الحوار المتمدن - موبايل



مومس - من حكايات الحي القديم

فلسطين اسماعيل رحيم

2018 / 8 / 29
سيرة ذاتية


بشاشة امي وبنيتها القوية جعلت منها عميدة لنساء الحي ، بالاضافة الى توافر الجو الحميمي الذي إعتدنه النسوة المتمدنات حديثا في بيوتهن اللواتي جئن منها ،دكة تنور امي الطيني شهدت خططا ومؤمرات تحيكها النسوة اللواتي وجدن أنفسهن لا عمل لهن سوى كيفية قصقصة اجنحة أزواجهن لئلا يطيروا خلف موظفة عازبة أو طالبة قادمة من بعيد ، فكون سكن العازبات والطالبات كان مجاورا للحي السكني كنوع من زيادة إحساسهن بالامان ، هذا الإجراء اقتلع الأمان من قلوب نساء الحي ، وحدها حفافة الحي وكان اسمها جمهورية ، وكانت سيدة جميلة على ما اذكر و(هبة ريح) على حد تعبير امي التي ترى فيها امرأة (نادرة) فهي مزينة لنساء الحي وفتاحة فأل وخياطة أيضا، وتعيش عراكا يوميا مع زوجها ، بل ان عراكهم قد يصير نوبتين نهارا ومساءا وأحيانا ثلاث وجبات أو خمس مصحوبة بالنوافل والأذكار من الشتائم ، فجمهورية التي ينطبق عليها المثل الذي يقول ( النادرة بحظها والمهملة بسبعة حظوظ) ابتلاها حظها بزوج لا يدخر وسعا في خيانتها ، زوجها قبيح الشكل لم يكن يحبه أهالي الحي وكان اذا حدث كذب وإذا أؤتمن خان ، كان ابا لستة أطفال تعيلهم جمهورية وحدها.
جمهورية التي جائت ضحى لأمي منكوشة الشعر وعلى وجهها وجسدها اثار ضربا عنيف ، كانت قد خاضت مع زوجها الدميم ذاك معركة صباحية ، وطلب اليها ان تأخذ عيالها وتغادره ، هي التي تفتح الفأل لكل نساء الحي جائت تسال امي ماذا يمكن ان تصنع بعد ان ضاق اَهلها بها وبزوجها ذرعا ، لم تعرف امي التي اشارت عليها ان لا تغادر بيتها وان لا تخشى تهديداته وتبرعت بالتدخل في الاشتباكات اذا ماحدثت مجددا ، لم تعرف حينها امي انها ستكسر هيبته في الحي للأبد ، فبعد ان اتفقت جمهورية مع امي على عدم مغادرة البيت ، عادت وقامت باعمالها اليومية ، وهي التي تعرف ان زوجها لا يعود حتى يتجاوز الليل منتصفه ، كي لا يراه جيرانه سكرانا ، دب الجبن في قلب جمهورية حين أقترب الليل من منتصفه فقامت بإطفاء جميع اضوية البيت وجعلت اطفالها الستة ينامون في غرفة واحدة مواجهة للشارع كي يمكنهم الفرار تحسبًا لغضبة والدهم السكير ، وجلست تحرسهم ، وحدث ما كانت تنتظره عاد زوجها ثملا وبرفقته سيدة جاء بها من الليل ، وحين فتح الباب تعثر بالأولاد المتلاصقين كالسمك في علبة السردين ، صرخة جمهورية وصرخ الاولاد وصرخ زوجها والسيدة التي برفقته ، أفلتت جمهورية من قبضة زوجها وجائت راكضة الى بيتنا وافقنا معها جميعنا ، حملت امي محراث تنورها وتوجهت الى بيت جمهورية تبعتها اختي فضيلة ولَم تفلح في اقصائنا عن المشهد ، ولا حتى تلويحتها لنا بالعصا التي بدت طويلة حدا وغليظة في يد امي ، نحن الصغار الذين استفزنا وجود سيدة دعتها جمهورية بالق….ة كان بِنَا فضولا عارما لنعرف شكل هذي المرأة الق….ة ، هجمنا على بيت جمهورية كخلية نحل ، كانت امي تمسك بزوج جمهورية من ياقته وتضربه والسيدة الق….ة كانت تحتمي خلفه فتنوشها امي بضربات من محراثها الجديد الذي لم يكن من جريدة سعف إنما من غصن شجرة كالبتوس فتية ، واعتقد ان امي قد هيئته عصر ذاك الْيَوْمَ تحسبًا لمعركة كهذه ، وبتوجيهات من امي التي لم تنفك تنسك بعنق الرجل ، امرت شقيقتي وابن جيراننا الذي كان بمثل عمرها ان يجيئوا بأهل جمهورية من الكوفة ، كان الفجر يقترب ، وكنا نحن الصغار نستقتل لنرى وجه السيدة التي التفت بعبائتها لتغطي وجهها عنا فيما نجحنا في رؤية شعرها الأصفر الفاقع وجزء من طلاء أظافرها الأحمر ، ونحن نتجرء عليها متشجعين بأمي قمنا بسرقة حقيبتها الحمراء واذكر انها مصنوعة من القماش ، وغنمنا قلم شفاه اخضر اللون ومجموعة لا بأس بها من الدراهم وقنينة عطر صغيرة وثلاث مساكات حديدية للشعر ، كانت امي تصرخ بِنَا أرمو هذه الأشياء النجسة ، فرمينا الحقيبة ، ولَم تدر امي اننا رميناها فارغة .
عادت فضيلة وابن الجيران وأم جمهورية وإخوتها الذين بدا عليهم الملل والجزع من هذا الرجل الذي يبدو ان مشاكله كانت جميعها من هذا النوع ، وجلسوا في بيتنا يتناقشون حول تسوية الامر ، فيما أطلقوا سراح السيدة الق…ة التي غادرت الحي بفضيحة وفِي الحقيقة لا ادري كيف أمكنها االمغادرة بعد ان استولينا على كل ماتملكه في تلك الليلة ، فيما لاحظت سائق التكسي الذي جاء بأهل جمهورية يخرج دفترا ويدون ما حدث تلك الليلة والذي قال بانه هو من اقل الزوج والسيدة التي برفقته الى الحي ، ليعود بعد ساعة ويشهد فضيحة لم يكن يتوقع نفسه شاهدا عليها ، اذكر ان سائق التكسي الذي اتضح انه طالبا جامعيا كان قد غمز لأختي حينما غادر ، وفضحت أمره وانا أصرخ انه يغمز لأختي يا امي ، فغادر الرجل مسرعا خوفا من امي التي كانت ما تزال ممسكة بعصاها ، بعد تلك الليلة اذكر اننا لم نسال امي حول مصروف يومي لأكثر من اسبوع ، كما ان امي ميزت عطرا رخيصا كان ينبعث منا نحنا الصغار ، كما اني اكتشفت ان قلم الشفاه الأخضر يتحول بقدرة قادر الى احمر خمري حين يستقر على شفاهي ، واذكر ان زوج جمهورية لم يعد الى مضايقتها رغم انه كان يغيب عنها اياما ، لكن طوال فترة جيرتنا لهم ظل هادئا ويخشى غضبتها منه ، فيما استقر في عقلي مشهد تلك السيدة بحقيبتها الحمراء المصنوعة من القماش الجلسة ( وهو نوع قماش رخيص) وعطرها الغريب الذي ظلت امي لفترة تسال كيف التصقت بِنَا رائحة تلك الق….ة ، شعرها الأصفر الفاقع وكعب حذائها اللماع وطلاء أظافرها ، كل ذلك شكل عندي صورة أولية لشكل بائعات الهوى ، وجعل في حكم استقبال بصري لأي فتاة تتوفر فيها هذا المواصفات ، نوع من الشفقة المصحوبة بشعور غريب ، لست ادري أهو ازدراء نفور ، لكنه لا يخلو من الشفقة والاعتذار لكل ما فعلناه بصاحبة الحقيبة القماشية الحمراء .







اخر الافلام

.. منزل عائلة فلسطيني متهم بقتل جندي إسرائيلي يواجه الهدم


.. ماذا يعني بريكست بلا اتفاق؟


.. غريفيث يقدم مقترحات لطرفي النزاع اليمني




.. أحجية الحكومة اللبنانية.. تشكيل لا تشكيل


.. قوائم التطرف الفرنسية.. أمن متفلت ومتطرف هارب