيانا تنقّلت على الرض بالإنحناء إلى الأمام على مفاصلها ( شكل تنقّل معروف ب " التنقّل على المفاصل " ) إلاّ أنّها على ألرجح قد قضت معظم وقتها فى إستعمال الأيادي الطويلة و الأرجل القابضة النموذجيّة لدى قردة الغابات لتتعلّق و تتأرجح عبر الأشجار بينما تتغذّى على وفرة أوراق و غلال الغابات الإستوائيّة .
و مثلما أشرت إلى ذلك سابقا ، قبل حوالي عشرين مليون سنة ، وُجدت أنواع أكثر بكثير من القردة الأفريقية من ما يوجد اليوم . لكن قبل حوالي 10 ملايين سنة ( أكثر أو أقلّ بمليون سنة ) إنحدر بحدّة تنوّعهم . و هذا هام لأنّ ذلك يقترب جدّا من الزمن الذى تشير الأدّلة الذرّية أنّه قاد إلى إنفصال خطّ الإنسان و خطّ الشنبنزي عن الأجداد المشتركين . وهو يقترب كذلك من الزمن الذى شرع فيه نوع مختلف راديكاليّا من " القردة " فى الظهور فى سجلّ الأحافير : أوّل الهومينيد المنتصب القامة فى مشيته ! ويفترض هذا أنّه مهما كانت العوامل ( مثل التغيّرات البيئيّة ) تساهم فى تقليص العدد الجملي من أنواع القردة القاطنة للغابات زمنها يمكن أن يكون ذلك فى نفس الوقت يساهم فى " النجاح " النسبيّ ( من وجهة نظر إعادة التوالد ) لأوّل وهلة أنواع قردة صادف أن كانت تتنقّل على قدمين – خاصة إن كان التنقّل على قدمين نفسه يسّره إستغلال مصادر الغذاء من تنوّع أكبر من البيئات بما فيها بيئات بها ندرة من الأشياء أو لا أشجار بها .
و كما شرحت آنفا ، من العسير غالبا و عادة مستحيل ) أن نجد الأحافير للممثّلين الأوائل بالذات لأي خطّ تطوّري مختلف ، فى آن معا لأنّ المشكل العام لكون غالبيّة الأجسام ( أو أجزاء الأجسام ) لا تنتهى بأن يحافظ عليها كهياكل عظميّة صلبة ( لأجزاء هيكل عظمي ) فى المقام الأوّل ،و لأنّ غالبيّة الأنواع الجديدة تنشأ ربّما بأعداد قليلة من أفراد غريبي الأطوار تعلق بعيدا فى جيوب جغرافيّة منعزلة و فقط تاليا ينتشرون و يزداد تنوّعهم فى الأنواع المنحدرة منهم هم . و اليوم لدينا عدّة أحافير الهومينيد المتنقّلين على قدمين لما قبل 3 إلى 4 مليون سنة ( عندما وُجد بعدُ عديد الهومينيد المتنقّلين على قدمين ) لكن ليس لدينا بعدُ أحافير نكون متأكّدين من أنّها تمثّل الأنواع الأوائل بالذات للهومينيد المتنقّلين على قدمين ( المنتصبي القامة تماما ) . و كما تمّت الإشارة إلى ذلك أعلاه ، فإنّ الهيكل العظمي لتوماي وعمره 7 ملايين سنة و الذى إكتشف حديثا فى التشاد مرشّح ممكن إن تبيّن أنّه بالفعل كان حقّا نوعا من المتنقّلين على قديمن . و واقع أنّ الأنواع الأولى ذاتها من الهومينيد المتنقّلين على قدمين كانت كانوا بالضرورة إنطلقوا مثل أي نوع جديد آخر كعدد صغير من الأفراد ، يجعل مهمّة إيجاد أحافير للأنواع المتنقّلة على قدمين صعبا بشكل خاص ويعنى أنّه على الأقلّ إلى ألان ، يجب أن نكون بالأساس مقتنعين بالعديد من الإكتشافات ( المتزايدة بإستمرار ) لعديد الهومينيد الأوائل المتنقّلين على قدمين ( مثل شتّى أصناف الأسترالوبيثين ) الذين صاروا شائعين نسبيّا فى سجلّ الأحافير بداية من قبل حوالي 3,5 مليون سنة . و تقوم هذه الأحافير دليلا على الملامح الإنتقاليّة بوضوح بين ملامح القردة و الإنسان المعاصر مع البعض أشبه بالقردة و البعض الآخر أشبه بالإنسان .
لنضرب مثالا فقط عن الثراء الحقيقي لتنوّع الأنواع التى حدّدت جميعها كهومينيد منتصب القامة إلى ألان ( تنوّع سيكتشف بلا شكّ أنّه أغنى و أعقد حتى مع إكتشاف المزيد من الأحافير ) دعونى نقدّم جردا فى بعضها مستعملين الأسماء العلميّة المتّفق بشأنها حاليّا :
أقدم ما عُثر عليه يبدو أنّه سهلندروبوس تشادنسيس ( المسمّى توماي ) عاش قبل 6 إلى 7 ملايين سنة ، رغم أنّه لا وجود بعدُ لإجماع علمي على أنّ هذا النوع الخاص كان يتنقّل على قدمين لذا أضمّه هنا على أنّه فقط قاعدة تجريبيّة ؛ و سأفعل الشيء ذاته مع الأرديبيثكوس راميدوس و عمره 4.4 مليون سنة و الذى لا يمكن بعدُ التأكيد تأكيدا نهائيّا أنذه كان يتنقّل على قدمين . و من ضمن أكثر الهومينيد المتنقّلين على قدمين الأقّل موضع سؤال نجد الأسترالوبيثكوس أنامنسيس قبل 4 إلى 5 مليون سنة ؛ و الأسترالوبيثكوس أفارنسيس ( بما فى ذلك الهيكل العظمي التام تقريبا المسمّى " لوسى " ) قبل حوالي 3.5 مليون سنة ؛ إكتشاف ميف ليكيس الأخير لهومينيد ذى وجه مسطّح أكثر ( و هكذا أشبه بالإنسان ) من تقريبا ذات الفترة ( المسمّى عادة بكينياأنتروبوس بلاتيوبس – انظروا " ميف ليكي تمسك بآخر إكتشافاتها لأحافير " ).
و بعد ذلك لدينا أسترالوبيثكوس أفريكانوس و أسترالوبيثكوس أيثيوبيكوس و أسترالوبيثكوس غارهي ، و كلّهم عاشوا فى فترة قبل حوالي 2.5 إلى 3 مليون سنة . و من هؤلاء أسترالوبيثكوس أيثيوبيكوس و عمره 2.5 مليون سنة ( و " الهيكل العظمى الأسود " الشهير الذى عثر عليه ريتشارد ليكي و قد سمّي كذلك بسبب اللون الجميل للمعادن المحاذية للعظام يمكن أن يكون الأوّل من فرع جانبي من الأسترالوبيثكوس الذى سيشمل لاحقا الأسترالوبيثكوس روبستوس ( المعروف أيضا ببرانثروبوس روبستوس ) و أسترالوبيثكوس بواسير ( أو برانثروبوس بواسير ) - المسمّى "روبستوس" /" المتين " – الذى عاش إلى قبل حوالي 1.5 مليون سنة . و هذا الهومينيد " المتين " إختلف عن ما يسمّى ب أسترالوبيثكوس " غراسيل " / " الناحل " ( مثل أسترالوبيثكوس أفريكانوس و أسترالوبيثكوس غارهي ) لأنها كانت تملك جمجمة عظميّة ثقيلة جدّا حقّا ،و عضلات حنك عريضة و أسنان طحن هائلة . يُعتقد أنّها تمثّل طريقا بديلا فى تطوّر الهومينيد ، طريق متمثّل فى نوع بوجبة أكثر تميّزا من الغذاء النباتي الصلب . هؤلاء الأسترالوبيثكوس " روبستوس " وصلوا فى الأخير إلى نهاية مسدودة و ليسوا معتبرين أجدادا للخطّ المباشر للإنسان .
بعض الأسترالوبيثكوس " روبستوس " قبل حوالي 1.5 و 2.5 مليون سنة مع ذلك قد تتشابك فى الزمن ليس فقط مع أنواع " الناحل " / " غراسيل " و الأسترالوبيثكوس " الأخيرين " بل كذلك مع بعض الأنواع الأسبق فى جنس الهومو الخاص . فى الواقع ، فى الفترة العامة قبل حوالي 1.5 مليون سنة يبدو أنّه وجدت ستّة أنواع أو أكثر من الهومينيد المتنقّل على قدمين شرقي أفريقيا ، مع بعض أنواع " المتين " يتشابك مع بعض أنواع الهومو السابقة التى تطوّرت على ألرجح من الخطوط الأكثر الأسترالوبيثكوس " غراسيل ".
كانت الأنواع الجديدة من الهومينيد المتنقّل على قدمين مثل سابقاتها لكن لديها عديد الملامح الجديدة ،منها أحجام الجسد و وجوه و جماجم أكبر بكثير أشبه بالإنسان . عند هذه النقطة ، تشمل الأحافير فى خطّ الهومو أنواع الهومو أبيليس ( أحيانا مصنّفة ك أسترالوبيثكوس أبيليس بسبب طابعها ط الإنتقالي " ) و هومو رودلفانسيس اللذين عاشا قبل حوالي 1.5 إلى 2.5 مليون شنة – ما يتناسب مع الفترة التى ظهرت فيها أوّل أدوات حجريّة مصنّعة حسب سجّل الأحافير . و تُبعت هذه الأنواع الأولى من الهومو بالضبط قبل حوالي 1.5 مليون سنة بالأطول رجلين بكثير ،و كبير الجمجمة و اشبه معاصر ب الهومو أرغستار ( و المعروف كذلك بالشكل الأفريقي من الهومو أركتوس ). الهومو أرغاستار / أركتوس ( الذى يشمل الأحفور التام تقريبا لطفل تركانا الأشهر و المدروس أكثر ) هو نوع الهومينيد المعروف بأنّه صنع أدوات معقّدة ذات محاور حجريّة و بأنّه إمتلك النار . و يعتبر كذلك عموما أنّه كان أوّل الأنواع فى الإنتشار خارج أفريقيا ، فى إطار الموجة الكبرى الأولى لهجرة الهومينيد . و المنحدرون منه بلغوا فى النهاية مناطقا بعيدة كالصين و جنوب شرق آسيا ( أين تعرف أحافيرها عامة برجل جافا ، و رجل بيكين أو الهخومو أركتوس الآسيوي ) لكن فى النهاية جميعها إنقرضت . و بلغ فرع من الهومو أركتوس الشرق الأوسط و أوروبا أين أحافير المنحدرين منهم معروفة لدى العموم بالهومو هيدلبار جنسس و الهومو نيندرثالنسيس أو ببساطة " النيندرثال " . و هي بدوره فى النهاية إنقرضت لأسباب منها أنّ الهومو أبيليس – الذى لديه ملامح تبدو إنتقاليّة بين الأشبه بالأسترالوبيثن و الأنواع التالية الأشبه بالإنسان فى خطّ الهومو . كان هذا على الدوام موضوعا خلافيّا . نزع بعض الناس إلى نوع من "ىإنزال رتبة " الهومو أبيليس ورفع الأسترالوبيثين و إلى التساؤل إن كان أبيليس حقّا قد صنع أدوات حجريذة بسيطة أو أنّ تلك التى وجدت فى الطبقات الصخريّة من زمن وجود الأبيليس كانت على ألرجح مصنوعة من قبل أنواع مختلفة من الهومو التى كانت تعيش فى نفس الفترة ( كالهومو رودلفنسس ) . على كلّ حال ، يجعل كلّ هذا من الواضح أنّه وُجد بعدُ تنوّع كبير ( و الكثير من إمكانيّات التوسّع ) حتى لدى خطّ الهومو المبكّر جدّا ز
قبل ذلك فى أفريقيا ، نوعنا الإنساني المعاصر تماما من الهومو سابينس تطوّر ( على الأرجح من الهومو أرغستار أو نوع مشابه جدّا له ) قبل حوالي 200 ألف سنة . أنواعنا الجديدة كانت بوضوح ناجحة للغاية ، و مع قبل 50 ألف سنة هاجرت من أفريقيا و إنتشرت عبر كافة أنحاء العالم . و كانت موجة الهجرة هذه على الأقلّ المرّة الثانية التى كان فيها الهومينيد هاجر خارج أفريقيا .
و مع إنتشار الهومو سابينس إلى مختلف أنحاء العالم، قابلنا و تعايشنا لبعض الوقت مع مجموعات من الأنواع الإنسانيّة المختلفة ، مثل الهومونيندرثال . و هؤلاء النيندرثال كانوا منحدرين من بعض المجموعات السابقة من الهومو أركتوس التى هاجرت خارج أفريقيا قبل مليون أو مليوني سنة . و منذ تداخل الهومو سابينس و الهومو نيندرثال فى أنحاء أوروبا لبضعة آلاف السنين ( و بما أنّ يعض الأدوات الحجريّة الأكثر تقدّما للهومو سابينس وجدت بأماكن النيندرثال ، ما يقترح أنّ النوعين تفاعلا إلى درجة معينة ) فقد إعتقد قبلا أنّ النوعين قد يكونا عمليّا تزاوجا و تناسلا و أنّ الإنسان المعاصر يمكن أن يكون منحدرا من الإثنين . مع ذلك اليوم ، نعلم أنّ الحال لم يكن كذلك : إستُعملت التقنيات الحديثة للبيولوجيا الذرّية لتحليل الحمض النووي و ذرات بيوكميائيّة أخرى منالإنسان المعاصر عبر العالم قاطبة ، و قد حدّد هذا التحليل أنّ كافة البشر الأحياء منحدرين من مجموعة واحدة عاشت فى أفريقيا قبل حوالي 150 ألف سنة ، و أنّ النيندرثال لم يساهموا أبدا فى المسبح الجيني الشامل لنوعنا . والآن يُعتقد أنّ خطّ الهومينيد الذى أدّى إلى الإنسان المعاصر و الخطّ الذى أدّى إلى النيندرثال قد إنفصلا قبل حوالي 600 ألف سنة ، و مثل هذه الفترة الطويلة من الإنفصال و التوالد بوسعها ببساطة أن تسمح بما يكفى من مراكمة الإختلافات الجينيّة لتنتهي إلى نوعين مختلفين تمام الإختلاف ، و هذا بدوره سيشرح لماذا يبدو أنّ مجموعات الهومو سابينس و الهومو نيندرثال التى تلاقت لاحقا فى أوروبا ( قبل حوالي 40 ألف سنة ) لم تستطع أن تتناسل بنجاح و تنتج منحدرين منها قابلين للحياة و الإخصاب .
و رغم أنّ النيندرثال لميكونوا أجدادا فى خطّ مباشر لنوعنا الخاص ، فقد يستخدمون كتذكير جيد بأنّه فى المدّة الأخيرة قبل 40 ألف سنة ، وُجد على الأقلّ نوعان أو ثلاثة أنواع إنسانيّة مختلفة على هذا الكوكب : الإنسان المعاصر الهومو سابينس( نوعنا الخاص ) ، و النيندرثال فى أوروربا ، إضافة إلى مختلف مجموعات المنحدرين من الهومو أركتوس التى أنتشرت بإتجاه شرقي آسيا فى موجة الهجرة السابقة تلك . لكن مع إنتشار الهومو سابينس عبر الكوكب ، فى كلّ مكان ذهب إليه إنتهى بشكل أو آخر إلى تعويض هذه الأنواع الإنسانية المتباينة . ونعلم من سجلّ الأحافير أنّ الهومو سابينس ، ضمن أشياء أخرى كانت لديهم أدوات حجريّة و غيرها أكثر تقدّما من الأنواع الإنسانية الأخرى زمنها . وتعكس المهارات الأكثر تعقيدا التى تطلّبها تصوّر و صنع هذه الأدوات إختلافات هامة فى القدرات المعرفيّة الذهنيّة ) لنوعنا ، وهو ما قد يشرح لماذا قد عوّض بنجاح الأنواع الإنسانيّة الأخرى حيثما ذهب .
كافة أنواع الهومينيد المنتصب القامة الأخرى ( بما فيها الأنواع الإنسانيّة أساسا الأخرى فى جنس الهومو ) إندثرت الآن – بإستثنائنا نحن . لكن من الهام تذكّر أنّ مجرد واقع أنّ كلّ الآخرين فى النهاية إنقرضوا لا يعنى أنّ الهومينيند الأسبق قد كانوا على نحو ما أنواعا " منشقّة " أو " أدنى " : فى الواقع ، عدد من أنواع الهومينيد هذه عمّر لوقت طويل جدّا ، و بعضها مثل الهومو أركتوس ، عمّر لمليون سنة أو أكثر . و كون نوعنا الإنساني وحده هو الذى لا يزال موجودا ليس بالأمر المفاجئ فكلّ الأنواع فى النهاية تنقرض ،و كمعدّل أغلب أنواع الفقريّات عامة يبدو أنّها تعمّر أكثر منحوالي مليوني سنة . و مرّة أخرى ، كون كافةانواع الهومينيد الأخرى قد إنقرضت الآن لا يعنى " أنّنا " بشكل ما أتمّ الأنواع الممكنة التصوّر ، أو أنّ كافة ألاخرين كانوا نوعا ما " منشقّة " أو " غير مناسبة " . نملك فعلا بعض الميزات الفريدة ( مثل قدرتنا غير المسبوقة على تغيير أنفسنا و تغيير العالم بإستمرار عبر وسائل ثقافيّة ) ما يمكن أن ينتهى بالسماح لنا بإمتلاك معدّل تعمير أعلى من المعدّل العامكنوع ، ومع ذلك ، هذه الميزات و " القدرات " يمكن أيضا أنتؤدّي بسهولة إلى إنقراضنا الخاص فى زمن قياسي ، من خلال إستعمال أسلحة الدمار الشامل و / أو بلتسبّب فى تفكّكات بيئيّة ضخمة . ستخبرنا الأيّام !
لماذا نوعنا من الهومينيد هو الوحيد الذى لا يزال منتصب القامة [ واقفا ] ؟
يعزى إنقراض أنواع الهومينيد الأخى الآن إلى بعض القوانين الأساساية للتطوّر البيولوجي : العالم الخارجي المادي الملموس و البيولوجي الذى تعيش وسطه الأنواع و الذى معه تتفاعل بإستمرار ( الظواهر الماديّة كالطقس و الأرض و الملامح البيولوجيّة كخليط أنواع الحيوانات المفترسة و الفرائس التى تحتلّ البيئة عينها ) هو بحدّ ذاته دائم التغيّر و إن كان إلى درجة أكبر أو أصغر فى أوقات مختلفة .
و نظرا إلى ذلك ، كلّ الأنواع على الأرجح عند نقطة ما تواجه " تحدّيات " جديدة هامة نتيجة تغيّر بيئي قد تستطيع و قد لا تستطيع أن تتأقلم معه من خلال مزيد التغيّرات التطوّريّة التى تحصل عبر أجيال متعاقبة . مجموعات الكائنات الحيّة التى يحدث أن تواجه تغيّرات بيئيّة هامة و لا تستطيع التأقلم معها بسرعة كافية ستتجه ببساطة نحو الإنقراض . لكن زمن إنقراضها ، عديد الأنواع تكون بعدُ قد تقلّصت أنتجت منحدرا منها أو أكثر " أنواع بنات " ( معها يمكن أن تكون حتى قد واصلت التواجد لفترة من الزمن ) التى بمعنى ما ستواصل خطّها التطوّري . عندما تنقرض أنواع دون إنتاج أيّة أنواع أو خطوط منحدرة منها ، تصبح أمامها ببساطة " نهايات مسدودة للتطوّر " . و كان هذا حال بعض ( و بديهيّا ليس جميعها ) خطوط و أنواع الهومينيد المنتصب القامة .
و من الهام إدراك أنّ كافة الأنواع البيولوجيّة فى النهاية إنقرضت بغضّ النظر عن مدى " نجاحها " فى مرحلة محدّدة : يقدّر أنّ حوالي 99 بالمائة من أنواع النباتات و الحيوانات التى عاشت أبدا على الأرض قد إنقرضت ! أمّا بالنسبة لأنواعنا الخاصّة ، الواقع هو أنّنا الوحيدون من أنواع الهومينيد المنتصبي القامة الباقين ليس يعود إلى نوع من " المعجزة فى التقدّم و الكمال " و ليس يعود إلى أي نوع كامن من القوّة المحرّكة لتطوّر الهومينيد( أو أيّة سيرورات تطوّريّة قبلهم ) كانت نوعا ما " تنزع " سحريّا إلى أن تؤدّى إلى الإنسان كنوع فى قمّة " التقدّم " التطوّري . يبدو الأمر كذلك فقط من وجهة نظر مؤسّسة مفهومة و متمركزة ذاتيّا على أفق إنساني ! لقد أشار عديد البيولوجيينمثلا إلى أنّ عددا كبيرا من الكائنات الحيّة الأبسط ( مثل البكتيريا و عدّة طفيليّات ) كانت موجودة لمدّة أطول بكثير من الإنسان وهي جدّ منتشرة إلى درجة أمكن لها ببساطة أن تعتبر الأنواع البيولوجيّة الأكثر " نجاحا "على الكوكب!
نحن النوع الواقف الباقي الوحيد فى خطّ الهومينيد فى جزء ببساطة مردّه كوننا لا زلنا بعدُ النوع الجديد على الكتلة إذ تطوّرنا من أجدادنا الهومينيد السابقين مباشرة ( على ألرجح الهومو أرغستار أو أنواع مشابهة جدّا ) فقط قبل حوالي 200 ألف سنة . و مع ذلك الآن و نحن هنا ، أعتقد أنّه يمكن أن نقول – نظرا لقدرتنا غير المسبوقة على تغيير نفسنا و بيئتنا الطبيعيّة و الإجتماعيّة عن وعي – ما يحدث لأنواعنا فى المستقبل ( بما فى ذلك متى و كيف سيخرج نوعنا من على ركح المسرح ) سيكون مرتهنا بنا ، على الأقلّ إلى درجة ذات دلالة .
ما الذى يجعلنا خاصّين جدّا ، و إن بالنسبة لأنفسنا ؟
لنعد إلى أجداد الهومينيد الأوائل المنتصبي القامة الذين نشير إليهم عامة بالأسترالوبيثين . يتساءل الكثير من الناس : هل كانو قردة ؟ أم كانوا إنسانا ؟ حسنا ، أعتقد أنّه سيكون من الصحيح قول إنّهم كانوا الإثنين معا . وبات بالأحرى رائجا فى السنوات الأخيرة التركيز أكثر على مميّزاتهم الشبيهة بتلك التى لدى القردة ، لكن يبدو أنّ ذلك مضلّل قليلا . كمجموعة نوع الأسترالوبيثين الأوّل المختلف كان بعدُ يملك الكثير من الميزات الشبيهة بتلك التى لدى القردة ( بعض الأنواع أكثر من غيرها من الأنواع ) لكن فى العديد من أحافيرها مميزات يمكن وصفها على أفضل وزجه بأنّها إنتقالية بين السمات الشبيهة بالقردة الأكثر نموجيّة وفى ما بعد سمات إنسانيّة نموذجية. مثلا ، كانت لديهم أيدى قردة طويلة و أرجل قصيرة، بيد أنّهم كانوا منتصبي القامة و يمشون وقوفا مثلما يفعل الإنسان . و كانت أدمغتهم على نحو ما أكبر من أدمغة القردة ، غير أنّها أصغر بكثير من أدمغة الهومينيد اللاحقين . و وجوههم ناتئ فيها إلى الأمام أنف أشبه بأنف الشنبنزي منه بأنف الإنسان ، و أسنانهم و أحناكهم كانت كذلك أشبه بتلك لدى القردة . و فى الوقاع ، هؤلاء الأسترلوبيثين الأوائل ، إلى جانب المنحدرين منهم لاحقا ، و ثمّ المتبوعين بالأنواع السابقالسابقة واللاحقة فى خطّ الهومو ، تمثّل أحد أفضل الأمثلة ( فى كامل سجلّ الأحافير البيولوجي ) عن سلسلة من الأنواع الإنتقاليّة التى يمكن رؤيتها فى علاقة بنوع آخر منخلال سلسلة من الخطوات الإنتقاليّة . هذا – الدليل الواضح على الأنواع الإنتقاليّة الحقيقيّة ، لكلّ شيء ، فى الخطّ التطوّري الإنساني – يجعل أنصار نظريّة الخلق مجانين لأنّه إن كان صحيحا ( مثلما يقال فى الإنجيل ) أنّ الإنسان نتاج لخلق " خاص و منفصل " ، فإنّها بديهيّا لن توجد مثل هذه الأنواع الإنتقاليّة الرابطة للقردة بالإنسان فى مثل هذا النمط البديهي من الخطوة الذكيّة . حسنا ، ماذا عساني أن أقول ؟ إن أنصار نظريّة الخلق بعناد و عبثيّا على خطأ .- و السلسلة المديدة و المتنوّعة لمختلف أحافير الهومينيد المتنقّلين على قدمين تثبت أنّهم على خطأ بلا أدنى شكّ !
ماذا يقول أنصار نظريّة الخلق حول الأعداد النامية لأحافير الهومينيد التى تقف أمامهم ؟
حسنا ، مثلما يشير إلى ذلك عالمالحفريّات نيلس الأدردج فى كتابه المساعد للغاية ، " إنتصار التطوّر و إخفاق أنصار نظريّة الخلق " ، إجابة انصار نظريّة الخلق ،عندما يواجهون الوقائع الأساسيّة للتطوّر الإنسانيى ، مثيرة للشفقة صراحة :
أ- يحاجج أنصار نظريّة الخلق بأنّ أحافير الهومينيد الأوائل ( الذين عاشوا قبل حوالي 3 إلى 4 مليون سنة ) تمثّل " قردة لا غير " . و يستبعد هذا تماما الإستبعاددلالة كون هؤلاء الهومينيد الأوائل كانوا يتنقّلون منتصبي القامة ،و أنّ على الأقلّ الأستررلوبيثين " اللاحقين " قد إستعملوا أدوات بدائيّة ، أبعد من ما نراه لدى القردة المعاصرة اليوم . بعض الأسترالوبيثين " اللاحقين " على الأرجح كانوا قد بدؤوا فى صناعة أدوات حجريّة بسيطة : أحافير الأسترالوبيثين غارهى لما قبل 2.5 مليون سنة وُجدت مترابطة مع بقايا أحافير عظام الظباء و كانت تحمل ندوب جروح أداة حجريّة ما يفيد على الأرجح أنّها قطّعت بأدوات حجريّة . و قد وجدت أدوات حجريّة بالفعل فى مواقع قريبة .
ب- يحاجج أنصار نظريّة الخلق بأنّ الأحافير التى تبدو أشبه بالإنسان المعاصر هي بالفعل إنسان . بيد أنّهم يرفضون القبول بواقع أنّ بعض هذه الأحافير يعود عمرها إلى 100 ألف سنة ( رغم كون تقنيات التأريخ العلمية المعاصرة لا تتركأي شكّ فى أنّ هذا هو الحال ) . وجودالإنسان المعاصر تشريحيّا لمدّة طويلة قبل ذلك يتضارب مع قصّة الخلق الأنجيليّة .
ت- يرفض أنصار نظريّة الخلق دليلا يبيّن أنّ بعض أنواع الهومينيد كانت بوضوح إنتقاليّة بين الأسترالوبيثين الأشبه بالقردة و الإنسان المعاصر تماما : هذه شتّى أنواع جنس الهومو ، مثل الهومو أرغستار و الهومو أركتوس الذى تطوّر لاحقا بعد الهومينيد السابق المتنقّل على قدمين لكن قبل نوعنا الخاص ، الهومو سابينس . و هذه الأنواع من الهومينيد معروفة بفضل سجلّ الأحافير بأنّها صنعت أدوات حجريّة أعقد ، و أنّها إستخدمت النار . و تبيّن الحسابات أيضا أنّ حجم الدماغ كان إنتقاليّا بين الهومينيد السابقين و الإنسان المعاصر تماما . لذا أنواع مثل الهومو أركتوس و الهومو أرغستار تشكّل مشاكلا حقيقيّة بالنسبة لأنصار نظريّة الخلق ، تحديدا لأنّها هكذا إنتقالية تطوريّة بديهيّة بين أنواع الهومينيند الأوائل الأشبه بالقردة و الإنسان المعاصر تماما . و من ثمّة ما يقوم به أنصار نظريّة الخلق ؟ ببساطة يصرّحون بأنّ كلّ هذه الأحافير خدع !
بما أنّه يتمّ بإستمرار إكتشاف المزيد و المزيد من الأحافير ( و من قبل عدد من الفرق المختلفة من علماء الحفريّات و العلماء العاملين فى عدّة أماكن متباينة ) ، من غير الواضح إلى أيّ مدى سيقدر أنصار نظريّة الخلق على التمسّك بذلك الإدعاء الخاص بهم ! ليس بوسعى إلاّ أن أتّفق من كلّ قلبي مع نيلس ألدردج حين كتب :
" أفضل ما يمكن أن يفعله أنصار نظريّة الخلق بسجلّ الأحافير الإنساني هو إعتبار الأحافير الأحدث إنسانا و الأسبق مجرّد قردة ، و تلك الواقعة فى الوسط – الإنتقالية إن أردتم – خدعا صريحة ، هذا منهم مثير للشفقة...و السخرية كبيرة : المسألة التى يوجهون إليها فى النهاية كلّ حماسهم الدعائي - كيف وصلنا إلى هنا – تتعلّق بالمسألة ألصعب التى يمكن أن أفكّر فى أنّها تسند نموذج الخلق " . ( " إنتصار التطوّر و إخفاق نظريّة الخلق " ) .
القفزتان الكبيرتان فى تطوّر الهومينيد :
تميّزت السيرورة التطوّريّة الشاملة التى تربط البشر المعاصرين بأجدادنا القردة الأوائل بعدد من الظروف الهامة أو " العلامات " المفاتيح لعلّ أهمّ علامة بيولويجية كانت ، قبل كلّ شيء ، الظهور الأوّلي للتنقّل على قدمين فضمن خطّ القردة ؛ و ثانيا ، التغيّر التطوّري الهام – على ما يبدو فى إرتباط ب " تراجع " نسق تطوّر الهومينيد – التى حدثت بضعة ملايين السنين بعد الظهور الأوّل للتنقّل على قدمين و التى أنتجت أطفال إنسان يولدون فى وضع غير مكتمل التطوّر و غير مستقلّ جدّا ( أكثر بكثر من أطفال الشنبنزي على سبيل المثال ) لكن سمحت بنموّ هائل لحجم الدماغ و بفترة أطول من التطوّر ما بعد الولادة . و قد جعل هذا بدوره ممكنة القدرة غير المسبوقة على التعلّم التى هي مميّزة لنوع الإنسان .
و أوّل هذه التغيّرات التطوّرية الكبرى – الظهور الأوّلي للتنقّل على قدمين – غيّرت الشكل الأساسي لتنقّل الهومينيد و على الأرجح خوّلت للهومينيد أن يُوسّعوا مجالهم إلى تنوّع أكبر من المواطن و البيئات . والتنقّل على قدمين كذلك – على الأقّل موضوعيّا - قد " حرّر اليدين " لتوظيفها فى خدمة غايات أخرى غير التنقّل ، و توفير أساس تشريحي لمثل هذه الأشياء البسيطة كروتين حمل الغذاء و غيره على مسافات طويلة و للإستخدام البسيط للمواد الطبيعيّة غير المعدّلة ك" أدوات " ( مثل ما عُثر عليه من حجارة وعصيّ ) .ستمرّ بضعة ملاين السنين قبل أن يشرع فعلا أيّ نوع هومينيد متنقّل على قدمين فى ضرب الحجارة بعضها ببعض للحصول على رقائق حادة و من ثمّة صناعة ( فى تعارض مع مجرّد إستعمال ) أدوات حجريّة بسيطة . إنّ التحرير الموضوعي للأيدى من ما يقارب الإستعمال المستمرّ فى التنقّل ، و الظهور الأوّلى ذاته للتنقّل على قدمين فى خطّ قردة قد حدّد مرحلة التطوّر اللاحق. و مجدّدا ، رغم أنّ سجلّ الأحافير ( على الأقلّ إلى حدّ الآن ) يقترح أنّ الهومينيد لم يتوصّلوا إلى صناعة حتى القواطع و المكاشط الحجريّة البسيطة إلى ما قبل حوالي 2.4 مليون سنة ( بضعة ملايين السنين بعد أوّل ظهور للتنقّل على قدمين ) ، تجدر الإشارة إلى أنّ حتى الشنبنزي الذى هو غير قادر جسديّا على المشي واقفا لأيّة فترات زمنيّة طويلة ، هو مع ذلك قادر على إستعمال الأيدي لحمل الغذاء لأفترات زمنيّة قصيرة وعلى إستخدام الغصون ببراعة كهراوة لإخافة الحيوانات المفترسة و على إستعمال الحجارة ك " مطرقة " لكسر وفتح الجوز، أو على نزع أوراق من اإصان للحصول على مجسّات مرنة تستخم ل" صيد " النمل الأبيض و إخراجه من أعشاشه . يبدو على الأرجح أنّ حتى الهومينيد الأوائل و الذين لا زالوا يشبهون للغاية الهومينيد المنتصبي القامة تماما كانوا قد إستعملوا إستعمالا حتى أتمّ لأيديهم من الأنواع غير المتنقّلة على قدمين و التى منها إنحدروا خاصة حينما يكونون يتحرّكون على الأرض و بعيدا عن الأشجار . (5)
و مثلما تمّت الإشارة إلى ذلك ، المعلم البيولوجي الحيوي الثاني على طريق التحوّل إلى إنسان جاء بعدبضعة ملايين السنين من الظهور التطوّري للتنقّل على قدمين ، عندما بدأ تغيّر هام فى النسق العام للتطوّر يظهر فى خطّ الهومينيد المتنقّل على قدمين . ومن المهمّ ملاحظة أنّالبيولوجيّون التطوّريّون يشعرون بأنّ عديد التغيّرات الهامة فى تطوّر الحياة التاريخي جدّ نتيجة لتغيّر بسيط نسبيّا فى نسق تطوّر هيكل أو عدّة هياكل جسمانيّة لدى مجموعة سابقة . و فى حال الهومينيد ، يبدو انّ " تراجعا " فى التطوّر التشريحي و الفيزيولوجي قد أدّى إلى ط حزمة " من التغيّرات بما فيها تغيّرات فى حجم الأيدي و الأرجل و تغيّرات فى شكل الهيكل العظمى و فى عظام الوجه إلخ .
و من المرجّح أنّ اهمّ هذه التغيّرات كان كون الأطفال صاروا يولدون الآن فى وضع غير مكتمل النضج و غير متطوّر ما يتطلّب فترة أطول بكثير من عناية الأولياء بهؤلاء الأطفال الضعفاء و غير المستقلّين . عند النظرة الأولى ، قد يفكّر المرء أنّ ولادة أطفال غير مكتملي النضج و غير مستقلّين يتطلّبون فترات طويلة من العناية كان سيكون أمرا معيقا و أنّ الإنتخاب الطبيعي سيقضى بسرعة على مثل هذا "التجديد" التطوّري لدى المجموعات التى ظهر فى صفوفها . بيد أنّ مثل هذا التغيير كان كذلك يعنى أنّ الأطفال الذين وُلدوا أساسا سابقين لأوانهم ( نسبة لأنساق التطوّر عندالأنواع السابقة ) سيواصلون النموّ و التطوّر لفترة أطول بكثير خارج جسد الأمّ – و شمل هذا النموّ و التطوّر الدماغ ! عند الأنواع السابقة من الهومينيد المتنقّلين على قدمين وُجدت حدود صارمة جدّا حول كيف و إلى أي مدى يمكن للدماغ أن ينمو ، ببساطة لأنّ طفلا بدماغ كبير لم يكن يستطيع الخروج من جسد المراة دون قتلها . لكن إن كان دماغه يشهد معظم نموّه وتطوّره بعد ولادة الطفل ، فإنّ الحجم العام لدماغ الهومينيد كان بإمكانه النموّ نموّا كبيرا .
وهذا بالضبطما حدث . فى ظرف معيّن من تطوّر الهومينيد المتنقّل على قدمين،فإنّ نوعا أو أكثر قد تطور وفق نموذج تطوّر شامل كانأبطأ من ذلك الذى لدى القردة أو الهومينيد السابقين ، لكن دماغه واصل النموّ و التطوّر لفترات زمنيّة أطول بكثير بعد الولادة . عند هذا الهومينيد اللاحق و كذلك عندنوعنا الإنساني ذاته ، كان معدّل حجم الدماغ عمليّا قد تضاعف ثلاث مرّات بين الولادة و الرشد ( و عند الإنسان المعاصر يواصل الدماغ النموّ و التطوّر لتقريبا سنتين تامتين بعد ولادة الطفل ) . و هكذا ، شيئا نسبيّا بسيطا منذ تراجع السيرورة العامة للنضج يبدوأنّه كان كلّ ما كانت هناك حاجة إليه ليجعل ممكنا توسّاعا لا يصدّق فى حجم الدماغ وتطوّرا فى فترة ما بعد الولادة لدى هؤلاء الهومينيد الجدد . و سمح هذا بدوره بديهيّا بنموّ لا يصدّق فى قدرة الهومينيد على التعلّم ، و على القيام بهكذا أمر فى ترابط نشيط مع البيئات الخارجيّة الطبيعيّة و الإجتماعية .
سلسلة مراحل إنتقاليّة من الملامح الأشبه بالقردة إلى ملامح أشبه بالإنسان :
لما نقارن القردةالمعاصرة و الإنسان ، يمكن أننميّز بين الملامح التى هي خاصة أكثر بالقردة و تلك التى هي خاصة أكثر بالإنسان . وعديد هذه الملامح قد حفظتها الأحافير ( بداهة ، هناك كذلك إختلافات كبرى فى اللغة و فى القدرات العامة على فهم الأشياء المختلفة والقيامبها ،وهي أشياء لا يمكن أن تحفظها الأحافير ، لكن الآن أتحدّث فقط عن نوع الإختلافات التى يمكن لكم أنتتعرّفوا عليها فى العظام المتحجّرة ) . حينما نعرف ما هي الملامح التى تشبه أكثر القردة والملامح التى تشبه أكثر الإنسان المعاصر ، يمكننا دراسة أحافير الهومينيد من فترات متباينة فى بضعة ملايين السنين الماضية و الحصول على معنى متى حدثت أوّل الأمر التعيّرات التطوّريّة التى ميّزت طريق التحوّل إلى إنسان .
أجسادنا مشابهة بشكل بارز لأجساد القردة فى عدّة ملامح : لدينا أجزاء عظام متشابهةجدّا بما فيها الحمض النووي ، لكن القردة الأفريقية المعاصرةمثل الغوريلا و الشنبنزي غير قادرة على الوقوف و المشي منتصبة القامة لأيّة فترة زمنيّة لأنّ هياكلها العظميّة مصطفّة بشكل مختلف . و عند القردة و الثدييّات غير الإنسانيّة الأخرى الثّقب الأعظم ( فتحة فى أسفل الجمجمة يدخل فيها النخاع الشوكي ) يوجد أبعد بكثير إلى الخلف منه لدى الإنسان . لتكوين فكرة عن هذا ، أنظروا وحسب إلى كلب و تحسّسوا الثقب فى خلفيّة الهيكل العظمي - هكذا كذلك يرتبط الهيكل العظمي للقردة بعامودها الفقري . عند الإنسان ، الثّقب الأعظم موجود بالضبط تحت الجمجمة كي " تتدحرج " رؤوسنا فى الأساس على قمّة عامودنا الفقري . و هذا مظهر حيوي – لا يوجد إلاّ عند نوع الهومينيد - الذى ، إلى جانب بعض التغيّرات الأخرى فى إصطفاف الهيكل العظم ، سمح لنا بالوقوف و المشي فى وضع وقوف تام .
للإنسان المعاصر كذلك هياكل عظميّة مغايرة فى أبعادها عن تلك التى لدى القردة – و لدينا ذات الهياكل العظميّة لكن للقردة أيادى أطول نسبيّا و أرجل أقصر نسبيّا . و أقدامهم مختلفة أيضا ، مناسبة أكثر للمسك بأغصان الأشجار منها للمشي على الأرض . و عندما تمشى القردة على الأرض فإنّها تتحرّك بالأساس مائلة إلى ألمام على أربعة ، فى أسلوب تنقّل يسمّى " المشي على المفاصل " ، وهو أسلوب على الأرجح أنّ غالبيّتنا قد كانت لديهم فرصة مشاهدته فى التلفاز أوفى حديقة الحيوانات .
و للقردة " وجوه " مختلفة جدّا ( عامة تلك التى لدى الإنسان المعاصر " مسطّحة " ) و نسبيّا حنك وأسنان أكبر تشتمل على أنياب أطول . لن أتوغّل كثيرا فى التفاصيل هنا بشأن شكل الإنسان و حجم و تطوّر نماذجه ، لكن ينبغى أننعلم أنّأحافير الأسنان فى غاية الأهمّية فى إدراك طرق تطوّر الهومينيد . حجم الأسنان وشكلهم و موقعهم يكشفون الكثير عن ما كانالنوع بأكمله ( سواء غذاء مننباتات بدائيّة أو لحم أو حمية أوسع تصنيفا أو أكل نبات و حيوان معا كالإنسان المعاصر ) . و فضلا عن ذلك تساعد فى تحديد ما إذا كانت أنواع مختلفة من الهومينيد مترابطة أو ليست وثيقة الإرتباط .
و إضافة إلى ذلك ، لقد تمّ تبيان أنّ نماذج ظهور الأسنان و تطوّرها ( ما يمكن إستنتاجه من بعض أحافير الهومينيد ) يمكن أن توفّر القليل جدّا من المعلومات عن تلك الأنساق الهامة للغاية من تطوّر كامل أجسادهم . و تحليل لهذه المعلومات مرفوق بحسابات لأشياء من مثل حجم الدماغ نسبة لحجم ممرّ الولادة عند أنثى النوع – يمكن ، مثلا ، أن توفّر إشارة جيّدة عن ما إذا كان نوع خاص قد ولد أطفالا أنساق تطوّرهم كانت أشبه بتلك التى عند القردة ، أو أشبه بتلك التى عند الإنسان المعاصر . ( من أجل نقاش هام لمعلومات تطوّر الأسنان ، أنظروا على سبيل المثال كتاب رتشارد ليكي" إعادة النظر فى الجذور" ).
لذا عندما يجد علماء الحفريّات بقيا أحافير هومينيد ، جمجمة هنا ، و جزء هيكل عظمي هناك - أو أحيانا لمّا يحالفهم الحظّ حقّا فيجدوا عددا من الأجزاء فى مرّة واحدة ، يشرعون بتحديد تقريبا عمر هذه البقايا ( من خلال تقنيات تأريخ أنف نقاشها فى هذا الكتاب ) ؛ ثمّ يحاولون إدراك إن كان الأمر يتعلّق بفرع نوع جديد لم يعثر عليه قبل ، أو بعيّنة إضافيّة من نوع درس قبلا ( و أحيانا يكتشفون أنّ أكثر من نوع هومينيد عاشوا فى نفس الفترة الزمنية على وجه العموم ) . يقيس علماء الحفريّات بعد ذلك و يدرسون أشياء خاصة جدّا كحجم عظام الأيدى و الأرجل وموضع الثقب الأعظم و شكل الجمجمة و حجمها و مواضع إرتباط عضلات الحنك ، و شكل عظام القدم أو اليد ( عندما تتوفّر – و لسوء الحظّ نادرا ما يحصل ذلك ) ؛ و حجم طحن سطوح الأسنان و شكلها ( و أحيانا هذا النموذج لظهور الأسنان ونسق تطوّرها ) ؛ و الحجم العام و الجنس والعمر التقريبي للفرد لمّا توفّي ؛ و إن كان وُجد قرب أو فى نفس المجال العام لأيّة أدوات حجريّة بدائيّة ؛ و إن وجدت أيّة بقايا أحفوريّة لحيوانات قد تكون أنواع فرائس يأكلها الهومينيد . و يمكن للعظام أن تكشف " علامات جروح " ناجمة عن أدوات حجريّة إستخدمها بعض الهومينيد لتقطيع الجثث . و فى نفس الوقت ، عادة ما يساهم علماء آخرون فى ظهور صورة للبيئات العامة التى عاش فيها الهومينيد الأحفوري بدراسة الملامح البيولوجية للأحافير و التربة القديمة و النباتات و الحيوانات فى نفس العصر ، و حتى أحافير حبيبات اللقاح من نفس الفترة ، كلّ هذا يساعد على إعادة رسم صورة أشمل للموطن الذى عاش فيه الهومينيد وماتوا : سواء ، مثلا ، المنطقة حينها كانت متكوّنة أكثر من غابات ، أو من سافانا غابيّة أم من سافانا عشب و أشجار أو مزيج من الثلاثة ، ما هي أنواع الحيوانات الأخرى ( بما فيها أنواع فرائس ممكنة أو الحيوانات المفترسة للهومينيد ) كانت موجودة ؛ و أيضا ما إذا هناك أي دليل على أي تغيّرات بيئيّة كبرى ( مثل موجة جفاف أو موجة برد ) حدثت خلال الفترة العامة المعنيّة .
هل كان الهومينيد الأوائل" مجرّد قردة " دلالة تطوّر التنقّل على قدمين على طريق التحوّل إلى إنسان:
و قسط كبير من المعلومات الجديدة عن سلسلة التغيرات فى شتّى خطوط الهومينيد إكتشف فى العقود القليلة الأخيرة فقط ، و خاصّة فى السنوات القليلة الأخيرة فقط . بمقارنة ملامح عدّة أنواع مختلفة من الهومينيد المتنقّلين على قدمين ، أضحى أوضح أنّ الذين جرى التفكر عموما فى انّهم الهومينيد الأوائل المتنقّلين على قدمين – أولئك الذين عاشوا بين الظهور الأوّل للتنقّل على قدمين و قبل حوالي 2.5 مليون سنة – كان لديهم بعدُ الكثير من الملامح الشبيهة بالقردة ، رغم انّهم كانوا يمشون وقوفا . لم يكونوا متشابهين تماما بل عامة كانوا ينزعون نحو أن يكونوا قصار القامة جدّا ، بأحجام أرجل قصيرة و أيادي طويلة نسبيّا ، أشبه بالقردة الذين يقفزون ويتأرجحون فى الأشجار . عامة كانت جماجمهم أكثر إمتدادا من تلك التى كانت لدى الهومينيد اللاحقين و الإنسان ذى الجمجمة الأكثر دائريّة ؛ و أنيابهم كانت بوجهعام أطول كتلك التى عند القردة المعاصرة ؛ و فى عدّة حالات ( و ليس كلّها ) كانت عظام وجوههم " ناتئة " أكثر أشبه ب أنف القردة منها بالوجوه المسطّحة المترابطة مع الهومينيد اللاحقين و الإنسان المعاصر . لعلّ ما يبعث أكثر على الدهشة هو أنّ هذه الأنواع من المتنقّلين على قدمين الأوائل كانت جماجمها صغيرة جدّا نسبيّا ،و هي أقرب إلى التناسب مع أحجام جماجم القردة منها إلى جماجم الإنسان.(6)
و من هنا من الصحيح مثلما أشار آخرون ، أنّ ما يسمّوا بالهومينيد الأوائل كانوا لا يزالون أشبه بالقردة و أنّه بالتالي لا يمكن حقّا إعتبارهم مجرّد صنف من " الإنسان الصغير ". لكن من جهة أخرى ، لم يكونوا كذلك " مجرّد " قردة - كانوا ، فى أخر المطاف متنقّلين على قدمين ّ يبدو أنّ بعض الناس يستهينون بدلالة الظهور التطوّري للتنقّل على قدمين ( غاضين النظر عن فكرة أنّ " الأيادي الحرّة " كانت لها أيّة أهمّية حقيقيّة ،بما أنّ الهومينيد الأوائل لميصنعوا أدوات حجريذة و بما أنّ جمجمة الهومينيد لمتتوسّع إلى فترة مديدة لاحقة ) ، و إختاروا عوض ذلك أن يشدّدوا على المميّزات التى لا تزال شبيهة بالقردة عند الهومينيد الأوئل بالإشارة إليهم على أنّهم " قردة متنقّلين على قدمين " . هذا المصطلح كان سيكون دقيقا صراحة بمعنى المسك بظاهرهم ، إلاّ أنّى أشعر أنّ هذا نوعا ما مضلّل وأنّه يشدّد بصفة أحاديّة الجانب على الملامح الشبيهة بالقردة بينما يستهين بما يجب فى الواقع أن يكون تبعات عميقة لظهور التنقّل وقوفا والأيادي الحرّة لشكل أتمّ لدى هذه " القردة " غير العاديّة ( أو" نموذج إنسان أوّل " ) – الملامح التى على ألأرجح سمحت لها بالتوسّع إلى تنوّع أكبر من البيئات و الإنخراط فى سلوكات جديدة ذات دلالة .
قبل بضعة سنوات ، كان يُعتقد أنّ ظهور التنقّل على قدمين كان بذاته وفى حدّ ذاته تغيّرا تطوّريّا هاما يجعل ممكنا تسمية كلّ هومينيد متنقّل على قدمين باّنه بالأساس إنسان . كان التفكير على أنّه حالما طوّر أجدادنا الهومينيد الأوائل القدرة على التنقّل وقوفا على قدمين ،" تحرّرت " ايديهم لقضاء شؤون أخرى غير التنقّل و بالتالى ، ذهب الظنّ إلى أنّ الأجداد الأوائل قد شرعوا " آليّا " فى إستخدام أياديهم فى نشاطات كصنع الأدوات و الأسلحة والصيد وتجميع الغذاء و العناية بالأطفال غير المستقلّين و ما إلى ذلك . كانيُفترض أنّ هذا بدوره يجب أن يكون قد خلق حاجة مباشرة و ملحّة لنموّ الذكاء و جماجم أكبر و أعقد ، و تواصل و تنسيق إجتماعيين أكثر تقدّما و تغيرات فى هيكل العائلة و تنظيم إجتماعي أوسع . حسنا ، هذه التغيّرات بالفعل جدّت فى النهاية غير أنّها لم تحصل بين ليلة و ضحاها ! و الآن نعلم لا،ّ كلّ هذا لم يحدث كجزء من حزمة واحدة وحيدة للتغيّرات التطوّريّة زمن أوّل ظهور للتنقّل على قدمين : الأسترالوبيثين الأوائل قبل حوالي 3 إلى 4 ملايين سنة تنقّلوا منتصبي القمة على قدمين ، لكن جماجمهم ظلّت صغيرة نسبيّا و لا يبدو أنّها صنعت أيّة أدوات حجريّة . القفزة الكبرى فى حجم الدماغ ، و لا يبدو أنّ التوسّع النوعي لفترات عدم النضج الطفولي و تطوّر الدماغ ما بعد الولادة و القدرة المعرفيّة عمليّا لرسم و صناعة حتى الأدوات الحجريّة الأبسط ظهر إلى على الأقّل 2 إلى 3 مليون سنة بعد الظهور الأوّل للهومينيد المتنقّل على قدمين . و بالتالى صحيح أنّ التنقّل على قدمين ظهر لتجيدد تطوّري قبل فترة طويلة من الميزات الأخرى التى نعتقد أنّها مميّزة للإنسان .
لكن ،من جهة ، أعتقد أنّه سيكون من الخطإ الإخفاق فى تقدير فقط مدى أهمّية تطوّر التنقّل على قدمين فى السيرورة العامة " للتحوّل إلى إنسان " . حتى و إن كانت الأنواع الأوائل للأسترالوبيثين المتنقّل على قدمين لمتستعمل بالضرورة أيديها لصناعة أدوات أو لصيد الحيوانات و تقطيعها ( و ربّما ليس حتّى لجمع النباتات الغذائيّة و نقلها ) ، بالذات إنطلاقا من زمن أوّل ظهور للتنقّل على قدمين ، لا يزال الحال أنّ الظهور التطوّري للقدرة على التنقّل على قدمين قد مهّد الطريق فعليّا لتلك القدرات اللاحقة .
فكرّوا فحسب بالطريقة التالية : تصوّروا إن كانت بعض انواع القردة غير المتنقّلة على قدمين فى الماضي البعيد قد حصل ببساطة أنّها نسجت نوعا جديدا لا يزال بعدُ غير قادر على التنقّل منتصب القامة لكن تغيّره التطوّري الحيوي كان ولادة طفل نسقه التطوّري منخفض بما لطلّب مدّة عناية أبويّة طويلة للأطفال و لكن فى نفس الوقت ، سمح للدماغ بالتوسّع و التطوّر لزمن أطول بكثير بعد الولادة . مثل هذا التغيّر قد يكون قد خوّل نموّا كبيرا فى قدرة التعلّم و كذلك قد ييكون جعل من الممكن تطوير ذخيرة عريضة جدّا من الأصوات ( أنواع الأصوات المنتجة ) و حتّى ربّما ظهور لغةمعقّدة .بيد أنّه ، حتّى و إن حدث كلّ هذا ، أي صنف من الأنواع يكون قد نجم عن مثل هذه التغيّرات التطوّرية لو انّ الأيدي لم " تحرّر " خدمة لأغراض أخرى عدا التنقّل من قبل التطوّر السابق للتنقّل على قدمين ؟ النتيجة ربّما كانت أي شيء يمكن أن نفكّر فيه – مختلفا عن الإنسان . لقد إقتضى الأمر مزيجا من قفزتين تطوريتين كبيرتين إثنين ، و إنتشار عبر ملايين السنين – تطوّر التنقل على قدمين متبوعا بعد بضعة ملايين السنين بتطوّر آليّة تسمح بتطوّر الدماغ بعد الولادة و بتطوّر القدرة على التعلّم – لدى خطّ من القردة ليظهر نوع الإنسان المعاصر .
لهذا مرّة أخرى ، حتى وإن كان من المهمّ أن نكون حذرين فى التشديد على انّ الأسترالوبيثين لا زالوا يشبهون جدّا القردة ( و ليس " الإنسان الصغير " ) و أنّ عددا منهذه الأنواع الأولى المتنقّلة على قدمين يمكن أن تكون قد إستعملت إستعمالا نسبيّا لأيديها فى بضعة مئات الآلاف الأولى أو حتى ملايين السنين من التنقّل على قدمين ( ربّما إلى أن إرتبطت الأدمغة بالأيدى ، بمعنى ما ) ، أعتقد أنّنا سنقدّم نظرة مشوّهة لجذورنا إن لم نشدّد أيضا على كون الفترة الأخيرة من التغيّرات التطوّرية النوعيّة ( تلك التى قادت إلى نموّ ملموس فى حجم الدماغ و القدرة على التعلّم ) لم تكن لتعود إلى فترة أقرب بكثير من كما لو أنّ هذه الفترة الثانية لم نحدث فى صفوف أنواع قد سبق بعدُ للتنقّل على قدمين أن سمح لأيديها بأن تستخدم لأغراض أخرى عدا التنقّل . و حتى إن لم يكن لللأسترالوبيثين الأوائل التطوّر الدماغي و القدرات الذهنيّة على " الإستخدام إستخداما تاما " لأيديهم المتحرّرة ، إن أمكن القول ( رغم أنّهم ربّما فعلوا على الأقلّ مثلما يفعل الشنبنزي المعاصر ) ، فإنّ تطوّر التنقّل على قدمين و التحرير الموضوعي للأيدى قد ميّزا العلامة التطوّرية الكبرى الأولى على طريق التحوّل إلى إنسان . لقد جعلت من الممكن حصول الفزة الثانية فى تطوّر الإنسان ( القفزة الأخيرة فى حجم الدماغ و تطوّر الدماغ فى فترة ما بعد الولادة ) لتكون لها الإنعكاسات التى كانت – منتجة نوعا إكتسب قدرة على تغيير نفسه و محيطه مذّاك فى المقام الأوّل من خلال التجديد الثقافي و مراكمة المعلومات التى تمّ تعلّمها و نقلها أكثر من حصول ذلك عبر التطوّر البيولوجي .
و يجدر بنا التفكير فى واقع أنّ الإختلاف ( فى أشكال النشاطات الإنتاجيّة و التنظيم الإجتماعي ) بين الأعضاء الأوّلين لنوعنا الخاص من الهومو سابينس ( الذى حافظ على نفسه كمجرّد مجموعات متنقّلة للصيد و تجميع الغذاء لأكثر من مائة ألف سنة قبل إختراع الفلاحة قبل حوالي عشرة آلاف سنة ، و الشروع فى بناء المدن ) و الإنسان المعاصر اليوم ( الذى يصنع السيّارات و الحواسيب و يكتشف الفضاء الخارجي و أعماق المحيطات ) مختلف قبل كلّ شيء فى الثقافة : و لا شيئ من هذا قد تطلّب المزيد من التغيّرات التطوّريّة الملموسة فى البيولوجيا الأساسيّة لأجسادنا . و كلّ ما نفعله اليوم نفعله على أساس ذات القدرة على " التعلّم " و نقل ذخيرة هائلة من المعرفة المراكمة عبر الأجيال بوسائط ثقافيّة غير جينيّة مثّلت الميزة التطوّريّة لنوعنا من الهومينيند منذ البداية . و لعلّ هذا أكير من أي شيء آخر هو ما يجعلنا جوهريّا إنسان و يميّزنا عن الأنواع الأخرى .
و لكن لا شيء من هذا كان على الأرجح سيحصل لولا القفزة الثانية لما جدّ قبل حوالي مليوني سنة على قاعدة قد شملت بعدُ التنقّل على قدمين و أيدى " محرّرة " موضوعيّا .
لذا ، هل نحن مجرّد حادث ؟
طرق التطوّر الخاصة التى إتبعها صدفة خطّ الهومينيند لم تكن " ملزمة " بأن تصل إلى ما وصلت إليه . إذ كان من الممكن أن تجدّ عوض ذلك جملة من التغيّرات التطوّريّة المغايرة و كان من الممكن أن يعرف الطريق التطوّري أي عدد من المنعرجات و الإلتواءات المتنوّعة و لم يكن ليفرز الإنسان أبدا .
و يجد بعض الناس أنّ هذا الأمر مبعث لإضطراب كبير . فى يوم من أيّام المدّة الأخيرة ، كنت أقصذ القليل ممّا نعرفه الآن عن جذور كوكبنا و النظام الشمسي و الظهور الأوّلى للحياة على الأرض و ما تبع ذلك من تطوّر لكافة أشكال الحياة فى 3.5 مليون سنة و كيف تطوّر نوعنا من الأنواع التى سبقته فى الوجود – كلّ هذا دون تدخّل أيّة قوّة إلاهيّة أو أيّة أرواح أخرى خارجيّة ما وراء الطبيعة – كنت أقصّ ذلك على شخص لم يكن إلى حينها قد إعتاد على سماع كلّ ذلك . و بعد برهة ، قال لى وهو فى حالة رعب : " لكن عندئذ ما المسألة ؟ ما هو هدف كلّ هذا ؟ "
لكن الأمر بسيط : لا وجود لمسألة خاصة ! لا وجود لهدف خاص لوجودنا فى المخطّط الكبير للأشياء – عدا ما نفعله نحن به . سواء كنّا هنا أم لم نكن لا يهمّ حقيقة ( على الأقلّ ليس بشكل واعي ) لأي شيء على هذا الكوكب سوى أنفسنا ؛ و بالتأكيد ( على الأقلّ عند هذه النقطة ) وجودنا أو عدم وجودنا لم يكن يستطيع أن يأثّر أدنى تأثير فى أي شيء فى الكون الأوسع ، حيث موضوعيّا لا أهمّية كبرى لنا أكثر من أهمّية حبّة رمل عل شاطئ . و ماذا إذن ؟ هل يعنى هذا أنّه لا أهمية لنا ؟ هل يعنى هذا أنّنا سنقتل بعضنا البعض لأنّه لا وجود لإلاه يرعى ما نقوم به بطريقة أوأخرى ؟ هل يعنى هذا ا،ّ حياتنا لا هدف لها مطلقا ؟ بالطبع لا ! حياتنا ثمينة و لنا أهمّية كبرى ...بالنسبة لبعضنا البعض ! نبغى أن نقرّر " القيام بالشيء الصواب " – و نتحرّك مع بعضنا البعض بشيء من الإستقامة و بطرق " أخلاقية " – ليس لأنّنا نخشى أن يسجّل أعمالنا نوع من الإلاه الشبيه بالسجّان إن لم تفعل و إنّما لأنّ ما نقوم به مباشرة يؤثّر فى نوعيّة حياة الإنسان . و طبعا ، حياتنا يمكن و لها هدف ( رغم أنّ أنساسا مختلفين سييحدّدون ذلك بطرق مختلفة وفقا لنظرتهم للعالم ) ، لأنّنا نحن البشر يمكن أن نختار أن نصبغ حياتنا بهدف !
لذا نحن هنا : باقة من الكائنات الحيّة المعقّدة بصفة مذهلة كانت فى ذات الوقت جدّ هدّامة و جدّ مبدعة و لها قدرة غير مسبوقة على التغيير الواعي للعالم الطبيعي حولنا و للمجتمعات التى تعيش فيها . لا وجود لشيء آخر فى " الخارج " ... لكن أليس هذا كافيا تماما ؟
تلخيص و نظرة عامة :
بينما هناك بعدُ الكثير نتعلّمه فى السنوات القادمة ما سيساعفنا على فهم أشمل للتاريخ المعقّد لتطوّر الهومينيد ، فإنّ القصّة الأساسيّة لجذورنا يمكن تلخيصها بإقتصضاب فى ما يلى : كافة البشر الأحياء اليوم ينتمون إلى نوع الهومو سابينس وهو جزء من عائلة الهومينيد ، العائلة البيولوجيّة التى تشمل الإنسان و الأنواع الباقية الأخيرة من القردة الأفريقيّة ( الغوريلا و الشنبنزي ) و القردة الآسيويّة ( أورنغوتان و لسنا على صلة قرابة وثيقة جدّا بها ) . فالإنسان ليس منحدرا مباشرة من الشنبنزي و الغوريلا ، لكن قبل ملايين السنين تقاسم معهما أنواع أجداد مشتركين – نوع من عديد أنواع القردة التى تطوّرت فى البداية على القارة الأفريقيّة و التى كانت على الأرجح تقطن الأشجار و تلأكل الغلال و الأوراق من الأنواع التى عاشت فى الغابات الأفريقيّة ،وهو شبيه فى عدّة جوانب بالغوريلا و الشنبنزي اليوم . و اليوم لا يزال الشنبنزي و الإنسان أقرباء قرابة كبيرة تنعكس فى أنّ 95 إلى 99 بالمائة من حمضنا النووي لأثرنا الجيني هو ذاته !
يمكن لعلماء البيولوجيا الذرذية أن يقارنوا الحمض النووي للإنسان و الحمض النوووي للشنبنزي ليحسبوا الزمن التقريبي ل" إنفصال " ( أو " إفتراق " ) خطّنا التطوّري عن الخطّ التطوّري للشنبنزي عن أنواع القردة التى كانت أجدادا لكلا الخطّين . و من خلال هذه التقنية نعرف الآن أن الإنقسام الأوّلي ( أو " حدث التفرّع " ) حدث قبل تقريبا حوالي أكثر من 5 ملايين سنة . و فى النهاية ، أدّى خطّ إلى نوع الشنبنزي المعاصر اليوم و أدّى الخطّ الآخر فى النهاية إلى نشوء نوع الإنسان المعاصر . و هذا الفرع من الهومينيد قد بدأ مع تطوّر أحد الملامح الجديدة جذريّا – التنقّل على قدمين . و بالرغم من كون أجدادنا الأوائل من الهومينيد كانوا بعدُ يشبهون كثيرا القردة فى عديد الجوانب ، كانوا قادرين على التنقّلأ منتصبي القامة و المشي على قدمين . و بداهة كان الهومينيد المتنقذلين على قدمين ناجحين ماما: لقد إنتشروا و فى النهاية، سمح عدد من الأنواع الإضافيّة ( كلّ منها بسمات متباينة نوعا ما ، لكنّها جميعا إستطاعت التنقّل منتصبة القامة و المشي على قدمين ) . و أنتج خطّ الهومينيد المتنقّلين على قدمين تنوّعا كبيرا من الأنواع المنتصبة القامة خلال بضعة ملايين السنين التالية . و مثّل بعض هذه الأنواع من الهومينيد المتنقّلين على قدمين الأجداد الخطّيين مباشرة لنوعنا الإنساني الخاص المعاصر ، و بعضها كانت أقرب إلى فروع جانبيّة لنفس شجرة المتنقّلين على قدمين ممثّلة عددا من المسالك التطوّرية البديلة. و العديد من هذه الأنواع كانت ناحجة إذ حافظت على نفسها كأنواع حيّة لمئات آلاف السنين أو أكثر ، و بعضها أنتج أنواعه الخاصّة من المنحدرين ، لكنّها جميعا فى النهاية إنقرضت .
نعلم أنّ نوعنا الإنساني المعاصر ، الهومو سابينس ، هو " الأصغر سنّا " فمن كافة أنواع الهومينيد ، و قد إنفصل عن أنواع أجداده السابقين مباشرة فقط قبل حوالي 200 ألف سنة و اليوم إنقرض جميع أنواع الهومينيند الآخرين . لكن فى الآونة الأخيرة قبل 40 ألف سنة ، وُجد بعدُ على الأقلّ نوعان ، أو ربّما ثلاثة أنواع مختلفة من الهومينيد يتجوّلون على الأرض . و قد شملت :
1- الهومو سابينس :
و هذا هو نوعنا الإنساني الذى تطوّر أوّلا فى أفريقيا قبل حوالي 200 ألف سنة و ثمّ إنتشر إلى أوروبا والشرق الأوسط بداية من قبل حوالي 50 ألف سنة .
2- الهومو نيندرثالنسيس :
و هذا النوع ( النيندرثال ) قد عاش فى أوروربا و الشرق الأوسط ، و التقنيات الحديثة للتحليل الذرّي تشير إلى أنّه كان حقّا نوعا مختلفا من الإنسان . و يُعتقد أن النيندرثالنسيس قد تقاسم أجدادا هومنيد مشتركين مع الهومو سابينس قبل حوالي 600 ألف سنة (7) . و نعلم أنّ المجموعات الأولى من الهومو أركتوس قد شرعت أوّلا فى الهجرة إلى خارج أفريقيا قبل أكثر من مليون سنة . و نوع الهومو نيندرثالنسيس الذى عاش لاحقا فى أوروربا و الشرق الأوسط يُعتقد أنّه قد تطوّر من أولئك الهومو أركتوس الأوائل المهاجرين . و بينما فى أفريقيا ، و بعد ذلك بقليل ( قبل حوالي 200 ألف سنة ) قد تطوّر نوعنا الهوموسابينس المعاصر من بعض المنحدرين الأخيرين من خط الهومو أركتوس الأفريقي . و هذا النوع الجديد من الإنسان إنتشر بسرعة ، وهناك أدلّة على أنّه بدأ هجرته الخاصّة إلى خارج أفريقيا قبل حوالي 50 ألف سنة . ولمّا بلغ الشرق الأوسط و أوروربا إنتهى إلى التشابك ( لفترة دامت آلاف السنين ) مع مجموعات نوع النيندرثال .
لا نعلم بعدُ الكثير عن كيفيّة تفاعل هذين النوعين من الإنسان . نعلم أنّه بينما كان للنيندرثال كافة أنواع الأدوات الحجريّة ، فإنّ مجموعات الهومو سابينس كانت لديها أدوات حجريّة " متقدّمة " كانت أعقد فى كلّ من تصوّر رسمها و تقنية تنفيذ صنعها . و بعض هذه الأدوات الخاصة بالسابينس وُجدت أثناء حفريّات أركيولوجيّة للنيندرثال بما يفترض أنّ على الأقلّ النيندرثال يمكن أن يكونوا قد حاولوا تبنّى هذه التقنية الأكثر تقدّما . و لا نعلم إم كانت مجموعات النيندرثال لوحدها قد واجهت ببساطة ظروفا بيئيّة لم يعد بمقدورها التأقلم معها ، أم أنّ مجموعات الهومو سابينس كان لها دور مباشر أكثر فى الإنقراض النهائي لنوع النيندرثال ( لعلّه بالتنافس مع النيندرثال على الغذاء أوز على موارد أخرى أو ربّما حتّى بالهجوم عليها ) لكنّنا نعلم أنّ نوع الهومو سابينس بطريقة أو أخرى كلّيا قد حلّ محلّ نوع النيندرثال قبل حوالي 35 ألف سنة .
3- المنحدرون من الهومو أركتوس فى آسيا الجنوبيّة و الشرقيّة :
كان هؤلاء كذلك منحدرون تطوّريون من تلك المجموعات الأفريقيّة الأولى من الهومو أركتوس التى شرعت فى الهجرة إلى أنحاء اخرى من العالم قبل أكثر من مليون سنة ، قبل مدّة طويلة من حتى تطوّر نوعنا الخاص من الهومو سابينس . نعلم أنّهم أفلحوا فى الوصول إلى جنوب و شرقي آسيا ( بما فى ذلك إلى الصين و إلى جافا التى هي اليوم جزء من أندونيسيا ) . ونعلم كذلك من سجلّ الأحافير أنّهم مثل الهومو أركتوس الذين إنحدوا منهم ، قد صنعوا أدوات حجريّة متنوّعة و إستخدموا النار . و تمكّنوا من البقاء فى آسيا لمئات آلاف السنين ، إلى على الأقلّ المدّة الأخيرة المقدّرة بقبل حوالي 30 ألف سنة ! و لا نعلم بعدُ إن كان الهومو سابينس قد تفاعلوا مع هذه الأنواع من الهومو أركتوس ، أو ما هي طبيعة هذه التفاعلات ، لكنّنا نعلم أنّ آخر هؤلاء المنحدرين من الهومو أركتوس الآسيوي فى مناطق مثل الصين و جافا يبدو أنّهم إنقرضوا حوالي زمن أخذ فيه الهومو سابينس فى الإنتشار إلى تلك المناطق .
و قد طفق يقوم بهجراته الخاصة خارج أفريقيا قبل فقط حوالي 50 ألف سنة، نوعنا الإنساني المعاصر، الهومو سابينس حلّ فى النهاية محلّ كافة الأنواع الإنسانيّة الأخرى حيثما ذهب. و قبل حوالي 35 ألف سنة أو ما يناهزها، لم يبقى سوانا .
[ تحيين للمؤلّفة : فى المدّة الأخيرة جدّا ، عثر فريق من الباحثين الأندونيسيين و الأستراليين أثناء حفريّات البقايا المتحجّرة على ما يبدو أنّه نوع آخر من الإنسان ( غير معروف لدى العلم قبلا ! ) فى بعض كهوف جزيرة فلورنس الأندونيسيّة . و قد أطلق عليه إسم هومو فلورنسينس، هذا النوع من الإنسان الذى إستخدم أدوات حجريّة كان مذهلا قبل كلّ شيء فى أحجامه الصغيرة ( لم يكن الأفراد الذين عُثر عليهم أطول من حوالي ثلاثة أقدام ) ، و لكن ما هو باعث على الحماس بوجه خاص بشأن الإكتشاف الجديد هو أنّ هذا النوع ( الذى تفترض الدلائل المتوفّرة أنّه على ألرجح منحدر آخر من خطّ الهومو أركتوس ) قد إستقرّ على ما يبدو و نحج فى الحياة على هذه الجزر قبل على الأقلّ 95 ألف سنة فحسب ، بل قد إستمرّ فى التواجد هناك كنوع على قيد الحياة إلى فترة حديثة ، قبل حوالي 13 ألف سنة! إن تمّ تأكيد هذه المعلومات بمزيد التفاصيل العلمية ، سيعتى ذلك أننوعا آخر من الإنسان تشابك ( على الأقّ فى الزمن ) مع نوعنا الخاص الهومو سابينس و أنّنا لم نصبح فى الوقاع النوع البشري الباقي الأخير إلى فترة أحد بقليل ممّا إعتقدنا سابقا ] .
و كلّ هذا يذكّرنا مرّة أخرى بأنّ نموذج أنواع " تشبه الشجيرة " – المتميّزة بعديد أحداث نشوء أنواع جديدة و إنقراضها – قد ميّز كامل التاريخ التطوّري لخطّ هومينيدنا . هذا هو النموذج الشائع للتطوّر البيولوجي للأنواع بصفة أعمّ : مثلما ناقشنا سالفا ، يبدو عادة أنّ أنواع جديدة تأخذ فى الإنطلاق عندما يظهر " تجديد " تطوّري هام ( مثل ظهور التنقّل على قدمين فى خطّ القردة ) ضمن مجموعة صغيرة تصبح معزولة عن الأجداد فى إعادة التوالد. و متى لم ينقرض النوع الجديد بسرعة ، فإنّه تاليا ينحو نحو أن يشهد ما سمّي بالإشعار التأقلمي : نموّ فى عدد المجموعات و إنتشار إلى أماكن مختلفة و عادة يشرع فى إنشاء عدد من أنواع منحدرين إضافيين فى موجة أو عدّة موجاة من مزيد التنوّع التطوّري . و يعتقد الكثيرون أنّ هكذا أحداث نشوء لأنواع متعدّدة على ألرجح تقع خاصة زمن تغيرات و إنكسارات بيئيّة هامة . و مع مرور الزمن ، مع ذلك ، نسق مزيد نشوء الأنواع فى أي خطّ تطوّري جديد ينزع نحو الإستقرار ، و يشاهد تقليص فى نسق إنتاج أنواع جديدة . و التشبيه المقدّم عامة هو أنّ شجيرة تطوّرية جديدة يتسارع فى البداية تكاثرها و تحصل لفترة على المزيد من الشجيرات لكن بعدئذ فى الأخير يأخذ فى التراجع من خلال إنقراض الأنواع . هذا النموذج التطوّري الذى شوهد فى تطوّر شتّى الخطوط النباتيّة و الحيوانيّة ، هو كذلك نموذج تطوّر الهومينيد ذاته : عند ما يبدو أنّه نقطة عليا من تنوّع نوع الهومينيند ( فى فترة تقريبا قبل 2 إلى 3 ملايين سنة ) عاش ما يناهز الستّة أنواع أو أكثر من الهومينيند، بما فيهم بعض الأخيرين من ما أطلق عليهم إسم الأسترالوبيثين " " غراسيل " / " النحيف " و بعض ما سموّا بالأسترالوبيثين " روبست " / " المتين " ،و نوعان أو ثلاثة أنواع سابقة أخرى من جنسنا الخاص للهومو . لكن الآن هذه الشجيرة التطوّرية المتنوّعة إضمحلّت و هناك نوع هومينيد واحد وحيد ، نوعنا نحن ، الهومو سابينس .
و ليس من اليسير أننميّز بدقّة كامل الدرجات المختلفة للعلاقة بين شتى أنواع الهومينيد و إدراك سماتها المميّزة فقط من بقايا أحافيرها ، لكن بعض النماذج العامة المهمّة تبدو قد ظهرت . و يبدو من الواضح تماما أنّه ، من أفقنا على الأقلّ ، وُجد ظرفان تطوّريّان إثنان لهما دلالات خاصّة فى تطوّر " الشجيرة " التطوّرية للهومينيد : أوّلا ، حدث نشوء النوع الذى حدّد البدايات الأولى لخطّ الهومينيد – ظهور الهومينيد الأوّلين من خطّ القردة الأفريقيّة ، وهو حدث وقع قبل بين 5 إلى 10 ملايين سنة ؛ و ثانيا ، النموّ الهائل فى حجم الدماغ و القدرات المرتبطة بذلك و التى طبعت ظهور نوع الهومينيد الأوّل بنموذج سمات إنسانيّة ، و ليست مشابهة للقردة ، من " التراجع " التطوّري البيولوجي الذى أفرز أطفالا يولدون وهم فى الأساس غير مكتملي النموّ و يحتاجون إلى فترات طويلة من رعاية الأولياء ، لكن مع " فائدة " ( من أفقنا ) مضافة لإمتلاك أدمغة يمكن أن تواصل النموّ بشكل كبير فى الحجم و تظلّ تتطوّر لمدّة طويلة بعد الولادة . و طبع هذا التغيّر الحيوي ( المترابط مع نموّ كبير فى القدرة على التعلّم ، أكبر بكثير من ما كان ممكنا قبلا ) ما أعتقد أنّه " القفزة الكبرى الثانية " فى تطوّر الهومينيد – القفزة التى ميّزت حقّا جنس الهومو الذى ظهر ظهورا جديدا عن تنوّع الهومينيد الأسترالوبيثين السابقين . و يبدو أنّ هذا التغيّر أتى ضمن " حزمة " من باقة من التغيّرات التطوّرية التشريحية الهامة الأخرى ، وجميعها جعلت هؤلاء الهومينيد عموما أقلّ شبها بالقردة المتنقّلة على قدمين و أكثر شبها بالإنسان المعاصر ، بما فى ذلك :
أجساد أكبر حجما و أيدى أقصر و أرجل أطول نسبيّا ؛ و وجوه مسطّحة أكثر و جماجم أكثر دائريّة ، و تغيّرات فى الحجم و الشكل ونمّو الإنسان و تطوّره ، وأقلّ بكثير من إزدواج الشكل الجنسي ( أقلّ إختلافا فى الحجم بين الذكور و الإناث من الجنسيّات السابقة ) ؛ و إنعطاف ظاهر فى وضع الحنجرة ( أو صندوق الصوت ) إلى موضع أسفل فى الحنجرة بتغيّر يسمح للإنسلن بأن يصدر عددا أكبر من الأصوات من تلك التى لدى القردة المعاصرة اليوم ( و ربّما عدد أكبر بكثير من الهومينيد الأوائل ) . و قد يكون الإنعطاف فى موضع الحنجرة ، إلى جانب التطوّر الهام للدماغ ما بعد الولادة يميز الهومينيد الأخيرين ، مفتاحا فى تطوّر أتمّ للغة الإنسانية ، مع ما نتج عن ذلك من إنعكاس فى تعزيز التواصل و التنسيق الإجتماعيين .
صلة بيئيّة ممكنة :
هل حفّزت التغيّرات البيئيّة نوعا ما ظهور التنقّل على قدمين و النموّ التالي فى حجم الدماغ إلخ لدى خطّ الهومينيند ؟ عندتفحّص هذه المسألة ، من المهمّ تذكّر أنّ التغيّر فى البيئة لم " يتسبّب " أبدا مباشرة فى حدوث منعطف تطوّري – لا يسير التطوّر البيولوجي على هذا النحو . لكن ثمّة حال أنّ التغيّر البيئي يمكن أحيانا أن يغيّر دراميّا الظروف المحلّية التى تعيش فيها مجموعات من النباتات و الحيوانات . فى مثل هذه الحالات ، إذا حصل تجديد تطوّري فى خطّ نبات أو حيوان ( من خلال السيرورات العاديّة العشوائيّة للتعديلات الجينيّة إلخ ) و إذا حدث هذا التغيّر الجيني العشوائي ليفرز نوعا من الميزة فى التوالد عند أفراد لهمهذا الملمح الجديد و الذين يعيشون فى ظلّ هذه الظروف البيئيّة الجديدة ، عندئذ على الأرجح أنّ الملمح التطوّري الجديد سينتشر من خلال الإنتقاء الطبيعي . و فى ظلّ ظروف معيّنة ( منها العزلة الكافية فى التوالد عن مجموعة الآباء ) ، و خاصة إذا كانت للتغيّر التطوّري دلالة كافية ، فإنّ ظهور و إنتشار الملمح الجديد ( شيء مثل ظهور التنقّل على قدمين فى خطّ القردة القاطنة للأشجار ) قد يكون كافيا لنسج نوع جديد كلّيا .
ومن المهمّ جدّا أن نلاحظ أنّ كلا الفترتين اللتين جدّت فيهما التغيّرات الأكثر دلالة فى تطوّر الهومينيد كانت على ما يبدو كذلك فترات تغيّر بيئي كبرى فى أنحاء واسعة من شرقي أفريقيا أين وجدت أحافير الهومينيد الوثيقة الصلة أكثر بالموضوع : اوّلا ، فى فترة قبل ما بين 5 و 10 ملايين سنة لمّا إعتقد أنّ التنقّل على قدمين قد ظهر ، حدث نموذج إنخفاض حراري على الكوكب و بعض النهوض الجيولوجي النشيط و إنشقاق فى القارة الأفريقية ، و نجمت عنه موجة جفاف عامة فى شرقي أفريقيا و تفكّك جزئي ونسبي فى التنقّل على قدمين و فى الحزام المنسجم للغابات الأفريقيّة . فصارت البيئة شرقي أفريقيا أقلّ " إكتمالا " بكثير ، و برزت مناطق من السافانا الغابيّة المختلطة الجديدة ( متكوّنة من مناطق منفتحة أكثر وبها مجموعة أشجار ) أين كانت توجد سابقا غابات على نفس الشاكلة تماما . لقد إفترض أنّ الإنتخاب الطبيعي قد يكون حفّز إنتشار التنقّل على قدمين بعد أن ظهر فى صفوف مجموعات من قردة الغابات ، إذ سمح لهذه القردة الغريبة الأطوار بتوسيع مداها و التمكّن من الحصول على الغذاء و موارد أخرى فى بعض هذه البيئات الجديدة أين تباعدت الأشجار أكثر فأكثر و أين قد تكون الموارد الغابيّة التقليدية قد غدت شحيحة . قد يكون التنقّل على قدمين ميزة فى هذه الأوضاع حتى إن كان الأمر كذلك ، كما يبدو على ألرجح الآن ، فإنّ نوع المتنقّلين على قدمين الأوائل واصلوا تمضية غالبيّة وقتهم متحرّكين بين الأشجار و يرجعون إليها بحثا عن الأمان و المأوى . وأجسادها الواقفة الجديدة كانت بالتأكيد تقريبا قد يسّرت تحرّكها بين مجموعات الأشجار المنفصلة فى السافانا الغابيّة المختلطة الجديدة . و فى حين أنّ هؤلاء الهومينيد الأوائل لم يصنعوا أدوات حجريّة – و يمكن أن لا يكونوا حتى قد إستخدموا بشكل ذو دلالة المواد الطبيعيّة غير المعدّلة كأدوات ،على الأقلّ لفترة من الزمن – واقع أنّ أيديهم لم يعودوا يحتاجونها فى التنقّل يعنى أنّه كانبوسعهم على ألرجح أنيغطّوا مسافات أوسع على الأرض ، و هذا يوفّر على الأقلّ إمكانية أنّهم قد شرعوا فى مزيد إستخدام أياديهم لأغراض مثل الحفر تفتيشا عن جذور يمكن أكلها و حمل مخزون الطعام لمسافات أطول . و كلّ هذا بدوره إستطاع أن يحفّز نموّا فى الغذاء الشامل و دفعا فى عدد المجموعات و تيسيرا فى التوسّع إلى أماكن جديدة ،و ربّما قد أدّى إلى تغيرات فى التفاعلات الإجتماعية – مثلا ، إن أمكن حمل الغذاء بطرق أسهل و جلبه لتقاسمه مع الأطفال و آخرين ( وهو تصرّف نشاهد أسسه عند الشنبنزي المعاصر ).
على كلّ حال ، ما لا نقاش حوله هو أنّ التنقّل على قدمين ، بعد ظهوره ، أمسى مركّزا بصلابة فى صفوف خطّ الهومينيد و أنّه تواصل فى الإنتشار عبر تتابع أنواع لاحقة . و هذا يفترض أنّ هذا " التجديد " التطوّري بفعل الإنتخاب الطبيعي فى فترة تبدو أيضا تناسبت مع بعض التغيّرات البيبئيّة الهامة و على النطاق الواسع .
هل كانت " القفزة الكبرى الثانية " فى تطوّر الهومينيند – إنخفاض نسق التطوّر و النموّ الهائل فى حجم الدماغ – كذلك مترابطة بفترات تغيّرات بيئيّة كبرى ؟ هناك أدلّة تقترح أن الأمركان كذلك . الفترة قبل حوالي 2.5 مليون سنة ( بالضبط حوالي حدوث " القفزةالثانية " ) كانت زمن إنخفاض فى حرارة الكوكب حتى أكثر ،عندما أخذت جبال جليديّة كبرى تغطّى الأركتيك وعندما غدت أجزاء كبرى من أفريقيا أكثر جفافا بكثير . أين وُجدت قبلّ غابات إستوائيّة هائلة لا إنقطاع فيها ، و ثمّ مرقعات مزيج منالغبات و السافانا الغابيّة ، ظهرت الآن مناطق مفتوحة أوسع و أجفّ و سافانا مروج واسعة لا أشجار بها . و مرّة أخرى ، فترات من مثل هذه التغيّرات البيئيّة الدراميّة يمكن أنتؤدّى إلى إنقراض الكثير من الأنواع ( و على الأرجح أدّت ) ، لكن مثل هذه التغيّرات يمكن أيضا أن تخلق ظروفا بيئيّة تشجّع على تركيز و إنتشار التغيّرات التطوّرية الهامة و إنتشار أنواع جديدة كلّيا . سافانا المروج الجافّة المتّسعة المدى الجديدة أصبحت بيئة صعبة بالنسبة للهومينيد الأوائل : فمصادر الغذاء النباتي المناسب يمكن أن تكون أضحت أندر و أكثر تفرّقا ممّا هي عليه فى الغابات الإستوائيّة التقليدية و حتى من السافانا الغابيّة المختلطة للفترات الأولى ، و الغياب النسبي للأشجار قد جعل مجموعات الهومينيد أكثر عرضة لأذى الحيوانات المفترسة الكبيرة فى المروج ، مثل القطط الكبيرة . و فى ظلّ مثل هذه الظروف ، ظهور أي نموّ فى قدرات صناعة الأدوات و التفكير المنطقي و التنسيق الإجتماعي كانت على ألرجح قد شجّع عليها بصورة هائلة الإنتقاء الطبيعي .
و قد يتبيّن أنّ التغيّرات البيئيّة الهامة التى جدّت فى أفريقيا قبل حوالي مليوني سنة ( جفاف و تطوّر سافانا المروج الأكثر إمتدادا ) بالفعل بصفة غير مباشرة قد " حفّزت " مزيد التغيّر لدى الهومينيد بإتجاه إنساني أكثر . و مجدّدا يمكن للمرء أن يفكّر فى أنّ الإنتخاب الطبيعي قد يكون ألغى أي خطوط هومينيد شرعت فى إنجاب أطفال بالأساس " غير مكتملي النموّ " كانوا تماما دون مساعدة و لم يستطيعوا أن يصونوا أنفسهم لفترة مديدة ؛ لكن واقع أنّ مثل هذا التغيّر حدث كذلك ليسمح لدماغ الهومينيد بالتطوّر لفترات زمنيّة أطول بعد الولادة ( ما خوّل لأطفال الهومينيد الجدد توسيع قدراتهم الذهنيّة من خلال التفاعل و التعلّم الإجتماعيين ، بدلا من البرمجة الجينيّة ، و إلى درجة لم يسبق لها مثيل ) على الأرجح عوّضت و أكثر أيّة عراقيل .
لعلّ كلّ هذا قد وقع دون حصول حتّى مثل هذه التغيّرات البيئيّة الكبرى . و فى نهاية المطاف ، نموّ فى القدرة على التعلّم و إستخدام الأدوات و إدخال تحسينات عليها و التواصل بشكل أفضل و تعزيز المظاهر الإجتماعية بعدُ ضمن خطّ إجتماعي من الثدييّات يمكن أن يكون وقع عليه الإنتقاء الطبيعي ، حتى فى بيئة غير متغيّرة نسبيّا . لكن التعديلات الجديدة التى على الأرجح أفرزتها التغيّرات الهامة فى المناخ و النباتات و مصادر الغذاء المتوفّرة و التعرّض للحيوانات المفترسة فى تلك الفترة العامةّ قبل حوالي مليوني سنة ، يمكن بالتأكيد أن تساعد على تفسير لماذا النوع الجديد من الهومو ( مرّة أخرى" غريبة " تماما زمنها ! ) يبدو أنّه كان ناجحا تماما و بسرعة و أنّه شهد دفعة أخرى من التوسّع و تنوّع الأنواع الإضافيّة طوال المليون سنة التالية .
و من المثير للإهتمام أنّ أنواع الهومينيد ليس كلّها إنتهت إلى التطوّر بإتجاه الإنسان المعاصر . لا يبيّن خطّ الأسترالوبيثين " روبست " /" المتين " ذى الأسنان و الحنك اللذان يقترحان أنّه على الأرجح إختصّ فى الأكل أساسا لأغذية نباتيّة فى السافانا الجافة ، لا يبيّن أدلّة عنتوسّع دماغي هام و بسرعة إنقرض. و يبدو أنّ خطوط الهومينيد " غراسيل " / " الناحل"، من جهة أخرى – و خاصة أنواع الهومينيد الظاهرة جديدا – قد حافظت على حمية معمّمة ( بحكم هياكل أسنانها و وجوهها ، و هي نموذجيّة لدى آكلي النبات و الحيوان الأقلّ تخصّصا ) . و يرجّح أنّها شرعت هي الأخرى فى إستهلاك كميات متنامية من اللحم ما أعطى مجالا أوسع ( و غالبا مغذّيا إلى درجة عالية ) من الغذاء تحافظ به على نفسها فى البيئات المتنامية الصعوبةو الجفاف . و حتى أحافير الأسترالوبيثين " الأخرين " ، الأسترالوبيثين غارهي ( الذين عاشوا شرقي أفريقيا بالضبط قبل ظهور أوّل أنواع الهومو ) وُجدت مترابطة مع بقايا ظبي له عظام تبيّن " علامات جروح " أدوات حجريّة بما يؤشّر إلى أنّه تمّ تقطيعه . و أي نموّ فى تطوّر الدماغ ما بعد الولادة فى هذه الفترة كان على الأرجح سيكون مساعدا على تعلّم مثل هذه القدرات الجديدة، و على الأرجح شجّع عليها كثيرا الإنتقاء الطبيعي .
و لكن الأنواع اللاحقة من الهومو أرغستار هي التى مضت حقيقة بالأمور إلى خطوة أكبر بما أنّ هذا النوع كانعلى ما يبدو الأوّل فى إدراك كيفيّة إستخدام النار و الحصول عليها . كان هذا تحديدا هائلا لأنّه سمح لهؤلاء الهومينيد بالسفر فى الساحات المفتوحة مع إمكانية إبقاء الحيوانات المفترسة بعيدة عنهم فى الليل حتى حين لا توجد أشجار للنومفوقها ؛ و إستخدمت النار أيضا لتلطيف و جعل أصناف منالأغذية القاسية أسهل لعمليّة الهضم ( مثل الجذور الليفيّة و اللحوم القاسية ) من خلال الطهو .
و ليس بالغريب ( مع أدمغتهم الأكثر بكثير و الأدوات الحجريّة المتنامية التتحسّن و النار و لغتهم و وسائل تنسيقهم الإجتماعي الأكثر تطوّرا ) أن كان الهومو أرغستر ( المعروف أيضا بالهومو أركتوس الأفريقي ) نوعا يبدو أنّه كان الأوّل فى المغامرة خارج أفريقيا على نطاق واسع و الأوّل فى النجاح فى تركيز نفسه فى تنوّع بيئات متباينة فى عدد من أنحاء العالم الأخرى . عندما ظهر نوعنا الخاص من الهومو سابينس فى أفريقيا قبل حوالي 200 ألف سنة ( على الأرجح خارج خطّ الهومو أرغستار / أركتوس أو على أي حال نوع هومينيد مشابه جدّا ) كان يملك قدرات معرفيّة متطوّرة حتى أكثر – المنطق الذهني – ( كما دلّلت على ذلك مثلا الأدوات الحجريّة التى كانت بشكل دال نتيجة رسممعقّد أكثر منتلك التى للهوموأرغستار / أركتوس ) . عند هذه النقطة قد طوّر الهومو سابينس تماما قدرات لغويّة إنسانيّة يمكنتمييزها ، تفاعلات إجتماعية و قدرة عامة على تغيير نفسه و العالم من حوله أكثر من خلال التغيّرات الثقافية الواعية منه نتيجة أي تطوّر بيولوجي جاري ( و تجدر الإشارة إلى أنّ حتى بعض الخطوط الإنسانيّة الأخرى إنحدرت من المهاجرين الهومو أركتوس السابقين مثل النيندرثال المعروفين بأنّهم كانوا قادرين على تطوير بعض الظواهر ذات الدلالة فى الثقافة الإنسانية ،مع شروع بعضهم فى دفن موتاهم بشكل طقوسي ، كمثال للذكر لا الحصر ) .
نوع واحد – عبر العالم بأسره
نوع يغيّر العالم تغييرا جذريّا
زمن شروع نوعنا الهومو سابينس المعاصر فى الإنتشار خارج أفريقيا قبل حوالي 50 ألف سنة ، كانت لديه مرونة سلوكيّة قائمة على البيولوجية و على مدى تنسيقه الإجتماعي فى تقريبا أيّ صنف من البيئات المادية و على التأقلم معها عبر الوسائل الثقافيّة ( مثلا ، مستعملا جلود الحيوانات و النار لدرء البرد ،محسّنا الرسوم و المواد فى صنع الأدوات المستخدمة فى حصاد النباتات الغذائيّة و صيد الحيوانات للحصول على لحمها إلخ ) . يملك الهومو سابينس الآن وسائل مراكمة المعرفة و نقلها بين المجموعات – و عبر الأجيال – منخلال كافة أشكال الوسائل الثقافيّة بما فيها الفنّ و الطقوس التى ظهرت حديثا . فى كلّ مكان ذهب إليه ، إنتهى إلى الحلول محلّ المجموعات الباقية من الأنواع الإنسانيّة القديمة التى كانت منحدرة من الهجرات الأسبق من أفريقيا والتى قام بها الهومو أركتوس .
منذ ظهورنا فى أفريقيا قبل حوالي 200 ألف سنة ، تصرّفنا لننتشر بسرعة تامة إلى كامل أنحاء الكوكب ، حتى بلوغ القارة الأمريكيّة عبر مضيق بيرنغ على الأقّل قبل 12 ألف سنة . إنطلقنا من أفريقيا كنوع واحد و مذّاك بقينا نوعا واحدا . ( أنظروا " جميعنا أتينا منأفريقيا " ) . لمينعزل و لا جيب واحد من الهومو سابينس المعاصرين أبدا حقّا فى التوالد عن بقيّة النوع ، لذا بإستمرار تتشابك جيناتنا مثلما حصل منذ جذورنا الأولى على القارة الأفريقية . و بصفة أكثر جوهريّة ، نوعنا – الذى يصنع اليوم الحواسيب و يكتسف أعماق المحيطات و يمضى بعيدا فى إكتشاف الفضاء – فى الأساس لم يتغيّر بيولوجيّا نسبة للهومو سابينس الذى خرج من أفريقيا فى تلك الموجة الثانية من الهجرة قبل حوالي 50 ألف سنة . و هذا ليس فقط لأنّ الأمر يتعلّق بمرور فترة زمنيّة قصيرة و الأنواع الفرديّة تنحو نحو " الإستقرار " النسبي طوال الكثير من فسحة الحياة ، و إنّما لأنّ النوع الذى " نسج " أجدادنا الهومينيد المتنوّعين تنوّعا ثريّا قبل 200 ألف سنة يملك قدرة غير مسبوقة على مواصلة التغيّر و إعادة تشكيل طرق حياته الخاصّة ، و تغيير أي مظهر من بيئته الخارجيّة من خلال الوسائل الثقافيّة . و تبيّن أنّهذا أمر لميستطع أن يُحقّق من خلال أي منالتطوّر البيولوجي الجاري . والأشخاص المسؤولين عن أوّل فنّ كهوف ما قبل التاريخ ، أولئك الذين غامروا أوّلا عبر مضيق بيرنغ ، أولئك الذين حافظوا على نمط حياة الصيد و التجميع لمائة ألف سنة أو أكثر ، أولئك الذين طوّروا الفلاحة قبل 10 آلاف سنة ، و الذين خلقوا مجتمعات متقدّمة تقنيّا فى فقط القرنين الأخيرين – كانوا جميعا فى الأساس نفس النوع الإنساني . ( أنظروا " ماذا يقول لنا علم التطوّر عن " الأعراق " البشريّة " ) . لم نشهد حقّا تغيّرات بيولوجيّة ذات دلالة ( لا مزيد من التوسّع فى الدماغ مثلا ) فى كلّ هذا الوقت – رغم أنّ التغيّرات التى أحدثناها فى كلّ مظهر من مظاهر العالم حولنا من خلال التغيّرات الإجتماعيّة والثقافيّة المطلقة عنوعي ، فى فقط بضعة عشرات آلاف السنين مذهلة ، هذا أقلّ ما يقال فيها .
نحن البشر طوّرنا قدرة غير مسبوقة على التعلّم المستمرّ للأشياء الجديدة ،و على البحث الواعي عن تغيير و تحويل العالم المادي بما فى ذلك المجتمع الإنساني ، و على نقل كمّية هائلة من المعلومات المراكمة من جيل إلى الجيل التالي عبر هذه الوسائط الثقافيّة غير الجنسيّة . هذا ما يسمح لنوعيّات ب " التغلّب " على المشاكل الجديدة و الفرص الجديدة التى يوفّره العالم الخارجي ( أو حتى الإخفاق فى القيام بذلك ! ) ، دون أن نعرف تغييرات بيولوجيّة هامة فى أجسادنا و دون أن نولّد أية أنواع جديدة . ( أنظروا " ألا يزال الإنسان يتطوّر ؟ " ) .
و مع ذلك ، لا يعنى هذا أنّنا لن ننقرض فى يوم ما : كلّ شكل خاص من المادّة فى النهاية يكفّ عن الوجود و الإنسان – على الأقل ما نعتقد أنّه الإنسان اليوم – بدوره فى النهاية سيكفّ عن الوجود . المسألة الحقيقيّة يمكن أن تصبح ما إذا كان إنقراض الإنسان سيحصل عاجلا أو آجلا ، و أي نوع من حياة الإنسان سنحيا من هنا إلأى ذلك الحين . هل نستطيع أن نستخدم بعض القدرات الهائلة لإدخال تغييرات إجتماعيّة و ثقافيّة لتجنّب دفع أنفسنا إلى الحافة عبر الحلرب والإضطهاد الإجتماعي و التحطيم البيئي الشمال ؟ الجواب على هذا السؤال فى أخر المطاف سيرتهن بنا .


هوامش الفصل السابع :
1- و بمقدورنا كذلك ( و يجب علينا ) أن نطبّق مناهج العلم المعاصر و تقنياته لكسب فهم أفضل لأشياء مثل لماذا خلق الإنسان الأديان فى المصاف الأوّل ، أو العديد ( على أنّه بالتأكيد ليس الجميع ) من الأفراد يواصلون الشعور ب " الحاجة " إلى دين .
2- مثلما ناقشنا سابقا فى هذا الكتاب ، الإنتقاء الطبيعي آليّة بسيطة نسبيّا : ملامح جديدة ( ممثّلة للتجديدات فى الشكل أو الوظيفة لم تحدث لدى الأجيال السابقة) يمكن أن تظهر فى أجهزة فرديّة ببساطة نتيجة لأنواع مختلفة من " تعديلات " التنوّع الجيني القابل للتوريث الذى كان حاضرا فى جيل" آبائهم "؛ عندما يحدث أن توفّر مثل هذه الملامح الجديدة للأفراد المتمتّعين بهذه الملامح ب " حافة توالد " نسبيّ للأفراد الذين لا يملكون هذه الملامح الجديدة ( ما يخوّل لهم إنتاج خلف / منحدرين نسبيّا بأعداد أوفر سيكونون بدورهم قادرين على البقاء و التوالد ) ، تقريبا بشكل طبيعي ، هذه الملامح الجديدة ستنتهى إلى العبور إلى قسم أكبر من الأفراد الذين يشكّلون المجموعة فى الأجيال التالية . بهذه الطريقة ، ستنزع هذه الملامح إلى الإنتشار عبر مجموعة كاملة من النباتات و الحيوانات .وهذا سيحدث آليّا ، طالما أنّ الملامح المعنيّة هي حقّا قابلة للتوريث ( يمكن أن تمرّ من الآباء إلى الأبناء من خلال التوالد ) و طالما أنّها توفّر حقّا للأفراد نوعا من الميزة التوالدية فإ،ّ الذين يملكون هذه الملامح الجديدة ينتهون فى المتوسّط إلى المساهمة بمزيد من الخلف / المنحدرين منهم فى الأجيال التالية أكثر من مساهمة الأشخاص الذين يملكون هذه الملامح .
3- لم يكن أبدا عند الكنيسة الكاثوليكيّة أي سجلّ جيّد لمّا يتّصل الأمر بالإعتراف بالتقدّم العلمي و تقديره حق قدره : عالم الفلك كوبرنيك أوّل من إقترح أنّ الأرض تدور حول الشمس ( عوض العكس ) فى القرن الخامس عشر . و نظريّته حينها أثبت العلم صحّتها من خلال عالم الفلك غاليلايو فى بدايات القرن 16 . و قد أغضبتها هذه الأدلّة العلميّة التى كشفت أخطاء الأنجيل ، رفضت الكنيسة الكاثوليكيّة القبول بهذه الأدلّة العلميّة و عوض ذلك عذّبت غاليلايو و قمعته على أنّه كافر إلى أن فرضوا عليه أن يتراجع ( يسحب ) نظريّة كوبرنيك . كان هذا فى 1633 . و البابا الكاثوليكي جون بول الثاني فى الأخير قام بجولة لإلقاء خطاب فيه إعترف بأنّ الكنيسة كانت على خطإ و بأنّ غاليلايو قد عانى ظلم الكنيسة . و لكن هذا لم يحصل إلى 1979 !!! و بينما بلغ الأمر بذلك البابا سنة 1996 بأن يعترف بأنّ نظريّة التطوّر " هي أكثر من مجرّدفرضيّة " ، فإنّ خلفه الحالي البابا بنديكت السادس عشر ، يوضح مرّة أخرى أنّ الكنيسة الكاثوليكيّة ترفض نظريّة التطوّر .
4- التأثير العام لهذه الفترات من " الركود النسبي " ( عندما لا تكون عديد الأنواع الجديدة قى أنتجت ) هو انّ الإنفجار الأوّلي لنشوء الأنواع فى النهاية " يشذب " و يتقلّص مع مرور الزمن ، على الأقلّ إلى نقطة أخيرة لمّا ظهر شيء ل " إثارة ط إنفجار آخر فى نشوء الأنواع – منتجا محصولا جديدا من الأنواع من خطّ صار ، بمعنى ما ، بالأحرى سكوني و مملّ من وجهة نظر تطوّريّة . تولى هذه الأيّام الكثير من الأهمّية العلمية لمحاولة الفهم فهما أفضل لمجرّد ما هي الملامح ( أو مزيج الملامح ) التى تحفّز على وتيسّر أو بطرق متنوّعة تساهم فى هكذا تغيّرات فى الإيقاع و التواتر الشاملين لنشوء أنواع فى خطوط خاصّة من النباتات والحيوانات ، أو حتى فى عديد الخطوط المختلفة فى ذات الوقت تقريبا . مع إحراز العلماء تقدّما فى مهمّة إعادة بناء الصورة البيئيّة الكلّية فى أزمان مختلفة من تاريخ الأرض و خاصّة فى أماكن جغرافيّة خاصة ( بما فى ذلكالقدرة على إعادة بناء ليس كيف كانت الأرض و كان المناخ و المظاهر البيئيّة الأخرى فحسب ، بل أيضا ما هي تشكيلة أنواع النباتات و الحيوانات التى شكّلت البيئة البيولوجيّة المحلّية ) ، وما يبدو طافحا على السطح هو أنّ هذه الفترات الخاصة من التوسّع فى نشوء الأنواع غالبا ما تكون مترابطة بفترات من الإستقرار أو إعادة الهيكلة النسبيّة للبيئات الماديّة و / أو البيولوجيّة التى عاشت فيها مختلف الأنواع . وعادة ما تؤدّى تغيّرات هامة فى الظروف البيئيّة الخارجيّة إلى إنقراض أنواع ، لكن كذلك يمكن أن تكون ظروفا مواتية لغريبي الأطوار من المجموعات المتنوّعة للحصول عقد أصبع القدم و إيجاد نوع جديد بملامح جديدة تتناغم أكثر مع الظروف الخارجية الجديدة .
5- بقدر ما تزداد معرفتنا بالهومينيد الأوائل المتنقّلين على قدمين ، بقدر ما يبدو على ألأرجح أنّهم قوواصلوا تمضية قسط كبير من الوقت متحرّكين بعدُ بين الأشجار ( و تقريبا من الأكيد أنّهم كانوا يرتاحون و ينامون على الأشجار ، بعيدا عن متناول عدّة حيوانات مفترسة ). لا زالوا يملكونعظام أيادي طويلة كالقردة المتأرجحة بين الأشجار ، و يظهر الآن أنّ التنقّل على قدمين ظهر أوّلا زمن كان كبير من القارة الأفريقيّة لا يزال مغطّى بغابات إستوائيّة لا إنقطاع فيها تقريبا . والفكرة القديمة القائلة بأنّ الهومينيد الأوائل المتنقّلين على قدمين تطوّروا زمن إنتشرت فيه إمتدادات شاسعة من سافانا المروج التى لا شجر بها فى أجزاء واسعة من أفريقيا ( و أنّ الإنتقاء الطبيعي يمكن أن يكون قد شجّع تنقّلهم منتصبي القامة إذ أنّه خوّل للأفراد أن يعبروا بصفة أسهل هذه المساحات المفتوحة ،و النظر من خلال الأعشاب الطويلة ، و البقاء على قيد الحياة بعيدا عن الأشجار لأيّام فى مرّة واحدة ) لم يعد بعدُ معتبرا ذات مصداقيّة كبرى ذلك أنّه تبيّن أنّ سكّان الأشجار ظلّوا كثيفي العدد فى الكثير من أنحاء أفريقيا زمنها. حقّا تطوّرت الأحزمة الشاسعة من سافانا المروج المفتوحة وبلا شجر نسبيّا غير أنّ هذا على ما يبدو حصُل تماما فى فترة لاحقة من ظهور الهومينيد الأوائل . و هناك مع ذلك دلائل على انّ التوسّعات التقليديّة للغابات الإستوائيّة التى لا تنقطع كانت على الأقّل بدأت فى التفكّك إلى مواطن أقلّ " إكتمالا " ( متكوّنة من " خليط " متنوّع من المناطق الغابيّة الكثيفة و الممتدّة و المتداخلة مع جيوب من مناطق سافانا غابيّة مفتوحة أكثر ) حوالي زمن تطوّر أوّل نوع متنقّل على قدمين .
تذكّروا طبعا أنّ التنقّل على قدمين لم يتطوّر بأي حال " بسبب " أيّة تغييرات بيئيّة خاصة – مثلما ناقشنا سابقا ، تغيّر بيئي بذاته و فى حدّ ذاته لا " يتسبّب " فى ظهور تجديد تطوّري لكن التجديد التطوّري الذى يحدث أن يظهر عبر تعديلات جينيّة عشوائية إلخ . و يرجّح أنّه يتمّ الحفاظ عليه و ينتشر ضمن مجموعة خلال عدد من الأجيال إذا حدث أن كانت هذه المجموعة تواجه بعض التغيّرات البيئيّة زمنها و إذا حدث أن تمكّن هذه التغيّرات التطوّريّة الجديدة الأفراد من بقاء أفضل على قيد الحياة و التوالد بشكل أفضل . و هكذا ، يمكن أنيكون الأفراد فى مجموعات حدث أن طوّرت وضع و تنقّل منتصبي القامة أكثر قد كسبوا ط حافة توالد " ببساطة من قدرتهم على تمضية على الأقلّ بعض الفترات الزمنيّة بعيدا عن الأشجار ، و التحرّك بأكثر سهولة إلى الأمام و الخلف بين الأشجار وجيوب المواطن المفتوحة أكثر نسبيّا التى طفقوا يطوّرونها . و هذا النوع من المرونة السلوكيّة الجديدة قد يكون إلى حدّ كبير قد سمح لها بإستغلال تشكيلة أوسع من الغذاء النباتي والموارد الأخرى فى رقع السافانا الغابيّة المختلطة و على " حافة " الغابات التقليديّة . و حتى إن كان الهومينيد الأوائل المتنقّلين على قدمين بعدُ يمضون قسطا كبيرا من الوقت بين الأشجار ، من الممكن أنّهم قد شرعوا فى مزيد نقل الغذاء بصورة روتينيّة من مكان إلى آخر ( بدلا من الأكل الدائم للغذاء فى الموقع ) بما فى ذلك على نطاق أوسع من المساكن المختلطة ؛ و إن كان الأمر كذلك ، فقد يكون قد أثّر تأثيرا كبيرا فى كلّ شيء من تغذيتهم الفرديّة إلى طبيعة تفاعلاتهم الإجتماعيّة ( مثلا ، إن كان الأفراد ضمن حتى نوع المتنقّلين الأوائل على قدمين قد أخذوا يحملون الغذاء من مناطق بعيدة ليتقاسموه مع آخرين فى المجموعة ).
فى كلّ الأحوال لا شكّ فى أنّ فى ذات الفترة العامة لمّا كان تنوّع فى أنواع القردة غير المتنقّلة على قدمين ينهار بحدّة ، ظهر التنقّل على قدمين و التنوّع لدى أنواع المتنقّلين على قدمين و بسرعة أخذ فى النموّ . و هذا بحدّ ذاته يفترض بالتأكيد بقوّة أنّ التنقّل على قدمين يجب أن يكون قد وفّر نوعا من ميزات التوالد المختلة فى البيئات الأفريقيّة المتغيّرة لتلك الفترة و بالتالي قد حفّز بقوّة الإنتقاء الطبيعي .
6 - للأسترالوبيثين " الأوائل " المتنقّلين على قدمين معدّل حجم الدماغ بحوالي 550 سم مكعّب وهو فقط أكبر بقليل من معدّل حجم دماغ الشنبنزي المعاصر ( حوالي 400 سم مكعّب ) لكن الهومينيد " الأخيرين " ، بمن فيهم أوّل ممثّلي جنسنا الهومو ، كان دماغهم أكبر بكثير " كان للهومو رودلفانسيس مثلا ، معدّل دماغ بدائرة 700 إلى 900 سم مكعّب – وهو ما يمثّل قرابة ضعف معدّل حجم دماغ الأسترالوبيثين – حتى و إن كانت أجسادهم لا تزال بعدُ صغيرة مثل سابقيهم من الأسترالوبيثين . و نموذج التطوّر الشائع لدى القردة مثل الشنبنزي هو بالنسبة للدماغ ضعف الحجم بين الولادة و الرشد عند الهومينيد بداية من الهومو أركتوس ( و كذلك عند الإنسان المعاصر ) معدّل حجم الدماغ تضاعف أكثر بثلاث مرّات بين الولادة و الرشد .
عند الإنسان المعاصر ، يولد الطفل بمعدّل حجم دماغ بحوالي 385 سممكعّب ، ويتضاعف تاليا فى السنة الأولى من الحياة فقط وفى النهاية ينمو إلى معدّل حوالي 1350 سم مكعّب .
7- نوع الأجداد المشتركين الذين يتقاسمهم كلّ من الهومو سابينس و الهومو نيندرثالنسس كانوا على الأرجح نسخة " متأخّرة " من الهومو أرغستار/ أركتوس المشار إليهم أحيانا ب " الهومو سابينس القديم".


إضافات إلى الفصل السابع :
(1) الإنسان و الديناصورات ؟! فكرة عبثيّة أخرى لأنصار فكر الخلق
نظرا لأنّ الإنجيل يقول إنّ الإلاه خلق كلّ الكائنات الحيّة بصفة منفصلة و فى نفس الوقت ، فإنّ الأصوليين المسيحيين سيفعلون أي شيء لمحاولة إنكار الأدلّة العلميّة الواضحة بأنّ مختلف الأنواع تطوّرت الواحد من الآخر و فى أوقات متباينة فى تاريخ 3,5 بليون سنة من الحياة على كوكب الأرض.
لقد أزعجتهم بصورة خاصّة أدلّة التطوّر التى لا يمكن دحضها بشأن الخطّ الإنساني و التى تشمل العديد و العديد من أنواع الأحافير لهومينيد مختلفين تنقّلوا منتصبي القامة كمرحلة بوضوح إنتقاليّة بين الأجداد القردة و الإنسان المعاصر . لا يستطيع أنصار فكر الخلق التعاطي مع هذه الأدلّة ، لذا عادة ما يلجؤون إلى قول إنّ الأسترولوبيثاسين الذين إنتقلوا منتصبي القامة الأولين هم " مجرّد قردة " ، و الهومينيند التالين مثل الهومو سابينس / الإنسان الماهر و الهومو أرغستر والهوموأركتوس إلخ – الذين لهم ملامح إنتقاليّة واضحة بين الأسترولوبيثاسين و الإنسان المعاصر – " يجب أن يكونوا مجرّد " خدع " ، و البقايا ألحفوريّة لنوعنا الراهن ، الهومو سابينس و التى تعود إلى أكثر من 100 ألف سنة ، هي بإعتراف الجميع الإنسان المعاصر لكن أنصار فكر الخلق يشدّدون على أنّه لا يمكن أن يكون عمرهم هو ذاك !


(2) الحمض النووي لدى الشنبنزي ولدى الإنسان : إلى أي مدى نتقارب ؟

إنطلاقا منسبعينات القرن العشرين ، إستخدمت مختلف فرق العلماء تقنيات البيولوجيا الذرّية لمقارنة بروتينات الحمض النووي فى دم الإنسان و الشنبنزي . و قد إكتشفوا قدرا متميّزا من التشابه بين الحمض النووي للشنبنزي و الإنسان على المستوى الكامن للذرّات . و غالبية العلماء العاملين فى المجال إستخلصوا بصفة متكرّرة نفس الأرقام الأساسية لحوالي 98.5 إلى 99 بالمائة من التشابه . و بما أنّه من المعروف أنّ بقدر ما تفصل مدّة زمنيّة أطول بين النوعين ، بقدر ما يراكم الحمض النووي الإختلافات ، كان من الممكن إنطلاقا من معطيات الحمض النووي حساب أنّ الشنبنزي المعاصر و الإنسان المعاصر لا يزالان يتقاسمان أجدادا مشتركين عند نقطة زمنية حدّدت تقريبا ب 5 مليون سنة. و هذه ليست فترة زمنيّة طويلة جدّا أبدا بالنظر إلى كون الحياة على الأرض أخذت فى التطوّر منذ 3.5 بليون سنة .
و فى المدّة الأخيرة ، كانت الصحافة تزخر بعناوين تعلن " الشنبنزي و الإنسان ليسا بالقرابة التى كان يُعتقد أنّهما عليها ! " قد يساعف هذا على بيع الجرائد غير أنّه لسوء الحظّ قد يضلّل كذلك بعض الناس و يستدرجهم إلى الإعتقاد بأنّ علماء البيولوجيا التطوّرية مختلفين الآن حول ما إذا كنّا بالفعل مرتبطين إرتباطا وثيقا عن قرب بالشنبنزي و تطوّرنا من أجداد مشتركين . لا وجود لمثل هذا الخلاف . العناوين لا تفعل سوى الإحالة على كون روي بريتان ، عالم بيولوجي لدى شركة كال تاك ، إستخدم تقنية جديدة لإعادة حساب بعض الإختلافات الذرّية بين الحمضالنووي للإنسان و للشنبنزي . لم يستعمل مجرّد التقسيم المتعارف عليه للإختلافات فى الحمض النووي المقاسة من خلال تعويضات ذرّية و كذلك تؤخذ فى حسابات كمّية ما يسمّى ب " إندالس" ( إدماج و فسخ ) أجزاء إضافيّة للحمض النووي التى يبدو أنّها تحصل بصفة خاصة فى أقسام من الحمض النووي يعتقد عموما أنّها " غير عملية " بهذه الطريقة الجديدة ( و دلالتها و صلوحيتها الشاملة يجب مزيد تقييمها ) لا يزال بريتان يتوصّل إلى رقم على الأقلّ 95 بالمائة من التشابه الجيني بين الإنسان و الشنبنزي ( مقارنة مثلا بالإنسان و أقربائه من الثدييّات الأبعد ، الفأر ،التى لديها مع الإنسان أقلّ من 60 بالمائة من الجينات المشتركة ) .
لذلك ، سواء فضّلتم رقم 95 بالمائة ، 89.5 بالمائة أو 99 بالمائة عندوصف علاقة القرابة الجينيّة للإنسان و الشنبنزي ، يظلّ مطلق الوضوح أنّ الإنسان و الشنبنزي هما فعلا أقرباء جدّا إلى أقصى حدّ ،و أنّ الشنبنزي يظلّ إلى حدّ بعيد أقرب أقربائنا ضمن الأنواع الحيّة راهنا ( نحن حتىّ أكثر قلرابة مع أنواع أجدادنا الهومينيد المتنوّعين ، لكنّهم جميعا إضمحلّوا الآن ) . و أشار روي بريتان ذاته إلى أنّ " قسما كبيرا من هذه 5 بالمائة من التحوّلات نسبيّا لا أهميّة له "و أضاف أنّ هذه الأرقام تواصل مساندة إستنتاج أنّ الخطّ الإنساني و خطّ الشنبنزي إنفصلا من أجداد مشتركين قبل حوالي 5 مليون سنة .


(3) هل كان توماي أحد أسلافنا ؟

يشمل مصطلح " الهومينيد " جميع الأنواع المعتبرة الأكثر قرابة للإنسان منه إلى الشنبنزي . نعلم علم اليقين ( بفضل دليل الحمض النووي الذرّي ) أنّ الهومينيد المتنقّل على قدمين و المنتصب القامة إنقسم قبل حوالي أكثر من 5 مليون سنة و خطّ القردة الأفريقيّة الذى أفرز أيضا الشنبنزي المعاصر . بفضل وفرة الأحافير ، لدينا أيضا قدرا لا بأس به من المعلومات عن نواع الهومينيد المنتصبة القامة الكثيرة ( و هناك الكثير منها ! ) عاشت فى أفريقيا بداية من قبل حوالي 3 إلى 4 مليون سنة . لكن الأحافير الأقدم من 4 مليون سنة أو حوالي 4 مليون سنة قليلة و متباعدة ، فى جزء منه لأنّ السكّان الهومينيد الأسبق المتنقّلين على قدمين بالضرورة قليلون و لأنّ الشروط البيئيّة زمنها كانت رطبة أكثر لا تؤدّى إلى تشكّل أحافير .
فى المدّة الأخيرة ، جرى إكتشاف جمجم شرقي أفريقيا و جنوبها عمرها 7 مليون سنة فى الصحراء ، بعيدا عن الأماكن العاديّة إكتشافات أحافير الهومينيد الأوائل . لقد وقع توصيفها ك سهلنتروبيس تشادنسيس و أطلق عليها إسم " توماي " . ميشال برونات و أخصّائيّون آخرون كذلك مقتنعون بأنّ توماي تنقّل واقفا بسبب بعض المعطيات عن مكان إرتباط عضلاته بجمجمته . إن كان هذا صحيحا ، سيمثّل توماي أقدم هومينيد متنقّل على قدمين عُثر عليه و يمكن تماما أن يكون أوّل نوع متنقّل على قدمين ينفصل عن خطّ أجداد القردة غير المتنقّلين على قدمين . و مع ذلك ، بعض العلماء يعبّر بعض العلماء حاليّا عن بعض الشكّ فى أنّ الهيكل العظمي لتوماي يدلّل قطعيّا على أنّه تنقّل واقفا كهومينيد قبل 3 إلى 4 مليون سنة . وحتى إنفعل يمكن أن يثبت أو لا يثبت أنّه خطّ الجدّ الإنساني المباشر ، كما يمكن أن يتبيّن أنّه تطوّر وفق فرع من عدّة " فروع " شجرة عائلة الهومينيد التى بلغت فى النهاية طريقا تطوّريّا مسدودا .
بغضّ النظر عن إذا كان العلماء مجمعون على إستنتاج أنّ توماي كان تنقّل على قدمين تماما أم لم يفعل، فإنّ هذا الإكتشاف هام بما فى ذلك لأنّه يوفّر دليلا على أنّه من الممكن ( و إن كان من الصعب ) إيجاد أحافير هومينيد عمرها أكثر من 5 ملايين سنة ، و أنّ على الأقلّ بعض هذه الأحافير يمكن أن توجد فى أماكن من أفريقيا بعيدا جدّا عن أماكن أفريقيا الشرقيّة و الجنوبيّة التى قد وفّرت أغلب بقايا الهومينيد .
(4) ميف ليكي تمسك بآخر إكتشافاتها للأحافير
تواصل عالمة الحفريّات ، ميف ليكي ، و توسّع الإرث المذهل لأسرة ليكي إذ كان لويس و ماري ليكي و أنسابها و زوجها رتشارد ليكي ، جميعهم ساهموا مساهمات كبرى فى إكتشافات الهومينيد و غيرها من الأحافير و فى تفكيك أحافير قصّة الجذور الإنسانيّة الأولى فى أفريقيا. لقد إكتشفت ميف ليكي بعدُ بعض الأنواع الجديدة عمرها 4 ملايين سنة ، أسترالوبثين أنامنسيس ( على ألرجح أجداد الأسترتلوبثين أفرنسيس ، المعروف عامة ب " لوسى " ) . ثمّ فى 1999 ، بمساعدة إبنتها لويس ، وجدت بعدُ أحافير أخرى لهيكل عظمي للهومينيد على ضفاف بحيرة تركانا فى كينيا . و أطلقت عليه إسم كينينتروبوس بلاتيوبس ( " الرجل ذو الوجه المسطّح بكينيا ) – و هكذا سمّي لأنّ وجهه أقلّ شبها بالقردة و أكثر شبها بالوجه المسطّح للإنسان و الذى يوجد غالبا فى أحافير الهومينيد اللاحقة . هذا بوضوح تام هومينيد سابق عاش قبل حوالي 3.5 مليون سنة ، فى حوالي ذات الفترة الزمنيّة للأسترالوبثين أفرنسيس ( " لوسي " ) و ليكي واثقة من أنّ بلاتيوس مختلف بما فيه الكفاية عن أفرنسيس ليسجّل ضمن جنس منفصل كلّيا . و سواء كان هذا النوع الخاص من الهومينيد مرشّح أفضل حتى لخطّ مباشر لأجداد الإنسان أم يتبيّن أنّه نوع جانبي أكثر ليس واضحا الآن . غير أنّه مثلما تشير ليكي ، ما هو وضاح تماما هو أنّ تطوّر التنقّل على قدمين قد أفرز منذ البداية تنوّعا و " إنفجارا فى الأنواع " وهو أمر لم يشهد تراجعا إلاّ لاحقا . و اليوم ، تقول ليكي إنّ نوع إنساننا النعاصر هو " النوع الباقي الوحيد و نحن غصين واحد صغير باقي من شجرة الماضي المعقّدة " ( " لقاء رجل كينيا " ناسيونال جيوغرافيك ، أكتوبر 2001 ).
(5) هل أن الهومو أركتوس أوّل أنواع الإنسان التى غادرت أفريقيا ؟
من المعروف جيّدا أنّ أفراد نوع الهومينيد الذين إستعملوا النار و صنعوا الأدوات ، المعروفين سواء كهومو أرغستار أو هومو أركتوس ، طفقوا يسافرون خارج أفريقيا بداية من تقريبا قبل مليوني سنة . و فى الأخير بلغوا حتى آسيا ( حيث أحافير المنحدرين منهم تشمل ما يسمّى برجل جافا و رجل بيكين ) و كذلك الشرق الأوسط و أوروبا ( حيث أحافير المنحدرين منهم يشار إليهم بالنيندرثال ) . كان هؤلاء بعدُ إنسانا " متقدما " ( يستعمل أدوات حجريّة متقدّمة نسبيّا ، مثلا ) لكنّهم لا ينتمون إلى نوع الهومو سابينس المعاصر تماما ، الذى يبدو أنه تطوّر من بقايا مجموعات هومو أرغستار فى أفريقيا بعد قليل – قبل حوالي 200 ألف سنة . و شرع الهوموسابينس ينتشرون خارج أفريقيا قبل حوالي 50 ألف سنة و فى الأخير إنتهوا إلى الحلول محل النيندرثال و المنحدرين الآخرين من نوع الهومو أركتوس عبر العالم قبل حوالي 35000 سنة .
نعرف معرفة يقينيّة أنّ الهومو أركتوس كان مهاجرا سابقا من أفريقيا ، لكن هل كان هو الأول ؟ حديثا عدد من أحافير الهومينيد المؤرّخ عمرها حوالي 1.7 و 1.8 مليون سنة إكتشفت فى بلاد جورجيا ( بين البحر الأسود و بحر قزوين ، قرب روسيا و تركيا و إيران ) . و ليس واضحا بعدُ إن كانت هذه الأحافير ( المشار إليها على نحو شائع بأحافير دمانيسى و حديثا أطلق عليها إسم هومو جيورجكوس ) يمكن ببساطة أن تنتمي إلى النوع المعروف جيّدا بنوع الهومو أركتوس أو أن تنتمي إلى أنواع حتى سابقة من أنواع الهومينيد . كانت لديهم جماجم صغيرة و وجوه شبيهة بوجوه الشنبنزي و كانوا يصنعون قواطعا و مكاشطا حجريّة بسيطة . وبطرق عدّة تبدو إنتقاليّة نوعا ما بين أنواع الهومو الأقدم مثل الهومو أبيبيس و الهومو رودولفنسيس ( الذين كانت لديهم أدوات حجريّة بسيطة قبل حوالي 2.4 مليون سنة لكن إلى الان على الأقّل ، لم يفكّر أبدا أنّهم غادروا أفريقيا ) و نوع الهومو أركتوس اللاحقين الذين كانوا أقرب إلى الإنسان المعاصر فى ملامحهم من ملامح أحافير دمانيسي و كانت لديهم أدوات حجريّة أكثر تقدّما و التى نعلم بشكل مأكّد أنّها هاجرت إلى آسيا و أوروبا بداية من قبل حوالي مليون سنة . قد تكون الملامح " الإنتقالية " لأحافير دمانيسي ( بين الهومو بيليس و الهومو أركتوس ) قد مضلّلة ، و قد يتبيّن فى الأخير أنّ هذه الأحافير أحافير هومو اركتوس أوائل . لكن من الممكن أن يُمثّلوا المنحدرين من بعض المهاجرين السابقين و أنّ الهومو أركتوس لك يكن الأوّل بالذات فى السفر إلى خارج أفريقيا .
و من المهمّ أنّ أحافير دمانيسي مترابطة بأحافير بعض الحيوانات الأفريقيّة الأخرى ( مثل النعام و الزرافات ذات العنق القصير ) : يمكن أن تكون التغيرات البيئيّة الواسعة النطاق قد شجّعت عددا من الأنواع على الهجرة حوالي ذلك الزمن . هومو أركتوس أومهما كان نوع الهومينيد الذى يتبيّن أنّهم ينتمون إليه ، يمكن أن يكونوا قد إتبعوا ببساطة بعض الحيوانات المهاجرة الأخرى إلى خارج أفريقيا . و لعلّ بعض العوامل المشابهة دفعت لاحقا نوعنا من الهومو سابينس إلى توسيع أفقه و الإنتشار إلى قارات أخرى و مثلما نعلم إنطلق ذلك قبل حوالي 50 ألف سنة . و بلا شكّ سنحصل على علم حول كلّ هذا مع ظهور مزيد الأدّلة العلمية .

6- جميعنا أتينا من أفريقيا
كيف نعرف هذا ؟ يعود الأمر إلى مزيج من الأسباب :
أوّلا ، يبيّن حمضنا النووي أنّ أقرب أقربائنا على قيد الحياة هو الأنواع الباقية من القردة الأفريقيّة الشنبنزي و الغوريلا الأفريقيين ) و ليس القردة الآسيويّة ( الأرغو كانس التى لسنا جدّ مرتبطين بها ) . و تبيّت " الساعة الذرّية " للحمضالنووي أنّ قبل تقريبا 5 ملايين سنة " إنشقّ " نوع من القردة الأفريقية إلى خطوط متباينة : من جهة ، خطّ أنتج فى النهاية الشنبنزي الأفريقي المعاصر ، و من جهة أخرى ، خطّ انتج فى النهاية الإنسان المعاصر .
ثانيا ، فقط فى أفريقيا أحافير أنواع الهومينيد التى لها من العمر أكثر من 3 ملايين سنة قد وجدت أبدا ( و هناك العديد منها ) . لذلكهناك إجماع عام ضمن العلماء الحرفيّات على أنّ كامل سيرورة تطوّر الإنسان قد بدأت فى أفريقيا .
ثالثا ، يجعل دليل الحمضالننوي مطلق الوضوح أنّ النوع الوحيد الباقي على قيد الحياة من خطّ الإنسان ( نوعنا المعاصر من الهومو سابينس ) نوع وحيد عبر العالم ، و أنّ أقدم أحافير نوعنا المعروفة – المأرّخة ب 100 ألف سنة أو أكثر – قد وُجدت كذلك فى أفريقيا . و لا تظهر أحافير الهومو سابينس المعاصر تشريحيّا خارج أفريقيا قبل 50 ألف سنة ، الزمن الذى كان فيه نوعنا قد بدأ الهجرة خارج تلك القارة .
و أخيرا ، بينما نعلم أنّ نوعنا الهومو سابينس قد تشابك على الأقلّ مع نوع أونوعين إنسانيين آخرين فى أجزاء من آسيا و الشرق الأوسط و أوروبا إلى مدّة متأخّرة قبل حوالي 35 ألف سنة ، فإنّ أدلّة الأحافير تشير إلى أنّ هذه الأنواع الأخرى تشريحيّا و ثقافيّا أشبه بأنواع الهومو أركتوس لما قبل مليون إلى مليوني سنة ( منهم يرجّح أنّهم إنحدروا ) . أكثر من الهومو سابينس المعاصر .
سؤال لا يزال يطرح أحيانا هو هل أنّ نوعنا الإنساني المعاصر الفريد نهائيّا قد تطوّر بداية فى أفريقيا ( و من ثمّة إنتشر إلى كافة أنحاء الكوكب )، أم هل يمكن أن يكون قد تطوّر فى جزءآخر من الكوكب ، مثلا كنسج لمجموعات هومو أركتوس أوروبيّة و آسيويّة – و ثمّ فقط لاحقا إنتشر إلى أفريقيا و إلى المناطق الأخرى من الكوكب .
و قد يفترض حتى أن الإنسان المعاصر يمكن أن يكون قد ظهر من نوع من الإلتقاء التطوّري و" مزيج" لإثنين أو ثلاثة من أنواع من أنواع الإنسان التى يرجّح انّها مترابطة عن قرب نحو مختلف أنحاء الكوكب قبل حوالي مليون سنة ( مثل الهومو أرغستار / أركتوس فى أفريقيا و الهومو أركتوس فى آسيا و الهومو نيندرثالنسيس فى الشرق الأوسط و أوروبا إلخ ) . و هذه المسمّاة " فرضيّة متعدّدة المناطق" التى لا تزال تقدّم أحيانا فى وسائل الإعلام ، تقترح أنّ هذه المجموعات كان بإمكانها فى آخر المطاف أن تعود إلى الإتصال مع بعضها البعض و تزاوج لتنتج الهومو سابينس المعاصر . لكن هكذا إفتراضات لا تقوم على قاعدة علمية راسخة . و بينما من الممكن تماما أن وُجدت بالفعل موجاة هجرة الهومينيد إلى خارج أفريقيا طوال حوالي المليون سنة الماضية ( لعلّ ذلك إنطلق مبكّرا مع الهومو أبيليس ) ، و بينما قد يكون وُجد قدر معيّن من الهجرة فى الإتجاهين ( مع عودة بعض المجموعات المهاجرة الأولى لاحقا إلى أفريقيا ) ، لا أدلّة تقترح أنّالنوع المعاصر للهومو سابينس تطوّر من أي من هذه المجموعات المهاجرة الأوائل أونتيجة أي نوع من التزاوج و" الإمتزاج " مع المجموعات التى إنحدرت منه . فكرة من هذا القبيل تمضى تماما ضد ما نفهمه عموما عن كيفيّة سير التطوّر . المجموعات البيولوجيّة التى تظلّ منعزلة فى عمليّة التوالد عن بعضها البعض لمئات آلاف السنين ( مثلما هو الحال على ألرجح مع تلك المجموعات من الهو مو أركتوس التى هاجرت قبلا ) لتراكم إختلافات جينيّة ذات دلالة فى ذلك القدر من الإمتداد الزمني و يرجّح أكثر أنّها لم تستطع أن تتزاوج و تتوالد ، حتى و إن عادت لاحقا إلى التواصل مع بعضها البعض ؛ و المجموعات البيولوجيّة التى صارت جغرافيّا وتوالديّا منعزلة عن بعضها البعض لفترة طويلة بما يكفى لتشكّل أنواعا جديدة لمتفعل ، فى نقطة زمنيّة لاحقة ، ثمّ شرع الكلّ فى التقاطع فى توجّه تطوّري وحيد ما أفرز من تجمّعهم تشكّل نوع جديد وحيد . ببساطة التطوّر لا يسير بتلك الطريقة . بالعكس ، ما هو المكان المشترك فى التطوّر البيولوجي هو أنّ نوعا جديدا يتطوّر فى مكان وحيد ، من مجموعة فرعيّة صغيرة ومنعزلة فى توالدها عن النوع الوالدلها ، و ثمّ تنتشر إلى مناطق جديدة . الدليل الذى يفارض بقوّة أنّ الهومو سابينس قد تطوّروا إنطلاقا من مجموعة صغيرة فى أفريقيا و فقط لاحقا إنتشروا إلى كافة أنحاء الكوكب تنسجم مع هذا النموذج المشترك لجذور النوع الجديد.
تقنيات البيولوجية الذرّية المعاصرة ، مطبّقة على تحليل الحمض النووي للمجموعات البشريّة المعاصرة، قد وفّرت المزيد من الأدلّة تدعم هذا الرأي الأخير . كلّ من تحليل ذرّة الحمض النووي الإنساني الواردة فى كافة الخلايا و الذى ساهم فيه كلا الأبوين ) و تحليل الحمض النووي الميتوكندريال الإنساني ( شكل من الحمض النووي الموجود فى خلايا العضلات المسمّاة ميتوكندري لكنّها تورّث من جيل إلى جيل فقط منخلال خطوط الأمّهات ) إلى جانب بعض الدراسات لتوزّع نماذج التنوّع الجيني الإنساني حول الكوكب ، قد توصّلت جميعها إلى الإستنتاج ذاته لنوعنا الإنساني المعاصر ، الهوموسابينس ، جذور أفريقية واحدة .
و بالفعل ، دليل الحمض النووي الميتوكوندري يفترض بقوّة أن كلّ البشر على قيد الحياة حاليّا ، منحدرون من مجموعة صغيرة واحدة ( و إن لم يكن فقط من إمرأة واحدة ، كما تشوّه الصحافة الأمر أحيانا ) عاشت فى أفريقيا قبل حوالي 150 ألف سنة . و الحسابات المبنيّة على تحليل ذرّة الحمض النووي تتوصّل إلى الإستنتاجات ذاتها . جينومنا الإنساني العام يحتوى على معلومات الحمض النووي التى تعود حتى بعيدا فى الزمن ، و بعض تركيبات الحمض النووي الإنسانية الخاصة الموجودة لدى بعض أسلافنا الذين ماتوا الآن ( ذات الطريقة الأساسيّة لإمكانيّة موت أسماء إنسانيّة عندما تكفّ بعض الخطوط عن إنتاج خلف / منحدرين منها ) . لكنّ حسابات ذرّة الحمض النووي تشير ليس فقط إلى أنّ أنواعا مثل النيندرثال لم تساهم فى مسبح جينات الإنسان المعاصر ( كاشفة ،مثىلا ، أنّ النيندرثال قد إنفصلوا عن خطّ الهومينيد الذين سيولد منهم لاحقا الهوموسابينس قبل حوالي 600 ألف سنة ) لكن كذلك أنّ كافة البشر الأحياء لا يزالون يحملون أقسام من الحمض النووي الميتوكندريكانت موجودة لدى فقط مجموعة صغيرة من الهومو سابينس التى عاشت فى منطقة جغرافيّة واحدة قبل 150 ألف سنة ، قبل بكثير من بداية هجرة الهومو سابينس خارج أفريقيا ( وهو أمر موثّق فى سجلّ الأحافير ) .


7- ماذا يقول لنا علم التطوّر عن " الأعراق " الإنسانيّة ؟

أهمّ شيء يُعلّمنا إيّاه التطوّر بشأن الأعراق هو أنّه ليس هناك مثل هذا الشيء كالأعراق الإنسانيّة المختلفة حقيقة بيولوجيّا ! ما نعتقد عامة أنّه " أعراق " مصنّفة محدّدة تاريخيّا و إجتماعيّة و ثقافيّا ؛ لكن هذه الأصناف لا تتناسب عمليّا مع أيّة تقسيمات " طبيعيّة "للنوع الإنساني .
لنكون واضحين : المفهوم الإجتماعي عن " العرق " يمكن ( و له ) بعدُ أن يكون له معنى إجتماعي هام لحياة الناس – يمكن مثلا ، أن يكون شكلا هاما للهويّة الثقافيّة لكلّ من المجموعات الإجتماعيّة المضطهَدة و المضطهِدة ( سواء فى إتجاه إجتماعي إيجابي ، كما فى شيء كحركة عزّة السود ، أو بإتجاه إجتماعي سلبي ، كما فى شيء مثل الكلوكلوكس كلان أو تفوّقيين بيض آخرين ) . و فوق ذلك المفهوم الإجتماعي للعرق لا يزال مستخدما الإضطهاد الإقتصادي و الإجتماعي و الثقافي و السياسي و للميز العنصري ضد مجموعات كاملة من الناس . لذا ، بوضوح ، النضال ضد العنصريّة و الإضطهاد القومي بعيد عن أن يكون إنتهى ، و النضال من أجل تحقيق " المساواة بين الأعراق " و من أجل التحرير الأصلي للمضطهَدين شيء لا يزال يحتاج لأن يُقاتل من أجله قتالا ملموسا . مهما كانت كيفيّة نظركم إلى الأمر ، الحال لم يصل بعدُ إلى " ما عاد موضوع العرق موضوعا مهمّا .
لكن مرّة أخرى ، لهذا صلة بالواقع الإجتماعي للعرق . من وجهة نظر بيولوجيّة ، مفهوم الأعراق المختلفة ضمن البشر مفهوم أساسا لا معنى له .
يمكن أن يفاجئ هذا عديد القراء لأنّ الكلّ قد كان محدّدا إجتماعيّا ليفكّر فى أنّ الناس الذين ينتمون إلى ما يفترض أنّها " أعراق " مختلفة إعتمادا على معدّل إختلافات فى ملامح سطحيّة كلون البشرة أو نوع الشعر . يعلم بعدُ العديد من الناس أنّ لا " عرق " بأيّة طريقة هو بالفطرة متفوّق أو أدنى لأيّ " عرق " آخر ؛ و قد يعلم بعدُ العديد من الناس أيضا أنّ كافة البشر ينتمون إلى نوع واحد ( نجتاز جميعنا " إختبار النوع الواحد " لأنّه لا مجموعة إنسانيّة قد توالدت أبدا بإنعزال تام عن بقيّة الإنسانيّة و المجموعات الإنسانية كافة يمكن أن تتزاوج و تزاوجت و أنجبت نسلا عبر الكوكب قاطبة ) . لكن ، بالرغم من كلّ هذا ، لا يزال عديد الناس بعدُ مخطئين فى إعتقادهم أنّ ما يسمّى ب " الأعراق " تتناسب مع نوع من الأصناف البيولوجيّة الطبيعيّة و يعتقد بعض الناس حتى فى أنّ الأعراق الإنسانيّة المختلفة شيء كالسلالات المختلفة للكلاب ! ما من شيء قد يكون أبعد من هذا عن الحقيقة . لا يهمّ مدى إختلاف الطرق الكثيرة التى تحاولون أنتقسموا بها الإنسانيّة و تصنّفوها وفق مثل هذه الإختلافات السطحيّة كلون البشرة أو نوع الشعر ( و بغضّ النظر عن إذا ما كنت تحاول أن تقسم الإنسانيّة إلى 5 أو 500 " صنف من " الأعراق " المتباينة إعتمادا على عدد الملامح التى إخترتوا التركيز عليها ) ، ستجد أنّه عندما تنحدر إلى مقارنة المجموعات الإنسانيّة على المستوى الكامن للذرّة و الجينات ، تتداعى كلّ هذه الأصناف العرقيّة المجدّدة إجتماعيّا و إصطناعيّا ! و يعزى هذا لأنواع و إلى قدر التنوّع الجيني الذى توجد معا ضمن و بين المجموعات الإنسانيّة المحلّة و لم يتناسب أبدا عمليّا تماما مع أي من التصنيفات الإجتماعية المحدّدة عادة بأنّها " أعراق " الإنسانية الكبرى .
لا يتعلّق الأمر بأنّه ليست هناك بعض النماذج من التنوّع الجيني بين البشر من سكّان المناطق – ببساطة الأمر هو أنّ النماذج الملاحظة للتنوّع الجيني تنحو نحو عبور جميع الخطوط المسمّاة ب " الأعراق " . مثلا ، التنوّع البيئي الموجود ضمن سكّان معيّنين فى قارة يمكن أن يكون أشبه بالذى يوجد ضمن سكّان نصف الطريق حول العالم منه بالذى يوجد ضمن السكّان المجاورين ؛ و من الواقع أنّه لا وجود لجينات فريدة ( أو " أليل " فريد أو شكل بديل من الجينات ) يمكن أن يستخدم للتمييز بوضوح بين " عرق " محدّدة إجتماعيّا و أخرى !
هناك ، طبعا ، بعض الإختلافات المتوسّطة المعروفة جيّدا فى صفوف سكّان مناطق جغرافيّة مختلفة من الكوكب ، بمعنى تواتر توزّع بعض الأليل الجينيّة مثل تلك التى توفّر مقاومة لبعض الأمراض ( كواقع أليل الهيموغلوبين التى يمكن أن تتسبّب فى مرض الخلايا المنجليّة لكنّها تحمى ضد مرض المالاريا الأكثر شيوعيّا وسط أنسا أسلافهم الحديثين نسبيّا أتوا من أجزاء من أفريقيا و آسيا أين تشكّل المالاريا مشكلا منتشرا – بيد أنّ حتى هذا المظهر ليس دائما مرتبطا بوضوح بما يجعل الناس ينزعون إلى التفكير فى أنّه " عرق ") . و مع ذلك ، بالأساس ، لغالبيّة الإختلافات التى يمكن التعرّف عليها بين المجموعات الواسعة من البشر ونوع الشعر : لن يُنكر أحد ، فى المتوسّط ، انّه عادة من اليسير تماما الحديث عن الإختلاف بين الناس فى بنتو و اليابانيين و المنحدرين من السويديين ،مثلا . لكن مجدّدا ،هذا فى المتوسّطو لا يوجد عمليّا أي شيء ك العضو " التنوذجي " لأي ممّا يسمّى ب " الأعراق " الإنسانيّة الكبرى فى أي مكان من الكوكب ، حتى فى ما يتّصل بالمظاهر السطحيّة كلون البشرة و الشعر أو نوع الجسد .
و على سبيل المثال ، يشمل " الأفارقة " كلّ لون بشرة و نوع جسد ممكن التصوّر ، بما في ذلك ليس كلّ طيف ممكن التصوّر من البشرة الداكنة فقط و إنّما أيضا أفارقة من شمال أفريقيا و مصريين يشبهون القوقازيين أو أناس الخواز ذوى البشرة الصفراء فى الجنوب . و القارة الأفريقية موطن ، فى نفس الوقت ، لأقصر فى المتوسّط و لأطول ، فى المتوسّط ، السكّان البشر على الكوكب ( البغماي و الماساي تباعا ) .
و كذلك ، يشمل " الأوروبيّون " ليس عدّة أناس شقر ذوى بشرة شاحبة كمتوسّاط الأسكندينافيين ، فقط ، لكن كذلك ، أناس ذوو بشرة سوداء بجنوب أوروبا و شرقها ، الذين يبدون غالبا أكثر شبها ببعض متوسّط سكّان شمال أفريقيا و الشرق الأوسط منهم مع متوسّطا اليوديين . و " الآسياويّون " أيضا لا يتناسبون و قالب جاهز وحيد : إنّهم يشملون مروحة واسعة من الناس بمن فيهم الأتراك و الهنود و اليابانيين ، و جميعهم يشمل كلّ لون بشرة و نوع جسم يمكن تصوّره .
أمّا بالنسبة إلى " اللاتينيين " أو " الأمريكيين اللاتينيين " فهم يتضمّنون أناسا ينحدرون من سلف فى جنوب الشيلي يبدون أشبه بالكنديين ذوى البشرة الشاحبة منهم إلى جيرانهم الهنودالأمريكيين ذوى البشرة البنّية و الذين يقطنون المناطق الإستوائيّة لأمريكا اللاتينيّة ، و كذلك عديد السود من الساحل الشرقي للبرازيل أو أمريكا الوسطى .
ومن هنا حيثما ولّيتم بوجوهكم ، ستجدون تنوّعا واسعا من ألوان البشرة و أنواع الأجساد ( بعضها يمكن تتبع خطّه إلى تأثيرات " مزج " الهجرات و الغزوات الأحدث ، لكن بعضها يبدو أنّه يعود فى الزمن بعيدا و مثل التواتر الأعلى فى اللون الداكن للبشرة فى المناطق الإستوائيّة و التواتر الأعلى للبشرة الشاحبة فى المناطق المعتدلة و الأركتيك ، يمكن أن تكون قد نشأت كتأقلم محلّى مع بعض الظروف البيئيّة المحلّية فى التاريخ الأولى للتوسّع الإنساني العالمي-أنظروا أدناه ). لكن اليوم التنوّع العام كبير إلى درجة أنّه لا معنى حقّا للحديث عن " أفريقي " نموذجي أو " أوروبي " نموذجي أو " آسيوي " نموذجي أو " أمريكي لاتيني " نموذجي ، حتى بمعنى تلك المظاهر الأكثر سطحيّة كلون البشرة .
و أهمّ من ذلك حتّى ، إن نظرتم نظرة أعمق إلى الذرّة الكامنة و التنوّع الجيني الموجود فى الحمض النووي لكلّ واحدة من المجموعات السكّانيّة الإنسانيّة المحلّية ، ستجدون أنّ هناك دائما أكثر تنوّع جيني عام بين الأفراد ضمن سكّان منطقة معيّنة منه ضمن أفراد من أيّة منطقتين جغرافيّتين ، او بين أيّة مجموعتين " عرقيّتين " محدّدتين إجتماعيّا ، فى أي مكان على الأرض . و بالفعل هناك الآن إجماع واسع فى صفوف علماء الحفريّات وعلماء البيولوجيا الذرّية وعلماء جينات السكان بأنّ مفهوم " الأعراق " البيولوجيّة عند البشر هو فى الأساس لا معنى له ، بما أنّ الكثير تماما من مجمل كمّية التنوّع الجيني الموجود لدى كامل النوع الإنساني يمكن أنيوجد داخل أيّة مجموعة سكّانيّة إنسانيّة محلّية فى كلّ مكان من الكوكب . مثلا ، كما يشير غالبا إلى ذلك عالم جينات السكّان رتشارد ليونتان ، إن إنقرض جميع الناس بإستثناء قبيلة كيكويو شرقي أفرقيا فقط ، فإنّ هذه القبيلة ستكون كافية للحفاظ على الأقلّ على 85 بالمائة من كامل التنوّع الجيني للنوع الإنساني ككلّ .
عرق بيولوجي حقيقي ( كذلك يسمّى عرق جغرافي أو نوع فرعي ) يتحدّد بأنّه مجموعة أفراد متنوّعة جينيّا يتزاوجون فيما بينهم لكنّهم يحافظون بإستمرار على قسم نسبيّ ( أو " تواتر نسبي " ) لبعض الأشكال الجينيّة الخاصة ( الأليل )التى هي مختلفة عن تلك التى توجد لدى مجموعات مننفس النوع تعيش فى منطقة جغرافيّة مختلفة . المجموعات الإنسانيّة المحلّية المتباينة تختلف أحيانا فى التواتر النسبيّ لبعض الأليل الجيني ( لتلك الجينات التى تأثّر فى أليل متعدّد ) . وعلى سبيل المثال ، بعض المجموعات الإنسانيّة المحلّية فى المتوسّط لها تواتر عامة أعلى أو أدنى من أصناف الدم : الألف ، الباء، الألف و الباء ، و الأو ؛ للبعض تواتر أعلى من آخرين فى الهيموغلوبين خلايا منجليّة أليل التى تحمى من الملاريا؛ و للبعض تواتر أعلى من المعدّل فى أليل يسهّل هضم الحليب من غالبيّة المجموعات الإنسانيّة التى هي قليلة الإحتمال لللكتوز كالكهول . لكن هذه الأنواع من الإختلافات السكّانيّة المناطقيّة المناسباتيّة فى نسبة الأليل الخاصةلا تتناسب أبدا حقّا و بجلاء أو صراحة مع ما يسمّى بالأصناف " العرقية " الكبرى . و مثلا ، الأمريكيّون ذوو الجذور الأفريقية الذين كان أسلافهم التاريخيّون يعيشون فى المقام الأوّل غربي أفريقيا و فى أنحاء أفريقيا أين إنتشرت الملاريا ، فى المتوسّط لهمتواتر أعلى من الأليل فى الهيموغلوبين الخاص الذى يمكن أن يتسبّب فى مرض الخلايا المنجليّة ( لكنّه أيضا يحمى من الملاريا ) أكثر من الأمريكان القوقازيين الذين عاش أسلافهم الأوروبيّون أساسا فى مناطق لم توجد فيها المالاريا . لكن فى المتوسّط ، تواتر الأليل أدنى من تواتره عند المجوعات الأفريقيّة التى لا تزال عادة معرّضة بصفة متكرّرة للمالاريا . و حتّى أهمّ من ذلك ، إن نظرتم أيضا إلى مختلف المجموعات المناطقيّة فى أفريقيا ذاتها ، ستجدون أنّه ضمن مختلف المجموعات السكّانيّة للسود جنوبي الصحراء ، هناك سكّان من مناطق جبليّة عالية ( حيث لا يستطيع الذباب الحامل للمالاريا العيش و بالتالى لا تشكّل المالاريا مشكلا ) ينحون نحو إمتلاك تواتر أدنى بكثير من أليل الخلايا المنجليّة التى تحمى من المالاريا من كلّ من السود الأمريكيين ذوى الأصول الأفريقيّة أو السكّان الأفارقة السود فى المناطق الإستوائيّة المنخفضة أين تشكّل المالاريا مشكلا كبيرا . و مع ذلك ، معظم الناس ينزعون لوضع جميع هؤلاء الناس بالذات ضمن نفس " العرق " .
مجدّدا ، من وجهة نظر بيولوجيّة ، لا وجود لشيء مثل " الأفريقي " النموذجي و " الأسود الأفريقي " النموذجي و " الأمريكي ذو الأصول الأفريقيّة " النموذجي أو " الأسود " النموذجي بالضبط كما لا يوجد " بيض " نموذجيّون و لا " آسيويّون "نموذجيّون و لا " أمريكيّون لاتينيّون " نموذجيّون . و الشيء نفسه يمكن أن يقال عن كلّ تصنيف عرقي آخر سعى الناس أبدا إلى تحديده إجتماعيّا .
و السبب فى أنّه لا وجود لأعراق إنسانيّة بسيط غاية البساطة . النوع الإنسانيالواحد والوحيد الراهن ( الهومو سابينس ) قد إنطلق وجوبا ( على غرار جميع الأنواع الجديدة ) فى البداية من مجموعة فرعيّة صغيرة تطوّرت من أنواع آباء سبقوه ( على الأرجح الهومو أرغستار ، النسخة الأفريقيّة من الهومو أركتوس ، أو بعض الأنواع المشابهة جدّا ) ؛ لكنّنا نعلم أيضا بفضل سجلّ الأحافير أنّ نوعنا الهومو سابينس الذى تطوّر تقريبا قبل 200 ألف سنة كان قادرا على الإنتشار إنتشارا كبيرا بداية من على الأقلّ 50 ألف سنة . لذا ، ضمن فترة زمنيّة قصيرة نسبيّا ( بالمعنى التطوّري ) لذا ، ضمن فترة زمنيّة قصيرة نسبيّا ( بالمعنى التطوّري ) إنتشرنا خارج أفريقيا و إلى أي مواطن و مناطق مناخيّة متصوّرة فى الشرق الأوسط و أوروبا و آسيا وأستراليا و حتى عابرين منشمال آسيا إلى القارة الأمريكيّة قبل حوالي 12 ألف سنة .
تفترض الأدلّة العلميّة أنّ نوعنا لم يشهد أيّة تغيّرات بيولوجيّة ذات دلالة حقيقة فى المائة ألف سنة الماضية . ما قد تغيّر كثيرا هو الثقافة الإنسانيّة ، قدرتنا على التطوّر ونقل و بإستمرار البناء على قاعدة المخازن المتزايدة من المعرفة و التجربة الإنسانيّتين اللتان نرثهما جيلا بعد جيل من خلال وسائط الثقافة اللاجينيّة ، و بالتالي أصبحنا النوع الأوّل على الأرض القادر على تغيير نفسه و تغيير محيطه ( بسرعة و دراميّا ) فى المقام الأوّل من خلال الوسائل الثقافيّة اللاجينيّة ، متجاوزين آليّة التطوّر البيولوجي الأبطأ و الأكثر تقييدا ( محدودية) .
و ذو أهمّية شاملة أكثر من أي تغيير جيني فى صفوف الأفراد ، ثمّة واقع أنّ المظاهر البيولوجيّة عينها التى جعلتنا مختلفين فى المصاف الأوّل – مزيج من التنقّل على قدمين تماما ( الذى حرّر أيدينا تحريرا أكثر تماسكا ) إلى جانب أهمّية فترة تطوّر الدماغ ما بعد الولادة ( التى جعلت من الممكن الحصول على قدر غير مسبوق من التعليم والتعلّم الإجتماعيين و ترافقت بالتنسيق و التواصل الإجتماعيين ) – وفّرت لنا قدرة غير مسبوقة على التأقلم مع كلّ نوع متصوّر من البيئة الأرضيّة من خلال تأقلم و تغييرات ثقافيّة بدلا من عبر سيرورات تطوّر بيولوجي أكثر تقييدا و بطأ .
و فضلا عن ذلك ، فقط فى بداية تاريخ نوعنا ( و فقط مؤقّتا ) إستطاع السكّان المحلّيون البقاء نوعا ما بعيدين عن بعضهم البعض لأيّة فترة زمنيّة مديدة . و بعض الإختلافات الصغرى فى أشياء مثل متوسّط لون بشرة السكّان ذوى أسلاف من مناطق مختلفة يمكن أن يعكس درجة التأقلم البيولوجي مع الظروف المحلّية فى بداية ذلك التاريخ . مثلا ، عبر كامل الكوكب ، السكّان المعاصرون ذوو الأسلاف الذين عاشوا فى المناطق الإستوائيّة التى تتعرّض إلى قدر كبير من أشعّة الشمس فوق البنفسجيّة ) ينزعون إلى أن تكون بشرتهم أدكن ( أكثر صبغة الميلانين ) من السكّان الذين عاش أسلافهم فى مناطق معتدلة أقرب إلى القطبين ( و التى تتعرّض إلى قدر أقلّ من أشعّة الشمس فوق البنفسجيّة ) . لقد إفتُرض أنّ ذلك يمكن أن يكوننتيجة تأقلم السكّان مع الظروف المحلّية لأنّ البشرة الأدكن تحمى منما تتسبّب فيه أشعّة الشمس فوق البنفسجيّة من تحطيم للحامض الفولك ( وهو مادة مغذّية هامة فو سنوات التوالد ، بما أنّه يمنع عيوب الولادة كالسنسنة المشقوقة بينما البشرة الأفتح تجعل من الأيسر إنتاج الفيتامين " د " ( وهو هام فى أيض الكلسيوم و التطوّر الصحّي للهيكل العظمي فى مناطق لها ضوء شمسي غير كافى ) . و من هنا من الممكن ( و إن لم يكن أكيد مطلقا ) أن متوسّط إختلافات لون البشرة لدى المجموعات الإنسانيّة الجغرافيّة المحلّية ظهرت من بداية تاريخيا نظرا لميزات توالد ألوان بشرة ختلفة فى مناطق لها كمّيات عامة مختلفة من ضوء الشمس. ( للمزيد عن هذا ، أنظروا مثلا مقال جابلونسكي و شابلين فى عدد أكتوبر 2002 من " الأمريكي العلمي " / " سينتيفيك أمركن " . )
لكن يظلّ الحال ، إلى درجة أكبر بكثير ، أنّ التنوّع الجيني القائم عند النوع الإنساني يمكنأويوجد فى التنوّع الذى يوجد فى صفوف أفراد أيّة مجموعة إنسانيّة خاصة . على المدى القصير نسبيّا من الزمن التطوّري منذ الظهور الأوّل للهومو سابينس ( قبل حوالي 200 ألف سنة ) لم تبقى أيّة مجموعة إنسانيّة أبدا منعزلة تماما فى توالدها ( منقطعة ) عن المجموعات الإنسانيّة الأخرى لأية فترة زمنيةّ طويلة ( العدد الكبير من الأجيال المتوالدة ) لتنشا إختلافات جينيّة هامة بما فيه الكفاية و تشرع فى التراكم بين السكّان و تحوّلهم إلى أعراق حقيقيّة مختلفة جغرافيّا .
بعض المجموعات تختلف فى التواترات الجينيّة النسبيّة التى تحدث بأشكال متنوّعة ( مثل تلك التى ترمّز أصناف الدم ) إلاّ أنّه ليس بوسعنا أن نستخلص " عرقا " من هذه لنماذج المتباية : و كما يشير إلى ذلك رتشارد ليونتان مجدّدا : " كيكويو شرق أفريقيا يختلفون عن اليابانيين فى التواتر الجيني بيد أنّهم يختلفون كذلك عن جيرانهم الماساي ... التحديدات الإجتماعية و التاريخية التى تضع قبيلتي شرق أفريقيا ضمن نفس " العرق " لكنّها تضع اليابانيين فى " عرق " مغاير كانت عبثيّة بيولوجيّا " ( ليونتان ، روز و كامين 1984 " ليس فى جيناتنا : البيولوجيا و الإيديولوجيا و طبيعة الإنسان " ).
لهذا حتّى فى الطبّ ( أين يمكن عمليّا عكس الإرث الأثني الفردي الظاهر لأجل عدم " تفويت " إختلافات تاريخيّة معيّنة فى قابليّة للأمراض كالخلايا المنجلية و ما إلى ذك ) المظهر الذاتي لل" عرق " يظلّ دون أهمّية فى اللمحة عن حياة الفرد و يمكن بالفعل أنيكون مضلّلا للغاية . على كلّ حال ، العائلات الفردية والتاريخ الشخصي و تحليل العوامل الإجتماعية التى تؤثّر بنسب متفاوتة فى صحّة مجموعات معيّنةمحدّدة إجتماعيّا ( مثل عديد تأثيرات الفقر على صحّة سكذان الغيتو ، أو تفشّى فوضى الأكل لدى مراهقين موسرين أفضل تنبّؤ بما يحتاجونه على الرجح من رعاية صحّية أكثر منه إلى تقييم ذاتي لصنف عرقي يبدو أن الفرد " يتناسب " معه .
من المهمّ تذكّر أنّه ،عبر تاريخ نوعنا ، هاجرت المجموعات الإنسانيّة بإستمرار إلى خارج مناطق مختلفة و بإستمرار متزاوجة و ضامنة تدفّق جيني لا ينقطع بين المجموعات وهذا يحصل فى النهاية عبر الكوكب برمّته . الهجرات على النطاق الضيّق و الأوسع قد ميّزت كامل تاريخنا كنوع ، وهي متواصلة إلى اليوم ، ضامنة كلّ من الوحدة البيولوجيّة وتواصل تبادل الثقافات و إثرائها ز
إنّ المساعي المقرفة و الجاهلة العاملة على الحفاظ على ما تفترض أنّه " نقاوة عرقيّة " ل"عرق " إزاء الأعراق الأخرى ( كتلك التى روّج لها النازيّون ، الأمم الآريّة ، و الكلو كلوكس كلان وتفوّقيّون عنصريّون آخرون ) هي ، ضمن أشياء أخرى ، عبثيّة حقيقة ، لا تملك أي نوع من القدم العلميّة تستند إليها ! تاركين جانبا واقع أنّ البيولوجيا يمكن بوضوح أنتثبت أنّه ليس هناك شيء كشعب " متفوّق " بالفطرة أو " أدنى " من " الأعراق " التى يعرفها العديد منّا – واقع أنّ ما يعتقد فيه التفوّقيّون على انّه أسوء كوابيسهم ( ما يسمّى " بالإختلاط العرقي " ) قد وقع بعدُ تجاوزه فى الأساس ! نحن الآن و كنّا على الدوام نوع عالمي واحد وحيد – متنوّع لكن بيولوجيّا لا يقبل القسمة .
-----------
[ و القرّاء الذين يهمّهم تحصيل مزيد المعلومات عن لماذا لا ينطبق مفهوم العرق البيولوجي على البشر و المواضيع المتصلة به قد يرغبون فى تفحّص خاصة :" ثياب الإمبراطور الجديدة : النظريّات البيولوجيّة عن العرق فى الألفيّة " لجوزاف غرافس ، و كذلك أقسام مفيدة من " تضليل فى قياس الإنسان " لستيفان جاي غولد و " ليس فى جيناتنا " لليونتان و روز و كامين ] .
=====================================================
8- ألا يزال الإنسان يتطوّر ؟
للإجابة على هذا السؤال من المهمّ أن نتذكّر الإختلاف بين آليّات التطوّر البيولوجي و آليّات التطوّر الثقافي .
نوع الإنسان ككلّ الإنواع الأخرى من النباتات و الحيوانات، يتشكّل من مجموعات من الإراد المتنوّعين. و جزء من هذا التنوّع جيني و بالتالي قابل للتوريث و عرضة ممكنةللأنتقاء الطبيعي . فمثلا ، إن كنت تحمل جينات التليّف الكيسي فى حمضك النووي ، ثمّة إمكانيّة أن تمرّره إلى أطفالك .
و مع ذلك ، قدر كبير من التنوّع الإنساني الفردي تنوّع ثقافي – إنّه نتاج للتعلّم الإنساني و التجربة الإجتماعية – و هذه الأشياء لا يمكن نقلها إلى الخلف من خلال التوالد البولوجي . هذا هو الحال مع أشياء كالشخصيّة و المكانة الإجتماعيّة مثلا : الناس الأغنياء يمكن أن " ينقلوا " الثروة و الإمتيازات لأطفالهم ( مقدّمين لهم المال و التعليم و الإمتيازات الإجتماعية إلخ ) إلاّ أنّه ليس لهذا صلة بأي من الجينات التى تمرّر عبر البويضات و المني . أو إن قال أناس إنّ طفلك " قد ورث " ضيق الخلق " من خاله أو حسّك الفكاهي ، من الممكن تماما أنّ طفلك تعلمّ هذه الأشياء من خلال المثال و التقليد لكن ليس لهذا صلة بالإرث البيولوجي والجينات المورّثة .
الجينات تصنع البروتينات – البروتينات الهامة لسير عديد أجزاء أجسدنا – لكن أشياء كالشخصيّة و الذكاء و المكانة الإجتماعية إلخ تأتى نتيجة لعدّة تجارب إجتماعيّة معقّدة و للتفاعل بين الأفراد و العالم الخارجي ، و هكذا أشياء ليست ببساطة مشفّرة فى جيناتنا . مقارنة بكافة الأنواع الأخرى على الأرض ، و منها كافة القردة الأخرى و عديد أنواع الهومينيد المختلفة التى مثّلت أحدث أسلافنا ن الشيء الذى جعلنا الأكثر إختلافا هو قدرتنا الأكبر على التعلّم و التعليم ، وعلى صنع أشياء لمتوجد أبدا قبلا ، و خلق طرق جديدة للتفاعل مع بعضنا البعض و مع البيئة ، و للتنظّم و التواصل ، و تغيير أنفسنا و الطبيعة و العالم الإجتماعي من حولنا – كلّ هذا دون أن نعرف أيّة تغيّرات بيولوجية .
أقرب أقربائنا كالشنبنزي بإمكانه أن يقوم بالكثير من الأشياء المشابهة إلى درجة معيّنة ( لديهم أشكال معقّدة من التعاون و التواصل الإجتماعيين ، و إستخدام الأدوات أو السلوكات الإجتماعية ) لكن لا شيء من هذا يقترب من ما يستطيع الإنسان القيام به . نوعنا الإنساني المعاصر هو أوّل نوع فى تاريخ التطوّر البيولوجي و " التطوّر " فى المقام الأوّل من خلال وسائل إجتماعيّة وثقافيّة لاجينيّة .
هذا ، فى جزء كبير منه ، ما يجعلنا إنسانا .
فى الواقع ، صار التطوّر الثقافي اللابيولوجي أكثر أهمّية من التطوّر البيولوجي فى التأثير على التغييرات لدى الناس و كيفية بقائهم على قيد الحياة ، و عدد النسل الذى يبقونه ، لها عموما صلة صغيرة أو لا صلة لها بأيّة مظاهر مميّزة أو معرقلة يمكن للتنوّع الجيني والآليّات الجينيّة أن يفرزاه . أن يقتلك مرض أو لا يقتلك ، فى غالبيّة الأحيان أمر متّصل صلة كبرى بما إذا تحصّلت على لقاح أو مضاد حيوي أو معالجة طبّية أخرى – أو ربّاما فقط ماء نظيف و غذاء طازج – منها بأي تنوّع جيني يكون لديك نسبة للأفراد الآخرين . و عدد المنحدرين منك الذين ستبقيهم على الأرجح ضمن الأجيال التالية متّصل أكثر بالعوامل الإجتماعيّة ( الفقر أو الثراء النسبيّين و الحصول على الموارد ؛ و العادات و التقاليد و النظرات و الممارسات المتعلّقة بالتحكّم فى الولادات و مكانة المرأة ؛ و الهيكل الاقتصادي و التنظيم الإجتماعي و التشجيع على العائلات الكبيرة العدد أو الصغيرة العدد ؛ و تأثيرات الدين و عوامل إيديولوجيّة أخرى ، و ما إلى ذلك ) ثمّ له صلة بملامح يمكن أن تورّثها عبر المادة الجينيّة و السيرورات الجينيّة .
فى حوالي المائة ألف سنة الماضية ، أجسادنا ( بما فيها أدمغتنا ) يبدو من العسير أنّها قد شهدت تغييرا و بذات الأجساد الأساسية بيولوجيّا مضينا من ثقافة الأدوات الحجرية إلى القدرة على معالجة عدّة أمراض و إكتشاف ( من خلال إستعمال التكنولوجيا ) لأنحاء بعيدة من الكون .
من جديد تحقّق كلّ هذا فى المقام الأوّل من خلال التطوّر الثقافي و ليس البيولوجي ، رغم أن بيولوجيتنا ذاتها هي التى جعلت هذا ممكنا فى المصاف الأوّل .
لذا ، هل توقّف التطوّر البيولوجي توقّفا تاما عند نوع الإنسان ؟ لا ، ليس تماما ، لكتّه توقّف تقريبا . المجموعات الإنسانيّة لا تزال متشكّلة من أفراد متباينين جينيّا ( لسنا نسخ الواحد للآخر ) و التواتر النسبي للأليل المعيّن ( شكال الجينات ) فى أي مكان معطى لا يزال قادرا على التأثّر من جيل إلى جيل بفعل التعديلات الجينيّة المتواصلة المتحقّقة من خلال التوالد الجنسيّ أوحتى بأشياء مثل التغيّرات الجينيّة المناسباتيّة ، أو الإنعطافات فى التواتر الجيني إعتبارا لعوامل عشوائيّة كوفاة الأفراد أو هجرات الأفراد إلى منطقة أو خارجها . ( مع ذلك ، هذه الأصناف من العوامل العشوائيّة التى يمكن أن تكون لها آثار كبرى على التشكّل الجيني العام لخاصّة مجموعات صغيرة ومنعزلة لدى أنواع أخرى ،تنحو لأن تكون تبعات لا أهمّية لها فى فرز الجينات لدى الإنسان ، ببساطة لأنّ المجموعات الإنسانيّة لم تنعزل أبدا بشكل تام فى توالدها عنبعضها البعض و هناك بالفعل تدفّق جيني مستمرّ ضمنها ).
و كما هو الحال لدى الأنواع الأخرى ، إن ورث أفراد من البشر بعض التنوّع الجيني فإنّ ذلك يوفّر لهم بعض المظاهر المؤدّية لنوع من الميزة التوالديّة ( سامحا لهم بإنتاج المزيد من الأطفال الذين يمكن أن يتوالدوا هم ذاتهم بنجاح ، من أفراد ليست لهم هذه الملامح القابلة للتوريث ) و إن تكرّرت هذه السيرورة طوال عدد من الأجيال المتتالية ، لا يزال ممكنا لبعض التغيّرات التطوّرية على النطاق الضيّق ( فى علاقة بمقاومة مرض ، مثلا ) أن تصبح ظاهرة فى صفوف مجموعات إنسانيّة محلّية .
لكنّ عمليّا هذا النوع من الأشياء نادر جدّا ، لأنّ معظم التغيّرات التى لا تزال تحدث من خلال التعديل الجيني عند الإنسان ، لا تأثّر تأثير له دلالته فى عدد المنحدرين الذين ينتهى الأفراد إلى المساهمة بهم فى الأجيال القادمة . وكما رأينا ، فى الأوقات المعاصرة ، عدد المنحدرين الذين يستطيع إنسان فرد أن يساهم بهم فى الأجيال التالية له صلة ضعيفة بأي نوع بيولوجي من " قدرة التوالد " و علاقة أكبر بكثير بالعلاقات افجتماعية و الثقافيّة و التقاليد و الفرص النسبيّة – أشياء مثل ما إذا كان للناس أو لم يكن لهم ما يكفيهم من الأكل ، و النظرات المتّصلة بكيف و متى ومع من يجب أو لا يجب التوالد ، وقدرتنا على منع و التعافي من العديد من الأمراض التى كانت سابقا تحول دون التوالد إلخ .
كلّ هذه الأنواع من الأشياء اليوم لها تأثير أكبر بكثير على توالد الإنسان من أيّة مظاهر جديدة يمكن أن تنتج عن التعديل الجيني العشوائي للحمض النووي . و بالفعل ، حتى العودة إلى ماضي بعيد من الوجود الإنساني ، قدرة الإنسان على تغيير نفسه و عالمنا من خلال الوسائل الثقافيّة، لزمن طويل الآن ، إلى هذا الحدّ فاقت آثار أي تطوّر بيولوجي بأنّه لا دليل على أنّ أجسادنا قد عرفت أية إعادة تنظيم بيولوجي له دلالته حقّا من خلال الإنتقاء متّجها فى أي إتجاه محدّد جيّدا فى ماضي المائة ألف سنة !
على نطاق ضيّق ، لا يزال من الممكن بعدُ أن نجد أدلّة حديثة وحاليّة عن تطوير مجموعات إنسانيّة أشياء مثل المقاومة المختلفة للأمراض . عديد للأمراض الإنسانيّة الراهنة ( بما فيها العديد من السرطانات ) ليس فى الأساس عرضة للإنتقاء الطبيعي البيولوجي لسبب بسيط هو أنّها إمّا لا تأثّر تأثيرا له دلالته على قدرة شخص على التوالد بطريقة أو أخرى ، أو لأنّها تنحو إلى إجابة الناس بالأساس فى سنواتهم الأخيرة ، بعد أن يكون الكثير منهم بعدُ قد أنجبوا أطفالا . و من الجهة الأخرى ، تستطيع مجموعات إنسانيّة كاملة أحيانا أن تدمّر بسرعة عندما خاصّة الأمراض المميتة تصيب عديد الناس مرّة واحدة ، خاصة إن كان هذا يشمل أعدادا كبيرة من الشباب فى سنوات توالدهم الأولى . فقط قبل بضعة مئات السنوات دمّر المستعمِرون الأوروبيّون مجموعات بأكملها فى شمال وجنوب أمريكا بإدخال مرض الجُدري ( أحيانا عمدا ! ) فى صفوف السكّان الهنود الأمريكيين الذين لم يتعرّضوا قبلا أبدا لهذا المرض الأوروبي . زمنها كان سكّان أوروبا قد تعرّضوا للجدري لمئات السنوات ، و جيلا بعد جيل ، قد طوّروا على الأقلّ جزئيّا مناعة لهذا المرض . نظرا لهذا عموما حصلوا على الكثير من حالات الجدري المعتدل وغالبا ما تمكّنوا من البقاء على قيد الحياة . و بالعكس ، السكّان الهنود الأمريكيّون الذين لم يتعرّضوا قط قبلا للجدري و بالتالى لم يكن لديهم بعدُ الوقت لتطوير أيّة درجة من المناعة ، أصيبوا بالمرض بقوّة تامة عبر كافة الأعمار و تقريبا قضي عليهم ( عامل ساهم مساهمة هامة فى هزيمتهم العسكريّة على أيدى الأوروبيين ).
ليس من العسير أن نتصوّر اليوم أنّ أية فرصة تغيير يمكن أن توفّر مقاومة لشيء مثل فيروس نقص المناعة ( الذى يقتل العديد من الناس ، قبل حتى أن يقدروا على إتجاب أطفال ) يمكن أن يمدّ جذوره وينتشر عبر الأجيال فى أفريقيا و أنحاء أخرى من العالم يدمّرها بوجه خاص هذا المرض . مثل هذا التغيّر يبدو حاضرا بعدُ عند نسبة مئويّة صغيرة من القوقازيين الأوروبيين و يعتقد أنّه قد تركّز عبر الإنتقاء الطبيعي قبل بضعة مئات السنوات خلال وباء الطاعون الدبلي للقرون الوسطى ، حيث يمكن أنيكون فى الأصل حماهم ضد ذلك المرض . و مثل هذه الحالات مهمّة و تدع مفتوحة إمكانيّة أن تقدر بعدُ نوعنا على معرفة تطوّر بيولوجي على الأقلّ بأشكال محدودة ، لا سيما فى علاقة بأشياء كالأمراض المميتة التى تأثّر فى وتقتل عددا كبيرا من الشباب قبل أو أثناء سنوات التوالد الأوّلى ، و بالتالي عادة بالإجمال تمنع أو تحدّد بشدّة قدرتهم على إنجاب الأطفال فى مثل هذه الأوضاع يستطيع الإنتقاء الطبيعي على الأرجح أن يساعد على تركيز و إنتشار عبر الأجيال لأيّ تغيّر جيني جديد يمكن أن يمدّ حتى بنموّ جزئيّ فى مقاومة هذا المرض ، بما أنّالناس ذوى هكذا تغيير يرجّح أنّهم سيعيشوا أكثر بكثير طويلا بما يكفى لإنجاب أطفال ، بعضهم سيحملون هم أنفسهم التغير و بالتالى سيقدرون على تمريره إلى مزيد من الأجيال .
لكن حتى مع مثل هذه الأمراض المدمّرة ، من البديهي أن ما إستطاعت الإنسانيّة أن تنجزه من خلال التغيرات الإجتماعية و الثقافيّة أكبر بكثير – و أسرع بكثير – من أي شيء ربّما أنجزه الإنتقاء الطبيعي الضعيف نسبيّا فى هذا اليوم و العصر . و على سبيل المثال ، سبب لماذا مرض الأيدز اليوم فى مستويات طاعون لدى عديد الأمم الأفريقيّة و لماذا يموت ملايين الأفارقة بسرعة بسبب مرض الأيدز فى سنّ الشباب ( بينما على الأقلّ بعض الناس يقدرون على " التعايش " مع فيروس نقص المنتعة لفترات أطول ضمن الأمم المصنّعة ) له صلة وثقى بتأثيرات الفقر و العلاقات اللامتكافئة و إستغلال النظام الإمبريالي عبر العالم ، مع حجب غير معقول للأدوية و العلاجات العصريّة الضروريّة من قبل الشركات الصيدليّة العالمية التى يحكمها الربح ، و مع السياسات الإجراميّة للحكومة الأمريكية المتأثّرة بالأصوليين المسيحيين ( التى ترفض تمويل تربية جنسيّة قائمة على غير الإمتناع و ممارسة الجنس و برامج التحكّم فى الولادات التى يمكن أن تساعد على توقّف إنتشار الأمراض المتنقّلة جنسيّا ) أكثر من أي شيء لع صلة بالتطوّر البيولوجي . و الحلّ الجوهري لهذه المشاكل لا صلة له بالتطوّر البيولوجي أيضا !
تطوّر نوعنا الخاص من أنواع هومينيد سبقوه فى الوجود – لذا هل سنسج أبدا نوعا جديد تماما ؟
على الأرجح ، لا . و السبب متّصل ، قبل كلّ شيء ، بكلّ ما سبق قوله عن كيف أنّ الوسائل الثقافيّة و الإجتماعيّة لتغيير أنفسنا و عالمنا الخارجي قد فاق إلى درجة كبيرة أي شيء يمكن أن ينجز عبر التطوّر البيولوجي الطبيعي ( رغم أنّ ما قد ينتهى إلى فعله بيولوجيّا نوعنا من خلال أشياء كالهندسة الجينية يظلّ مسألة مفتوحة ).
و إضافة إلى ذلك ، من المهمّ تذكّر أنّ علامة نوع جديد تتطوّر عموما من مجموعة فرعيّة صغيرة منعزلة فى توالدها عن النوع الوالد . و دون هذه الفترة من الإنعزال المطلق فى التوالد ، متجاوزة عددا هاما من الأجيال المتوالدة ، من غير الممكن لتغيّرات جينيّة هامة أن تحدث و أن تميّز بما فيه الكفاية مجموعة جديدة عن مجموعة سلفها و تجعل من غير الممكن لها مرّة أخرى أن تتزاوج وتعود إلى الإختلاط فى نوع واحد. لكن مثل هذا الإنعزال فى التوالد ليس ببساطة سيقع مع البشر على هذا الكوكب – نحن عند هذه النقطة نوع واحد وحيد متحرّك بدرجة عالية و منتشر عالميّا . نقطن كلّ ركن من أركان الأرض و كلّ المواطن و هناك تدفّق جيني مستمرّ ضمن المجموعات الإنسانيّة . ببساطة من غير الممكن عند هذه النقطة لأيّة مجموعة إنسانيّة على هذا الكوكب أن تصبح منقطعة تماما توالديّا عن بقيّة الإنسانيّة طوال مدّة طويلة يتطلّبها شروع حتى مجموعة فى التمايز كنوع جديد ( حتى إن كانت العوامل الثقافيّة المشار إليها سابقا لم تخرّب السيرورة على كلّ حال ).
أعتقد أنّه إن إستعملت أبدا مجموعة إنسانيّة صغيرة جزء بعيد من الكون ، و تمكّنت من البقاء نوعا ما هناك منعزلة تماما عنالإنسانيّة على الأرض لعديد و عديد الأجيال ( كيف يمكن ذلك ؟ ) ،عندئذ يمكن أن نتصوّر حدوث قدر معيّن من التمايز التطوّري البيولوجي و حتى حينها ، مع ذلك ، خصوصيّات الوراثة الجينيّة الفرديّ’ لنتلعب على الأرجح لدرجة كبيرة دورا رئيسيّا فى تحديد تشكّل الأجيال التالية . أن يكون التمايز كافيا لمنع مستمرّ لتزاوج مستقبلي ناجح لمستعمري الفضاء مع سكّان الأرض أسلافهم ( التحديد البيولوجي للنشوء التام للأنواع ) يظلّ على الأرجح مرتهنا فى المقام الأوّل بالإختلافات الثقافيّة و الإجتماعيّة اللاجينية ، بما فيها كيف تتعاطى المجتمعات المستقبليّة مع مسائل كالهندسة الجينيّة و ما إذا كانوا أم لا حتى يتوالدون بعدُ بيولوجيّا بالطرق التى إعتدناها نحن .
آليّأت التطوّر البيولوجي قد أنتجت جميع الأنواع الحيّة على الأرض طوال حوالي 3.5 بليون سنة ، و مطلقا ما من شكّ هناك فى أنّ نوعنا الخاص قد أنتجته هذه السيرورة الطبيعيّة . و كبقيّة الأنواع الحيّة الأخرى ، نوعنا الخاص سينقرض فى يوم ما ، بشكل أو آخر ، لكن بين اليوم وحينها بلا شكّ سنغيّر عنوعي أنفسنا و العالم المحيط بنا بطرق بالكاد نستطيع الآن تصوّرها .
==================================================







اخر الافلام

.. #الفن في خدمة التغيير.. عروض فنية وسط الاحتجاجات الشعبية في


.. الحكومة البريطانية تشن حربا إلكترونية على جماعات اليمين المت


.. -عزم-.. حركة شبابية لتأطير الحراك الشعبي بالجزائر




.. تواصل المظاهرات الحاشدة في الجمعة الخامسة للحراك الشعبي بالج


.. اشتباكات بين قوات الشرطة ومتظاهرين في الجمعة الخامسة لاحتجاج