الحوار المتمدن - موبايل



الإسلام البدوي و-العهدة العمرية- عند المصابين بالدونية الحضارية

علاء اللامي

2018 / 8 / 26
مواضيع وابحاث سياسية


كانت إحدى الصديقات الفاضلات قد أشارت لي "تاغ" على صفحة أحد الأشخاص الذي نشر مادة حول ما دعاة "الإسلام البدوي" تطرق فيها الى العهدة العمرية على الفيسبوك معتبرا إياها تطبيقا ومثالا على ما سماه "الإسلام البدوي" يجب على المسلمين السنة الاعتذار عنه لغير المسلمين. وقد علقت بملاحظتين ردا على إشارة واستفسار الصديقة، وليس عن رغبة في الدخول في حوار مع صاحب المنشور والصفحة، ثم اعتبرت الموضوع منتهيا. ولكن الشخص المذكور عاد ونشر منشورا جديدا، صال وجال فيه براحته، بل وتمادى مطالبا (المثقفين السنة العرب ان يقدموا اعتذارا باسم طائفتهم على البشاعات التي ابتدأها اصلا عمر بن الخطاب-والفاروق مفردة آرامية تعني المخلص وليس لها علاقة بالعدالة- في الفتوحات التي ليس لها اي سند في القرآن وتقسيم المسلمين الى طبقات هي السبب في الفتن التي حصلت لاحقا كمقتل عثمان، وحرب الجمل، والقوانين العنصرية المخزية التي سنها الامويون واتبعها لاحقا بشكل اخف العباسيون، كم حري بهؤلاء المثقفين الاعتذار الى السريان والكلدان والاشوريين والاقباط والامازيغ)! بصراحة، ليست لدي الرغبة ولا المزاج في الرد على هذا التخليط الركيك ذي الرائحة الطائفية الكريهة والذي لا يصدر حتى عن إنسان جاهل لا علاقة له بالثقافة عموما وعلوم التاريخ والديانات خصوصا، كأن يقول إن الفتوحات لا أساس لها في القرآن والسنة جاهلا أن الفتوحات قد بدأت في زمن النبي وعلى يديه في غزوتي مؤتة وتبوك وتوفي وراية أسامة استعدادا لغزوة جديدة منصوبة عند رأسه الشريف، فأكمل خليفته أبو بكر المهمة لاحقا. وهذه المعلومات يعرفها حتى صبي المدرسة الابتدائية ولكني سأعيد نشر الملاحظتين اللتين نشرتهما ردا على استفسار السيدة نادية لتوضيح الموضوع.
الملاحظة الأولى: لا أدري من أين أبدأ بالرد على هذا الكلام غير العلمي وغير الموثق، والذي يقطر بتقاليد وروائح كتابات "الإسلامفوبيا" غربا وشرقا رغم جهله بكل شيء تقريبا عن الإسلام وتاريخه وتاريخ رجاله ورموزه، ولكن لنبدأ بالسؤال عن معنى عبارة "الإسلام البدوي" فما معنها وهل هناك إسلام آخر في مقابله هو إسلام مديني أو إسلام حضري؟ ... الإسلام كدين ولد في الحجاز، في مدينة مكة، وهي قرية كبيرة وليست مدينة بمفهوم المدنية الحديث، وانتقل الى يثرب البلدة الصغيرة هي الأخرى، وفي بيئة صحراوية فما معنى الإسلام البدوي هنا؟ وهل هناك إسلام مديني كما قلت؟ أم انه دين ولد في بيئة صحراوية وانتقل وانتشر في مناطق سهلية كالعراق والشام ومصر واتخذت تفاسيره وتطبيقاته أشكالا هي نتاج تلك البيئات المختلفة؟ هذا كلام عن إسلام بدوي لا معنى له من الناحية الإناسية " الأنثروبولوجية" ولا من ناحية علوم دينية "الثيولوجية" واللاهوتية ... الإسلام دين ولد كدين و كحركة اجتماعية وسياسية وكدولة لاحقا في صحراء، وكلمة "بدوي" ليست شتيمة أو نقيصة إلا عند المصابين بالدونية الحضارية نحو الغرب الرأسمالي المعاصر، فالبدو والبداوة حالة اجتماعية لناس يعيشون حالة التنقل المكاني وعدم الثبات في مكان واحد بل يتنقلون طلبا للمراعي والعشب والماء لهم ولحيواناتهم ... أما الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب فهو يعتبر أول مجدد في تاريخ الإسلام وهو من قال "متعتان كانتا موجودتين في زمن النبي وإني لمبطلهما" وأحدهما زواج المتعة. وهذا الحديث يورده بعض فقهاء الشيعة الاثني عشرية للتدليل على أن زواج المتعة كان موجودا ومشروعا في زمن النبي ... وابن الخطاب هو من أوقف عقوبة قطع يد السارق في عام الرمادة وهو عام قحط ومجاعة وكان الناس يضطرون لسرقة الغداء بسبب الجوع ... وهو أيضاً من رفض الاستمرار في إعطاء بعض كبار قريش مالاً من الزكاة باسم "سهم المؤلفة" قلوبهم المنصوص عليها في القرآن والتي استمر أبو بكر الصديق بإعطائها لهم ولكن عمر طرد اثنين منهما هما الأقرع بن حابسٍ وعيينة بن حصن في زمن أبي بكر وبعد موافقته، وقال لهم لا حاجة لنا بأن تكونا مسلمين فقد ضرب الإسلام بجرانه أي ثبت واستقر وانتشر (وكان تلك الحصة من المال تعطى لهم لتشجيعهم على دخول الإسلام في زمن النبي وحتى زمن أبي بكر) فلما ذهبا بالرقعة الى عمر رفض وطردهما فعادا الى أبي بكر وقالا له: لقد منعنا ابن الخطاب ما أعطيتنا فمن الخليفة أنت أم هو؟ فرد عليهما أبو بكر (بل هو الخليفة إن شاء الله)... وعمر بن الخطاب هو الذي حكت لنا المروية التراثية عندما حدث له مع مجموعة من الشباب الذين وجدهم يشربون الخمر ليلا فهددهم بالعقاب وكيف ردوا عليه وكيف رد عليهم ..فهل هذه تصرفات وأفعال بدوية أم مدينية وما علاقة المدينة والبادية بها ؟ هذا الكلام المؤسف والذي يردده المصابون بالإسلامفوبيا في الغرب وتلامذتهم في الشرق وبعض البلدان العربية هو نتاج الجهل بالإسلام وتاريخه ليس إلا ...أما عن العهدة العمرية فلي تعليق آخر هو الآتي:
مستشرقان أوروبيان ينصفان "العهدة العمرية": أما بخصوص "العهدة العمرية" فقد كنت قد كتبت الفقرات التالية في مخطوطة كتابي الجديد "موجز تاريخ فلسطين منذ فجر التاريخ وحتى الفتح العربي الإسلامي" ما يلي (وردت قصة "العهدة العمرية" في كتب التاريخ بأكثر من صيغة ونص، وتتراوح بين نصوص قصيرة ومقتضبه كنص اليعقوبي ونص ابن البطريق وابن الجوزي، أو مفصلة كنص ابن عساكر ونص الطبري ومجير الدين العليمي المقدسيِ وهذه الصيغ كلها تندرج ضمن الأدلة الداخلية فسنصرف النظر عنها. كما ورد نص العهدة في وثائق بطـريركيـة الروم الأرثوذكس في القدس، التي سلَّم بطريركها الأكبر صفرونيوس مفاتيح المدينة للخليفة العربي المسلم عمر بن الخطاب سنة 638 الموافق لسنة 15 هجرية. وما يهمنا أكثر من غيره من مصادر، هو ورود العهدة في وثائق البطريركية المسيحية المذكورة، ما يجعل من مزاعم الكاتب - محمد آل عيسى - محض هراء لا طائل تحته.
كما قام مستشرقان أوروبيان بدراسة العهدة العمرية، هما المستشرق والأمير الإيطالي من ثلاثينات القرن الماضي ليون كايتاني والمستشرق الإسباني دي خويه صاحب الكتب الجيدة والرصينة حول الشرق والإسلام في كتابه (Mémoire sur la conquête de la Syrie. p. 143). واتفق هذان الباحثان على أنَّ العهدة العمرية الأصلية كانت أكثر تسامحا من النسخ اللاحقة لها، فاتفقا كما نقرأ في مادة "العهدة العمرية" في الموسوعة الحرة الخلاصات الاستنتاجية التالية (أقام ليون كايتاني، ودي خويه، الأدلة على أن القيود -على المسيحيين ع.ل - في الشروط العمرية قد اُستحدثت في العصور المتأخرة ومع ذلك فقد قبل فقهاء المسلمين الذين عاشوا في أزمان أقل تسامحاً هذه العهود على أنها صحيحة) . فهل تورط هذان المستشرقان وغيرهما كثيرون في تلفيق هذه "الكذبة التاريخية" القادمة من عهد عمر بن الخطاب أيضاً بحسب المنطق الذي يعتمده محمد آل عيسى؟) ومن هذا المقتبس نفهم أن المستشرقين الإيطالي والإسباني يعتقدان أن النسخة الأصلية التي وضعها عمر بن الخطاب كانت أكثر تسامحا من النسخ اللاحقة التي كتبت في عصور العصب والتشدد والتي ربما تأثرت بالجرائم المهولة التي ارتكبتها جيوش الفرنجة خلال الحروب الصليبية والتي بلغت درجة الإبادة الجماعية للعرب المسلمين بل وحتى للمسيحيين في المناطق البيزنطية المسيحية غير الكاثوليكية وهما هنا يميزان بين وثيقتين الأولى هي " العهد العمرية" والثانية هي التي سميت لاحقا " الشروط العمرية" التي شكك بها وراتها انفسهم كما سأذكر في ختام هذه الملاحظات ... ومن المعروف والمعتاد والمنطقي أن المصادر الغربية التي تدرس وتذكر وتحلل الأحداث والشخصيات في التاريخ العربي الإسلامي والتي تدعى علميا بـ "المصادر الخارجية" أكثر حيادا وموضوعية من المصادر العربية الإسلامية " المصادر الداخلية" والتي تكون منحازة مسبقا لتاريخها وتراثها ودينها! بمعنى أن المستشرق الأوروبي يكون منطقيا أقرب إلى الحياد الموضوعي من الطبري العربي المسلم إنْ لم يكن منحازا ضد الإسلام مسبقا!
*لم أفرق في ردي القصير هذا في التناول بين "العهدة العمرية" المعروفة والمشهورة بنصها المعتدل والتي يرد ذكرها بسلبية في كتابات الهجائين المعاصرين للإسلام، وبين ما يسمى "الشروط العمرية" التي شكك فيها كبار المؤرخين والفقهاء المسلمين بمن فيهم مَن رواها من فقهاء ومؤرخين ومحدثين متأخرين زمنا كابن تيمية و ابن القيم الذي رواها عن سفيان الثوري، عن مسروق، عن عبد الرحمن بن غنم. وقد قال ابن الجوزي عن هذه الشروط مشككا (وشهرة هذه الشـروط تغني عن أسانيدها، وهذا الأمر ﻻ يسلم له فيه لأن الشهرة ﻻ تعني الصحة أو حتى الحسن، بل هناك من المشهور ما هو موضوع). وكلمة "موضوع" تعني ملفقا وليس صحيحا، وربما ستكون لنا وقفة أسهب في مناسبة أخرى عن موضوع هذا التفريق بين العنوانين " العهدة العمرية" و "الشروط العمرية"! ومع ذلك فهذه فقرة إضافية من مخطوطة كتابي المذكور أعلاه:
إن التفريق ضروري جدا بين "العهدة العمرية" المعروفة والمشهورة بنصها المعتدل المضمون، والتي يرد ذكرها في أمهات التراث العربي الإسلامي، وبين ما يسمى "الشروط العمرية"، التي شكك فيها كبار المؤرخين والفقهاء المسلمين بمن فيهم مَن رواها من فقهاء ومؤرخين ومحدثين متأخرين زمنا كابن تيمية و ابن القيم الذي رواه عن سفيان الثوري، عن مسروق، عن عبد الرحمن بن غنم، وعند دراسة هذا اﻹسناد يتبين بوضوح ضعفه بسبب اﻻنقطاع بين سفيان الثوري الذي مات سنة 161هـ ومسروق بن الأجدع التابعي المخضرم، ناهيك عن اﻻنقطاع بين اﻹمام ابن الجوزي المولود سنة 691هـ وسفيان الثوري. وقـد أورد ابن الجوزي مجموعة من الروايات في هذا المعنى، كلها ﻻ يخلو من ضعف في بعض رواتها أو جهالة في آخرين، ومن الجدير ذكره أن الدكتور همام سعيد فـي كتابه "الوضع القانوني ﻷهل الذمة" أشار إلى توهين هذه الشروط من جميع طرقها، وحتى اﻹمام ابن الجوزي فطن للضعف، فقال معلقاً عقب ذكر الروايات: وشهرة هذه الشـروط تغني عن أسانيدها وهذا الأمر ﻻ يسلم له فيه لأن الشهرة ﻻ تعني الصحة أو حتى الحسن، بل هناك من المشهور ما هو موضوع، وعلـيه تكون هذه الشروط غير مقبولة حديثياً وإن استخدمها الفقهاء في كتبهم، وأن العهدة العمرية تختلف تماماً عن الشروط العمرية/ المصدر: روايات العهدة العمرية – دراسة موثقة – رمضان أسحاق الزيان – مجلة الجامعة الإسلامية لدراسات الإسلامية – غزة فلسطين – العدد 2 سنة 2006 – نسخة رقمية).
*كاتب عراقي







اخر الافلام

.. سعداوي: إشادة بالجهود الإماراتية لإحلال السلام في العالم


.. عبد الهادي: المصالحة الأفغانية دليل على متانة علاقات الإمارا


.. البث المباشر لسكاي نيوز عربية




.. النوايسة: جهود مشتركة من الإمارات والسعودية لإنهاء الصراع ال


.. سوريا.. الدول الضامنة والحلول الوسط