الحوار المتمدن - موبايل



المرايا

سعود سالم

2018 / 9 / 1
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


في السنوات الأخيرة، أصبحت الصورة الفوتوغرافية تلفها هالة l aura من القداسة والأهمية، وألبسها المجتمع الثقافي والفني قيمة مبالغ فيها بطريقة يصعب إدراكها وفهمها، وأصبحت تـاخذ مساحة تكبر تدريجيا في صالات العرض الكبرى وفي المعارض الفنية. ولا شك أن الذي ساهم في ذلك بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة، هو حاجة سوق الفن إلى بضاعة جديدة، غير الرسم والنحت والتصوير التشكيلي الكلاسيكي منه والحديث، فظهر ما يسمى بالتصوير الفوتوغرافي الفني Fine-art photography. والتصوير أو الصورة الفنية هي لوحة تشكيلية بالأبيض والأسود أو بالألوان رسمت بواسطة الضوء عن طريق عدسة آلة التصوير، ثم طبعت على الورق أو القماش، وهي تختلف في مضمونها إختلافا جوهريا عن الصور الصحفية وصور التحقيقات الميدانية أو صور الحرب أو الصور العائلية وصور المناسبات. فالصورة الفوتوغرافية الفنية هي تعبير فني يلجأ فيه الفنان إلى التقنية الفوتوغرافية بدلا من الريشة والألوان، التي يستعملها الرسام عادة في التعبير عن رؤيته للعالم، وبدلا من الحروف والكلمات التي يستعملها الشاعر أو الرائي لتصوير العالم المحيط به . ولا شك أن العلاقة بين الفن وبين التقنية الفوتوغرافية قد أعادت إلى المسرح من جديد الإشكالية القديمة التي أثارها إفلاطون وهي إشكالية المحكاة أو La mimèsis . وربما يكون إكتشاف التقنية الفوتوغرافية وتطورها السريع قد ساهم بطريقة حاسمة في تخلص الفنون التشكيلية من المحاكات والتقليد ومحاولة إعادة إنتاج المرئي. ذلك أن افلاطون نفسه كان يقول على لسان سقراط في الجمهورية بوجود عدة طرق لإنتاج ما نراه في الطبيعة، سواء الأشياء المصنوعة بيد الإنسان كالبيوت والقصور والمعابد والمسارح، وغير المصنوعة، كالحيوانات والنباتات وكل الأحياء وكذلك الأرض والسماء والآلهة والأجرام السماوية إلخ. ولا شك أن إفلاطون في هذا الموضع يسخر من الشعراء والفنانين، الذين يحاكون الطبيعة ويحاولون إعادة تشكيلها أو خلقها "هناك في الواقع طرقا متعددة يمكن بها القيام بهذا العمل بسرعة ويسر. وأسرع الطرق لذلك هي أن تأخذ مرآة وتدور بها في كل الإتجاهات. وسرعان ما ترى نفسك وقد أتيت بالشمس والنجوم والأرض وذاتك وكل الحيوانات والنباتات الأخرى ". ولا شك أن هذا الذي يمكن أن تفعله المرآة ينطبق بطريقة أكثر ملائمة على آلة التصوير الفوتوغرافي، والتي لا تعكس فقط العالم الخارجي ولكن تسجله وتحفظه ويمكن إنتاجه من جديد في ظروف مغايرة زمنيا ومكانيا. ولهذا السبب وجدت الفنون التشكيلية نفسها في مأزق تاريخي، ومنذ إختراع التقنية الفوتوغرافية، لم يعد الفنان يرى العالم كما يراه من قبل قابلا للمحاكاة، لأن آلة التصوير تفوقه في هذا المجال وليست له القدرة على منافستها في الدقة والسرعة والإتقان، وأصبح ملزما على الفنان أن يتجه نحو فضاءات فنية وتعبيرية جديدة وغير مألوفة تبتعد تدريجيا عن تصوير ما هو كائن ومحاكاته أو تقليده.
المحاكاة La mimèsis - μίμησις - من μιμεῖσθαι - mīmeisthai "تقليد" من μῖμος "مقلد، وممثل"، هو مفهوم فلسفي عالجه أفلاطون في كتاب الجمهورية، ثم تناوله من بعده أرسطو وطوره وأعطاه بعدا أكثر إيجابية. بطبيعة الحال لقد تطور معنى هذا المفهوم على مر القرون، ففي البداية كان محصورا في الجانب الديني، ويتعلق خصوصا بالرقص والتمثيل الصامت والموسيقى، حيث لم يكن التقليد يتعلق باستنباط مظهر حقيقي مماثل، ولكن للتعبير عن الديناميكيات الروحية والعلاقات النشطة والفعالة مع الواقع الحي، وقد ذهب بعض الفلاسفة، مع ذلك، إلى أن المحاكاة والتقليد تتعلق بالتقنية التي تستلهم فنونها من الطبيعة، مثل ديموقريط Democritus ، الذي كان يرى أن صناعة "النسيج" مثلا ما هو إلا تقليد للعنكبوت التي تنسج خيوطها الدقيقة بطريقة طبيعية لتنسج شباكها التي تصطاد بها ما يضمن حياتها.
ولكن في الحقيقة، الـ "ميميسيس" هي إشكالية تتعلق حصريا بالعلاقة بين الفن والواقع، أي إشكالية الصورة بمعناها العام. في الكتاب الثاني والثالث من الجمهورية ، أفلاطون يعالج قضية المحاكاة في مجال التربية وتعليم الأطفال. فيشير إلى صفات الخطاب غير المباشر عندما يتعلق الأمر بالأساطير، التي هي وسيلة فعالة لنقل الحقائق الأساسية والمباديء الأخلاقية من خلال العبر والمحاكاة والتقليد. ومع ذلك ، لديه تحفظات حول صحة وفعالية هذه الأساطير، وويركز على ضرورة صياغتها بعناية شديدة حتى لا يكون لها آثار سلبية على الأطفال. ويعبر أفلاطون عن شكوكه ومخاوفه من الشعر في مجال التربية وتعليم الناس عموما، لأنه يعتبر المواطنين غير قادرين على التمييز بين الواقع وبين محاكاة هذا الواقع الذي يبالغ الشعراء في وصفه مما يجعلهم يقعون في الخطأ والضلال ويصدرون أحكاما بعيدة عن الصحة.
أما في الكتاب العاشر من الجمهورية، فيذهب إفلاطون إلى أبعد من التعبير عن المخاوف والشكوك، فيدين صراحة الشعراء ويطردهم من جمهوريته، يرفض أي قيمة تمنح للشعراء والفنون والتقليد. يشكك في التمثيل ويصر على أولوية الحقيقة والواقع، ينتقد الرسم الذي يرى أنه يقلد الواقع دون أن يمتلك جوهر هذا الواقع أو المعرفة اللازمة لإدراكه وفهمه. ثم يحدد تراتب هرمي من ثلاث درجات بخصوص الوجود الحقيقي للأشياء وهو ما يعرف بـ"نظرية المثل"، فهناك عالم الأفكار أو المثل، والذي يتضمن "طبيعة الأشياء"، أي الحقيقة المجردة المتعالية. ثم هناك الأشياء المحسوسة التي يتم صنعها وفقا لهذا العالم من الأفكار والمثل من قبل الحرفيين، كما يفعل النجار الذي يصنع سريرا وفقا لفكرة السرير. ثم هناك الأشياء التي ينتجها الشعراء أو الرسامين والفنون عموما، والتي تحاكي الأشياء المحسوسة، مثل الرسام الذي يرسم بالخطوط والألوان سريرا، أو الشاعر الذي يصف وصفا دقيقا درع آشيل أو كيف صنع أوليس مع بحارته حصان طروادة. وهكذا يصبح إنتاج الشعراء والفنانين يبتعد بشكل مضاعف عن الحقيقة.
لكن إذا كان أفلاطون قد عالج مشكلة الصورة من خلال منظور مثالي، فإنه لم يعالج مشكلة الفن والجمال أو خصائص ومهمة الفنان. فالفنان ليس حرفيا، ولا يصنع أوهاما محسوسة لكي يخدع المشاهد أو المستمع، بل إنه يكشف الأثر الواقعي ويعمل على ظهور الواقع وانبثاقه ويعبر عن رؤيته للأشياء مبدعا عالما جديدا، ولو أنه يستند إلى أسس واقعية حقيقية، إلا أنه عالم جديد ومغاير ويختلف جوهريا وفي صميميته عن العالم المحسوس والمدرك. لذلك يرى هيجل أن مبدأ المحاكاة لا يمكّننا من معرفة الطبيعة العميقة للفن، فلِماذا نحاول أن ننتج الطبيعة مرة ثانية، إذا ما كان ما نتأمّله في حدائقنا أو منازلنا يكفينا، ثم إن الفن الذي يحاول إعادة ما هو كائن، لا يستطيع مهما بلغ من الكمال أن ينافس الطبيعة. يقول هيجل :« على الفن أن يبحث عن غاية أخرى عدى المحاكاة الصورية للطبيعة لأن المحاكاة في كل الحالات لا تنتج إلا آثارا تقنية لا آثار فنية». و Leonard De Vinci انتقد أيضا التصور الأفلاطوني، وأعتبر بأن الفن هو إبداع ذاتي، والفنان كالإله، خالق يبدع من ذاته لا عن مثال. غير أن الكاتب والروائي الإنجليزي أوسكار وايلد (1856ـ 1900) يذهب إلى أبعد من هيجل و دا فنشي، إذ لا يكتفي بنفي محاكاة الفن للطبيعة، بل يقلب المعادلة ويرى أن الطبيعة هي التي تحاكي الفن، ذلك أن الإبداع الفني يستبق الحياة والطبيعة، وأن فكرتنا عن الواقع نبنيها ونكونها من خلال الأعمال الفنية الخيالية. يقول وايلد «إن القرن التاسع عشر كما نعرفه هو بنسبة كبيرة من صنع بالزاك، والطبيعة مثلها مثل الحياة تحاكي الفن ، فما هي الطبيعة إذن؟ ليست هي الأم التي ولدتنا بل هي من إبداعنا» وكما يقال عادة بأن الرسام Turner هو الذي غطى لندن بالضباب.







اخر الافلام

.. الجيش اليمني يواصل تقدمه في محافظة صعدة


.. مرآة الصحافة الاولى 23/10/2018


.. شاهد: جسر بيبانغيانغ الصيني هو الأعلى في العالم




.. فيديو: إطلاق النار على شخص حاول الدخول إلى محطة تلفزيونية مح


.. التحالف العربي يدك معاقل الحوثيين في صنعاء