الحوار المتمدن - موبايل



قراءة في المجموعة القصصية -الحصان- للأديبة سميحة المناسترلي..

السيد إبراهيم أحمد

2018 / 8 / 17
الادب والفن


لا يستطيع الناقد أو القارئ لمجموعة "الحصان" القصصية أن يفصل الأديبة سميحة المناسترلي عنها وذلك باقتصار النظر على موضوع السرد منفصلا عن ذات صاحبته، ذلك أن المبدعة في حالتنا هذه تجمع في إهابها الكثير من الفنون التي تعكس أشعتها على كل القصص التي تضمها المجموعة؛ فهي الإعلامية التي تعد وتقدم برامج تليفزيونية، وهي الصحفية، والروائية، والباحثة وهو ما يدل عليه إنتاجها الذي يتناول الشئون الداخلية السياسية أو الخارجية لبلدها، منها: "الثورات العربية بين الوهم والحقيقة"، "مصر إلى أين ؟!"، "الحكومات وتفشي العشوائيات"، "إلَّا مصر"، كما قدمت روايتين، هما: "الخدعة الإسرائيلية في العيد الأضحى"، و"عندما تتهاوى القيم"، ومجموعة قصصية سابقة على "الحصان" بعنوان "شيزوفرينيا بريئة".

تتجلى ثقافة واهتمامات الكاتبة في تناولها للعديد من الموضوعات التي تتصل اتصالا وثيقًا بالقيم المجتمعية من خلال رصدها سواء في جانبها السلبي أو الإيجابي، وهو ما يكاد يشكل عمودها الفقري الفكري عبر أغلب مشروعها القصصي والروائي الذي تغذيه مقالاتها وحلقاتها التليفزيونية وكتبها التي تغوص في أعماق المجتمع المصري بكافة أطيافه ومناطقه، تستخرج منه قصصها التي لا تصنعها بقدر ما تفرزها وتخرجها للنور بعد أن تصب عليها منطلقاتها الفكرية والثقافية ونظرتها النقدية الفاحصة للجوانب الإنسانية الظاهرة والخفية، دون أن تفرض على شخصياتها مقولاتها أو مفاهيمها بشكل موجه أو مؤدلج، وهو ما يحسب لها.

تأتي افتتاحيات مجموعة "الحصان" في اتكائها على الأفعال الماضية في أغلبها ثم المضارعة ثم أفعال المقاربة وهي التي تبعث الحركة والحيوية في النص السردي، وكذلك استخدامها لأسلوب الاستفهام والبوح أو المناجاة وكلها تصب في حرص الكاتبة أن تُدخِل القارئ في عالمها القصصي دون تقدمة أو تهيئة وهي أمر يتصل بثقافتها السينمائية والصحفية من خلال معايشة الحدث واكتشافه عبر التوغل في السرد، وهو ما كان له مردوده القوي في الإقبال على مواصلة الكشف وتقصي الأحداث التي ستتوالى مع مزيد من التقدم في اقتحام السطور.

غالبا ما يكون لأسماء الشخصيات في قصص المجموعة مدلولات عند الأديبة سميحة المناسترلي وأنها توليها عناية في انتقائها بحيث تتشابك مع الأحداث، وهو الأمر الحادث أيضًا في تعاملها مع العنوان وخاصة عندما يتصل ببطل القصة باعتباره عتبة النص ومبلور أحداثها كما أنه هو الذي يجبر كاتبته أن تحققه في سردها وإلا عُدَّ هذا تدليسًا منها، ويكفي للدلالة على هذا قصة "هادي" فالمَعْنِي به الشخصية المحورية للعمل غير أنه يصبح إسقاطا على الصديق "حسام" ذلك الذي هداه لاكتشاف سر حبيبته المخادعة، وقد أطلقت اسم "عبد القوي" على والد أحمد بطل قصة "الكبسولة السحرية" لأنه لا يلجأ لتناول الدواء إلا فيما ندر، وحين أطلقت اسم "أونيست" على الحصان بمعنى يتصل بالشرف والأمانة، كما يكون العنوان صفة لازمة للبطل، مثل قصص: الثعلب، وطرح البحر، والإرهابي، والراقصة، وقرص الشمس، وسمسار بنات.

تشكل "الرمزية" و"المكان" دلالتهما في البناء المعماري السردي في مجموعة "الحصان"، وللمكان أهميته بطبيعة الحال في مورفولوجية القصة القصيرة، غير أن الأديبة سميحة المناسترلي تجعل العلاقة منطقية وفي توازي بين البطل وبين المكان ولا أدل على ذلك من قصصها: "طرح البحر" و"شذوذ" و"ورقة طلاق"؛ ففي الأخيرة تجعل الأمطار أو زخاتها تهبط مُكونةً بركة متسخة تتهاوى فيها ركبتا البطل، أما الرمزية فتتمثل في سقوط الأمطار التي تغسله وتفجر فيه ينبوع الطهارة التي تنتشله من وهدة الأثم وتمثلها البركة المتسخة، بينما تقيم في "طرح البحر" علاقة "عبد الله" بالبحر منذ سنوات مكانًا، ورمزيةً في احتضانه لكلب صغيرٍ ضال يشاركه التشرد.

أما في "شذوذ" فتجعل الكاتبة العلاقة مكانية ورمزية في آن من حيث نظرة البطل إلى أسفل وهو ما يتطابق مع حالته النفسية والجنسية، وتجعلها مكانية تصاعدية معانقة للون الذي يتمازج بشكل رأسي مع تصاعد الأحداث تبعا لحالته من الانتقال بين الانقباض والانشراح؛ فهو ينظر إلى السجادة المتواجدة أمامه في بداية الحدث، ثم ينظر إلى نفس البقعة من السجادة التي تمثل وردة حمراء متداخلا معها ألوان متضاربة عندما يتذكر لعبه مع فتيات الحي، ثم تنقلت عينه بين الألوان القائمة المتدرجة وذلك حين أبعدته أمه عن مساعدتها كالبنات، ثم وقع نظره على ألوان رمادية وصفراء متداخلة في صخب، وألوان صارخة فاقعة تثير الأعصاب بطرف السجادة وذلك عند وصوله إلى نقطة التحول الكبيرة في حياته بسفره للخارج تخلصا من عاره كما أراد الوالد، وجعلت الكاتب البقعة عند طرف السجادة بما يفيد الانتقال من حافة الإقامة إلى حافة الاغتراب.

ويمثل الخندق في القصة الموسومة بنفس الاسم "الوطن" في رمزية أرادتَها الكاتبة ليكون هو المحضن للوحدة الوطنية في وقت الأزمات من حروب وغيرها، وكذلك في وقت البناء ليكون التماسك بين أبناء الوطن الواحد، على اختلاف عقائدهم، هو العاصم من الانكسار والهزيمة وذلك عبر جنديين مصريين مسلم ومسيحي امتدت حياتهما بالتجاور والدراسة واللعب والموت.

لا تصب الكاتبة سميحة المناسترلي كل الأوصاف التي تتعلق بشخوص أبطال نصوصها في أول طريق القارئ كعبء تتخلص منه، بل ترشرشها على مسافات متقاربة ومتباعدة أحيانًا سواء أكان الأمر متعلقًا بعلاقات وثيقة بين شخصيات العمل، أو بالصفات الجسدية، أو المراحل العمرية، أو ما يتعلق بنوعية الحياة من ماديات وتعليم ومناصب وخلافه وذلك حتى تضمن عين القارئ وعقله في ولوعه باستكمال مواصفات الشخصية، والأدلة على ذلك مبثوثة في قصص المجموعة، كما تكثر من ذكر أسماء الشخوص الرئيسية والثانوية على تفاوت في ذلك.

تنفرد قصة "الحصان" التي تتسمى المجموعة باسمها بخلوها من أسماء الشخوص الرئيسية "السيد وزوجته"؛ فقد استطاعت الكاتبة أن تبدل الشخصيتين الثانويتين بالرئيستين وتمنحهما الأسماء وهما "الحصان" و"السايس" لتجعلهما على طرفي النقيض والمفارقة معًا بين "الحيوان" و"الإنسان"، وبين صفتي الوفاء والغدر؛ فقد استأثر الحيوان بصفة الوفاء وطَمِعَ الإنسان في صفة الغدر فحازها "السايس والزوجة"، وكان هذا مقصودًا من الكاتبة بالطبع لتبيين الفارق النوعي.

تتصف قصص مجموعة الحصان بالتماسك في قوامها من حيث البناء المحكم، والعبارة المقصودة، والصفة المتعمدة، والحبكة المنطقية التي تتصاعد لتصل إلى نهايات منطقية لا تقفز على الأحداث أو الشخصيات، كما لا تسهب الكاتبة في الوصف الممل الذي تتصف به بعض الكتابات النسائية وهو الذي عصم النصوص من الترهل حيث اتسعت المساحة طولا وقصرًا بحسب موضوع العمل، ولا تترك الكاتبة شيئًا لسقطة درامية، بوعيٍ منها، فتبدأ بجملة: (ارتدى الدكتور العريس قناع الغبطة) في مفتتح قصة "ختان" لتصنع المفارقة المخجلة حين يتمسك هو بالعادة ويرمي بالعلم جانبا ويفرض على العروس اجراء عملية الختان بعيدًا عن القرية. كما تبين في آخر سطر من قصة "هادي" كيف اجتمع الصديقان في اختيارهما على فتاة واحدة ولم يكتشف الصديق ذلك؟! لتقول: (والذي لم يتخيل بدوره أن "ناني" هي نفسها نادية حبيبة هادي).

كان نَفَس الكاتبة سميحة المناسترلي هادئًا، وسلسًا من حيث الاستعمال اللغوي، مع جمال ورشاقة العبارات وبلاغة الوصف الذي يتفق والسياق، وهو ما تجلى في لجوئها إلى استخدام الكثير من تقنيات القصة من: الاسترجاع، وأغلبه بين المثير والاستجابة، والاستباق، والتداعي، والحلم، والكابوس، والمونولوج الداخلي والخارجي، والمعادل الموضوعي في إظهار المتناقضات الاجتماعية، والسلوكيات الإنسانية، وتضاد القيم، ولم تتعسف في الانتشاء بإطلاق صفة "الذكورية" على المجتمع بل زاوجت في السلبيات والإيجابيات بين الرجل والمرأة ولم تتهم أو تبرئ أحدهما بل كانت محايدة تماما، وأجادت اللعب بتقنية كسر البديهية، وإعادة الترتيب الزمني.

تعمدت الكاتبة إحالة بعض نهايات قصصها إلى ما يُعرف بالنهاية المفتوحة وذلك لتثير القضية بين القارئ وعقله في اختيار النهاية التي يراها مناسبة من وجهة نظره وما يتفق وعلمه ومعتقده وتعليمه ومكانته الاجتماعية والبيئية كما في قصة "شذوذ" التي لم تقطع فيها برأي وأنهتها: (مناولاً ـ أي الجراح ـ عاطف كارتًا باسم متخصص نفسي .. ساعده على اتخاذ القرار). بينما تركت، في قصصٍ أخرى، القرار للبطل ليحدد مصيره، وهو الغالب، وتدخلتْ في البعض بيد العدالة الإلهية التي لم تُرد أن تُحيَّدها أو تُخرجها من الواقع المشاهد مخالفة بذلك رأي من يرى أن العدالة في الأرض مفقودة وإذا حدثت فهي عدالة شعرية من صنع الكاتب نفسه.

تتميز الكاتبة بنظريتها الشمولية الواعية في محاولة جرد وإحصاء القضايا الرئيسية التي يعج بها المجتمع، كما تتميز كذلك بتحليلاتها التفصيلية والجزئية لمكوناتها ومن ثم التعامل معها من منظور قصصي يجسد المشكلة وبواعثها ومن ثم التعامل مع أطرافها وصولا إلى طرح الحلول، إن أمكنها ذلك، وليس مهمتها بالطبع لكنها على الأقل تحاول، وقد رصدت هذه القضايا الهامة عبر مجموعتها، ومنها: الكسب الحرام، الهجرة غير الشرعية، زنا المحارم، عمليات التحويل الجنسي، الخيانة الزوجية، الإرهاب، الختان، افتقاد الأطفال للرعاية الأسرية، الأقراص المخدرة، تجارة الأعضاء البشرية، الوحدة الوطنية، زواج القاصرات، الزواج العرفي، عقوق الوالدين.

لقد نجحت القاصة والروائية سميحة المناسترلي عبر مجموعتها التي ضمت أربعًا وعشرين قصَّة في أن تتعامل مع المجتمع بمختلف أطيافه، وطبقاته، ومناطقه الجغرافية، وقطاعاته الديموغرافية، وسلبياته التي لم تعمل قط على تجميلها أو التهوين منها، بل بينتها وواجهتها ودقت أجراس الخطر للتنبيه على تفاقمها، وأشارت ببنان الاهتمام لتجعلها مسئولية أمام المجتمع كافة لمواجهتها، ودللتْ على الإيجابيات دون أن تهتف لها أو تحض عليها وإن سلطت الأضواء حولها، وذلك حتى لا تقع في براثن التقريرية والمباشرة أو القصة الصحفية الموجهة، وهو ما يحسب لها ولهذا العمل الماتع الرائع الذي أبحرت فيه واستمتعتُ به قارئًا قبل أن أكون ناقدا.







اخر الافلام

.. تعرف على رضا فضل.. فنان يرسم بفمه وقدميه


.. الشروق| «البروفة».. المسرحية الثانية لفريق 1980 وانت طالع عل


.. هذه الأداة وراء أصوات أفلام الرعب المفضلة لديك




.. روسيا وجهة طلاب العالم لدراسة المسرح ورقص الباليه


.. أفلام بدقيقة واحدة عن حقوق الإنسان في مهرجان -موبايل فيلم في