الحوار المتمدن - موبايل



مقهى المنار

إبراهيم الوراق

2018 / 9 / 12
سيرة ذاتية


لن أخدعك أخي الفاضل، وأنت قد منحتني كثيرا من وقتك الثمين، لكي تخفف عني وجع معاناتي، وتقدم لي خدمة نبيلة، لم أعثر عليها حين كنت كاهنا في مجمع العلماء، والفقهاء، ولم أخلها موجودة في العالم البشري المعزول عن إنسانيته، والمعرور بشرور النيات الفاسدة، والشهوات الكاسدة. لكن، ومهما رأيتني حائرا، ومترددا، وعاجزا عن تقدير ذاتي، وتمكين قرارتي، فإني لا أحمل في عمقي إلا ما أكنه لك من تقدير، وأجلك به من احترام، لأني قد عقدت عقدا في باطني، ووثقته بمنتهي نياتي، وطالبته بأن يكون وفيا لكل ما هو فضيل، وجميل، وهو الذي يحرك مشاعري المكتومة، وعواطفي المكبوتة، وإن ابتغت أن أنحاز إلى تلك الصورة القاتمة في ذهني، والداكنة في خلدي، والمتجبرة بظنونها الجوفاء، وطقوسها العجفاء. ربما، قد لا أكون قادرا على أن أعبر عن ذلك بمنتهى إرادتي، ومرتجى طلباتي، لما تراكم عندي من تجارب سيئة، عشتها في محيط حاصرني بالتهم اللعينة، بل قضيتها قلقا، وأمضيتها ضجرا، وكأني لا أملك فيها إلا حصة بسيطة مما سموه العقل، ووصفوه بالعظمة، ونعتوه بالصلادة. وها أنا في إحدى منعرجاته العسيرة، قد فندت خلاياه في متاهات فارغة، وأهدرت جمال لحظاته في مآس كاشحة، لم أستفد منها إلا ما أحاذره من غبن، ومين، وبين، لأنها، ولو أوقدت في عمقي زناد المعرفة، وأضاءت لي بتجربتها الغائرة دروبا غامضة، لم تجعلني إلا جاهلا بالحياة الملتبسة الموارد، وغافلا عن غوائل سككها المتشعبة، وشعابها المتوحشة، وذاهلا عما تختزنه من إشارات المرور، وعلامات التوقف. لكن، أنى لي أن أنسى أني ولدت لأكون حيا متوافر المعنى، ومتسامي الجدوى، ومتواتر الطوبى، إذ حياتي لا تعني لي شيئا سوى الوجود الذي يسبل علي رداء الاختيار، وإزار الاقتدار. ووجودي لا يعني لي شيئا سوى إحساسي باللحظة السارحة بين سوانح أحلام طفولتي البريئة، والانتشاء بها إلى حد البذاخة، والثمالة.
ربما، قد ضيعت كثيرا من حياتي بين ماض أليم، وحاضر أثيم، لم أستطع التخلص من معرتهما، ولا الانفكاك عن مغبتهما، لما يزفران به من مخاض ذات كلت، وملت، وعييت من عيش يسوقها إلى مورد الحيرة، والريبة، ويقودها إلى متاهة التردد، والتبدد. لكن، لا لوم علي اليوم، وأنا قد ناقشتك في المعتقدات التاريخية، والعناوين الكبرى في الأديان، والفلسفات، والثقافات البشرية، وخضت معي لجة ذلك بإمعان، وولجت ما في غمارها من دسائس التاريخ المحرف، ومكايد الإيديولوجيات المنغلقة، ومصايد التيارات المغرضة، إذ آن الأوان أن أقول لك قولا صادقا: إني لم أنحز بصعوبة إلى ذلك المحضن العسر الولادة، إلا لأثبت لكياني تجربة لم أكن قد تذوقتها فيما مضى، وأنا محاصر بالوظيفة الفاتكة، ومضطهد بمطالب بتبعاتها التي حملتني إلى مهامه مغبرة، قد يكون بابها مغلقا إلا على من جارى التيار المتدفق بالرغبات الآسنة، ودارى القطيع المدوي بالصراعات الخائبة، وسافر بعيدا عن ذاته، وقناعاته، وأفكاره، وغازل أحلام رزقه الموءود بشيء من النفاق، والخداع، والحيل. فها هي ذي التجربة قد تجسدت قوة حقيقتها في علاقتنا، وصداقتنا، وتمثلت حدة وظيفتها فيما شاهدته من حسرات، وزفرات.! ولولاها لما انكشف القناع عن ذلك الوثن، ولما انحسر الإزار عن ذلك الرسن، إذ هي التي بينت كثيرا من مضمرات النفوس، ومستجنات العقول.
قد تكون هذه التجربة أرضية ضرورية وصلبة للتخلص من آلامي الحرى، ولواعجي المخزونة في أشجاني، والمنفعلة في أحزاني، إذ ومهما أحسست فيها بضياع، وفراغ، وأسى، فإنها قد عرفتني بحصيد ذاتي، ووضعت يدها على جراح عميقة، استوطنت ذاكرتي، واستقرت بحافظتي، وصارت من شدة تواطؤ الوضع الذي عشته حسيرا، وتكالب ما يفرضه علي من ملائكية ماكرة، لا تدل على حقيقتي البشرية، ولا على انتسابي إلى هذا الإنسان الذي وجد سويا، ليكون قويما في سيره، وسديدا في سربه، إذ تأسست على غرور التاريخ، وكبريائه، وما زالت وإلى يومنا هذا، تريد أن تدس أنفي في رغام الاستهانة بملكاتي، والاستدارة عن طاقتي، لأنها ولو أبرزتني عالما بما هو مطلوب في صولة العلماء، قد أظهرتني جاهلا بكثير من مسارب الحياة، ومشاعبها التي تفرض علي أن أزج بروحي بين أتون حربها الحارقة، لكي أبرم صفقة الخلد مع ذاتي، وأعقد عهد الوفاء مع كل ما يجعلني حرا، وكريما.
وحقا، أحسست برغبة كبيرة في أن أرد الجميل لكل صديق رفيق، وأعود بنسبة الخير إلى أهله، وذويه، إذ ذلك طبع لا يستقيم وضع الإنسان إلا بوجوده الفعلي، ولا يستكين حاله إلا بالإخلاص له، والتفاني من أجله، لأنه يؤكد لنا أننا لن نكون أسوياء، ما لم نحس بأن الذين أحسنوا إلينا بشيء يدبر مصيرنا المجهول، ويهبه العنفوان في طي المسافات الطوال، ويخلصه من رجات الكمد، وهزات البدد، لا يستحقون أن يكرموا بالوصال فقط، بل يصير واجبا علينا، ولازما لحقيقتنا البشرية، أن نقدس ما منحونا إياه من جمال، وكمال، لأنه لن يصير ما تعلمناه من معارف قمينا بالجدارة، ما لم يحرص على أخلاق المصاحبة، وقيم المرافقة، إذ ما عشته بين أحضان لطيفة، كانت أجل لحظات في حياتي، لن تقوم لها حقيقة في المعنى المدبر للصلات، والمدير للعلاقات، ما لم نحرص على المصافاة أولا، وثانيا، ما لم نكن أهلا لأن نستمر على الشعور نفسه في كل ما يفاجئنا به الدهر من خطوب، وكروب، إذ هو الذي يعلمنا كيف نتحقق بالمثل العليا، وكيف نؤسس بها فضيلة أخلاقنا، وسلوكنا.
ربما، سأغادر المكان، وأودعه بأنين الثكالى، وهو غاص بذكريات جميلة، انطلقت بطريقة مضحكة، وامتدت مع نقاشات عميقة، وحكايات عريقة، ووصلت إلى نتائج جميلة، وغايات نبيلة، لم أكن أتصورها فيما تركب بين أحشاء دماغي من صور عن الإنسان، لاسيما، وأنني كنت محاطا بقيود وظيفتي، ومجللا بما رسخته في غوري من رواسب، ومخلفات عقيمة. فماذا يمكن لي أن أقول، وقد وهبتم لي صورة فقدتها عن هذا الكائن البشري، ومنحتم إياي حقيقة لم أتعرف عليها في دير الرهبان، وتجار الدين، ومزوري التاريخ، وملفقي الأكاذيب.؟! إنها صورة رائعة، وراقية، تبشر بوجود أمل في الكون، والحياة، والإنسان، إذ كانت ظاهرة على طبيعتها، وسجيتها، وصريحة في قولها، وفعلها، لأنها لو اتصلت بما خبَّرته من كائنات غريبة، لاستوحشت المقام، ولعز علي أن أصل إلى أي مرام. لكن تأكد لي أن في الدنيا سعادة، ولا ينالها إلا من عاش بشريته، وانسلخ عن متاهات طهارته، ونظافته.
في مقهى المنار، تعرفت على سريرتي، وتعرفت على تفكيري، وتعرفت على حقيقتي البشرية، لأني وإن غاليت، أو أسرفت، وحاولت أن أرسم في لوحة عقول الآخرين ذلك الشخص الذي كنته، فإني لن أفلح، ولن أنجح، ما دام من عاشرتهم بلا ودائع نستردها، أو وقائع نسترها، لا ينحازون إلى تلك الكآبة الطافحة على رجل الدين، ولا ينجرون وراء ذلك السواد الملطخ به وجهه الذي يخفي اهتزاز شخصيته المصطنعة، واختلالها بما يدسه في كهف النسيان من تناقضات، وتجاوزات، إذ تجََاوزَ الناس دغمائية هذه الطابوهات، وعاشوا حياتهم بلا قيود ثابتة، وحدود صارمة، ما داموا لم يعثروا على نبض ذواتهم داخل المعبد، ولم يستكنهوا حقيقة واقعهم فيما يزفر به الهيكل من أصوات صاخبة، لا تلامس أحلام الإنسان، وغايات كبده في الوجود الطافح بالآلام الفاتكة. ولذا، لن أنس أنني مدين لهؤلاء الرفاق بما أسدوه من خدمة إنسانية، وأعظمها، وأجلها، ما أدركته من احتياج إلى إعادة صياغة منطلقات ذاتي، وصناعة غد آخر، لا التفات فيه إلى من كنت، وإلى من سأكون، بل الأهم فيه، هو أن أحيى سعيدا، ولو كان ذلك مجرد انتظار لهلال عليل، يطل علي من وراء هذا الغمام الداكن، فيُحيل الكون مراحا للأماني الممرعة بين الخطرات البليلة.
هنا تعلمت السعادة، وتعلمت الرهافة، وتعلمت الغضارة، إذ ما انغمس أصدقائي في سورته من مرح، وفرح، يطرح علي سؤالا وجيها. لم أنا حزين، ومكتئب.؟ ألست حيا.؟ أليس من حقي أن أعيش بأمل وديع.؟ أجل، لن أغادر ذاتي، وهي راحلتي التي تحمل روحي، ولن ارتحل عن مدارها، ما فتئت أرسم لغدي خطا جديدا، يمكن له أن يوصلني إلى تلك اللحظة التي حلمت بها، وعشت في سبيل كسبها أشرس معاركي، وأتفهها حظا، ونصيبا. لكن، بدا لي أن ما عشته، لم يكن إلا محرقة صهرت في عمقي أفكارا حقيرة، ستغدو مع حومان العقل حول قبة الأمل جميلة، لاسيما، إذا تغير المزاج، وتغيرت طرق التفكير، وتغيرت مناهج الحياة، وأسئلتها، وتطلعات استشرافها للمستقبل الظليل.
سأعود إلى مقهي المنار حتما بجسدي، وسأعود إليها بعقلي، وسأعود إليها بحرفي، لاسيما وأن كثيرا مما كتبته أخيرا، كان من وحي فضائها، وأماسيها اللذيذة. تحيتي لأصدقائي.







اخر الافلام

.. البرلمان السوداني يدرس السماح للبشير بالترشح المفتوح للرئاسة


.. مرآة الصحافة الأولى 12/12/2018


.. شاهد: حفل راقص في قصر الكرملين بمشاركة 1000 من تلامذة المعاه




.. وزير الداخلية: فرنسا ترفع مستوى التهديد الأمني بعد مقتل 3 في


.. الداخلية الفرنسية: منفذ هجوم ستراسبورغ لا يزال طليقا