الحوار المتمدن - موبايل



التفاعل الثاني مع كتاب -ذاكرة الإسلام- للأستاذ مرزوق الحقوني

عمر سعلي

2018 / 9 / 10
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


دائما في سياق التفاعل مع الكتاب المنشور حديثا لأستاذنا مرزوق الحقوني "ذاكرة الإسلام" ، والذي قلنا أن مناقشتنا ونقدنا له سنستهلها في البداية بنقد شكلي ،وبالوقوف على بعض المفاهيم والأراء التي أوردها الكاتب تعزيزا لموقفه الكلي من التراث الإسلامي ،والذي في المجمل يتمحور حول موقف قديم وجديد، من أنّ أنصار النقل والفقهاء قد تآمروا على العقلانيين والعقلانية في تاريخ الإسلام وأنه لا سبيل للخروج من المأزق إلإ بالتصالح مع العقل وإعادة ترميم المدرسة الرشديّة وبعث عنفوان النبوة في الأمة من جديد ،هكذا يرى الكاتب ، وقد أبرزنا بعض من موقفنا من هذا في المقالة السابقة .

سبق في المقالة السابقة أن ناقشنا مفهوم العقلانيّة لدى الكاتب ومعنى الأخلاق عنده ، ومررنا بموجز مناقشة عن الصراع الشيعي السني وتحدثنا عن التصوف وطرحنا فيه رأي.وسنكمل في هذه المقالة الثانية نقدنا لأسلوب الكاتب ومناقشتنا للمفاهيم التي استخدمها في متن كتابه، ثم سنكتب بعض العوارض التي تسلط الضوء عن القضايا الغير الأساسيّة في مناقشتنا.

في قضيّة العلم :

يرى كاتبنا أن بدايات تشكل العقل العلمي العربي كان مع بداية ما يسميه عصر التدوين ،ورأينا في المقالة السابقة كيف تماهى الكاتب مع أطروحة محمد عابد الجابري في قوله أي كاتبنا :(لئن كانت اللغة العربيّة أنذاك سماعيّة وجدانية تعتمد من العقل الذاكرة في كل مجالات الحياة ،الإجتماعية والإقتصادية والأخلاقيّة والإنسانيّة بوجه عام ، وكل شئ كان إما شعرا أو نثرا أو قصّة أو رواية ،فإن ذلك جعلهم يستغنون عن الكتابة وعن البحث العقلي ..)،وقلنا أن هذا الأسلوب لم يستهدف الدقة وأنه إسقاطي ومثالي وأحد الإفرازات المدمرة للحداثة الغربيّة في الفصل بين ما هو عقلي وما هو وجداني وما بين ذاتي وما هو موضوعي .

ولابد في هذا المحور أن نسهب في معالجة النقص الوارد في كثير من التحليلات التي تتناول التراث والتي غالبا ما تستقي إما من الدراسات الإستشراقيّة ،وإما بعجزها لضعف أسلوبها في رأية المحركات الماديّة للبنى الفوقيّة من العلوم والفلسفات والإيديولوجيات ،مما جعل أغلب التحليلات المطروحة في الساحة لم تستطع إلى حد ما الذهاب بعيدا من الأحكام العاميّة الساذجة أو المفتعلة الخبيثة في النظر إلى العلم والعلوم .

يرجع الغلط في معالجتنا للعلم ومعالجة الكاتب ومعه الكثير ممن اشتغل في التراث والبحث التاريخي إلى سوء التمييز بين العلم المحتكَر، علم المدنيات المحبوس بالسلطة ونية المراكمة الرأسماليّة وبين العلم المجتمعي ، العلم المقرون بنية المحافظة على النوع المحكوم بأخلاق المجتمع ،وملاحظة بسيطة من التاريخ ستؤيد هذا الطرح فلم يعرف التاريخ "ثورة " علميّة ،إلاّ وهي مقرونة بمدنيّة كبرى بداية من السومريين والفراعنة والبابلين وفارس والإغريق وروما وأخيرا أروبا وأمريكا (محتمل أن تنتقل للصين)،ولا يلغي هذا وجود العلم في المجتمعات البعيدة عن المدنيات (الحضارات) بل علمها فقط غير مذكور لإقترانه بحاجاتها وبساطتها والمحكوم بأخلاقها ، فلا يصح جرد الشعوب الأخرى من العلم والعقل ، فهي لخلو الإحتكار فيها ولضعف السلطة الإمبراطوريّة فيها ( تنشأ الحضارة حسب ابن خلدون بتغلب قبيلة على نظيراتها ولا يحدث التغلب إلاّ بعقيدة استعلاء /المقدمة ص220 طبعة دار ابي الأرقم) فالعلم عند الشعوب البعيدة عن الرأسماليّة/الإحتكار (الرأسماليّة بتعبير فرنان بروديل)،لا ينشأ إلاّ بقدر منافعها منه وحاجتها إليه في حياتها اليوميّة (ليس لحاجة السلطة أو مراكمة الثروة/ ثم الغزو) والتقدم العلمي لهذه الشعوب هي بقدر تطور عمرانها (ابن خلدون/المقدمة ص 473 ،نفس الطبعة ) ،أي أن دراسة حالة العلم، وجوده أو غيابه في المجتمعات مجردا من دراسة كامل البنى الفوقيّة والتحتيّة لن يفي بغرض الدراسة التاريخيّة الناجحة ، زيادة إلى ضرورة الحذر في التمييز بين العلم الصديق للمجتمع وللإيكولوجيا ،والعلم العدو الأسير لواقع الربح والإحتكار وشذوذ الإستهلاك والدعاية المعاكسة لتناغم الإنسان مع المجتمع والكوكب والكون .

ونفس هذا الإستنتاج في ما يتعلق بالنظر العقلي عند العرب في صدر الإسلام أو قبله، قد أورده أخرون من المقريزي إلى العقاد، والعقاد في كتابه "أثر العرب في الحضارة الأروبية ص32 " ،يقول: (إن اشتغال العرب الطويل في رعي الماشيّة قد باعد بينهم وبين طب الخرافة والكهانة ، وقارب بينهم وبين التجارب العلميّة ،لأنهم راقبوا الحمل والولادة والنمو وما يتصل به من الأطوار الحيويّة ، وشرحوا الأجسام وعرفوا مواضع الأعضاء منها ، وعرفوا أغراض هذه الأعضاء في بنية الحيوان نحوا من المعرفة ، فاقتربوا من الإصابة في تعليل المرض والشفاء ).وهذا بلا شك (عمل عقلي خالص في استخدام حاصل التجربة الحسيّة المباشرة لإستخلاص النتائج العامة ) يعلق المفكر اللبناني حسين مروة في النزعات الماديّة على العقاد.

وأخرون مثل القاضي صاعد (طبقات الأمم الجزء 2 صفحات 13-14 طبعة مصر )ومستشرقون ومؤرخون وباحثون ممن فندوا القياسات الإسقاطيّة وبحثوا في أصول فلسفات العلوم وجغرافيتها .

هذا ما يفيدنا في أن نفهم مع الكاتب سر الغياب الظاهري للعلوم في الجزيرة العربية في صدر الإسلام أو قبله (العالم أو المفكر تنضجه الظروف الموضوعيّة )،وظهورها مع الدولة الأمويّة ومع اتساع العمران في الشام والعراق (وصفه الكاتب بعصر التدوين) ، وأيضا نستشف سبب ما أورده ابن خلدون من بساطة العلوم عند الأمازيغ في شمال افريقيا وتعمقها لدى الفرس والروم وغيرهم ، وممكن كذلك من منطلق هذا التحليل أن ندرس لماذا نشأت الدولة الإسلاميّة في الشام والعراق ولم تنشأ في الجزيرة العربيّة مهد الرسالة وموطن النبي.

في قضيّة علم الكلام :

يقول كاتبنا في صدد كلامه عن المدارس الكلاميّة :(هكذا تم التعامل مع كتاب الله الذي هو حجة ومحجة يعجز كل من ادعى عليه قوة بالبيان أو الهذيان ،فكم من وقت تم صرفه في مناظرات لا طائل من وراءها إلاّ إضعاف الخصم المخالف للأخر في الرأي الديني أو الرأي السياسي، فكان التيه والتفرقة بين أهل الدين الواحد/214) ،وهذا تسفيه من الكاتب واضح للمدارس الكلاميّة التي لا يجب أن نتمعن في ظاهرها فقط، وإنما أن نعي دورها وبيئتها وما يمكن أن تساهم في ما يدعوا إليه الكاتب نفسه ووضعه أركان كتابه من ضرورة الحريّة ونقذ الذات ، فإذا لم يتعلم مسلم ذلك الوقت النقد من المدارس الكلاميّة فأين له أن يستقيه ؟ وأين له من ملكة الجدال إذا لم يوفره علم الكلام ؟ وحتى إيجابيته تهم الإسلام نفسه ،فلا يمكن الجدال عن عقيدته بنصوص الوحي مع آخر لا يأمن بالوحي ،وهنا كانت الضرورة للحجج العقليّة في بيان وجهة نظر المسلمين أنذاك .

عوارض متفرقة :

-في شخص ابن تيميّة وإرثه، نجد أن الكاتب يحاكم هذا الشخص من خلال موسوعته "الفتاوي" التي طبعتها ونشرتها الدولة السعوديّة في عهد الملك خالد ومن دون أن تثبت أو يثبت أي عالم مخطوطات بوجود مخطوطة أو كتاب قديم يحمل فتاوي ابن تيميّة ،ولهذا السبب ،عجز الدولة السعوديّة إلى حد الأن في إظهار النسخة التي نقلت منها موسوعة الفتاوي وأسباب أخرى لها علاقة بتحالف المشيخة الوهابيّة مع السلطة السياسية لأل سعود يكون من الحذر محاكمة ابن تيمية اعتمادا على كتاب مشكوك فيه وغير معتبر لدى أغلب البحاثة والفرق الإسلامية ،كما أن كتاب الفتاوي نفسه يتعارض مع كتب ابن تيميّة الأخرى الأكثر دقة في التحقيق.

-نجد أن الكاتب يعيب عن ابن تيميّة تأييده للدولة الأموية (ص374) بينما الكاتب نفسه يعتبرها من تدبير الله لجمع فرقة المسلمين وتشتتهم .(ص130).

-ذكر الكاتب أن العثمانيون وصلوا إلى المحيط الأطلسي غربا (ص395)، ولا نعرف أي مرجع اعتمده ، للأننا نعتقد من مصادر عدة أن العثمانيون لم يصلوا إلى المغرب ..

-ذكر الكاتب في الصفحة 310 أن سبب قدوم الحملة الصليبيّة هو في الظاهر التبشير وباطنه الإستعمار ، وهذا الأخير صحيح ولكن ظاهره كان تخليص قبر نبيهم عيسى من" الوثنيين المسلمين" وعلى هذا جيشوا شعوبهم.

-نجد الكاتب في الصفحة 324 وفي صفحات أخرى يعزى انحدار الأمة إلى الحكام وسياساتهم وبالأخص تحالفهم مع الفقهاء المتزمتين وهذا حق من جانب ،ولكن الكاتب في بعض الأحيان نجده يسيق الحديث المشكوك فيه "كيفما كنتم يولى عليكم " وهذا مأزق وجدار منيع أمام كل ما اجتهد فيه الكاتب من قبل.

- في الصفحة 275 نجد أن الكاتب يرى أن توحيد الصف هو الإجابة على مشكلات الأمة وتشرذمها ، وهذا بحق شعار جميل ولكنه خالي من أي أليات لتوحيد الصف ، فهناك توحيد بالسيف وتوحيد بالغلبة وتوحيد بالإبادة وتوحيد بإدراج الكل في ما يسمى اللعبة الديموقراطيّة و الدولة المدنيّة ..وإلخ

فأي ألية يراها الكاتب متصالحة مع خصوصيّة العالم الإسلامي لتوحيد هذا الصف ؟







اخر الافلام

.. وزير الأوقاف يتفقد كلية الدراسات الإسلامية


.. ما سر غرفة -المسجد- في منزل الكاتب الفرنسي بيار لوتي؟


.. هذا الصباح- المئذنة الملوية تحفة إسلامية بأسلوب معماري فريد




.. حوار الساعة | وئام وهاب - رئيس تيار التوحيد اللبناني | ...


.. بوكوحرام تقتل 9 قرويين في شمال شرق نيجيريا