الحوار المتمدن - موبايل



عن الصورة الفوتوغرافية

سعود سالم

2018 / 8 / 22
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


الكل يعرف أن الصورة الفوتوغرافية هي مجرد تقنية تسمح بخلق صورة مطابقة وممثلة للشيء الذي يدخل في حقل العدسة ونصوره. وهذه التقنية البسيطة التي ترتكز أساسا على خصاص الموجات الضوئية أصبحت اليوم ركيزة من ركائز الحضارة الصناعية الرأسمالية. فـ "الصورة" الفوتوغرافية تعتبر اليوم من المكونات الأساسية للحضارة، مثلها مثل الكلمة، الطاقة، الصناعة، الثقافة، السياسة، إلخ .. لا يمكن تخيل حياتنا اليومية بدون أن نلتقي بعشرات الصور المختلفة والمتباينة لدرجة أننا لم نعد نعي وجود هذه الصور التي تشكل نوعا من التلوث البصري الذي يمنعنا من رؤية الحقيقة الواقعية. فالإنسان منذ أن يستيقظ من نومه فإنه بعد أن يتذكر ويستعرض الصور التي كانت تكون أحلامه ليلة البارحة، ثم يلتقي بصورته هو شخصيا في المرآة أثناء الإستحمام والتزين أو الحلاقة ـ هذا إذا لم نكن من قبائل بني داعش بطبيعة الحال - حت يجد نفسه غارقا في عالم الصور التي تحيط به من كل جانب. حيث تتواجد الصور المتعددة في كل أنحاء البيت إبتداء من التلفزيون والتلفون والكمبيتر، إلى علب الصابون ومعجون الأسنان،إلى علب الأكل والشراب مثل الحليب وعصير الفواكه والبقرة الضاحكة، حيث لا يوجد أي منتوج صناعي دون أن يكون مصاحبا بصورة ما. فنحن نعيش اليوم في بداية القرن الواحد والعشرين، وهوعصر تحتل فيه الصورة مكان الصدارة في جميع جوانب الحياة اليومية، سياسيا وفنيا واجتماعيا وإقتصاديا، كالمجلات والجرائد والسينما والكتب والتلفزيون والفيديو والتلفون والمسرح والتصوير والاعلان الخ. الصورة هي البديل عن الواقع وعن وجوده المادي، ولابد ان هذا التضخم الصوري يؤثر بطريقة او باخرى على ادراكنا الحسي، ويغير في طريقتنا في رؤية العالم والاحساس به والتعامل معه. والذي اقترح تسمية هذه التقنية بهذا الإسم "photography " هو العالم البريطاني John Herschel وذلك منذ سنة ١٨٣٩. وهي كلمة مركبة من الكلمة اليونانية φωτoς - photos أي الضوء، ومن كلمة لاحقة هي "γραφειν - graphein" أي رسم أو تخطيط وكتابة. فالفوتوغرافيا، هي تقنية الرسم بالضوء. أما في العربية فكلمة "صورة" تعين الصورة الفوتوغرافية والصورة بمعناها العام والواسع Image, Picture. ولاشك في أنه هناك من يبالغ في أهمية الصورة الفوتوغرافية وتأثيرها الحقيقي أو المفترض عن الحياة الواقعية، سواء كان ذلك في الجانب السياسي، الإجتماعي أو الفردي. رغم أنه منذ بداية التصوير فطن بعض المصلحين والتقدميين إلى إمكانية إستعمالها كسلاح دعائي، مثل الصحفي والمصور Jacob Riis الذي كان يصور الأحياء الفقيرة وحياة الأطفال المزرية في نيويورك منذ سنة ١٨٨٠، وذلك لمحاولة إثارة إنتباه الدولة والمؤسسات الرسمية إلى الإهنمام بهذه الشرائح المهمشة من المجتمع. لابد لنا من التساؤل، في لحظة ما، عن ماهية الصورة، بغض النظر عن الجانب المادي الذي يسمح بظهرها، كالورق أو الأجهزة الإلكترونية المختلفة، أي التساؤل عن الفرق بين الكرسي الخشبي المادي، وبين صورة هذا الكرسي، وكذلك عن الفرق بين هذين الكرسيين وبين كلمة كرسي. فالكرسي أو التفاحة مجرد أمثلة مجازية، الذي يهمنا حقا هو ما الفرق بين أن نعيش في غزة مثلا، نسمع دوي قصف الطائرات الإسرائيلية ونشم رائحة دخان القنابل وندرك بجميع حواسنا ما يسمى بالحرب، الجثت المحترقة المشتتة والبيوت المهدمة والرعب في عيون الأطفال، الفرق بين أن نعيش هذه التجرية بجلودنا، ونحن هنا لا نتكلم عن الذين تحت الأنقاض، وإنما عن الشهود الذين عاشوا رعب الجنون، وبين قراءة الخبر في جريدة ما، أو الإستماع إلى الخبر ومشاهدة الصور المرعبة على إحدى القنوات ؟ بطبيعة الحال ليس هناك مقارنة ممكنة. وهدفنا هنا ليس التساؤل لمجرد التساؤل، وانما محاولة ايجاد مميزات الصورة الفوتوغرافية واستعمالها في الإعلام والدعاية السياسية. ونحن نعتقد في النهاية بان الصورة هي مجرد صورة لااكثر ولا اقل من ذلك، بمعنى "النسخة" الجافة والميتة أو المتحجرة للواقع، والمركزة في لحظة واحدة متجمدة. بمعنى أن الصورة الفوتوغرافية تمثل "جثة" الواقع المادي الذي تشير إليه، مضافا إلى ذلك شحنة من الأحاسيس والعواطف والذكريات المخبأة في ثنايا ذات المشاهد أو المتفرج أو المتلقي. وتوحي الصورة الفوتوغرافية عادة بمجموعة من الأحاسيس وقد تشير إلى بعض الأفكار والتصورات، ويبقى للمشاهد اختيار أو إنتاج البعض منها أو رفضها كليا وعدم رؤية الصورة. غير أنه من المستحسن عدم إستعمال مفاهيم غير مناسبة لمعالجة موضوع الصورة كالقول مثلا "قراءة الصورة الواحدة تتعدد نظريا بتعدد القراء"، فالصورة الفوتوغرافية ليست نصا ولا يمكن قرائتها ولا يمكن أن تدل على أي شيء خارجها وهي لا تدخل مطلقا في عالم الدلالات اللغوية. ولكن من ناحية أخرى، اختلاف تلقي الصورة من شخص لآخر لا يعني أن الصورة تبقى مفتوحة ونسبية إلى ما لا نهاية، لأن مشاهدة الصورة ترتبط ضروريا بالمعارف والخلفية الإجتماعبة للمتلقي للصورة: معارف لغوية، أنتربولوجية، تجريبية، جمالية، سياسية واجتماعية، وهي خصائص يشترك فيها حتما مع العديد من المواطنين. ولذلك هناك من يرى أن للصورة دلالة كاللغة وأن "الخطاب الرمزي" للصورة الفوتوغرافية مشكل سلفاً من قبل المجتمع والتاريخ والثقافة واللغة. ومن ناحية أخرى لا بد لنا أن نركز على الفرق الشاسع بين "الإدراك" والذي يفتح لنا بوابة العالم الواقعي الحقيقي الملموس بخشونته ورطوبته وروائحه، وبين عالم "الخيال" الذي ندخله بواسطة الصورة عموما والصورة الفوتوغرافية بالذات لسهولة مقارنتها بالواقع. ولكن هناك بطبيعة الحال إستعمال سياسي وإعلامي للصورة، إستعمال ذو تأثير وقتي ومحدود، ولكنه في بعض الحالات الخاصة قد يتخذ درجة عالية من المبالغة ومحاولة الإقناع. فمن يتذكر اليوم قصة الطفل الغريق على الشواطيء التركية؟ وما هي آثار الزوبعة التي أثارتها هذه الصورة اليوم؟ وما الفرق بين ما شعرت به هذه الصحفية عندما رأت جثة الطفل فجأة أمام عينيها مسجاة بدون حركة على الرمال، وبين إحساس المواطن لرؤية هذه الصورة في الجرائد والمجلات وعلى شبكة الويب وهو يرتشف قهوته الصباحية في أحد المقاهي أو في مكتبه؟ فقد كانت السيدة نيلوفر ديمير Nelufer Demir، صحفية تركية (29 عاما) وتشتغل في وكالة دوغان للأنباء، تتمشى على الشاطيء في صباح الإربعاء 2 سبتمبر 2015، حيث كانت تتابع ملف الهجرة لوكالتها، عندما رأت جثة طفل من بعيد بقميصه الأحمر وسرواله الأزرق ووجهه المدفون في التراب. لم يكن بالإمكان فعل أي شيء للطفل الغريق غير إلتقاط صورته ومشاركة العالم في صرخته المكتومة والتي لم يسمعها أحد. وفي خلال ساعات معدودة أحتلت هذه الصورة لشاطيء بوردوم التركي الصفحات الأولى لصحف العالم قاطبة .. ما عدا الصحف الفرنسية التي رفضت في الأيام الأولى نشر الصورة، غير أنها رضخت في نهاية الأمر ونشرت بدورها صورة الطفل الغريق. وأعتقد العديد أن سياسة العالم ستتغير وأن هذه الصورة ستحل الأزمة السورية، وأزمة الهجرة، وأن صورة الطفل إيلان أيقظت العالم الغربي من سباته ومن عدم إهتمامه بنتائج الحروب والحرائق التي يشعلها في كافة أنحاء العالم. فكيف يمكن لصورة طفل غريق أن تغير فجأة سياسة ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول الأوربية تجاه الهجرة، ومثل هذه الصور الدرامية يعد بالعشرات وربما بالمئات يوميا؟ ويوميا منذ أكثر من خمس سنوات يموت غرقا في البحر المتوسط عشرات ومئات وآلاف اللاجئين هربا من الفقر والتعاسة والدعاشة؟ فما الذي حدث إذا، ولماذا هذه الصورة بالذات؟ وهل حقا للصورة الفوتوغرافية هذه القوة السحرية الغامضة وأنها ذات استقلالية بنيوية، وتتشكل من عناصر منتقاة بدقة علمية وتقنية عالية وتخضع للمعايير الجمالية والثقافية والإيديولوجية والأخلاقية التي تجعلها قادرة على التأثير المادي المباشر في البشر والأحداث؟ وهل حقا أن الانتقال من المشهد الواقعي إلى صورته الفوتوغرافية لا يستلزم حتما أن نقلص هذا الواقع أو نحلله إلى عناصره الأولية، ولا أن نعيد تشكيل هذه العناصر لتكوين علامات مغايرة لسرد جديد يختلف حتما عن الأصل؟ وهل حقا أن الصورة الفوتوغرافية تصيب هدفها مباشرة بدون لف أو دوران وأنها تحتوي على شحنة من "المتفجرات" العاطفية ذات قوة تدميرية تفوق قوة الكلمات؟ وهل حقا أن الصورة الفوتوغرافية أكثر دقة من الكلمات في وصف الأحداث والإحاطة بتفاصيلها وتسجيلها ؟ أم أن الأمر كله مجرد خدعة كبرى أخرى يقوم بها مشعوذي الصحافة والإعلام يساندهم دجل علم النفس السلوكي، وأن الصورة ليست سوى جثة الأشياء، وظلها في أحسن الأحوال، وأن صورة الكلب لا تنبح كما أن صورة رغيف الخبزلا تشبع الجائع، وصورة الخروف المشوي لا تفوح إلا برائحة الورق. وللموضوع بقية
-







اخر الافلام

.. رواية -بائع الحليب- تفوز بجائزة مان بوكر


.. مقتل عشرات الحوثيين في باقم


.. الأردن يعلن خروج عشرات -الخوذ البيضاء- من البلاد




.. بولتون إلى موسكو الأسبوع المقبل


.. اليمن: رئيس الحكومة الجديد يتعهد بدحر -الانقلاب- والحوثيون ي