الحوار المتمدن - موبايل



الإستلاب الجمالي

سعود سالم

2018 / 8 / 14
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


لا نحب الأشياء لأنها جميلة، ولكن الأشياء جميلة لأننا نحبها.
ذكرنا في مقال سابق أن الأشياء ليست جميلة في ذاتها، ولكنها جميلة لأننا نحبها ونرغب فيها ونستمتع بها. وذلك ما ذهب إليه أيضا ديفيد هيوم David Hume الفيلسوف الإسكتلندي في القرن الثامن عشر 1711 - 1776عندما أقرّ : "إن الجمال ليس خاصية ملازمة للأشياء في حد ذاتها، فهو يوجد فقط في الذهن الذي يتأملها، وكل ذهن يدرك جمالا مغايرا". ويرجع هيوم إحساس الجمال إلى إحساس اللذة : "إن اللذة والألم ليسا فقط المرافقين الضروريين للجمال والقبح، بل هما ماهيتهما". لكن هذه المقاربة لا تؤدي بالضرورة إلى نسبية مطلقة في الحكم بالجمال عن عمل ما، ذلك أن هيوم ذاته يستحضر التربية والثقافة والتعود والخبرة ووحدة ما يسمى بـ "الطبيعة البشرية" ليبرر نوعا من الاتفاق الجماعي الذي يبدو سائدا حول الأشياء التي نحكم عليها بالجمال. وكانط نفى مثل هيوم، في "نقد ملكة الحكم" وجود قاعدة أو معيار مطلق للجمال، غير أنه يفصل بينه وبين اللذة، فالجمال ليس ضروريا بالنسبة للذة، ولا اللذة ضرورية بالنسبة للجمال. ثم إنه يضيف كون كل حكم جمالي ينطوي على طموح الكونية والكلية والموضوعية والشمول، فالجميل هو "ما يعجب كونيا دون مفهوم"، والجمال عنده هو "إحساس نزيه بـ"الانشراح والحبور" عند الإستمتاع بأي عمل فني وجمالي. غير أن هذا التفسير لا يتعلق بما يسمى الفن، وإنما بظاهرة الجمال عموما ومنها الجمال الطبيعي إن صح القول. أما الفن فهو ظاهرة إنسانية ومن عمل البشر، وبذلك فهو بالضرورة ظاهرة سياسية واجتماعية وإقتصادية جماعية، لها مؤسساتها ومتخصصيها وشيوخها ومعابدها. وبما أن الأشياء في ذاتها ليست سوى أشياء، فإن الأشياء الفنية بدورها تكون جميلة وفنية لأننا نحبها ونقتنيها ـ عفوا يقتنوها ـ بمبالغ باهضة، وهذا ما يجعلها تأخذ مشروعية العمل الفني وتدخل في محراب المتاحف الكبرى. المواطن العادي يمكن أن يحكم على لوحة ما بأنها جميلة وتعجبه ويعلقها في صالونه ليراها الأهل والأصدقاء، ولكنه لا يستطيع أن يحكم بكونها عمل فني أم لا، إلا إذا كانت له شهادة رسمية بهذا الخصوص، والشهادة تأتي -عادة- من المكان الذي أشترى منه هذا العمل،وكذلك ثمن القطعة المعنية وإسم وشهرة الفنان الذي أبدعها. فأية لوحة أو أي شيء في الحقيقة تشتريها من صالات العرضGallery المشهورة في نيورك، بروكسل أو فرانكفورت أو أية عاصمة أوربية أخرى هو عمل فني بالضرورة، حتى ولو كان هذا العمل مجرد لوحة بيضاء، أو مضروبة وممزقة في وسطها بسكين ( من أعمال Lucio Fontana )، أو مجرد عجلة دراجة صدئة أو "مبولة" اشتراها Marcel Duchamp في سوق الخردوات. فالمؤسسات الفنية، تشكل ما يشبه سلطة مركزية مطلقة تعطي المشروعية أو عدم المشروعية للإنتماء لعالم الفن المغلق. وتتمثل هذه السلطة في وزارات الثقافة والإدارات المتخصصة في الفنون التشكيلية وأصحاب صالات العرض وكذلك المؤسسات العالمية المتخصصة في بيع الأعمال الفنية بالمزاد العلني مثل سوثبيز Sotheby’s وصالة كريستيرChristie s، والمتاحف العالمية الكبرى، والمعارض العالمية المخصصة للشخصيات الفنية المشهورة، وكذلك والبيينالات Biennale d art المتعددة في العواصم العالمية الكبرى للفن المعاصر. وقد تعود المواطن العادي أن يرتاد الأماكن المتخصصة في عرض الفنون بكل أشكالها، صالات العرض، المتاحف والمراكز الثقافية المختلفة، المسارح بمختلف ألوانها وأشكالها، صالات الموسيقى والأوبرا، لكي يتمتع ويشاهد ويكون على إتصال بالفن، وذلك بطبيعة الحال حسب ميزانيته وإمكانياته الإقتصادية. وبجانب هذا النوع من الفن الرسمي والمعبر عن الطبقة البرجوازية العليا، هناك الفن الشعبي، الأقل درجة في التراتب وهوو فن الفقراء أو الهواة amateurs في مقابل فن المحترفين professionnels. وهذا الفن الشعبي يتمثل في المهرجانات الموسيقية الصغيرة وفي الحفلات الموسيقية في المدن الصغيرة والأحياء الفقيرة في المدن الكبرى، وفي المعارض الفنية في بيوت الثقافة والمراكز الثقافية للأحياء التي تقع عادة خارج حدود المدن الكبرى وعلى هامشها. وهو ما يسمى عموما بالنشاط الثقافي، ويدخل تحت ما يمكن تسميته بصناعة الترفيه l industrie des loisirs أو التسلية والترفيه entertainment، مثله مثل الرياضة ككرة القدم والأتعاب الأولمبية، وذلك لإلهاء المواطن وتعميته وسلبه قوة التفكير والإبداع الذاتي.
في ١٢ يناير ٢٠٠٧ قامت جريدة الواشنطن بوست ‏The Washington Post بتجربة فريدة من نوعها تدخل في إطار علم علم النفس السلوكي psychologie comportementale بخصوص الإدراك والتذوق الفني والأوليات التي تتحكم في تصرفات الفرد وسلوكه. فطلبت من أحد الموسيقيين المشهورين، جوشوا بل Joshua Bell بالعزف، دون أن يعلن عن نفسه مقطوعات موسيقية عالمية في أنفاق إحدى محطات المترو في مدينة واشنطن في محاولة لمعرفة درجة الإدراك الحسي والتذوق الفني عند المواطن العادي، المنتمي للطبقة البرجوازية المتعلمة، في بيئة عامة مزدحمة وفي وقت غير ملائم. ذلك أن الوقت من ذهب كما يقال، كما الأعباء أن الاقتصادية وإلتزامات العمل والسرعة التي نعيشها، جعلت أغلب الناس تفقد القدرة على الخروج من زحمة الحياة اليومية والتوقف ولو للحظات قصيرة للنظر إلى لوحة فنية أو للاستماع إلى مقطوعة موسيقية جميلة، بل أن الأسطورة تذهب إلى حد القول بأن بعض سكان نيويورك لا يعرفون لون السماء. بالإضافة إلى ما سبق قوله من الإستلاب الفني والجمالي حيث أن المواطن لا يتوقع أن يرى عملا فنيا - حقيقيا - في الشارع أو في محطات المترو. وللموضوع بقية
++







اخر الافلام

.. هواوي تكشف عن ساعة Watch GT


.. آرسين فينغر يكشف موعد عودته إلى التدريب


.. رئيس الوزراء العراقي يعلن تشكيل الحكومة الإثنين المقبل




.. شركة هندية توقف استيراد النفط الإيراني


.. وصول نادر.. تقرير لـ -سي أن أن- من أراضي الروهينغا