الحوار المتمدن - موبايل



تغريدات ناجي العلي القاتلة...أخي المواطن من ضربك على خدك الأيسر كسِّر رأسه.

عبدالرزاق دحنون

2018 / 9 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


وصف الاتحاد الدولي لناشري الصحف في باريس ناجي العلي بأنه واحد من أعظم رسامي الكاريكاتير منذ نهاية القرن الثامن عشر. وهي الحالة الأولى في تاريخ هذا الفن التي يتم فيها قتل فنان كاريكاتير رمياً بالرصاص في لندن على قارعة الطريق وضح النهار بسبب رسوماته و تغريداته.
تعوَّدنا أن يتناول رسام الكاريكاتير في تغريداته الشخصيات السياسية العامة بلطف وحرص شديدين, كرئيس الدولة أو أمين عام الحزب أو جلالة الملك أو السلطان المعظَّم أو دولة رئيس الحكومة وحاشيته. يُغرِّد ناجي العلي: "ياسر عرفات قرابتك؟ لا, صاحبك؟ لا, اتعشيت معه؟ لا, اجتمعت فيه؟ لا, طالما أن أبو عمار مش قرابتك, ولا صاحبك, ولا متعشي معه, ولا مجتمع فيه, ليش يا أخو الشليته صار لك ساعتين داعس على رجلي؟"
قَلَبَ ناجي العلي هذه العادة, فشخصياته من الرعاع المهمشين العاديين أبناء المخيمات وبيوت الصفيح الفقراء المساكين زينب ومحمد وفاطمة وعائشة وحنظلة. يقول في تغريدة "تعالي يا فاطمة هذا أبو الزعيم جاي بحاله يقنعك بحسنات القرار اثنين أربعة اثنين. فاطمة: والله لو بيجي مش أبو الزعيم بس, لو بيجي كمان أخو الزعيم, وأم الزعيم, وامرأة الزعيم ...فشروا"
هكذا أصبح القارئ لا يطالع في رسومه المواقف الرسمية من الأحداث والردود عليها وكشفها, بل يطالع ما يقوله رجل الشارع عبر الحياة السياسية اليومية بلسانه الفضّاح الجارح الساخر معلقاً تارة وشاتماً تارة أخرى. تقول فاطمة لجارتها: "جوزي مع أبو عمار, ورافع شعار كُنْ موالي ولا تبالي, وأبني مع أبو صالح, الله يصلحه, ويبعد عنه أولاد الحرام, وأنا بين نارين, بيني وبينك, أنا مع اللي بيطخ على اسرائيل مين ما كان يكون".
ونكاية بالطاغية وحاشيته الفظَّة, غليظة القلب, صنع لها من يوبخاها كل مطلع صباح, إنه "حنظلة" ابن المخيم ذي السنوات العشر. وهو دائماً "عاطي ظهره" لذلك يستحيل على أجهزة الأمن والمخابرات كشفه. وهو دائماً حاف, مسحوق, مرقوع الثوب, ولكنه في النهاية لا يخسر شيئاً. وضعه ناجي العلي كضمير حي, واع, وعين ترصد كل ما ترتكبه السلطة السياسية من موبقات. يقول فدائي مصاب قبل استشهاده بدقيقة: "بتعرفي يا فاطمة ليش أنا مبسوط مش لأني رايح عالجنة ولا لأني أقابل ربنا أنا مبسوط بس لأني راح أرتاح من شوفة وجوه هالحكام العرب". هنا تكمن خطورة كاريكاتير ناجي العلي الذي أرق مضجع الطاغية وأقلق راحته, فأمر بقتله رمياً بالرصاص. يُغرِّد" مقالك اليوم عن الديمقراطية عجبني كتير. شو عبتكتب لبكره؟ عبكتب وصيَّتي"
ولعل المضمر الأكثر عمقاً وتخفياً وراء هذا الغضب المستعر نحو رسام يتكئ في سلامته الشخصية على تضامن الرعاع من قومه في مخيمات الفقر والفاقة, هو إدراك الطاغية عجزه عن فهم نوازع هؤلاء البسطاء ومبررات هجاءهم السافر. يُغرِّد على لسان الحاكم العربي: "من رأى منكم اعوجاجاً مني بدّي ألعن اللّي خلّفه" يقول ناجي العلي: "يا حنظلة خذ حفنة تراب من أرض البرتقال الحزين للمسطولين بحب أمريكا يمكن إذا شمّوا هالتراب يعودوا إلى رشدهم".
قيل أن ناجي العلي تلقى تهديداً من ياسر عرفات بقطع أصابع يديه إذا استمر بالسخرية في رسوماته اليومية من القيادة الفلسطينية وزعيمها. فكان رد ناجي العلي مزيداً من الرسومات التي تطال هيبة الطاغية وبطانته. وقال متحدياً ساخراً في آن معناً: إذا قطعتم أصابع كفي سأرسم بأصابع قدمي.
في السجن: "الأخ بطرس مسيحي قبطي اعتقلوه بتهمة الانتماء لتنظيم سري ومن التعذيب اعترف أنو من الإخوان المسلمين". مواطن من طاقة السجن: "الحرية للمعتقلين السياسيين في سجون اسرائيل كما أهدي سلامي إلى جميع المعتقلين في السجون العربية, أنا بخير, طمنوني عنكم". في عيد العمال: "الليلة عيد يا فاطمة غازليني بكلمة حلوة. شايفتك مبسوط يا زلمي بالأول من أيار إن شاء الله بتظل مبسوط لآخر الشهر". يقنع زوجته: "اسمعيني بس يا فاطمة: لازم تنسي شي اسمه فلسطين وأنا أوعدك بمستوطنة نعيش فيها بثبات ونبات ونخلف صبيان وبنات. ترد بسخرية: ما هذا الحكي الفاضي اللي ما بحبِّل؟. بدي بيع حالي لأي نظام عربي عشان أطعم أولادي سامحني يا رب. فاطمة: الله لا يسامحك على هالشغلة".
ومن المثير للانتباه حقاً أنه كلما زاد القمع وتعددت ضروب المذلة والإهانة والإحباط اليومي كان هذا دافعاً نحو المواجهة العلنية السافرة. أي أن الطاغية الأشد قمعية هو الأكثر تعرضاً لأعنف تعبير عن الغضب. تقول فاطمة تعبيراً عن غضبها من الحُكَّام العرب: "مش ناوين تحاربوا وترجّعوا فلسطين, كفّوا شرَّكم عنَّا, العمى احسبونا يهود".
يفسر لنا جيمس سكوت هذه المسألة تفسيراً مهماً لافتاً حيث يرى أن الخضوع والإذعان الإكراهي لا ينبئ عن استسلام حقيقي أو اقتناع فعلي بل إنه نتاج الخوف من العقاب والبطش. وكأن الإكراه والعسف يحصن المقموع ضد الإذعان ويولد لديه الرغبة العارمة في التمرد. يًغرِّد ناجي العلي بعد أن طفح الكيل:" أخي المواطن من ضربك على خدك الأيسر كسَّر رأسه" ميدان تفجر التحدي العلني يغدو دوماً الميدان الأكثر براحاً وحرية. بل إن هذا الميدان سيغدو مساحة يكتشف عبرها كل من القامع والمقموع طاقاته الحقة وإمكاناته المضمرة عبر بلوغ الصراع بينهما ذروته وتوتره, ما بين تجاوز المقموع لكل الحدود وانتهاكه لكل المعايير والقيم من ناحية, وعنف الرد و دمويته من قبل الطاغية من ناحية أخرى.
فارق ناجي العلي الحياة في 29/8/ 1987 وكان قد رسم قبل أسابيع لوحة رشيدة مهران سكرتيرة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في تونس ونُشرتْ في جريدة القبس يوم 24/6/1987 سخر فيها و بجرأة قاتلة من هيبة السلطة الفلسطينية وقدسيتها. يُغرد فيها قائلاً أو قاتلاً: " بتعرف رشيدة مهران؟ لأ . سامع فيها؟ لأ. ما بتعرف رشيدة مهران, ولا سامع فيها, وكيف صرت عضو في الأمانة العامة للكتاب والصحفيين الفلسطينيين. لكن مين داعمك بالمنظمة يا أخو الشليته؟"







اخر الافلام

.. بوتين: سنتخذ إجراءات لتعزيز أمن جنودنا في سوريا


.. حرب رسوم جمركية جديدة بين أميركا والصين


.. تعرف على منظومة أس 200 وطائرة إليوشن20 الروسيتين




.. الحصاد- مصر في تقرير أممي.. إخفاء قسري ممنهج


.. الحصاد- أجندة التحالف باليمن.. الحديدة بأي ثمن