الحوار المتمدن - موبايل



اعترافات -1-

إبراهيم الوراق

2018 / 8 / 27
الادب والفن


أهنئ كل البائسين الذين اسودت الآفاق بين أعينهم الذاهلة على ثباتهم في يوم العيد، والتزامهم بما يقتضيه خلق الصبر من تضحية، وفداء، وأدعو لهم بتمام ما تبقى من العمر في سعادة، وهناءة.
لعلي، قد تأخرت في كتابة هذه السطور النازفة بما يعصر جوانحي من مآس نازلة، ومصائب هاطلة، وتباطأت في تحبير ما يسيل في قعرها من حسرات صاعدة، وزفرات صادعة، لأنها وإن كانت من لازميات الاحتفال بهذا اليوم الذي نسميه تجاوزا بالعيد، ومن ضروريات النفاق الاجتماعي الذي يفرض ذاته في كل احتفاء يباغتنا خلسة، ثم ينقضي وهمه من غير أن يهبنا آثاره الناعمة، فإن ما كنت أعبر عنه موريا، أو مستعيرا، أو مكنيا، لاسيما حين أيقنت بأني سجين لوظيفة فقدت روحها، وضيعت مفتاحها، وبددت إغراءها، وصارت مباينة لي طبعا، وتطبعا، قد يفرض علي اليوم، وفي غمرة هذا الوجع الذي أذهب ريح جسد أتعبه الضجر، وأنهكه القلق، وأكده الملل، أن أعري ذلك الوجه الذي كنت اختبئ وراء ما يسبله علي من رداء الحماية، وإزار الرعاية، إذ ومهما حاولت أن أتظاهر برغبتي في الكتمان، وحرصي على النسيان، فإن ما التبس في عقلي من أفكار، وما احترب في صوغي من أنظار، وما تمدد على بساطي من أكدار، وما تبدى لتطلعي من أقدار، يمنعني أن أضمر ذلك السبب الموجع، والمفرع، وأستبطن ضرره الذي ينهش وجداني، ويبتلع كل ما في عمقي من آيات الارتياح، وأمارات الانشراح.
قد تكون أسرتي الكبيرة علة في التخفي وراء أسمال الطهارة المهدورة، والتلبس بما نظهر فجاجته قهرا، وجبرا، لأني لم أقبل من لساني أن يعبر عن شيء يصادر ذلك الغرور الذي يشعرون بقيمته، ويحسون بمغبته، لاسيما حين يتظاهرون بالانتماء إلى دائرة الصفاء، ومركز الاصطفاء، إذ ذلك، قد يسبب حَرجا لأسرة تعودت على الانتساب إلى التصوف، والانتماء إلى الطريقة التيجانية. لكن، قد تشظت تلك الرغبة الملازمة لي بحكم التاريخ المغبون، وتفتت أوصالها، وتقطعت روابطها، وصارت بعد موت الوالد نسيا منسيا، أو خبرا سارا انتهى بحزن، وآل إلى بين، لأنها لم تتأسس إلا على عواطف جامحة، وتصورات جانحة، بددها ما مررت عليه من مراحل في قراءاتي ومراجعاتي الفكرية. فماذا يفيدني الحرص عليها، أو الوثوق بها، وقد عانيت الأمرين في مرض زوجتي، وإعفائي من شغلي، وتشريدي بين فقر يدهسني، ودنف يرهقني.؟ أليس من واجب الوفاء لهذه النسبة التي منحتنا صفة التاريخ المحكي بالمشافهة المستفيضة، وسواء من أهلي، أو من أتباع هذه الطريقة، أو من أولئك الذين بددت زهرة عمري في ربوعهم الكئيبة، أن يضخوا في قناة حلمي بعض القوة، وشيئا من الشجاعة، لعلي أن أواجه مصيرا صعبا في الغاية، وأقارع خطوبا تحكيها الأماكن المبللة بدموع اليائسين، ودماء البائسين.؟
قد أكون مجافيا لنص هذا العقد التاريخي، أو مغاليا في إنكار ما تضمنه من بنود، وعهود، لو زحفت إلى قرار أقطع به كل صلة تربطني بمقتضى فكرةٍ سارحة في كنه الأنساب، والأحساب، كان لها سبب في وجودي المعنوي، والمادي، ومهما كانت في معناها بسيطة، وفي وزنها خفيفة، لأنها تصير بدون جدوى، ما دام من تتهلل أساريره بقيمتها، لا تضيف إليه ذلك المعنى الإنساني الخالد، بل حتى ما يجوز له أن يكون من أعقد المعادلات في التمثلات العقدية، والثقافية، والفكرية، سيصير الإنكار له ضرورة تلح بها علي طبيعة ردود الأفعال السريعة، لكني لم أفعل ذلك، ولم أحبذه لرغبة مكنونة في قاع انتظاري، إذ ما يمكن لي أن أبرزه من قناعات، أخفي ما فيها ما عنَّ لي من مخالفة لما درجت عليه السياقات المتبعة، قد صارحت به رفاق درب التشظي، والوعي الشقي، لكن تجاوز التلويح بمعناها، لم يكن الزمن مهدا قابلا له، ما دام تأويله سينحو منحى غير الذي أفكر في بلوغه من أنظار، وأقدار، لأن ما حدث من أمر إعفائي، وتشريدي، كان معلوما، ومسموعا، ولا أخالني أحتاج إلى أن أعري حقيقته لأولئك الذين يعرفونني، ويظنون أنني لا أمتلك في طاقتي شيئا أدافع به عن حوزتي، أو أجابه به من لا يرعوي عن غي، ولا يزدجر عن ضلالة، لأن ذلك، قد ينتهي بنا إلى متاهات يريد كثير من الأغرار أن أصل إلى لؤمها، وشؤمها، لاسيما حين أقطع هذه الشجرة المتهاوية في سبيلي، وأنهي أثر ظلها في واقعي، وأدفن بقيتها في حياتي.
لكن ما يمكن لي أن أتجاوزه، أو أن أعانده، هو ما نلته من شارات في محيط مدنس بالأحقاد، ومسود بالكراهية، ومربد بالمؤامرات المغرضة، والدسائس المخزية، إذ ذلك، لم أرفع به عماد خيمة قوضها من لم يقرأ التاريخ إلا للتدجين، والتهجين، بل جاء من وراء الأحراش متسللا إلى حياض لا يترنح بها إلا عشاق الوحدة التالدة، أو منسلا إليها هاربا من شؤم الماضي المأفون، وخبث النظر إلى الغد المأبون، لكي يعلمنا كيف نكون أشخاصا معنويين، أو كيف نكون عبادا مخلصين لله الدين، واليقين. فما أبله هؤلاء الذين غزوا ميراث الأقدمين، لكي يجعلوه ضيعة تجبى غلالها إلى البطون التي لم تجر ماء يشرب منه السابلة، ولم تزرع شجرة يستظل بها المارة بين الشعاب القائظة، ولم تبن سقفا يتفيأه السفر الراحلون بين الديار المتباعدة، ولم تمهد طريقا لمن خشي من غوائل المراحل، وحبائل المنازل, ولم تكتب رسما يوضح ملامح الطريقة الموصلة إلى الغايات المحمودة. كلا، بل حتى ما خلفه أولئك الذين امتزجت في قلوبهم خمرة الألوهية بدماء البشرية، لم يتركوه على أصله، ووصله، إذ حرفوا صواه، وعلامات منعرجه، وإشارات منعطفه، لئلا يدل على التاريخ، ويرشد إلى الحياة التي أراد الإنسان القديم أن يصنعها لغيره احتسابا للفضل، والمنة.
فلا غرابة إذا قام هؤلاء بطردي، أو بطرد غيري، لأنهم لم يقبلوا مخالفا يعري سوأة الانتساب إلى تلك الدائرة، ما دام ما نقوم به من أفعال مكتسبة بالوسيلة الحقيرة، لا يمنحنا مجد التاريخ، وعزته، ولا يهبنا ما دونه الأقدمون من أوصاف لتلك الرغبة العنيدة. كلا، بل ما نفتح عليه أعيننا من تبدل، وتحول، لا يفضي بسلوكه إلى تلك النتائج التي كتبها السابقون على صكوك الهبات، وجعلوها حجة على صريح الوفاء في الزمان والمكان لمطالب تلك النيات، لئلا نعوج عن الطريق اللاحب، فتتكسر مجاديف رغباتنا المخذولة، وتغرق سفن أحلامنا الموءودة، وإذ ذاك، لن نسير إلى الأمام، ولن نمشي بقدرتنا إلى ذلك المرتجى، ولن نهتدي بأدلتنا إلى تمام المبتغى، إذ لم يكن أولئك الذين تقربوا إلى الإله بما تكسبه الدور من أشجار وأحجار بلداء، أو أغبياء، بل كان المراد لهم أن يرفعوا سلم الارتقاء إلى عالم الإله، لكي يتصل العبد بمن يرى حريته بين يديه؛ وهو كلٌّ جامع لنظام الكون، وناموس الطبيعة، وقانون الحياة. ولولا ذلك، لما جادوا بما اغتنى به كل مرتزق موتور، لم يعثر على سبيل غايته بالوسائل العقلانية، ولا بقواه العضلية، فالتوى إلى بيع خرافاته بأوهام لا تقدس عقل الإنسان، ولا تحترم صلة كيانه بمن أراده سويا، وجديرا بالبقاء على هذا الكوكب الجميل.
وإذا كان الانتظار قد انتهى زمنه الذي نطيق أن نتحمل تبعاته المتعبة، فإن ما اختزناه من صبر، قد نفذ رصيده، ولم يبق لنا شيء في الذات نجابه به ما يهدم سطوح حلمنا بخبث، وحيلة. فلا علينا إذا صدحنا ببكائنا، وولولنا بعويلنا، وزمجرنا بنذيرنا، ما دمنا نوقن بأن ما تحقق من نكران لتلك العهود القديمة، لم يتهم فيه من وسمنا بميسم الذل ذاته المصرة على احتقار المخالف، وإذلال الموافق، ولم يسوغ فعلته الشنعاء بعلة سوى ما يعذبه من غرة نالته في ذهولنا عن مصيرنا المهدد بالأماني الخادعة، أو بالمخاوف الفاتكة. ولذا، لا أجدني اليوم حريصا على وصل هذه العلاقة، أو الارتباط بلازمها، أو الاحتماء بحبالها، أو المنافحة عنها، لأنها في حياة الوالد، ومهما أسرفت في الظهور بما تدل عليه من مظاهر عجفاء، لم تكن شارة على كتفي، ولا علامة على عنقي، ولا آية على وجهي، بل جاملت ما تحقنه من لؤم الاغترار، وجازفت برغباتي الملحة من أجل مماثلة ما فيها من رديء الاجترار، لكي يسعد الأب بذلك، ويحتفي بما يضيفه إليه ذلك من فخار، وإكبار، لاسيما حين يتعاظم لدى أقرانه بما تحقق لي من تميز في الخطابة، ووصول إلى عضوية المجلس العلمي، وحصول على امتيازات لم أكن فيها إلا عصاميا، كده الحزن، وهده المين، فاختار الحدو خارج السرب، لعله أن يسمع صوتا كبت في أعماقه المحترقة.
قد يكون هذا مفرحا لأبي، ولأمي، ولعائلتي، لاسيما حين تضيف إليها مِدحتي شحنة في الانتشاء، لكنه كان شنقا لأبنائي، وحتفا لأحلامي، لأني، وللتاريخ الدوي أحكي، وللإنسان السوي أروي، لم أكن راغبا في عضوية تقيد مكسوب الإنسان في الكرامة، ولم أبذل في سبيل نيل حماها وسيلة دنيئة، ولو كانت مهاتفة واحدة، استعطف بها فلانا، أو أستجدي بها علانا، بل اختاروني لذلك، ولأسباب يعرفونها، ولا أعرفها، -وهم ما زالوا أحياء، ولهم الحق في أن يكذبوا مقولي، أو ادعائي- فاحتقبت جرابي بين الأشباح المختفية خلف خلقانها البالية، واحتربت في ميادين لا تعلق لي بصراعها، إلا بنسبة ما يفيده الملح في الطعام الخشن، لأني حين ابتعلت غصتي، وازدردت ما تدسمت به الموائد الممرعة بشر الأطعمة؛ وهي التي ندعى إليها بصفاتنا المتوهمة، ويحرم منها فقراء لا إدام لهم إلا ما اعتصروه من كيس البخلاء بعرق الجبين، وكد اليمين، لم أكن راضيا على ما آل إليه وضع العلماء، ولا قابلا لما ينثر من ورد في طريق مكتظ بالنيات الفاسدة، إذ ذلك، ومهما كان مطلوبا لفئام هدها حب الاقتناء، وعضها عطش الجسد إلى شهواته الرعناء، فإن ما كمن في قاعي من سوداوية، وما تضخم عندي من إحساس بالحرية التي عبرت عنها بالتمرد على المفاهيم المغلوطة، لم يرحني إلا بما تخطه أناملي، وتبرزه حروفي، وتدونه آهاتي؛ وهو الذي أردت أن أتقن فنه العصي، واعتلي بشأنه منصب العزة القعساء. وشاءت الأقدار التي نزلت كالصاعقة على جسد أنهكه الحرمان، أن أعيش تلك المدة حسيرا، وأن أتقلب بين أوجاعي كسيرا، إذ لما فتشت في جرن أعماقي، وبحثت في جوف أحشائي، ونقبت عن شيء يربطني بما أنا عليه من كدر، وضجر، لم أعثر على صلة تصلني بهذه الوظيفة التي كانت أملا، فإذا بها بعد التبين من خبيئتها ألم، وعذاب، لأنها لا تدل على المعنى الذي توهمناه فيها قديما، بل صارت إفرازا لما ينزف من صديد في قاع الإنسان المهدور، إذ ما كان إغراء خلب لبنا في زمن طفولي، بريء في نظره إلى الأشياء، لم يحتفظ على بهائه، وسنائه، بل غزته أفكار أخرى، بددت ما سمي ثابتا، لكي تكتشف منه سنن التاريخ البشري، ولذا، لا أمل في وجود تلك الرابطة، ولو كانت في منتهاها بسيطة، لأن ما تراكم في قاعي من تجارب قاسية، وخبرات فجرت طاقة العناء في حرفي، وكلامي، كان لها أثر سيء على بنائي النفسي، والاجتماعي، ووقع على تصوراتي الأحادية للغد الذي أردت بناءه من روح يراعي، ودم كلِمي، ونفَس كياني، إذ لولا ذلك الانتظار الذي يحدد سقف استشرافي للغايات المرغوبة، لكنت حفيا بما نلته من جاه، ووجاهة، لاسيما في محيط عشعش عليه ضباب الخوف، والجبن، والفراغ، والضياع. فكتاباتي التي نشرتها بالحوار المتمدن، توحي إلى قرائي بأني استبطن شيئا ما، أوري عنه بغموض العبارة، واستعارة الدلالة، لكن ما هو ذلك الشيء.؟ وما هي ماهيته، ما دامت علته وحشة في قلبي، وغمة على عقلي.؟
ذلك الجرح عميق، وتذكره في هذه اللحظة الضاجة بصخب الموارد المبللة بعرق المنكوبين، والمحرومين، يهدم إرادتي، ويشل كياني، ويحيي في داخلي أمراضا تليدة، وأوجاعا عتيدة، قد لا يتذكرها من كان سببا في إظهارها، أو في إحيائها، لأنه كان ينتظر نتيجتها، ويرقبها بمنتهى رغبته، ولو أظهر عكس ما يعتقد، فادعى أنه كان حريصا على حماية كوخ يضم رفات أب فتته ساعات الوجع، ورميم أحلام أبناء عشقوا الحياة، وتاقوا إلى يروها مبتسمة، ومنفتحة. فها هي رمة الحلم قد بدت له جلية في تشريدي، وتغريبي، وإبعادي عن سوح تتبارى فيها الهمم الكاسدة على كعكة رديئة، لا يأكلها إلا مرتزق، ولا يكسبها إلا خائن. لكن، وإن تناسيتها لسنين قضيتها غائبا عن حقيقتي، ومتدلها بين أفياء لم تراقبها عين الجاثم على عرين شرهه، وجشعه، فإنها ما زالت منقوشة في ذهني، وموسومة على ذاكرتي، لا أكاد أفكر في التعالي عنها، إلا وبدت لي واضحة عند كل محطة أتوقف فيها عن غروري، لكي أسائل التاريخ عن أسرار الأجداد، والأحفاد، واستحضر ما تجمع في بؤرة الوجع من أرزاء، وأدواء، فأجدني نسخة مماثلة لكثير أفرزهم الدير المغشوش، وأنتجهم الراهب المنكوش، فلم يعثروا على نغم أرواحهم بين ترانيم الهيكل، وتمتمات القديس، بل نسفوا قواعد الغناء، وقوانين الإيقاع، ووضعوا للحياة لحنا آخر غير ذلك الذي يتشدق به من يغتني بشقاء الإنسان، ويستقوي في هوانه بعلله الخفية، والظاهرة. أجل، إنها آلام طفل اغتصبت طفولته بأوضاع فجة، كانت الأم فيها ضرة لزوجة أولى، والأب مسيجا بآثار غرائز تاريخه الفتية. وما أعسرها من لحظات خمدت فيها صولة أم عاشت قبل زواجها حياة حالكة، لم تكن فيها إلا ضحية لموت الأبوين في زمنها الأول، وحين صافحها القدر بزواجها الثاني، وانسلاخها عن كوخ عاشرت فيه وحشية الخالات، وافتراس الإخوان، استحال انعتاقها غصة محمومة، وحشرجة محصورة، لأنها، وبمقدار ما كان حرصها قويا على أن تشد للنجاة حيازيمها، فإنها قد أمعنت في إخفاء بسمتها التي لم يشهدها الطفل على وجهها الملون بكيات الزمن الغادر الرغبات، وهو يأمل أن يحس بها، ومنذ أن كان مفتقرا إلى حنانها في قدر ألزمه بناموسٍ فرضته وظيفة الأب على ابنه، وألزمته بأن يعيش منسبكا معه في قصة حرضت الحرمان على الاقتصاص من لعبه، وطيشه، وقد بقي على هذا طفلا بدون طفولة، وملاكا بدون ملائكة، وإلى أن صار متقدما الصفوف في طقوس جوفاء، يحمل مناجاة المتراصين وراءه إلى سقف السماء، لكي تبني لهم الآلهة جنانا مكسوة بريش الراغبين في النزوات المحرومة، والشهوات الممنوعة. فما أقساها من لحظات فقدت بريقها، ولمعانها، وتجمعت أسبابها على محاصرة طفولته، وشبابه، ومراهقته، ومعاندته بأوضار أذابت حلم حريته بين أمداء محيط مترع بآلام النكد، والبدد.
هذه المحاضن التي أخرجتني خجولا، وخائفا، ومترددا، وفاقدا للثقة بذاتي، ومتضايقا في داخلي، ومنزعجا من خارجي، أيقظت في باطني أوجاعا تترى، وأوضاعا تتوالى، هي سبب في كثير من أزماتي التي أصابتني بإخفاق مرير، وانهزام عسير، إذ ومهما تفوقت في كسب بعض المعارف، وتحصيلها بما يفيد في الاستدلال، فإن شيئا ما مستور وراء جبتي، يصيرني ذاهلا، وتائها، وضائعا، ولا أدري ما هو.؟ لكن، كان في كثير من أدواره سؤالا عن الوجود، وبحثا عن السر الكامن وراء الموت.! فلم سنموت، ونحن لم نكن إلا خداما لمن امتلكوا البهجة، وصيرونا عبيدا في محمية اسمها الكون.! ربما، من شدة إيلام غيري لعقل أحرجه فقدان بوصلة التواصل الإيجابي مع الأشياء التي تدار بها اللعبة القذرة، لم أفكر إلا في مدارسة ما يقف خلف الذوات من خلفيات عقدية، واختيارات فكرية، لكي أعرف كيف يكون العالم قاسيا، وكذابا، وبغيضا، وكيف يكون العامة نارا تحرق الهمة، ويحموما ينهي اللذة. وهنا وردت الحيرة، وأذهلتني الريبة، لاسيما في زمن ألح علي بأن أهدم كل قناعاتي القديمة، وأدمر قبابها، وأنسف قلاعها، لكي أكون فيما يتوالى من مخاض عسر حرا، ولو عشت بين ملمات الدهر بحسرة، وغربة، ووحدة. والأغرب أني ما أزال وإلى لحظتي هاته التي أعيشها متشظيا، لا تربطني صلة بكثير مما كنت أجاريه، أو أدرايه، لا لكونه لا يجسد حقيقتي، بل لأنه أغرقني في سبة التاريخ الذي لازمتني مغبته، وأرغمني على أن أسبح في معرة واقع يفرض علي أن أكون متوازنا، ولو بإهدار صحة أدلة عقلي، وإنهاء صور تصوراتي، لكي أنتفش بهذيان الحقائق المدركة، فأكتسب بلالة عيش أزقها في حلقي، وفي حلق أبنائي الذين غدرت الفواجع بآمالهم الوديعة، لأني، وبرغبة أكيدة، ولأمر أجبرتني عليه خيانة الأهل، وخذلان الأصدقاء، وابنثاث الرفاق، حاولت أن لا يتأثروا بما تأثر به الأب، "ابن الفقيه"، فيفجعوا في مسارهم بفواجع لم أتخلص من مخالب علتها الفاتكة، ولو سعيت بكل ملكاتي إلى إسكات صوتها، وإهراق دمها، إذ تشابك فيها مقتضى العقيدة، ومدعى السياسة، وتراكم فيها كل ما حاول به الإنسان أن يربط به بين المثل، والقيم، ومصاديقها في الواقع المشاهد، لأنها وعدتني بشرب العسل فيما شربت عجِلا، فإذا بي أجدني محصورا لعقل أنهكته تهم لعينة، كانت ألما في سيرة تفتق من قاعها ينبوع حزن، وبين. وكم عانيت في ذلك آلاما غضة، نجحت في طي أطوار بعض منها، وفي كثير منها، لم يكتب لي أن أنال نحجا، ورباحا. فلا محيد اليوم عن الاعتراف بأنني حين أكتب أنين أناتي، وحنين آهاتي، لا ألمس في عمقي شيئا يعذبني، أو يقودني إلى أن أجامل أحدا لم تمس يده الحانية ألمي، إلا ما قد أعتذر به لأبنائي عن عدم القدرة على الوفاء بما وعدتهم به من عيش كريم، وعش رحيم. فآه، آه، ها هم اليوم مشردون بين دور الكراء، وبين عيون تخب نحو غد مجهول، ومستقبل لا تبشر معطياته بخير، ما دامت كثير من الإصلاحات السياسية، لا تراهن على مصلحة الإنسان، إذ لا أراني في حالي هذه إلا مادا يدي إلى ضباب وطن بخل علي بقطرة ماء، وجاد علي في سربي بغدران من الدموع المسفوحة فوق رخامة الحلم المغدور، لأن ما تركه أبي لحيازتي بطريق الهبة، قد بعت حصته بأبخس الأثمان، وزنته بأتفه الأوزان، لئلا أصادف في إحدى دروبي ما يجعلني مختلا في درك الألوان، لأن ذلك الكُن المنهار بين عيني، يحمل قبح التاريخ، وخسة القصد، وضعة الذين ساموني فيه بأنجس الحظوظ البائسة، إذ لو كنت بالخيار، وكانت له عصبة في العشيرة، لفزت ببيت لا يصيرني مجرولا وراء كل هلال، أبحث عما يدفع عني غائلة دين الاكتراء، لكن، لم ينس الفقر محله، إذ ما زالت عضاته موجعة لنفوس رأت الكمال في الامتلاك، لا فيما رسمته وصايا الآباء من حكم، وقيم. فها هم سينالون بعد زمن قصير ذلك البيت الذي احتضن أولى ذكرياتي، واحتقن كثيرا من عذاباتي، فماذا يفيد غيري أن أتوه مشردا بين الدروب الحالكة، ما دام لم يحصل إلا على زفير يضمر احتراق ذاتي، ويظهر حرائق أبنائي الذين رزئوا في أب فقد كثيرا من رونق شبابه بسموم الهموم، والغموم، وفجعوا في أم دهمها مرض لعين، لم يجد رحمة السماء، ولا منة الأرض.
وإني إذ أعتذر لأبنائي الذين لم تسل دماء الخروف بين أعينهم التي استوطنها حب الحياة الوديعة، ولم يشهدوا في يوم العيد ما شهدوه في زمن غير متناء، ولا بعيد، أقول لهم: إن ما يسيل في عمقي من دماء، وما ينهمر في عيني من بكاء، قد يغني عن خروف عاش بآمال حانية، ثم انتهت قصته إلى بطون بدينة، اكتنزت لعنة الخيانة للإنسان، وللطبيعة، وللكون. لكن، ومهما اعتذرت عما دهمني من فجيعة، فإن ما ينكشف في جوني من هوة سحيقة، لن يشفيها مطر ينزل مدرارا، أو نهر يجري مسرعا، بل سيبقى الحلم أصيلا في أغواري، وأنجادي، يذكرني فوات ما تهدم منه بجرح غدر بجوانحي، وفتك بأحلامي، وأهان مسيرا كان يأمل الظفر باللذة الطازجة، فإذا بجواده يكبو عند ملمات هادرة. سينتهي كل شيء، وسينسى، وسيزول من ذاكرة الشكوى، لكن، لن أنس ما نسيت، كيف تنكر لرزئي الأهل، والأصحاب، والرفاق، وكيف تخلصوا من هذا الصوت الذي ما غرد خارج أفنان الدير، إلا ليعانق أعناق المتذوقين للحقيقة بين رماد الأثافي الصامتة، وينابذ تلك الأوثان المشتعلة بأحلام التائهين، والتافهين. قد يكون حريا بي، وبالذي بدد كليتي، وفصل بيني وبين تاريخ حرفي، وبيني وبين ما دونته منذ أن كنت طفلا، وإلى أن استد الساعد على الرمية القاصدة، وبيني وبين ما يمرع أبنائي في عز أثيل، وحلم جميل، وبيني وبين ما كنت أرافقه في جنونه، وتناقضه، وانفصامه، لكي نمتزج على ربوة العشق، أو على شاطئ الشوق، أن لا ننسى أنه سيكون لنا لقاء ثان، وأخير. ولا محالة، سنكون معا كما كنا في زمن انصرم، وانخرم، وسنصير صديقين متصافيين، يردان كصعلوكين موارد الشعر، والقصة، والرواية، وإذ ذاك، سيظهر للذين أهالوا التراب على جدثي، أنهم لم يقتلوا حياة الوجدان، ولو دفنوا الجسد في محنة الانتظار، والاحتضار.
وهنا، لا عيد لي، أهنئ به غيري، لأن مسماه في العادات المحبوبة، هو الإحساس بالبهجة، وأنا غير مسرور بما تحمله الرواية، ولا منتش بما تنطوي عليه الحكاية. كلا، بل تلك النغمة تهاوت، وتلك القوة تهادت، ولم يبق لها صوت مسموع في غروري، ولا صدى متردد في طوري. فحسبي أنني احترم خصوصيات أبنائي، وما زلت مصرا على مسايرتها، ولو تألمنا جميعا بهذا الأفق المسود النهايات، إذ لولا ما تراكم في أذهانهم من قناعات، لأعربت عن حقائق جمة، ولأفصحت عن كثير مما أدبر به سقف حقائقي الباطنية. فليقل من شاء ما شاء، وليفعل ما شاء أن يفعل، فإني لن أقبل بعد اليوم أن تجمعني إيديولوجية بمن حرض النكبات على إذلالي، وإهانتي، وتشريدي، وتبديدي. وهنيئا لكل المكتئبين الذين أنتمي إليهم. تحياتي.
يتبع







اخر الافلام

.. شاهد: إنطلاق العد التنازلي لمعرض إكسبو دبي 2020 بالأضواء وال


.. كيف كشف الفنان مصطفى أنور شيخ على حقيقته بأغنية؟| جدودنا


.. ماهي المقالب التي كان يقوم بها الفنان مصطفى أنور بآنسات المد




.. تفاصيل جديدة في الرواية السعودية حول مقتل جمال خاشقجي


.. مراسل الجزيرة يتحدث عن التفاصيل الجديدة في الرواية السعودية