الحوار المتمدن - موبايل



زين وآلان: الفصل الثاني 1

دلور ميقري

2018 / 9 / 6
الادب والفن


" بار 68 "، بدا لعينيّ الشاب كأحد كهوف العالم السفليّ؛ بواجهة متجهمة ودرج ضيّق يُفضي لقبو شبه عتم. إنه يكمن في غيليز، في منتصف دربٍ متفرع عن الشارع ذي الاسم الملكيّ. وكان من الصعب على المرء ليلاً تمييزَ مدخل البار، المنار بضوء ضعيف شاحب، عن مدخل العمارة الملحق بها. ولكن حُبيَ هذا الملهى، في المقابل، بموقع قريب لقلب " سيامند "، كونه لا يبعد عن مسكن حبيبته بأكثر من مائتي خطوة. وكذلك لسبب آخر، سيرد معنا في حينه.
هيَ ذي " زين " برفقته أيضاً، في طريقهما للبار. الدربُ، كان على شيء وافر من الجدّة والأناقة والنظافة، إلا أنّ الشاب كان ينسابُ فيه متعثراً بشعور الخزي وتأنيب الذات. لقد عبّر عن ذلك بأقدامه المتعجلة، التي لاحت نزقة كأنها ترفسُ أرضيةَ الدرب وفراغه المظلم. لم يكن من أساس لشعوره المَوْصوف، طالما أنه صحب فتاته بنيّة صافية مخلصة. ما كدّر مزاجه، في واقع الحال، حقيقة نظرة الشخصين الآخرين إلى هذا التصرُّف. إنه ابتغى من وجود " زين " معه، إضفاءَ جوّ اجتماعيّ عائليّ على جلسة العمل. وليسَ ذنبه، فكّرَ الآنَ بحنق، أن يختار الرجلُ المسئولُ البارَ لمكان الاجتماع لا مقهىً أو مطعماً. بغض النظر عن غاية الرجل من تحديده المكان، ولكن لا يُمكن اتهامه بشيء ما دام على جهلٍ بأمر مجيء الفتاة.
" ومن يدري، فإنه ربما يأمر بإبعادها عن الجلسة احتياطاً وحذراً. وهذا سيكون أمراً حسناً! "، اختتمَ الشابُ مناجاته الداخلية. وكانت " زين " تسيرُ ملتصقة به جنباً لجنب، مجاهدة في مجاراة خطواته الواسعة. بدت سعيدة، متأنقة بثوب سهرة تقليديّ، ورديّ اللون، أضفى على بشرتها الحليبية مزيداً من الفتنة. وكانت خالية الذهن، بالطبع، مما شغل فكر صديقها وأقلقه طوال الطريق. ما أسعدها خصوصاً، أنها لم تضطر للكذب على شقيقها في شأن " جلسة العمل ". إذ تبيّنَ " آلان " على معرفة بالبار، مثلما نمّت ملاحظته بُعيد سماعه عزمها على ارتياده مع صديقهما: " ذلك المكان، يُعدّ المفضل للعديد من الفنانين والأدباء والصحفيين، وكذلك لبعض السياسيين من ذوي النزعة اليسارية ".
أردفَ شقيقها متفكّهاً: " ولكن يجب تنبيهه، هذا المتطرف الكرديّ، بضرورة حفظ لسانه خلال الحديث وألا ينخدع بكلام صاحبه القادم من باريس عن سياسة المخزن الجديدة، القائمة على تشجيع الرأي الحر والانفتاح والتسامح! ". كانت ضحكته البريئة، الصادقة، ما تنفكّ تصدى في رأسها حينَ نزلت عبرَ سلم العمارة الرخاميّ. غيرَ أنّ شقيقها ظهرَ لعينيها أقل مرحاً، هنالك على شرفة الشقة. لوّح بيده، مُحيياً " سيامند "، ثم أدار ظهره واختفى بلمحة ـ كأنما شدقُ الشقة، الداجي، قد ابتلعَ جسدَهُ الرشيق.

***
وما كان الشابُ الغريب في حاجةٍ لمن يفتح عينيه على حقيقة الوضع، فإنه أكتشفه بنفسه في خلال شهرٍ من إقامته في البلد. كان قد جابَ في رحاب الأحياء الفقيرة داخل المدينة القديمة، وتلك الأخرى، المترامية عشوائياً على أطرافها ـ كذيل عظاءة هرمة، مبتور ومهمل على جانب جدول جاف.
في أثناء مطاردته لتلك المرأة الغامضة، ذات الثوب الأحمر، تعرّفَ " سيامند " على المزيد من البؤس في متاهة أزقة ربما لم تطأها من قبل قدما غريب. وكانت مطاردة خائبة، مثلما علمنا، حتى بعدما انتهت على عتبة بوابة صالة رواق الفنون. لقد كانت الصالة مغلقة، والخفير الكسول هناك أطل برأسه كي يخاطبهما بنبرة ساخرة: " لم أرَ أيّ امرأة تمر من الدرب، لا بثوب أحمر ولا دون ثوب أيضاً! ". قالها الرجل المتوسط العُمر، محدقاً بتنورة الفتاة القصيرة، المبرزة فخذين ممتلئين وناصعين على درجة من الإغراء، فادحة ولا ريب.
لعل شقيقا " سيامند "، الراحلَيْن، سبقَ أن لاحظا بدَورهما نظرات الناس العاديين، وبشكلٍ أحَدّ الشباب، المعبّرة عن الإملاق والإحباط وفقدان الأمل بالمستقبل. كان بالوسع رؤية جموعهم، المختلفة الانتماءات، وهيَ تكتسح مساءً قلبَ المدينة القديمة، ساحتي جامع الفنا ومسجد الكتبية، وما يتصل بهما من شرايين الشوارع والدروب والأسواق.. يكتسحونها، وكل منهم في هيئته تلك، المَوصوفة، علاوة على ملابسه الخَلِقة، هارباً بحجّة القيظ من المنازل المتداعية الجدران، المسكونة بالعفن والوساخة والهوام والحشرات والزواحف. بعض أولئك المتنزهين، كان يتجرأ نهاراً على التسلل إلى حي غيليز الراقي، مدعياً الحنين إلى ظلال حدائقه، وهوَ في الحقيقة إنما يبغي التنعّمَ بسويعات رخاء عابرة في ربوعٍ باذخة مثلما يفعل الشخص الظمآن عند شاطئ البحر، المالح المياه: هذا كله، يعرفه " سيامند " حق المعرفة. وعلى أيّ حال، لم تشأ صديقته نقل تحذيرات شقيقها له!

> مستهل الجزء الثاني، الفصل الثاني، من رواية " الصراطُ متساقطاً "







اخر الافلام

.. ثقافة البرغر تضرب وزارة الدفاع الأمريكية في مقتل


.. جولة في متحف اللوفر أبوظبي مع الفنانة آلاء إدريس


.. آلة البالالايكا رمز روسيا الموسيقي والثقافي




.. بتحلى الحياة – مسلسل ثورة الفلاحين – الممثل اليكو داوود


.. أفضل 5 أفلام في السينما الأمريكية هذا الأسبوع